فكر وثقافة

جَولة في المعتقدِ الديني لحضرموت

  • ليلى بنت محمد العمودي

على امتدادِ الأزمنة وتعاقبها جالت ديانات ومذاهب مختلفة أرض حضرموت (الأحقاف)، وربما لحساسيّة الموضوع لا تسعفنا المراجع في أجوبة كل تساؤلاتنا، لكنها حتى حين تجيب على البعض تفعل ذلك دون قصد، فمرّة تعمد للنفي الطفوليّ، ومرة للتزوير الصارخ، بل والمضحك. من حسنِ الحظ أنّ التاريخ لا يكتبه على طولِ الطريق المنتصر وحده، بين فينة وأخرى، تنبثق أصوات، جمعت كمًّا هائلًا من التناقضات المكتوبة في التاريخ، وعايشت أصواتًا بشريّة كثيرة، تبلغ أهميتها ما يتجاوز أهمية مدّعي التأريخ، هذه الأصوات، ربطت كل ذلك بالأرض وخرجت بتاريخٍ جديد، نعم تاريخ جديد، ففي الحالة الحضرميّة نحنُ نخرج بتاريخٍ جديد في بعض الحوادث والجوانب، فمحتلّوا العِلم تمكنوا من إحكام سيطرتهم على كلّ التاريخ، ففعلوا كل ما يريدون، حذفوا، وكذّبوا، وتجاوزوا عن فتراتٍ تاريخيّة مهمة، وأحيانًا سكتوا –وكان السكوت هنا جريمة– عن أزمنة قديمة ليُمعنوا في إهمالها؛ حتّى إذا جاء باحث ولم يجد شيئًا يعينه على التوثيق، صار يشكك في قواه العقلية، وبمدى صدقيّة القضية التي يبحث عنها.

قبلَ البداية

لم يعبد الحضارمة الأصنام، في العصور القديمة كان يتشوّق الإنسان الحضرمي للخضوع والتسليم لشيءٍ يفوقه في الحجم والشكل والهالة، كان حنينًا للعبودية سيؤول فيما بعد لاعتناق دياناتٍ سماوية انتهت أخيرًا بالإسلام، فقد وفدت الوفود الحضرمية من نفسها إلى سيدنا الرسول عليه الصلاة والسلام، قبلَ ذلك، في الماضي، وبالرجوع إلى طبيعة المجتمع والأرض الزراعية تأثر القدماء بالفلك، وبالتوازي مع ذلك كان حيوان الوعل بقرنيهِ الشبيهين بالهلال يحظى باحترامٍ هائل في حضرموت، حتى الآن بعد كل تلك القرون، لا زال الوعل يحملُ مكانته القديمة، مع إلغاء الطابع الديني منها،  وتجريدها من كلّ معتقد ديني. بقيَ الوعل حاضرًا في مساحة خاصة من حياة الحضارمة الآن، في طقوس قنصهِ، في اختيار من يقوم بهذه الرحلة، والمرور بمقادِمة المدينة، وأيام القنص الطويلة، وبذل الجهد لعدم العودة للديار دون الفوز بقنيص، وفي حال لم يحالفهم الحظ يعودون في ظلام الليل حتى لا يراهم أحد، أما حين ينجح القنص، تكون الاحتفالات متواصلة ومنوعة، آخرها وأكثرها رمزيّة حين تُغرس قرون الوعل على دار صاحب القنص.

للعلّامة باحنّان ردهُ الكامل على من زعم أنّ حضرموت عبدت الأصنام، أذكرُ منه: “وأما ما ادعاه واستحله وتجرأ به بعضهم من أن كِندة لها أصنام كانت تعبدها في الجاهلية.. فهذا قول أوهى من بيت العنكبوت، قال في “بلوغ الأدب”: (وتجرأ بعضهم فأسند هذا القول لامرئِ القيس بن حجر الكندي، وهو:

لو كنت يا ذا الْخُلص الموتورا

مثلي وكان شيخكَ المقبورا

  لم تنهَ عن قتلِ العداة زورا

وكان هذا لبعض العرب وكان أبوه قد قتل، فأراد الطلب بثأره، فأتى ذا الخلصة فاستقسم عنده بالأزلام، فخرج السهم بنهيه عن ذلك، فقال هذه الأبيات. قال: ومن الناس من ينحلها امرأ القيس بن حجر الكندي و(ذو الخلصة) صنم من الأصنام، ومعنى (ينحلها): ينسبها إليه”.

في السابق، وقبل الإسلام آمنت حضرموت بعقيدة الثالوث السماوي، وكانت: القمر، والشمس، وعثتر، وقد أطلق الحضارمة على القمر اسم “سين”، (الآلهة سين)، ولا زالت لفظة “سين” حاضرة حتى الآن، فيقولون: “يا سين عليك للذكر، يا سين عليش للأنثى”، وهي تقوم مقام التلطف والتودد للشخص المُخاطَب، وتجيء أيضًا بمعنى الدعاء بالحفظ، ويقولون أحيانا “سون” وقد تكون تبديلًا متعمّدًا للفظ الأصلي، إذ تقوم قائمة البعض حين نذكر أصل لفظة سين. وقد تكون مجرد تصحيف للفظة “سين”. أما عثتر، فقد كان هناك شبه اختصاص للحضارمة في تسمية كوكب الزهرة بـ عثتر، وكان يرمز للوعل، وقد حظي الوعل بقدسية جمّة في حضرموت.

وفي هذا الصدد يقول العلّامة عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف في مؤلفه الشهير (إدام القوت) عن المكانة التاريخية والأثرية لمدينة حريضة في حضرموت – وحريضة من شواهد وحواضر مملكة حضرموت القديمة المهمّة-: “وفي غربيّ حريضة كثيرٌ من الآثار القديمة، وقد أسفرَ الحفرُ في الوقتِ الأخير في آثار حريضة عن بيوتٍ مطمورةٍ تحت الأرض، فيها معابد للقمر، لا تخلو عن آثارٍ قيّمة، ربما كان للحافِرِ عنها غَرَضٌ في الإخفاء”.

يتابع: “وحول معبد إله القمر الذي ظهر هناك كثيرٌ من المباخر، وعلى بعض الحجارة كتاباتٌ قديمة ترجع إلى أكثر من ألفي سنةٍ، وفي بعضها ما ترجمتُهُ: (يا لبان.. يا كوكبان.. بلّغ الإله السلام)، والجزء الأول من هذه الجملة مشهورٌ بكثرةٍ على ألسنة العامة بحضرموت، ورجوعُ عهد الكتابة إلى أكثر من أَلفي سنة يُعرِّفُ أنّ لمثلِهِ اتصالًا بأديان الحضارم القديمة، وكثيرٌ من آل حضرموت كانوا يعبدون الشمس ويسمونها (الإِلاهة)”.

اعتناق اليهوديّة

يتناثر في المراجع –القليلة أصلًا- ذكرٌ للوجود السابق لليهود في حضرموت، ونحنُ هنا نعدّ كل ذكر بمثابة مغارة كنز تستحقّ الاحتفاء الكبير، لا يصعب علينا إدراك سبب الوجود؛ إذ هناك روايات مختلفة تفسر الانتشار الأول لليهودية في تلك النواحي، لكن الحوادث التالية، والتعايش فيما بعد، وإسلام من أسلم منهم، وهجرة من هاجر، كلهُ شبهُ مفقود، إن لم يكن مفقودًا بالكليّة، فما بقيَ لنا الآن مجرد روايات شفهية، وهذا لا يعني استنقاصًا منها، فهي هنا كأهمية الشعر عند العرب (ديوانهم ولغتهم ووثيقتهم) لكنها حتى هنا تجيء بِقلّة عجيبة، تشبه ما يتعلق بالاباضية، فحين نصارح أحدهم بالوجود الاباضي السابق في حضرموت يرد باستنكارٍ واستغرابٍ، بل ونفي أكيد! معَ ذلك أسعفتني المراجع في موضوع الاباضية، هيَ أيضًا قليلة ومتفرقة، لكنها موجودة، صحيح أنّ فترات مهمة لا زالت رهن الغيب، كالانتقال الكلي من الاباضية إلى الشافعية… وغيرها من الأمور، إلا أنّ التوثيق أزال شيئًا لا يُستهان به من ذلك الماضي، الأمر ليس كذلك أبدًا في موضوع يهود حضرموت.

 بشكلٍ مبدئي، وحولَ الوجود القريب لليهود في حضرموت، يقول المبعوث الصهيوني شموئيل يافنيئلي أنه في عام 1911م “لم يكن هناك سوى 60 أسرة يهودية غادرت حبان، وأشار بن إبراهيم الحباني الذي ولد في حَبّان وهاجر إلى إسرائيل أنه في عام 1945 كان هناك 700 يهودي في حضرموت، 450 منهم كانوا في حبان”.

بدورهِ يذكر تيودور بارفيت Tudor Parfitt، المؤرخ البريطاني المتخصص في دراسة المجتمعات اليهودية أنّ حضرموت كانت تضم أوّل وجود يهودي في تلك النواحي. ويقول الصحفي محمود طه أنّ اليهود سكنوا شبوة وحضرموت، تحديدًا وديان حضرموت، ويعود ليؤكد أنهم “اختفوا”.

على كلّ حال.. لا يصعب علينا إثبات الوجود اليهودي السابق في حضرموت، فجولة قصيرة وأمينة في التاريخ، تُقرّ هذا الوجود، لكنّ الوعي الجماعي يتجاوزها ببساطة، لأنهُ يريد التجاوز. هناك أصوات عربية وأجنبية تلمّح لأسبقية الوجود اليهودي في حضرموت، وأحيانًا تؤكد على خصوصية هذه الأرض فيما يتعلق بهذه الديانة، معَ ذلك تبقى هذه الأصوات، والأقلام دون صدى، أي دون جمهور، والأهمّ دون مُصدّق، يُحيلنا هذا الأمر لزاوية مهمة يغفل عنها البعض في كتابة التاريخ، وهي أنّ الفترات التي يسكت عنها كَتَبة التاريخ –عن عمد- أو يذكرونها على الهامش فقط، ويقللون من حضورها، هذه الفترات تكون مُهملة في الوعي الجماعي، ليس ذلك وحسب، بل حين ينهض أحدهم لنبش الحقيقة وإعلانها تحيطه ألسنة الجموع من كل الجهات، وبودها أن تلتهمه لا أنْ تؤذيه فقط.

تقول الباحثة جميلة ناصر علي المطري أن: “الاستيطان اليهودي لجنوب شبه الجزيرة العربية يرجع لأكثر من 2000 عام، أي بعد خراب الهيكل الأول في القدس، لكن بعض الدلائل المادية تشير إلى وجود حياة يهودية في عدن منذ العصور الوسطى كشواهد القبور اليهودية التي يمكن نسبتها للقرن الثاني عشر”.  أيضًا تذكر في بحثها أنهُ كان يوجد حوالي 700 يهودي في حضرموت، وحددت كل من: تريم، وسيئون، والمكلا، هذا عوضًا عن تواجدهم في شبوة، تحديدًا حبان.

في حبان تجلت اليهودية أكثر من غيرها، بل هيَ حازت كلّ التوثيق، وذلك إذا ما قورنت ببقية مناطق حضرموت، وإلا فإنّ الموادّ المنشورة عنها لا زالت تفتقر للكثير، وتحتاج إلى المزيد والأهمّ إلى المتابعة، حيث يغلب عليها الجمود والتكرار، واللهفة الأولى للمعلومة الجديدة (أيًّا كانت)، معَ ذلك، نحنُ ممتنون لهذا التوثيق.

من المهم الإشارة إلى أنّ الحديث عن يهود شبوة (حبان) يشمل يهود حضرموت، وذلك ضمن حدود حضرموت الطبيعية قبل التغييرات السياسية القريبة، شبوة هي عاصمة حضرموت في العصور القديمة، وآثارها التاريخية على ارتباط وثيق وأصيل بما يُعرف بـ (مملكة حضرموت).

تتداول بعض الروايات أسماء الأسر الحضرميّة التي أسلمت، لكنّها تبقى روايات، إذ تصدّ المراجع عنك حين تسألهم عن حقيقة ذلك، ولا أجد سببًا لهذا الصد، إذ أنه لمن الشرف أن تعتنق الإسلام، ومن العزّ أن تمتلك هذه القوة في توجيه اليقين الإيماني للدين الإسلامي. في المجمل.. كانت هذه المجتعات تحترف الأعمال اليدوية، تحديدًا ما يتعلق بالفضة والمعادن والصاغة، وصنع الأدوات المنزلية. من المُثير أنّ أحد الأسر الحضرميّة التي يُشار إلى أنها أسلمت بعد أن كانت تعتنق اليهودية لا زالت حتى الآن تعمل في هذه الصناعة وتحترفها، أي في الفضة وصناعة الخناجر الحضرمية، بل وتشتهر بها!

يقول د. إسرائيل ولفنسون في كتابه (تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام): “وقد أثبت العالِم جلازر (Glaser) وجود اليهود في اليمن وحضرموت منذ عصور كثيرة قبل ظهور الإسلام وإذن فهؤلاء اليهود هم الذين أنبتوا النبات في النفوس وتعهدوه حتى ترعرع ثم تأصلت جذوره وظهر الميل عند قيل أو عدة أقيال لاعتناق اليهودية كما اعتنقت بطون عربية الديانة المسيحية بسبب نفوذ الرهبان وانتشار الدعوة إليها تدريجيًا، وقد كانت هناك جموع من العرب المتهودة، وهي بطون بني الحارث بن كعب وبني كِندة، سكنوا جميعًا بجوار مكة”.

يذكر أيضًا بالاستناد على أحد المراجع المباشرة: “وأخبرني السيد محمد بن عقيل أنه قرأ في تاريخ الجندي من نحو خمسين سنة أنّ اليهود حين غلب الحبشان على اليمن رحلوا إلى حضرموت وكان مقامهم بتلك النواحي إلى خروج الحبشان من اليمن”.

هذه رواية غريبة، إذ هي تربط الوجود اليهودي في حضرموت باليمن فقط، بالتوازي مع أنّ حضرموت حينها كانت كيانًا مستقلًا قائمًا بذاته، وهيَ تُلمّح لغياب اليهودية بمجرد انتهاء مشكلة “الحبشان”، يعني أنهم كانوا لاجئين وحسب، أي لم يكونوا يومًا من سكان الأرض الأصليين، لا أعلم إنْ كانت الرواية تعمّدت إهمال الوجود، أو هيَ جاءت هكذا وحسب، لكنها على أي حال محلّ شك.

يقول العلّامة محمد بن علي بن عوض باحنّان في مؤلفه (جواهر تاريخ الأحقاف) أن تهود الحضارمة جاء تلبية لحاجة الإنسان لعقيدة الإيمان، ورغبته في اتّباع الحقّ، يتابع: “قال في (بلوغ الأدب) بعد أن ذكر ما كان عليه قبائل العرب من الدين: اليهودية كانت في بني كنانة وكِندة وبني الحارث بن كعب، ولعلها سرت إليهم من مجاورة اليهود لهم في يثرب وخيبر” يتابع باحنّان: “وما قاله من السراية إليهم من مجاورة اليهود صحيح؛ لأن كِندة كان لهم ملك بالحجاز، وقد أشار إليه أبو طالب في قصيدته اللاميّة”. وموضع الإشارة التي ذكرها باحنّان هذا البيت:

وكِندة إذ هم بالحصاب عشية

تجيز بهم حجاج بكر بنِ وائلِ

من المثمر الإشارة للقارئ العربي أنّ حديثنا عن (كِندة) يُحيل –بداهةً- لحضرموت.

هذا المحور يمثل دخولًا لهذا الباب لكنه دخول وحسب، فهو محاولة للوصول، محاولة يتيمة، لكنها ليست وصولًا أبدًا، فالطريق صعب وطويل، والمسير تسيره وحدك دون رفقة، والدلائل تحسها ولا تمسكها. معَ ذلك يمثّل دعوة لإقرار هذا الباب، لتطبيعهِ، ولإكثار الدخول إليه، فبهذه الطريقة نحيي التاريخ، وبهكذا نحصل على قراءات متجددة ومتواصلة ومتّصلة.

الوفود الحضرمية.. وما بعد ذلك

حين بُعث الرسول صلى الله عليه وسلم، آمن من آمن، ومن طرق الإيمان كانت الوفود، وفدت حضرموت بنفسها، جاء في كتاب الطبقات الكبرى:”وَقَدِمَ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ الْحَضْرَمِيُّ وَافِدًا عَلَى النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلم، وَقَالَ: جِئْتُ رَاغِبًا فِي الْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ فَدَعَا لَهُ وَمَسَحَ رَأْسَهُ وَنُودِيَ لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ: الصَّلَاةَ جَامِعَةً سُرُورًا بِقُدُومِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ أَنْ يُنْزِلَهُ فَمَشَى مَعَهُ وَوَائِلٌ رَاكِبٌ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: أَلْقِ إِلَيَّ نَعْلَكَ قَالَ: لَا، إِنِّي لَمْ أَكُنْ لِأَلْبَسَهَا وَقَدْ لَبِسْتُهَا، قَالَ: فَأَرْدِفْنِي، قَالَ: لَسْتَ مِنْ أَرْدَافِ الْمُلُوكِ، قَالَ: إِنَّ الرَّمْضَاءَ قَدْ أَحْرَقَتْ قَدَمَيَّ، قَالَ: امْشِ فِي ظِلِّ نَاقَتِي كَفَاكَ بِهِ شَرَفًا، وَلَمَّا أَرَادَ الشُّخُوصَ إِلَى بِلَادِهِ كَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ لِوَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَيْلِ حَضْرَمَوْتَ إِنَّكَ أَسْلَمْتَ، وَجَعَلْتُ لَكَ مَا فِي يَدَيْكَ مِنَ الْأَرَضِينَ وَالْحُصُونِ وَأَنْ يُؤْخَذَ مِنْكَ مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ وَاحِدٌ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ ذُو عَدْلٍ وَجَعَلْتُ لَكَ أَنْ لَا تُظْلَمَ فِيهَا مَا قَامَ الدِّينُ، وَالنَّبِيُّ وَالْمُؤْمِنُونَ عَلَيْهِ أَنْصَارٌ”.

وفدت حضرموت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدة وفود: كِندة، وتُجيب، والصدف… وقد وردت الأخبار في تلك الوفود، تصفُ عددها، وسَنتها، ولبسها، وتفاصيل الاستقبال، والإسلام، وثم العودة… نذكر منها بعض ما أورده العلّامة باحنّان في مؤلفه (جواهر تاريخ الأحقاف): “قال الأشعث بن قيس: يا رسول الله؛ نحن بنو آكل المُرار، وأنت ابن آكل المرار، قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: “ناسبوا بهذا النسب العباس بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث”، وكانا تاجرين، إذا شاعا في العرب فسئِلا: ممن أنتما؟ قالا: نحن بنو آكل المرار؛ يعني ينتسبان إلى كندة ليعزّا في تلك البلاد؛ لأن كندة كانوا ملوكًا، فاعتقدت كندة أن قريشًا منهم، لقول عباس وربيعة: نحن بنو آكل المرار… ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لهم: “لا، نحن بنو النضر بن كنانة، لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا” فقال لهم الأشعث بن قيس: والله  يا معشر كندة؛ لا أسمع رجلًا يقولها إلا ضربته ثمانين”. يُعقّب باحنّان فيقول: “وهذه إحدى المسألتين اللتين أفتى فيهما الأشعث والنبي صلى الله عليه وسلم حاضر ولم ينكر عليه”.

ومن الأمور الحسان التي رافقت هذه الوفود أنها راعت التزيّن والتجمّل، كترجيل الشعر والتكحل، حتى أنّ أحد رجالات قريش قال: “كنا جلوسًا عند باب مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.. إذ أقبل وفد كندة، فاستشرف له الناس، قال: فما رأيتُ أحسن هيئة منهم!” أيضًا فقد وفدت كندة بالحرير، وهو من مبالغتهم في التجمّل لهذا الحدث، أي: مقابلة الرسول عليه الصلاة والسلام، واعتناق الدين الإسلامي، ولكنهم شقوه وأتلفوه بعد أن علّمهم الرسول حكمه.

وأما وفد تُجيب فجاء فيه: “وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ثلاثة عشر رجلًا، وقد ساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرض الله عليهم، فسُرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم وأكرم مثواهم، وقالوا يا رسول الله؛ إنا سقنا إليك حق الله في أموالنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ردوها فاقسموها على فقرائكم”، قالوا: يا رسول الله؛ ما قدمنا عليك إلا بما فضل عن فقرائنا، فقال أبو بكر رضي الله عنه يا رسول الله؛ ما قدم علينا وفد من العرب مثل هذا الوفد! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنّ الهدى بيد الله عز وجل، فمن أراد الله  بهِ خيرًا.. شرح صدره للدين”.

وفي وفد تجيب كان الغلام الذي قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: “اللهم؛ اغفر له وارحمه، واجعل غناه في قلبه”، وفي هذا يذكر باحنّان: “ثم إنهم بعد ذلك وافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: “ما فعل الغلام الذي أتاني معكم؟” قالوا: يا رسول الله؛ ما رأينا مثله قط، ولا حُدِّثنا بأقنع منه بما رزقه الله، لو أن الناس اقتسموا الدنيا.. ما نظر نحوها، ولا التفت إليها! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الحمدُ لله؛ إني لأرجو أن يموت جميعًا، فَقَالَ رَجُلٌ منهم: أَوَلَيْسَ يَموتُ الرَّجُل جَمِيعًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَشَعَّبُ أَهْوَاؤُهُ وَهُمُومُهُ فِي أَوْدِيَةِ الدُّنْيَا، فَلَعَلَّ أَجَلَهُ أَنْ يُدْرِكَهُ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَوْدِيَةِ، فَلَا يُبَالِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَيِّهَا هَلَكَ”… وقد ثبت في الردة، وكان أبو بكر رضي الله عنه يذكرهُ ويسألُ عنه، وحين بلغه ما قام به من هداية قومه وتذكيرهم، كَتَبَ إلى زياد بن لبيد يوصيهِ بهِ خيرًا.

الدولة الأموية واباضيّة حضرموت

لقد خاضت حضرموت تجارب دينية عديدة، حتى في الدين الإسلامي، تقلبت فيه أدوارًا عديدة، فهي اليوم، سُنية، شافعية، أشعرية، لكن قبل هذا الثبات كانت لها صولاتها وجولاتها، ولعل أكثر الفترات حساسية هيَ حين كانت حضرموت معقلًا اباضيًا، ورغم أهميتها تفعل المراجع الحضرمية ما تُحسن فعله على الدوام.. تخذلك. في الحالة الاباضية وفيما بعد، الاعتزالية كان الخلاف مذهبيًّا، واستفاد كتبة التاريخ من شخصيات دينية وعلمية وشعرية كانت فيه، كالإمام محمد بن عمر باجمال… لم يستطيعوا على الدوام توظيفهم لصالحهم، فضحهم في بعض الأحيان بيت شعر وحيد، واعتقاد مبطّن في قصيدة كاملة، وتسلسلٌ تاريخيّ عصيّ على التطويع، في هذا الصدد يقول الباحث سالم فرج مفلح في دراستهِ المهمة (حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة.. بين الأباضية والمعتزلة): “غير أنّ الحقيقة التاريخية كما يقول علماء التاريخ يخدمها أعداؤها أكثر من أصدقائها، ذلك أنّ أولئك الخلف، لم يكونوا على مستوى المسئولية التي نهضوا لها، فقد غاب عنهم الكثير أو القليل من الأفكار الحقيقية للإماميْن بَحرَق وعبد الله بامخرمة، ولم يستطيعوا معرفة المعين العقائدي الذي تنتمي إليه تلك الأفكار، أو ظنوها من أصول الاعتقاد السني، أو لعل تلك الأفكار غير السنية هي نفسها أفكار الأخلاف، وموروثة عن السلف، حتى أصبحت مكونًا أساسيًا من ثقافتهم اليوم، فأثبتوها فيما نشروه من تراث السلف، فكان ذلك شاهد على حقيقة مذهب السلف ودور الخلف”.

وحين يُوثَّق إمام كبير، كالإمام بافضل، لكن يُشوه ويُحرف نتاجه الديني والأدبي، أو يُخفى جله عمدًا، أو يُنسب لمذهب آخر يتوافق مع مذهب الأخلاف، فهل سيكون من الصعب إخفاء ديانة سابقة، وهو إخفاء لا يحتاج لكثير جهد، إذ سيكون بالسكوت وحسب، فهم بذلوا جهدًا أكثر من السكوت حين تعلق الأمر بالاباضية والاعتزال، فحينًا حرّفوا، ومرة أضافوا وحذفوا، وأخرى استغفلوا العقول بالخرافات التي لا يصدقها إلا مستغلّ مغلوبٌ عليه؛ ذلك أنهم كانوا يحتكرون وحدهم العلم. لكن في الديانات والاعتقادات الأخرى هم سكتوا عنها فقط، وكان ذلك أسهل طرق الإخفاء، وبهدوء تام.

يقول الباحث سالم فرج عن الإمام بافضل: “والحقيقة أن أسلوب توجيه الخطاب إلى الجميع من منطلق (النصيحة) هو الأسلوب الذي اعتمده شيخ الإسلام بافضل في قصيدته الفكرية، والتي بدأها بقوله:

أيـا فاتحًا بابًا عظيمًا من الفكر

هنيئًا لك الحظ الجزيل من الأجر

وهو أيضًا الأسلوب الذي اعتمده شيخ الإسلام بافضل في وصاياه، وهو أيضًا أسلوب الإمام القلعي في كتابه (تهذيب الرئاسة وترتيب السياسة)، وإذا كنا قد توصلنا إلى معتزلية هؤلاء الثلاثة أعلام، فهل موافقة أسلوب الإمام باجمال لأسلوبهم في توجيه الخطاب، يعطي مؤشرًا إلى معتزليته ولو احتمالًا، خاصة وأن المعتزلة قد عولوا على أسلوب الترشيد والتنوير في نشاطهم العلمي والمذهبي”.

التفكير بالجرأة التي مورست أثناء هذا الإخفاء والتحريف يدعو للقلق، فحين نتحدث عن قدرتهم على اجتزاء بافضل من كل نتاجه واستجلابه لدائرتهم، بافضل الذي قال عنه سالم فرج: “فإنه ليس مجرد معتزلي، ولكنه رأي معتزلي كبير وناضج”، هذا يحيلنا للتشكيك في كل الموروث التاريخي من تلك المصادر، بل حتى التشكيك فيما سكتوا عنه.

لقد أمعن كَتبة التاريخ الحضرمي في إخفاء الحقب التاريخية التي تبتعد عن دينهم ومذهبهم، نجد ذلك واضحًا كالشمس في الفلاة حين يتعلق الأمر بالاباضية في حضرموت، وما زاد من قسوة هذا الإخفاء بالتحديد ارتباطه بفترة زمنية حساسة في التاريخ الحضرمي والإسلامي على حدّ سواء، فنحنُ هنا نتحدث عن ثورة طالب الحقّ عبدُ اللهِ بن يحيى الكِنديّ، التي كانت قاعدتها الشعبية اباضيّة المذهب والفكر، والتي يصنفها البعض كأول ثورة في الإسلام، وأحد أهمّ أسباب إحداث السقوط الأموي فيما بعد، إذ امتدت لليمن، والحجاز، وهي صاحبة وقعة قديد التي انتصر فيها جند طالب الحق، بل وخطب قائده في المدينة. وحين يقول أحد كبار كتبة التاريخ الحضرمي أنّ الشاعر إبراهيم بن قيس الحضرمي (شخصية خيالية/وهمية) فماذا أبقى لصغار القوم من السطو والكذب؟ إبراهيم بن قيس الحضرمي الذي صال وجال حضرموت، ومن عدّ “نواحيها” خاتمًا بإصبعه، والذي خاض الحروب، ووثق الحوادث، من كان شعره وثيقة تاريخية مهمة في حضرموت استعان بها الأعداء والأصدقاء على حد سواء، إبراهيم صاحبُ الأنا العالية في أشعاره، يصبح “شخضية خيالية”! وعند مؤرخ آخر وحين تضطره أحداث التاريخ المتشعبة أن يستدلّ بشعر إبراهيم بن قيس الحضرمي يذكره على عجالةٍ وباستحقار مميت!

يقول إبراهيم بن قيس عن نفسهِ:

أَلا يا دهر قد أيبستَ غصنَ شبيبتي
وشرّدتَ عُمري في الليالي الشواردِ

ألا هل لِما قد فات يا دهرُ عودة
أأم كُلّ ما قد فاتني غير عائدِ

لم يعلم إبراهيم أنّ بعد موته بعقود سيفعل به قومه أقسى مما فعل معه دهره، فهل أظلمُ من نفي كيان الشخص، إلغاءُ وجوده، مسحهُ بالكُليّة! ولكنّهُ يقولُ أيضًا:

لَإن سَخِرت مني الغواةُ فإنها
كَذا دأبها في الأنبياءِ الأخائرِ

فأيُّ نبيّ أو إمام مضى ولم
ينلهُ أذى أو ينلهُ مقتُ ساخرِ

أما قيلَ للمختارِ إنك كاهن
وأنت كذوبٌ ساحرٌ أيّ سـاحرِ

وما لكَ كنزٌ لا ولا بيت زخرفٍ
ولا جنة بل أنتَ أوهى العشائرِ

فما ضره هذاك في ذات ربه
كذلك هذا كلهُ غيرُ ضائرٍ

في كل زيارة للتاريخ الحضرمي، ترافقك الدهشة مسيركَ كله، وعلى طول طريقك تتحفك المعلومة بقدرتها على الإبهار والإمتاع حين تأتي دون علمٍ مسبق، وحين تأتي مخالفة لكلّ ما لُقنت، لم أُرد لهذه المقالة أن تكون مجرّد “جولة”، كان محور اليهود هو أساس المقالة، جِسْمها وخاتمتها، لكنّ الصدّ الذي قوبلتُ به أثناء البحث، والتهرّب من الأجوبة، والنفور من الموضوع، يُضاف على ذلك غياب المراجع الحضرمية بالكُليّة، أو لنقل تغييب الشواهد في المراجع الحضرمية، ثم ضحالة الإنتاج العربي عن حضرموت وقُصر النظر تجاهها، وإسباغها بألبسة ليست من لباسها ولا هي من حجمها أصلًا، ثم التعريف عنها بـ “قُطر، ناحية، ما بين كَذَا وكَذَا”، كلّ هذا مثّل عائقًا مميتًا لأصلِ المادة، معَ ذلك، أزعمُ أنني لبّيتُ بعضًا مما أريد في ذلك المحور، ولا بأس بالقليل إن عدم وأُعدم الكثير.

 وكما يقول ابن خلدون: “وإن فاتني شيء في إحصائهِ واشتبهتُ بغير مسائلهِ، فللناظر المحقق إصلاحهُ؛ ولي الفضل لأني نهجتُ له السبيل وأوضحتُ لهُ الطريق“.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى