التربية والتعليم

خلاصة في تعلّم اللغات

  • محمد فاضل بلمومن

مقدمة

في كثير من الحالات لا أكون متأكدا تماماً من تحديد موقف تجاه ظاهرة “تعلم اللغات الأجنبية” وانتشارها الواسع بين الأجيال الجديدة، وظهور المواقع والكتب والدورات التي تدور حول تعليم اللغات الشرقية والغربية، بطرق ومناهج متباينة في الأسلوب والوقت والتكلفة، ولأغراض ثقافية وسياحية واقتصادية وربما لغرض المتعة والاستكشاف والهواية ليس إلا، وربما كذلك لأغراضٍ بريستيجية تتعلق بتحقيق الذات وحب التصدّر والظهور بصورة “البوليغلوت” Polyglot الذي يجيد حزمة من اللغات المختلفة حتى وإن كان يتكلم في كل لغة لخمس دقائق فقط ثم تفقده بعد ذلك!

هل هذه الظاهرة فعلاً نتيجةٌ طبيعية لتفتّح العالم على بعضه البعض وتحوّله حاليا من قرية إلى واجوهٍ في جيبك؟ أم هي الرأسمالية التي تنفخ في أي شيء جميل لدى الناس لتجعل منه مصنعا يدرّ المال ويجلب المستهلكين؟ قد يكون للكثيرين جواب جاهز على هذا التساؤل؛ لكني أعتقد أنّ مجرد استحضار هذا التساؤل وتذكّره بين الفينة والأخرى لدى المهتمين بهذا المجال كفيل بفصل ما هو تجاري/استهلاكي عما هو ثقافي/إنساني.

وليست هذه المقدمة هنا -طبعاً- لنفي أي فوائد ومنافع لتعلم اللغات الأجنبية؛ فتعلم اللغات له فوائد عديدة على جوانب متنوعة من الحياة، بدءًا من تحسين الوظيفة، والاطلاع على المعارف المختلفة وترجمتها ونقلها إلى لغات أخرى، والدعوة إلى دين الله، وتوثيق عرى القرب والتفاهم بين أمم البشر، وأمن مكر العدو، وانتهاءً بطلب المتعة والشغف وحب الاكتشاف، وتقوية الذاكرة وزيادة الذكاء، والسعي لكسب الاحترام الاجتماعي وغير ذلك من المنافع.

بل إن لتعلم اللغات فروقاً دقيقة داخل البحث الأكاديمي من شأنها خلق مساحات بين الباحثين متعددي اللغات والباحثين أصحاب اللغة الواحدة؛ فليس -مثلاً- لمتحدّثي اللغة العربية الكثير لقوله في حقول الفلسفة الحديثة وعلم الاجتماع ومقارنة الأديان بدون لغة ثانية، كما أنّ الاعتماد على النتاج العربي المترجم وحده غير كافٍ، نظراً لضعف حركة الترجمة في العالم العربي واعتمادها غالبا على أشخاص وليس على عمل مؤسسي متماسك؛ ففي تقرير التنمية في العالم العربي تبيّن أن عدد الكتب المترجمة في العالم العربي مجتمعة تعادل خمُس ما تترجمه دولة صغيرة مثل اليونان، وفي دراسة مقارنة أخرى بين حركة الترجمة في العالم العربي ودولة إسبانيا ظهر أن ما ترجمته إسبانيا خلال سنتين يعادل ما ترجمه العرب مجتمعون من العهد الأموي إلى سنة 2016م.

 ومن النقودات التي وُجّهت مثلاً لمحمد عابد الجابري هو اعتماده على “النتاج المترجم” في الاستشراق وليس الاستشراق الأعجمي أو الاستشراق في لغاته الأصلية، ونتيجة لذلك فإن وزن المنقول عن المستشرقين في كتبه لا يعتمد على وزن المستشرق ذاته داخل تخصصه، بل على تيسر وجود الترجمة من عدمه[1]، وأحادية اللغة تحجّم من توسع الباحث واطلاعه حتى داخل المجال الشرعي أيضاً، فلو أراد طالب علم أن يستكشف النتاج الأصولي في دولة باكستان مثلاً فسيجد أنّ أغلبه مدوّن باللغة الإنجليزية.

وفي الضفة الأخرى من المشهد يمكنك رصد مجموعة من السلبيات للتفتّح غير المنضبط على تعلم اللغات الأجنبية، منها مثلاً الغرق في المعارف والتيهان في بحار العلوم؛ فإذا كان القارئ العربي يربكه معرض الكتاب العربي ويجعله يحار ويتوتر ويجهّز الميزانيات لشراء الكتب فما بالك لو أضاف لغة جديدة والتي من شأنها أن تفتح له بوابات على معارض للكتب ومؤلفات لا نهاية لها، فهذا سيجعل القارئ يضيع بين البحث والقراءة والتقصي والتحصّر على عدم تمكّنه من مزيد من القراءة دون أن ينتقل إلى مرحلة الإنتاج والتأليف والبناء المعرفي المنظم.

أو قد يتأثر بالمحتوى الثقافي لتلك اللغات وأساليب عيش أهلها ما لم يكن بناؤه القيمي والمعرفي متماسكاً، فيركب قطاراتٍ مجهولة تنتهي به إلى محطات بعيدة من الأفكار الهدّامة أو الإلحادية أو التشكيكية في دينه وهويته وتاريخه وثقافته وحضارته ما لا قبل له بردّه واستيعابه؛ فينقلب إلى شخص ساخر ببني قومه ومتكبرا عليهم محتقرا لهم. وقد ينزل في محطة التعارف والتواصل مع شباب وفتيات من جنسيات مختلفة ومتباينة وقد يدخل بنية التعارف أو الدعوة أو الاستكشاف ثم تنتهي الرحلة إلى شرٍّ عظيم ومراحل مأساوية.

مقدمة أخرى

إن من طبيعة المقالات والأجوبة والدورات والكتب التي تدور في العادة حول “كيف تقوم بكذا” تجعلك قبل قراءتها وأثناء قراءتها تمتلئ حماساً وطاقة رهيبة تجعلك تتخيل نفسك متمكّنا من الفقه المالكي في تسعين يوماً، ومن مهارات التسويق في شهرين، ومن الفلسفة الحديثة في أسابيع، ومن اللغة الألمانية في ستة أشهر. وربما ستقتني بعض الكتب وتهيئ المكان المناسب وتشرع في بعض المقدمات ثم فجأة ترتطم بحقيقة أنّ هناك أكثر من قرار ينتظرك في بداية رحلتك هذه ليصاحبك إلى خط النهاية والإنجاز، منها قرار التعب والالتزام واتخاذ الخيارات الصحيحة طول الوقت، وهذا باختصار هو “الثمن” الذي عليك دفعه لتعبر الجسر.

الجسر الذي سينقلك من حيث أنت الآن إلى حيث تريد أن تكون، كما يعبّر عن ذلك جيف أولسن بقوله “الثمن هو أن تقوم وعلى نحوٍ مستمر ولسنوات بالخيارات الصغيرة التي تضعك على طريق النجاح[واُنظر في هذا الموقع مقال: الخطوات الصغيرة للقفزات العملاقة]، يجب أن تكون “خطواتك الصغيرة قابلة للإدارة كل يوم، وبقيامك بها فأنت تحفز نفسك على الاستمرار والالتزام بروتينك الجديد. من السهل أن تبقى مشدوداً إلى الصورة الكبيرة، ولكن في النهاية إذا لم تركز على الخطوات الصغيرة اليومية أولاً، فحلمك الكبير لن يقترب أبداً”[2].

كم يلزمك من الوقت لتتعلم لغة جديدة؟

هذا السؤال موصولٌ بما سبقه من الكلام حول خلق الاستعجال وحب القيام والانتهاء من المهام بسرعة، مجّدداً ليس هناك وقت محدّد للانتهاء من تعلم لغة برمّتها؛ لأن هذا يتعلّق بعوامل وأسباب عدة، منها: قوة الإرادة، وحضور الدافع، والمدة اليومية الذي ستقضيها في تعلم هذه اللغة، ونسبة الممارسة، وهل المتعلم صاحب خبرة بتعلم لغات من قبل أم لا، وما هي اللغة الذي يريد تعلمها بالضبط، وهل يريد تعلم بعض الجمل فيها لأجل محادثات بسيطة مع نادل في مطعم أو سائق تاكسي، أم يريد تعلمها ليأخذ جولة سياحية في بلد ما ويكلم أهله، أم يريد أن يتحدّث بطلاقة في أي موضوع من المواضيع، أم يريد أن يقرأ ويكتب بكل أريحية في مواضيع عميقة فلسفية ودينية وتاريخية وفزيائية؟

لكن هناك لافتات زمنية يُهتدى بها على نحوٍ عام خلال عملية التعلّم وهي تختلف من شخص لآخر؛ وهي ثلاث مراحل: ثلاثة أشهر، سنة، بقية حياتك. في أول تسعين يوماً ستكون لديك قاعدة جيدة وتصور أفقي عن اللغة التي تتعلمها وطريقة عملها، وستكون قد بدأت بتشكيل وفهم بعض الجمل والمحادثات الحاجية، وبعد الذكرى السنوية الأولى لانطلاق تعلمك للغتك الجديدة ستشعر بأنك أحرزت تقدماً جيداً لكن مع مساحات كبيرة للتحسين والإضافة، ثم تبقى تتعلم طول عمرك وتصحح مسارك ولكن بجهدٍ أقل سماكة قد يصل إلى ربع ساعة في الأسبوع على سبيل المثال.

الجديد في هذه المقالة

حسناً، الغاية من هذا المقال هو “مشاركتك” تجربةً شخصية في تعلّم اللغات، وأنا أزعم أن مشاركة التجارب الشخصية من الأشياء التي توقف المرء على الواقع كما هو أو على شيء هو أقرب إلى الواقع. ففي كثيرٍ من الأحيان قد يكون المحرك وراء التقريرات وإصدار الأحكام أشياء ذاتية لا موضوعية، ففي تعلم اللغات مثلاً إذا فتحت اليوتيوب فإنك ستعثر على مئات الفيديوهات ومعلمي اللغات من الذين أتقنوا العديد من اللغات فعلاً وجميعهم يقولون لك: “طريقتي هي الأمثل!”، وقد يكونون صادقين في ذلك فعلاً؛ فالنسبة لي أي طريقة من الطرق المعتبرة يمكنها أن تعلمك لغة جديدة، إذن ليست هناك طريقة واحدة لتعلم اللغات وإنما عدة طرق تنتهي بك إلى نفس الغاية، وكما يقال فإن “الأستاذ الفاشل سيجعل من الكتاب الجيد كتابا فاشلاً، والأستاذ الناجح سيجعل من الكتاب الفاشل كتابا ناجحاً”، فنجاح طريقةٍ ما في تعلم لغة من اللغات هي دليل على استمرارية صاحبها وعزيمته وليست دليلا على أنها الطريقة الوحيدة لتعلم اللغات الأجنبية.

فقد يكون صاحب هذا الادّعاء “طريقتي هي الأمثل” قد سَكب على تلك الطريقة من العزم والعمل والالتزام ما لو سُكب على أي طريقة من الطرق لأنجحها، ولأنّ مثل هؤلاء الأشخاص هم في الحقيقة رجالات بزنس وتقف وراءهم مواقع ودورات وكورسات بآلاف الدولارات فإنّ هذ هو المتوقع منهم؛ فالدافع الذي حرّك اجتهادهم وتعبهم لتعلم أكثر من لغة وإجادتها هو طلب الرزق وتجميع الزبائن؛ وليس أنهم اكتشفوا طريقةً سرية لإتقان اللغات وتعلّمها.

الخطوة الأولى: بداية الرحلة

بعد أن تختار اللغة التي تريد تعلّمها وهو قرار حاسم فعليك استخارة الله ثم مشاورة المختصين والتفكير جيّداً قبل اختيار لغة من اللغات، فقد تكون باب شر لك، أو قد تقضي فيها فترة ثم تكتشف أنها ليست لغتك وهو شيء محبط، أو أنها لغة مفيدة لكن لغة غيرها أولى منها بالتعلم وهكذا…

أول شيء عليك فعله هو زيارة المكتبات واقتناء كتاب مبدئي حول لغتك الهدف، ومن السلاسل المشهورة والتي يمكنك تحميلها عبر النت إن كانت رُفعت أو اقتنائها من المتاجر سلسلة Assimil  أو Teach Yourself أو Colloquial أو غيرها من الكورسات المجانية على المواقع الإلكترونية أو المرفوعة على قنوات اليوتيوب. احرص أيضاً على أن يكون مع الكتاب أو الكورس الذي اعتمدته تسجيلات صوتية للحوارات أو الجمل المضمنة في الكتاب أو الكورس.

بعد هذا ابدأ بدراسة الكتاب أو الكورس والمضي فيه قدماً عبر صفحاته وفصوله من البداية إلى النهاية، وتُعتبر مدة ساعة (60 دقيقة) هي المدة المثالية التي عليك قضائها في تعلم اللغة على نحوٍ يومي، ويُفضّل أن تقسّمها إلى ثلاثة أجزاء (15-30-15) ففي الربع الساعة الأولى تُراجع ما درسته بالأمس وفي النصف الساعة تدرس شيئا جديداً كدرس كامل أو حوار أو عدة عناصر من الكتاب، ثم في الربع الساعة الأخيرة وفي نهاية اليوم تراجع الجديد الذي درسته في يومك وهكذا.

ما ستفعله بالتوازي مع سيرك في الكتاب أو الكورس الخاص بك، هو تحميل تطبيق Anki للتكرار المتباعد أو Spaced Repetition Softwar وهو عبارة عن تطبيق لعرض البطاقات المزدوجة أو ذات الوجهين Flash Cards، وهو ما سيكفيك مؤونة حمل البطاقات الورقية معك وخطر تلفها أو ضياعها.

وأما ما ينفرد به هذا التطبيق عن تطبيقات عرض البطاقات الأخرى فهو كونه يعتمد فكرة “التكرار المتباعد” لعرض الكلمات والجمل والمعلومات؛ فيجعلك عبر خيارات العرض الزمني (عرض بعد دقيقة، بعد ربع ساعة، بعد يوم، بعد أسبوع، بعض شهر) تركّز على المفردات والمعلومات الأكثر صعوبة والتي لم تتمكّن منها بعد، في حين أن التطبيقات التقليدية أو البطاقات الورقية تجعلك تستعرض كل المفردات والمعلومات من أولها إلى آخرها ومن ضمنها المعلومات التي صارت معروفة لديك وسهلة التذكر والتي لم تعد بحاجة إلى مراجعتها، وهو ما يعمل عليه تطبيق Anki حيث تركّز فيه على الأهم والأصعب وتؤجل الأقل أهمية والأسهل إلى فترة لاحقة حين تقترب الذاكرة من نسيان المعلومات القديمة فيأتي عرضها مجدداً للتذكير بها، وهو الأمر الذي يتوافق مع توصية عالم المفردات الشهير بول نيشن Paul Nation “إذ ذكر نيشن أنه لكي تمكث المفردات في الذاكرة يجب أن تتكرر مناسبات تعرّض المتعلم لها، أو عرضها عليه، وذلك في المعدّل الطبيعي بما يقارب 16 مرة، ثم ذكر نيشن أنّ أكثر من هذا المعدّل كافٍ في العادة ليكون الاسترجاع تلقائياً في الحديث الطلق”[3].

ولتحقيق الاستفادة القصوى من هذا التطبيق يحسن ترتيبه على نحوٍ يبني قدرتك الذهنية على الاستدعاء والاسترجاع Recall للمفردات والجمل بما يتناسب مع بناء المهارة المطلوبة؛ فمثلاً إذا كنت تتعلم اللغة الإنجليزية فاجعل وجه البطاقة باللغة العربية وظهرها باللغة الإنجليزية؛ فهذا يقوي لديك مهارة الاسترجاع للكلمات والمفردات، لأنك خلال الحديث بالإنجليزية مثلاً قد تفهم ما يُقال لك وتعرف معاني الكلمات الإنجليزية لكنك تواجه صعوبة في استدعاء الكلمات المطلوبة خلال المحادثات؛ لأنك تعوّدت على جعل الوجه بالعربي والظهر بالإنجليزي.

دعنا نمثّل للكيفية بتفاصيل أكثر: أنت الآن مثلاً تريد تعلّم كلمة Car الإنجليزية، فحين دخولك للتطبيق اجعل في وجه البطاقة كلمة “سيارة” وفي ظهرها “Car” لتجعل من الأمر أكثر صعوبة وتحدّيا للذاكرة، ثم حاول ألا تكتب الكلمات بمفردها وإنما اجعلها ضمن جملة أو سياق حقيقي، فتجعل في وجه البطاقة مثلاً “لدي سيارة حمراء قديمة” وفي ظهرها I have an old red car حيث حين تظهر لك الجملة العربية فالذي عليك فعله هو استحضار العبارة الإنجليزية ومحاولة قولها، ثم تتأكد من الإجابة وتختار خيار العرض القادم هل يكون بعد دقيقة (في حال أنك أخطأت أو أنّ الجملة مازالت صعبة) أو بعد عشر دقائق أو يوم وهكذا.

 من الأسرار المفيدة لاستغلال هذا التطبيق هو محاولة تعديل الجمل التي تدخلها فيه حسب ظروفك الفعلية وسياقاتك الخاصة، فلو عدنا إلى الجملة السابقة “لدي سيارة حمراء قديمة” قد تكون هذه الجملة جاءت في كتاب أو أخذتها من الكورس الذي تتعلم منه مباشرة، لكن الواقع مثلاً أن تملك سيارة صفراء قديمة فتصبح الجملة I have an old yellow car أو أن لك سيارة صفراء جديدة فتكون الجملة I have a new yellow car أو أنك لا تملك سيارة أصلا فتكون I do not have a car  أو أنك لا تجيد قيادة السيارة فتصير الجملة I do not know how to drive a car ، فعلى هذا النحو لم تنجح في بناء جمل مفيدة فقط؛ وإنما هي جمل وعبارات قريبة منك وهو ما يعطيك فرصة البدء في استعمالها فوراً، بعكس الجمل البعيدة عنك والتي لا تعبّر عن وضعك بدقّة.

ومن الأشياء الجميلة التي يوفّرها هذا التطبيق هو إمكانية إضافة صور ومواد صوتية على جملك سواء من تسجيلك أو من تسجيل غيرك (خاصة إذا كنت تعيش في البلد التي تُتحدّث فيه اللغة) أو عبر تحميلها كملفات مرفقة ضمن جهازك، وهذا من شأنه إقحام حواس أخرى ضمن عملية التعلم والتذكّر وهو ما يساعد أصحاب الذاكرة البصرية وأصحاب الذاكرة السمعية على حدٍّ سواء.

بعد البداية والانطلاق واصل المسير ولا تتوقف، ولا تلتفت إلى البحث عن أفضل الكتب أو أفضل الكورسات والأساتذة أو أفضل التطبيقات أو كيف تتعلم لغة جديدة، لقد انتهيت من كل هذا عليك فقط الآن مواصلة التقدّم.

الخطوة الثانية: قراءة ممتعة

يؤكد “خبير تعليم اللغات الشهير ستيفن كراشن Stephen Krashen 1985م أنّ أكثر الطرق فعالية لتعلم مفردات جديدة بجهدٍ أقل هو القراءة للمتعة. الدرس المستفاد هنا هو أنّ اختيار المواضيع المقروءة مؤثر في سرعة تعلّمك، فاختر المواضع المفضلة لديك”[4].

ويضيف أولي ريتشارد Olly Richards أنّ هناك قاعدة ذهبية “عندما يتعلق الأمر بتحسين المستوى وتحقيق الطلاقة في لغتك الأجنبية: اقرأ حول اهتماماتك، عندما تقضي وقتك في قراءة محتوى بلغتك الهدف حول موضوع تهتم به؛ فإنّ أشياء سحرية ستحصل. أولاً، ستتعلم المفردات ذات الصلة باهتماماتك، حيث تتمكن من الحديث عن موضوعات ذات معنى بالنسبة لك. ثانياً، ستصبح عملية التعلم أكثر متعة، وهو ما سيحفزك على مواصلة التعلم والدراسة. ثالثًا، بناء عادة قضاء أكبر وقت ممكن مع لغتك الهدف، وهو السر النهائي للنجاح في باب اللغات”[5].

يظهر جلياً مدى خطورة وسيلة القراءة في دفع تعلمك إلى مستويات أعلى، خاصة إذا كنت تقرأ في مواضيع ومجالات تهمك، فإذا كنت مهتما بالتاريخ العثماني يمكنك اقتناء كتب حول التاريخ العثماني بلغتك الهدف، أو كتب حول الرد على الإلحاد إن كنت مهتماً بهذا الملف، أو كتابا يتحدّث عن الغزالي أو ابن تيمية، أو تاريخ الفقه وأصول الفقه أو النجاح وإدارة الوقت وهكذا.

 لكن المشكلة التي قد تعترضك هنا هي أنّ أغلب هذه الكتب قد تكون كُتبت للمتحدثين الأصليين، وهذا من شأنه أن يجعلها صعبة للغاية خاصة على المبتدئ، حيث سيكون أغلب الكلام غير مفهوم، ومن الحلول في هذا الباب البدء في القراءة مع “سلسلة المقروءات المدرّجة Graded Readers وهي نافعة جدّاً للمتعلم المبتدئ، وهي سلاسل معروفة ومجرّبة، وتتوخّى التدرّج في المستويات حتى تصل بالمتعلم إلى مستوى متقدم في القراءة”[6] وعادة ما تصاحبها تسجيلات صوتية احترافية للمادة المكتوبة، ومثلها سلسة موضوعات ذات أهمية Topics That Matter الصادرة عن StoryLearning وهي تتناول أطروحات مثيرة ومشوقة في قالب قصصي وحواري  موجّه لمتعلمي اللغات حول الفلسفة الغربية، تغيّرات المناخ، الحرب العالمية، جسم الإنسان وغير ذلك، وتصحبها تسجيلات صوتية احترافية للمساعدة على معرفة النطق الصحيح، والتعوّد على المحادثات السريعة، وكذا الاستماع أوقات السياقة مثلاً أو ممارسة الرياضة أو الاستماع والقراءة في نفس الوقت، وتصدر حالياً السلسلة بعدة لغات منها الفرنسية والإسبانية والألمانية ولا زالت في توسّع.

ومن الطرق المفيدة أثناء القراءة في لغتك الثانية ألّا تتوقف كل مرة للبحث عن كل كلمة لا تعرفها، وإنما استهدف نهاية الكتاب أو الفصل وركّز مع سير الأحداث والحبكة القصصية، إلا في حالتين: حين ترى أن كلمة من الكلمات تكررت لأكثر من خمس مرات على نحو متقارب فتعتبر هذه الكلمة مفتاحية ومهمة، أو إذا كانت كلمة من الكلمات تسد طريقك إلى فهم الفقرة كلها فهنا تتوقف للبحث في القاموس أو غير ذلك.

وبعدها ترجع إلى الفصل أو الكتاب وتقرأه مرة أخرى مستهدفاً النهاية وهنا يمكنك أن تبحث عن مزيد من الكلمات إلى أن يصير النص لديك واضحا بنسبة 70 في المئة أو أكثر وفي كل قراءة تكررها أنت تهدف إلى رفع هذه النسبة إلى أقصى ما يمكن قبل أن تشرع في قراءة كتاب جديد.

ومن الوصايا في هذا الباب أيضاً أن تعيد قراءة كتب قرأتها من قبل في لغتك الأصلية، فهذا من شأنه أن يجعل الأحداث مألوفة والسياق واضحاً، حيث ستركّز على معرفة الكلمات المهمة لا التفاصيل الدقيقة.

الخطوة الثالثة: استماع مكثّف

الاستماع عمل شاق ومهارة تحتاج الكثير من التركيز على عكس ما هو شائع من مثل أن تشغل شيئا بلغتك الأجنبية وتجعله على الخلفية وإذا بك تتعلم منه. نعم، قد يكون هذا مفيداً في مرحلة متقدّمة من التعلم أو إذا كان هدف المتعلم التعوّد على القطع الصوتية للغة الهدف وتدريب الجهاز النطقي عليها.

أما المبتدئ فعليه التدرّج في عمله على هذه المهارة، وذلك بأن يختار من المقاطع الصوتية ما يهمه ويجد شغفا في الاستماع إليه، ويكون بصحبته نص مكتوب لما هو مسجّل حيث يشرع في فهم النص على نحوٍ كامل ثم يلغي النص ويركز على المادة الصوتية ويستمع إليها عدة مرات وعلى نحوٍ متكرر، ثم يحاول تكرار وتقليد ما يسمع فيوقف التسجيل ويحاكي الصوت بدقة متناهية في الأسلوب والنطق.

كما يحسن بالمتعلم أن يقتحم التسجيلات الصوتية القريبة من السرعة الحقيقية وليست تلك المعدّة للتعليم والتي يجري تسجيلها في استيديوهات خاصة وعلى نحو بطيء وغير واقعي. ومن القنوات اليوتيوبية المهمة في هذا الباب قناة EasyLanguages وهي تضم قنوات كثيرة تحوي غالب اللغات وكيف يتكلّمها أصحابها في الشارع دون أي تخطيط أو استعداد، وهذا سيجعلك أكثر فهماً للغة في سرعتها الطبيعية.

الخطوة الرابعة: محادثات شجاعة

 التحدّث والتكلم في لغتك الجديدة يعتبر من أكثر المهارات إرباكاً وإثارة للتوتّر؛ لأنك خلال المحادثة تواجه مشكلة لا تواجهها في بقية المهارات كالكتابة والقراءة، إنها مشكلة “الوقت”. ليس لديك وقت أبدًا لتفكّر أو تستجمع أنفاسك أو تتأكد من القواعد اللغوية أو تتذكّر كلمة نسيتها، ليس لديك وقت لذلك تماماً. ينبغي أن تكون فورياً أوتوماتيكيا وتلقائيا لأبعد الحدود.

 ولتجاوز هذه المعضلة ليس أمامك إلا “الممارسة” وكثرة الممارسة، عبر اقتحام مخاوفك المتعددة والتي قد تكون خجلاً أو حياء أو خوفا من ارتكاب الأخطاء والظهور بمظهر متواضع الذكاء والعجز عن التخلص من لكنتك، اقتحم كل ذلك وارتكب أكبر قدرٍ من الأخطاء فعبر “الخطأ” نتعلم وكلما ارتكبت أخطاء وتم تصحيحها لك نشأت لديك ذكريات لا تُنسى تجاه استخدام اللغة صحيحة وتجاوز أخطائك وأغلاطك القديمة.

وفي الجانب التطبيقي لتنمية مهارة المحادثة هناك أكثر من نصيحة وتقنية يحسن بك سلوكها في طريقك إلى التحدّث بطلاقة وثقة وتلقائية.

حاول أن تبحث عن فرص لتتحدّث وتستعمل اللغة وما تعلمتها، سواء عبر وسائل التواصل أو وجها لوجه، من خلال العثور على معلم تقابله أسبوعيا أو يوميا لنصف ساعة مثلاً، خاصة إذا كنت ترغب في الممارسة فقط دون التعلم، أو بالبحث عن أشخاص يتعلمون نفس اللغة التي تتعلمها أو تتبادل معهم تعلم اللغات كأن تعلم أحدهم الإسبانية ويعلمك الروسية، ومن المواقع التي تساعدك في هذا الجانب موقع meetup.com وموقع Italki.com (والموقع الثاني يضم مساحة للمعلمين وهي مساحة مدفوعة وإن كان يمكنك البحث فيها عن أساتذة هواة تكون تكفلتهم رخيصة، ومساحة أخرى للتبادل اللغوي بين المتعلمين) أو من خلال البحث في المجموعات الفاسيبوكية عن مجموعات تضم أعضاء يهتمون بتعلم اللغات وتبادلها وهي موجودة وكثيرة.

في حالة تعذّر إمكانية الممارسة والتحدّث مع أشخاص آخرين يمكنك حتى التحدّث لنفسك أو للمرآة، حيث تقوم متجّها إلى المرآة في غرفتك أو في الحمام، ثم تتناول حوارا من الحوارات التي تعلمتها وصارت مألوفة عندك وتعيد تمثيل الأدوار ومقلّدا لها قدر إمكانك، أو قصة من القصص القصيرة  وتعيد إلقاءها أمام المرآة. وتحاول في كل مرة أن تغيّر بعض الكلمات وتتعمّد استعمال أخرى قد تكون هي الأقرب إلى حالك ووضعك.

لأنّ “واحدة من أكبر الفجوات التي يجب سدها عند تعلم لغة جديدة هي الفجوة بين ما تدرسه وما تريد قوله. من الممكن تمامًا تطوير فهم نظري جيد للغة، لكن لا يمكنك التحدث بها تلقائيًا عندما تحين اللحظة.  إحدى طرق حدوث ذلك هي التركيز على دراسة موضوعات لا تتعلق بك بشكل مباشر. على سبيل المثال، إذا كنت لا تخطط لطهي الطعام أو الذهاب للتسوق في البلد الذي يتحدثون فيه لغتك الهدف، فإن حفظ قوائم لا حصر لها من الكلمات مثل البصل والبصل الأحمر والفلفل والخوخ والأناناس لن يكون مفيدًا.  ومع ذلك، فإن إحدى المرات القليلة التي قد تكون فيها إحدى الكلمات في متناول اليد هي إذا كنت تريد أن تقول: “أنا لا أحب الأناناس”. في هذه الحالة، حاول تعلم هذه العبارة بالضبط. بهذه الطريقة، أنت تستعد لموقف محادثة واقعية في الحياة، وتوفر على نفسك عناء الاضطرار إلى ابتكار هذه البنية على الفور.  هذا سيجعل كل شيء يتدفق بشكل أفضل.  مع كل كلمة تتعلمها، تخيل موقفًا ستستخدمها فيه بشكل واقعي. فكر في المكان الذي ستكون فيه ومن تتحدث معه وماذا ستقول عنه.  ثم تعلم هذه الكلمة كجزء من عبارة يمكنك تخيل نفسك تستخدمها”[7].

تسجيل صوتك على مسجل أو هاتفك المحمول والاستماع إليه ثم مقارنته مع مقطع مماثل لمتحدث أصلي واكتشاف مواضع الاختلاف ثم العمل الاقتراب قدر الإمكان من المقطع النموذجي.

في النهاية، قد تصادف حول موضوع مهارة المحادثة من يقول لك ابدأ بالتحدّث من أول يوم وآخرين يقولون لك أخّر إلى ما بعد ثلاثة أشهر أو ستة أشهر ريثما تتكوّن ثقتك أكثر أو تجمع كلمات وعبارات أكثر. وحول هذا لا شيء صحيح ولا شيء خطأ وإنما هي مجرّد تفضيلات وميول من طرف المتعلمين، فقم بما يريحك أكثر وبما تراه أولوية عندك أكثر.

خاتمة

وفي الختام دعني أقول إن تعلم اللغات رحلة لا تنتهي ومتعة استثنائية وباب على أكثر من عالم وطريق لتعيش أكثر من حياة، وبعد مشاركتي هذه قد يحسن أن أنبّهك على بعض العقبات التي قد تعترض طريقك، وهي القواعد والتسويف والمقارنة. لا تركّز في بداياتك على القواعد والنحو والمؤلفات فيها لأنها ستعمل ضدّك وتربك طلاقتك، بل اجعلها للاهتداء بها فقط وطلب مزيد من الدقة فكتب القواعد لم تؤلف أصلاً لتقرأ من الغلاف إلى الغلاف.

لا تقارن نفسك بغيرك من متعلمي اللغات فتنكسر إرادتك أو تشعر بالإحباط، قارن نفسك بنفسك بالأمس فقط وحاول أن تكون أفضل منها، أما غيرك فلا تعلم ما الفرص التي أتيحت لهم وما الجهود التي بذلوها حتى وصلوا إلى ذلك الإتقان والجودة.

وأخطر أعدائك كلهم هو التسويف والمماطلة والتأجيل، اللغة نشاط يومي وعمل متواصل، الاستمرارية معها تجعل الصعب سهلاً والانقطاع عنها يجعل السهل صعباً.

ابدأ الآن هذه الرحلة الماتعة على طريق طويل لا نهاية لاكتشافاته ومغامراته، وتذكّر أنّ “أفضل فرصة لغرس شجرة كانت قبل 20 سنة، وثاني أفضل فرصة هي الآن“.


[1] انظر: إبراهيم السكران، التأويل الحداثي للتراث، السعودية، دار الحضارة، الطبعة الأولى، سنة 2014م، ص75-76

[2] Alex Rawlings, How to speak any language fluently, p44

[3] عبد الله الشهري، الإنجليزية كيف أتعلمها، ص104

[4] نفسه، ص102

[5] Olly Richards, Climate Change in Simple Freanch, England, 2022, p10

[6] عبد الله الشهري، الإنجليزية كيف أتعلمها، ص121

[7] Alex Rawlings, How to speak any language fluently, p104

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى