عام

عن الحسد

  • أحمد التويجري

مدخل

ومامن إنسانٍ إلا وهو يرىٰ فوقَ نفسه من معارفه وأقرانه من يحبُّ أن يساويه، ويكاد يجرّه ذلكَ إلى الحسد” (الإمام أبوحامد الغزالي – الإحياء)

 

الكثير من الممتلكات – الكثير من القلق

في عام 1831م كان القانوني والسياسي الفرنسي أليكسيس دي توكفيل يجوب الولايات المتحدة الأمريكية، يقلّب بصره ويدوّن ملاحظاته البصيرة حول تلك الأمة، وقد كتب فيما بعد أحد أهم الكتب في هذا المجال بعنوان (الديموقراطية في أمريكا). في فصل من الكتاب عنوَنه بـ (الأمريكيون قلقون على الرغم مما هم فيه من ازدهار)، أشار إلى أنه ثمة أقاليم منسية وفقيرة يعيش أهلها في ظلام وجهل، “ومع ذلك كله، نرى على وجوههم سمة الهدوء، ونلمس فيهم خفّة الروح”. أما عن أمريكا المزدهرة والمتقدمة فيقول:

“لقد شاهدت في أمريكا أعظم الناس حرية، وأكثرهم استنارة، يعيشون في أسعد حال يمكن أن تتيحها هذه الدنيا لأمة ما. ومع ذلك، كان يبدون -في نظري- وكأن سحابة تغشى وجوههم باستمرار، وكنت أراهم متزمتين كل التزمّت، حتى ليغلب عليهم الحزن وهم وسط ملذاتهم…. إن المرء ليدهش -لأول وهلة- عندما يفكر في هذا القلق العجيب الذي يساور عددًا كبيرًا ممن أنعم الله عليهم بالسعادة، فيكونون قلقين مضطربين على الرغم مما هم فيه من رخاء”.

يعلل توكفيل هذا بما أسماه “الميل للمتع الحسية”، والذي هو “المصدر الأصلي” لهذا القلق، بحسب تعبيره. فهم -الأمريكيون- دائما في عجلةٍ من أمرهم لتحصيل المزيد، وهناك دائما “الخوف الذي يقض مضاجعهم” من أن يكونوا قد فوّتوا طريقًا مختصرًا نحو السعادة.

وعن الفرق بين الأقاليم المظلمة وبين الحياة المزدهرة، بين أولئك الممتازون بالهدوء وخفّة الروح، وهؤلاء الذين يغشاهم “فزعٌ غامض”، يرى توكفيل أن الأولين لا يفكرون كثيرًا فيما هم فيه، مما يجعلهم أكثر خفةّ وهدوءا، “على حين يفكّر الآخرون في الحصول على مزايا ليست في متناولهم”.

فيما بعد، جاء الفيلسوف الانجليزي برتراند راسل ليقول لنا “الحسد أساس الديموقراطية” (راسل – انتصار السعادة).

 

نحن والنّاس

المقارنة هي أسهل الوسائل للفهم، لو سألت إنسانًا “مالذي تعتقد أنه يرضيك؟” فإنه على الأرجح سيبدأ بالمقارنة ثم ستغلبه الأهواء والعواطف لتحديد إجابته. إذًا، كان جون رولز واعيًا بهذا المأزق عندما صاغ نظريته في العدالة، لقد تغلّب على هوى الإنسان بأن جرّده من ذاته،  فيكون السؤال حسب تقييد رولز: “غدًا ستكون شخصًا جديدا، ربما ستكون ذكرًا أو أنثى، أبيضَ أو أسودَ؛ والآن، مالذي تعتقد أنه سيرضيك؟”، سيضطر المرء هنا لأن يفكّر بمسألة “الرضا” بشكل مجرّد. “يحكم المرء دائمًا على أغلب المواضيع بواسطة المقارنة أكثر منه بواسطة قيمتها وثمنها الذاتي” (ديفيد هيوم – رسالة في الطبيعة البشرية).

إذن، وبصرف النظر عن كمّ النعمة ونوعها، فإن المقارنة ستبقى دائمًا أداتنا للفهم والتقييم، ومنها سنقرر ما إذا كنا سنشعر بالرضا أو بالغلّ. لن تكون الجنّة -بكل مافيها من مغريات- مكانًا سعيدًا لولا أن أخبرنا الباري سبحانه أنها تخلو من دواخل النفوس (ونزعنا مافي صدورهم من غلٍ إخوانًا على سرر متقابلين) (سورة الحجر).

بأسلوبه الظريف يخبرنا آلان دو بوتون أننا “إذا كنّا مضطرين للعيش في كوخٍ غير صحيٍّ تتلاعب فيه الرياح الباردة، راكعين أمام الحُكم الغاشم لأرستراقطي يسكن قلعةً كبيرة ودافئة، ولكننا -رغم ذلك- نرى من يشبهوننا يعيشون جميعًا كما نعيش، فإن حالنا عندئذ سيبدو عاديًا.. بالطبع سيكون مؤسفًا، ولكنه ليس تربةً خصبةً لنموّ الحسد” (بوتون – قلق السعي إلى المكانة). يتطابق هذا مع مقولة العوام عندنا “الموت مع الجماعة رحمة”، فحتى أقسى الأمور، وهو الموت، يُعتبر مقبولاً إن أصابنا مع نظرائنا في آنٍ واحد.

إذن، نحن في أغلب الأحوال لا يمكننا تقدير حقيقة ما نحن عليه سوى بالمقارنة مع وسطٍ يشبهنا، ومن ثَمّ فإن أسوأ مايمكن أن يحصل لنا، هوأن تهبّ رياح التغيير على من يشبهوننا فنضطر في كل يوم لإعادة تقييم ذواتنا وفق المتغيرات. يستنتج ديفيد هيوم في رسالته عن طبيعة النفس البشرية “…فبؤس الآخر، يزودنا بفكرة حيوية عن سعادتنا. مثلما تزودنا سعادته فكرة حيوية عن بؤسنا. لذا يولّد الأول بهجةً والثاني كدرا”.

At the heart of envy is social comparison (Parrot – 1997)

 

الحسد الكامن في النفس

لا نكاد نستنكر شيء كاستنكارنا الحسد، هو المذموم في كل الأعراف والديانات والأزمان. ولا يأتي ذكر الحسد إلا على سبيل الشكوى منه. تلك الخصلة البشعة ترتبطُ دائما بآخَرَ شريرٍ، آخرَ لانعرفه باسمه ولكنه -من دون شك- موجود هنا، ويعيشُ بيننا. إننا في تصوراتنا أنبلُ وأعزّ من نتّصف بالحسد، كيف لا وكل تلك المواعظ والتحذيرات والأمثال والقصائد تحذّرنا منه وتقبّحه في عيوننا. يقول علي الوردي “مشكلة البالغين أنهم حين يندفعون مع حسدهم ينكرون ذلك في أنفسهم ويبررون فعلهم بمختلف الأعذار والحجج، فالحسود حين يؤذيك أو يشوه سمعتك يدّعي أنه إنما فعل ذلك سعيًا وراء الحق والحقيقة، أو من أجل المصلحة العامة، أو تقربًا إلى الله، باعتبارك شخصًا طالحًا تجب محاربته”. (د.علي الوردي – في الطبيعة البشرية)

وبعيدًا عن وعظ الوعاظ ومدّعي الفضيلة، فإن الفقهاء المتبصرين عرفوا حقيقة الأمر في نفوسهم وأدركوا جبلّة الإنسان التي ركّبها الخالق فيه؛ في خاطرة بعنوان (الحسد طبيعة في الإنسان فقوّمها) يقول ابن الجوزي: “رأيت الناس يذمّون الحاسد ويبالغون ويقولون: لا يحسد إلا شرير يعادي نعمة الله، ولا يرضى بقضائه… فنظرتُ في هذا، فما رأيته كما يقولون؛ وذاك أن الإنسان لا يحب أن يرتفع عليه أحد، فإذا رأى صديقه قد علا عليه تأثر هو ولم يحب أن يرتفع عليه، وودّ لو لم ينل صديقه ما نال، أو أن ينال هو ما نال ذاك لئلا يرتفع عليه، وهذا معجونٌ في الطين، ولا لوم عليه” (ابن الجوزي – صيد الخاطر).

ولم يتردد الحسن البصري في الإجابة على سائلٍ سأله (هل يحسد المؤمن؟)، قال:

“ما أنساك بني يعقوب!.. نعم، ولكنها غُمّة في صدرك، وإنها لا تضرك مالم تعدّ بها يدًا ولا لسانا”.

ومن وجهة نظرٍ داروينية، يعتقد رولف دوبلي -بأسلوبٍ لايخلو من تهكّم- أننا “سلالة الحاسدين”؛ ففي حياة الإنسان القديم، تعتبر غنائم جارك من الغذاء هي خسائر لك، ذلك التنافس كان دافعه الحسد، أولئك المتسامحون البدائيون انقرضوا بعد أن أهلكهم ضعفهم. الذي حدث لأولئك البشر، بحسب تعبير رولف دوبلي، أنهم “في الحالات القصوى، ماتوا بسبب المجاعة، فيما أكل الآخرون كل ما لذّ وطاب، ونحن سلالة هؤلاء الذين بقوا” (رولف دوبلي – فن التصرف بوضوح).

من المهم أن نلاحظ هنا، أنّهم في الأدبيات الغربية يفرقون بين أصناف الحسد، فالحسد الشرير (Envy Proper)، والحسد غير الشرير (Benign Envy)، وعند أبي حامد الغزالي ينقسم الحسد إلى أربع مراتب، ثلاثٌ منها مذمومة، والرابعة معفوٌ عنها، وهي “أن يشتهي لنفسه مثلها [النعمة]، فإن لم يحصل؛ فلا يحب زوالها عنه”، وهو ما يسمى بالأدبيات الإسلامية بـ”الغبطة”.

 

عصور الحسد

تحت عنوان (دراسة تأثير الفيسبوك على جودة الحياة) يرى البروفيسور ايثان كروس أن “الحسد وصل لمراحل قصوى، نحن نتعرّض لقصفٍ يوميٍّ من مباهاة الآخرين… وهذا يقرّعنا بطريقة لم تحدث من قبل لجنسنا البشري”، جاء هذا في مقال منشور في صحيفة الغارديان بعنوان (عصر الحسد: كيف تسعد وأنت ترى كل من حولك يعيشون حياة مثالية؟) وفي ذات المقال، عبّرت المختصة النفسية راتشيل اندرو عن ازدياد حالات الحسد ضمن عملها في الاستشارات النفسية “الناس الذين يشتكون من عدم قدرتهم على تحقيق نمط الحياة الذي يريدون، مع أن الآخرين استطاعوا تحقيقه”. قبل هذا ب23 قرنًا من الزمان، عرّف أرسطو من نحسدهم بقوله “أولئك الذين يملكون ما نعتقد أننا جديرون بامتلاكه”.

ليس هذا العصر إذن عصر المزايا المشتهاة فحسب، ولا عصر الانفتاح على الكماليات، بل هو عصر الاتصال التي يمكّننا من أن نعرف كل ما دقّ وجلّ لدى غيرنا، في بيوتهم وسياراتهم وغرف نومهم واحتفالاتهم وأسفارهم ودروسهم وشهاداتهم وتجارتهم. قبل هذا الزمن بعقود كان برتراند راسل يقول “عصرنا إذن هو العصر الذي يلعب فيه الحسد دورًا عظيمًا بوجه خاص… ففي الأيام الخوالي، كان الناس يحسدون جيرانهم فقط لأن معرفتهم بالناس قليلة، والآن من خلال التعليم والصحافة أصبحوا يعرفون عن قطاعات عريضة من البشر الذين ليس من بينهم واحد من جيرانهم أو أقربائهم” (برتراند راسل – انتصار السعادة). من الواضح أن برتراند راسل لم يتصور حالة أسوأ من حالة انتشار التلفاز والصحف، لم يكن سوداويًا بشكل كافٍ ليتخيل حالة تكون أسوأ مما كان فيه عصره، حالة الاتصال الهائل الذي نعايشه الآن.

هو إذن

عصر الحسد بأعتى صوره وأوسعها؛ الحسد الكامن، الحسد المخفي، الحسد المقنن.. الحسد الذي يأتي على هيئة ابتسامة زائفة، ولايك وريتويت، وتهنئات ساخطة.

 

جناية الحسد

من الواضح أن الإنسان العادي لا يدرك أبعاد مأزق العصر الذي هو فيه، فإذا هو يشتكي من الضيق أحيانًا، ومن الضغوط والإحباط، وربما دفعه ذلك إلى سبّ الزمان وأهله، وهو في كل حالٍ ينزّه نفسه عن الوقوع في دنس الحسد، ويستبعد أن يكون شريكًا في تراجيديا التنافس والتحاسد تلك، إنه متبرّمٌ مما تنهشه الأيام من جسده، وما يدري أنه ناهشٌ ومنهوش. ومن الظريف في هذا الصدد، أنه بقدر ما تزداد نبرة الشكوى من “غلو الناس” و”مباهاتهم” و”هياطهم”، فإنه بالمقابل تزداد مظاهر الغلو والمباهاة والهياط، وليس هذا إلا دليلًا على أن المرء هو نفسه الشاكي والمشكوّ، هو الحاسد والمحسود، وهو عالقٌ في هذا من حيث لا يعلم.

“إن كل ما يضاف إلى الذات، هو عبء مثلما هو مفخرة” (ويليم جيمس)

من الواضح أن الإدراك -وحده- بالمعضلة لا يكفي لتجاوزها، ولربما كان أكثرنا ترديدًا لعبارات نبذ التباهي وكشف زيف سلوك الناس في وسائل التواصل، ربما كان هذا هو أيضًا أحد اللاعبين في المسرحية التراجيدية بطريقة ما. في مقالة الغارديان، تقول رايتشل اندرو “لايخفى علينا أن الصور في التطبيقات تأتي مفلترة، وأن الناس يأخذون أفضل الصور في اللحظات المثالية فقط”، إلا أن هذا الإدراك لا يحمينا من الوقوع في براثن الحسد. لاحظَتْ راتشيل “أن معظمنا يمكنه التعامل بعقلانية مع محتوى وسائل التواصل الاجتماعي، نحن نعرف أن تلك الصور والأخبار لا تعكس الحقيقة، نستطيع أن نتحدث عن ذلك بطريقتنا العقلانية، ولكن.. على مستوى المشاعر، تلك الصور تفعل الأفاعيل. إذا كان ذلك المحتوى يعرض شيئًا مما نصبو إليه، فإن له تأثيرًا كبيرًا على المشاعر”.  (صحيفة الغارديان – عصر الحسد).

جاءت القرون الحديثة بفتوحاتها الفكرية والصناعية لترفع القيود عن الإنسان، وتوسّع أمامه سبُل تحقيق الرفاه، بشعار المساواة والتقدم والحرية والانفتاح، ثم جاءت وسائل الإعلام من صحف وسينما وتلفاز فقرّبت البعيد، وبيّنت الخافي، وأخفت البيّن، ورسمت صورًا لا تمحى في أذهان الناس. ثم جاء الفضاء الانترنتي وأجهزة الاتصال التي نحملها في جيوبنا طوال اليوم لتخبرنا في كل ساعة عن: قصة نجاح، وحفلة سعيدة، وسلعة جذابة لا تليق إلا بأمثالنا.. عن سطح منزلٍ ينبغي تحويله لحديقة، ومشاريع واعدة وتطبيقات تجعلك تتقن لغة جديدة في أسبوع. هذا كله كثيرٌ على إنسان هذا العصر، ولعله لا يلام إن هو استجاب للمثل العامي الذي يقول “إذا واجهك واحد، فـ انطح. وإذا واجهك اثنين، فـ هوّش بيديك. وإذا واجهك ثلاثة، فـ حك راسك. وإذا واجهك أربعة فانبطح”.

 

مواضع الجرح

يطمئننا ديفيد هيوم بأن الحسدَ ليس انفعالٌ لازم، فلربما وجدنا السعادة في مشاركة السعيد، والحزن في مصاب المحزون، بل هذا هو الأصل التلقائي. ومناط ذلك كلّه في أسلوبنا في التفكير، يقول “فالمعاينة المباشرة لسعادة الآخر تعطينا لذة بصورة تلقائية، ولذلك تولّد ألمًا عندما نقارنها بسعادتنا الخاصة. وألم الآخر نراه في ذاته مؤلمًا لنا، لكن يعطينا لذة عندما نفكر بسعادتنا”. وغنيّ عن الذكر قولنا أن النزعة الفردانية التي يتصف بها عصرنا من شأنها أن تغلب جانب التفكير بالمقارنة، فكل شيء يتمحور حولنا وعنّا ومنّا.

وإن كان في ذلك عزاء، فإن برتراند راسل يخبرنا أن العلماء معرّضون للتحاسد كغيرهم. في رسالةٍ كتبها ليبينتز الفيلسوف إلى العالِم هيوجين يقول “أليس محزنًا أن تصبح عبقرية السيد نيوتن -والتي لا مثيل لها- مشوشّة بفقدان العقل؟” يعلق برتراند راسل على هذا ساخرًا: “ذرف هذان العالمان البارزان دموع التماسيح بلذة واضحة في رسالة تلو الأخرى، متحسرين على نيوتن بنفاقٍ واضح، علمًا بأن ما قالوه لم يقع”. يذهب الجاحظ إلى أبعد من ذلك عندما يقرر في رسالته عن الحسد: أن الحسد “هو في أهل العلم أكثر، وعليهم أغلب، وبهم أشدّ لصوقًا منه بغيرهم من الملوك والسوقة”.

في دراسة أجراها الدكتور عبدالله الرويتع، أستاذ علم النفس بجامعة الملك سعود، جاءت بعنوان (مقياس الحسد وعلاقته بالعوامل الخمسة) وكانت على عيّنة 1035 طالب وطالبة، تمدّنا هذه الدراسة الأوليّة ببعض النتائج التي تسترعي الانتباه:

  • نسبة الحسد أعلى لدى الذكور ذوي الدخل المرتفع (يعني أن الذكور من ذوي الدخل الأقل حققوا قيمة أقل في معيار الحسد).
  • نسبة الحسد أقل لدى الإناث ذوات الدخل المرتفع (يعني أن الإناث ذوات الدخل الأقل حققن قيمة أعلى في معيار الحسد).
  • الحسد لدى الذكور أعلى بالمجمل من الإناث. (يرى الباحث أن هذه النتيجة قد تشير إلى أن الضغوط في المجتمع السعودي على الذكور -فيما يخصّ الإنجاز- أكبر من الإناث)
  • ارتباط قوي بين الشخصية العصابية والحسد (العصابي كما يصفه د.الرويتع هو من يقال عنه دائمًا بأنه عصبي وحساس وقلق وصعب التعامل معه، وهو دائمًا يتخيّل الأسوأ ويجعل من الحبة قبة- انظر <علم النفس في حياتنا اليومية – الرويتع>)
  • يظهر الحسد -بشكل لافت- عند من يوصفون بالوداعة لدى الذكور، بينما الوداعة عند الإناث لا يظهر فيها حسد. (يفسّر الباحث ذلك بأن الحسد في هذه الحالة يأخذ مشاعر سلبية تجاه النفس عند الذكر صاحب الشخصية الوادعة المتسامحة، فهو ليس حسد موجّه للغير وإنما مشاعر سلبية نحو الذات بسبب من رقّته وتسامحه واستنقاص الآخرين له).

 

السبيل

بنبرة أبويّة هادئة يوصينا ابن المقفع: “ليكن مما تصرف به الأذى والعذاب عن نفسك، ألا تكون حسودًا”. غير أن حكماء البشر اجتهدوا كثيرًا في تبيان سبيل الخلاص من مأزقنا الإنساني هذا، وتدور تلك المقترحات حول سُبُلٍ ثلاث: (1) التخفف من الطموحات الكبيرة، (2) الانشغال بما يهمك وينفعك، (3) استيعاب محدودية الحياة، أو.. تذكّر الموت.

يتحدث وليم جيمس عن فضيلة التخفف قائلاً “إن التخلي عن الطموحات الكبيرة لهو نعمةٌ جالبةٌ للارتياح، تشبه نعمة تحقيق تلك الطموحات. تبزغ خفة غريبة في قلب المرء إذا ما تقبّل بإيمانٍ طيب ألا يكون شيئًا مذكورًا في مجال محدد”. ومنه يحذرنا برتراند راسل من الاعتقاد بأن المزيد من النجاح سيخلصنا من الحسد، إذ فوق كل ذي علمٍ عليم، وفوق كل ذي سلطان سلطان، “ولكن يمكنك أن تتخلص من الحسد بأن تستمتع بالمسرات التي في طريقك، وأن تقوم بالعمل الذي عليك القيام به، وبأن تتجنب المقارنات الموهمة” (راسل – انتصار السعادة)

وكما أوضحت راتشيل من أن مجرد الوعي لا يفيد ما دمنا نتابع ونستقبل كل تلك الصور والمقاطع والمنشورات ممن حولنا، فإن التصرف الأكثر حزمًا هو النأي والانقطاع عن كل هذا؛ “ربما يكون من الأفضل لنا أن ننأى بأنفسنا عمليا وعاطفيًا عن هؤلاء الذين نعتبرهم أندادًا لنا ومع ذلك صاروا أكثر ثراءً منا” (دو بوتون – قلق السعي إلى المكانة).

يضيف ابن الجوزي خاطرة في هذا فيقول: “فإياك أن تنظر إلى صورة نعيمهم فإنك تستطيبه لبعده عنك، ولو بلغته لكرهته، ثم إن فيه من محن الدنيا والآخرة مالا يوصف. فعليك بالقناعة مهما أمكن” (ابن الجوزي – صيد الخاطر).

وإن من خير ما يتّقى به شر الحسد، هو معرفتنا بحدود هذه الحياة. تبدو هذه الحقيقة مما نكتشفه متأخرين في حياتنا، يردد الكبار في مذكراتهم وأشعارهم عبارات لاهثة تحمل لنا معانٍ من هذا النوع، حين ينقشع الضباب عن حقائق الأشياء؛ يقولون: الحياة قصيرةٌ جدًا، والجوائز فيها لا تستحق كل ذاك العناء.

وعُدت من المعارك لست أدري
علام أضعت عمري في النزالِ

(غازي القصيبي)

 

لقد سأل تولستوي نفسه: ما نفع كل هذا؟ الطموح وحب السلطة والتفاخر والشراهة والغضب والانتقام، كلها أشياء يفعلها الناس ويحترمونها، ولكن ما جدوى كل هذا؟. كان يمنّي النفس بأن يكون كاتبًا شهيرًا، ثم اقترح على نفسه أن يتخيل أنه الآن أشهر من شكسبير وجوجول وبوشكين، والآن ماذا؟ سأموت وسنموت جميعا. علِقَ تولستوي في هذا فترةً عصيبةً من عمره دوّن حيثياتها في اعترافاته المنشورة، ثم إنه حينما وصل إلى الجواب الشافي اشتغل بالتبشير به، كان جوابه في “معرفة الله”.

إذن، إن نحن نسينا أو تجاهلنا تلك الحقيقة، حقيقة الدنيا المحكومة بالموت، فإننا معرّضون بشكل كبير للانغماس في بِركةٍ لزجةٍ وملوثة من الملذات والاحباطات والتنافس. يعبّر عن هذا دو بوتون فيقول: “إذا آمنّا بأن ما يحدث على الأرض ليس إلا مقدمة وجيزة للوجود، سوف نعادل أي ميل لحسد الآخرين بفكرة أن نجاح الآخرين سحابة صيف سريعة الزوال مقارنةً بالحياة الخالدة… قد يمنحنا تأمل الموت شجاعة انتزاع حياتنا من فخ توقعات المجتمع التي لا مسوغ لها “

 

خاتمة

“فإذا تأملت هذا، عرفتَ أنك عدوّ نفسك، وصديق عدوك، إذ تعاطيت ما تضررت به في الدنيا والآخرة، وانتفعَ به عدوّك في الدنيا والآخرة، وصرتَ مذمومًا عند الخلق والخالق، شقيًّا في الحال والمآل، ونعمة المحسود باقيةٌ شئت أم أبيت… ولو لم تكن مؤمنًا بالبعث والحساب، لكان مقتضى الفطنة -إن كنت عاقلا- أن تحذر من الحسد” (أبوحامد الغزالي – الإحياء – بتصرف)

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى