الفلسفة

مراجعة لتاريخ الفلسفة التحليلية

  • نشر: 3:16
  • مقابلة مع: فريزر ماكبرايد
  • مقدم المقابلة: ريتشارد مارشال
  • ترجمة: ميَّا محمد
  • تحرير: أميرة القحطاني

اقتباسات تمهيدية

“عمومًا أعتقد أن المنطق الصُّوريّ ليس مهمًا للفلسفة التحليلية، كما تعلمنا أن نعتقد أنه كذلك، هناك شيء غريب حول الرواية التي قدمها (فريجه) و(راسل) و(فتجنشتاين)، مع أن تلك الفلسفة أصبحت أفضل معهم، واستمرت بالتحسّن بعد ذلك”.

“أما (كانط)، فقد رأى أن ثنائية الجوهر والعرض إشكالية من وجهة نظر تجريبية؛ لأننا لا نستطيع تجربة الروابط الضرورية بينهما أيضًا؛ لذا فإن (كانط) كان يعاني من مشكلة مع الجوهر والعرض، وهذا لأن (هيوم) كانت لديه مشكلة مع السبب والمسبَّب”.

“يقدم الميتافيزيقيون افتراضاتهم عن طبيعة الواقع بثقة، ويختالون منتشين في قبورهم كأن شيئًا مما ذُكِر لم يحدث؛ إنهم يستجيبون لحدسهم وما يعتبرونه معقولاً أو منطقيًا”.

“كان (كواين) عالمًا في الطبيعة، وأكد أن الفلسفة يجب أن تكون مقيدة بالعلم. (لويس) كان يحمل وجهة نظر مختلفة، فعند الرجوع إلى (جورج إدوارد مور)، تلك الفلسفة يجب أن تكون مقيدة بالحس السليم أيضاً”.

“ليبرالية (لويس) الفلسفية، تعني أن الفلاسفة لا يتوقعون تبرير استنتاجاتهم أمام زملائهم في العمل أكثر من شعرهم”.

“الدرس الذي استخلصته من التاريخ: هو أن الفلسفة غالبًا ما تقطع أشواطًا كبيرة، وتساهم بشكل دائم في المعرفة الإنسانية، عندما يكون الفلاسفة منفتحين على التأثيرات من خارج حدود عملهم المباشر”.


(فريزر ماكبرايد): فيلسوف يعمل في مجال تاريخ الفلسفة التحليلية، وفلسفة اللغة، وفلسفة الرياضيات، والمنطق، والميتافيزيقا. ويناقش هنا تاريخ الفلسفة التحليلية، ويقدم السردية المعتادة التي رويت عن أصولها، ونسخته المعدلة من تلك السردية، فنرى: (كانط) بدلاً من (فريجه) كشخصية محورية، وثنائية المقولات مقابل أحاديتها، ونرى أيضًا ثنائيات أخرى، مثل: (مور) و(راسل)، (ستوت) و(وايتهيد)، (راسل) و(وفتجنشتاين). إضافةً إلى اهتمامه بنظرية العلاقات المتعددة للحكم، وعن (فيتجنشتاين)، و(رامزي) والكليات، والميتافيزيقيا التحليلية الآن مع (ديفيد لويس)، و(كواين)، و(أرمسترونغ)، و(راسل)، و(كارناب)، ثم (أرمسترونغ) وصناعة الحقيقة، وكيف يرى المظاهر المعاصرة للاتجاهات التحليلية للفلاسفة وحركة الحفاظ على البيئة.

3:16: ما الذي جعلك تتجه إلى الفلسفة؟

فريزر ماكبرايد: أنا لم أنشأ في بيئة فكرية، ولم أكن أناقش الكتب أو الأفكار في البيت، وكان تعليمي في المدرسة كئيبًا، لكن عندما درستُ الأدب الإنجليزي في عمر السادسة عشر، تسلّمتُ روايات (جوزيف كونراد) لقراءتها، وكانت تنويرًا بالنسبة لي، كان أسلوب (كونراد) ودقته لافتًا للنظر، ولاسيما محتواه الذي لم يقتصر على إدانته للاستعمار بل انعكاساته التي يعود إليها مرارًا وتكرارًا، وأننا عرضة للعيش خارج حياتنا على مستوى سطحي جدًا، وأن الواقع الأساسي هو شيء نتجنبه ويتطلب الشجاعة لمواجهته. بعد ذلك صادفت انتقادات (إدوارد سعيد) لـ (كونراد) واكتشفت أن (كونراد) نفسه على الرغم من إدانته للاستعمار لا يزال محاصرًا بالمظاهر من وجهة نظره الخاصة. كان لدي إحساس متزايد بأننا نادرًا ما نلمح ما وراء المظاهر إلى الواقع، ودائماً ما تكون هناك طبقات أخرى علينا إزالتها قبل أن نقترب من الواقع، وهو ما قادني إلى الفلسفة والنظر إلى الوراء، فكنت أود أن أفكر، وقادني ذلك إلى أن أصبح فيلسوفًا. وأتساءل الآن، ما رأي نسختي الأصغر في الفيلسوف الذي أصبحت عليه.

 

3:16: أنت فيلسوف يتخطى نطاق تاريخ الفلسفة، ولاسيما الفلسفة التحليلية، وفلسفة الرياضيات، وفلسفة المنطق، والعلم، وما وراء الفلسفة، والحقيقة، والعلاقات، والكليات، والميتافيزيقا؛ لذا من المستحيل أن نغطي كل شيء. ومع ذلك، فإن كتابك الجديد سوف يساعدنا؛ لأنه بمثابة تأريخ لأصول الفلسفة التحليلية، وهو يركز على مجموعة من اهتماماتك على مدى هذا الطريق الطويل؛ لذلك دعنا نبدأ بما تقدمه من نظرة اجتماعية جميلة لمؤسسي هذا التقليد، ونقف على الدوافع التي غيرت نظرتك للسردية المعتادة من هذا التاريخ. ثم هل يمكنك أن ترسم لنا النقاط البارزة للطريقة المعتادة التي رويت بها القصة، حتى نتمكن من معرفة أين تختلف معها؟

فريزر ماكبرايد: مع كل العمل العلمي الممتاز الذي أُنجز في السنوات الأخيرة، ما زلت أعتقد أنه من العدل أن أقول إن هناك سردية راسخة ومؤثرة حول الفلسفة التحليلية المبكرة، وعادةً ما تُدرّس لطلابنا. (فريجه) و(راسل) و(فيتجنشتاين) هم الشخصيات الرئيسة، فقط مع بعض النصوص المألوفة لدى دارسيهم التي تُركز على اكتشاف المنطق الجديد وتطويره الذي هو مفتاح لفهم أصل الفلسفة التحليلية وتجلياتها، ولكن أنا أجادل في كتابي (جينيالوجيا الكليات: الأصول الميتافيزيقية للفلسفة التحليلية) أهمية الشخصيات والنصوص الأخرى في فهم التطور التاريخي للفلسفة التحليلية، والأبعاد الميتافيزيقية التي كان لها وزن أكثر بكثير من المنطق في دفع عجلة التغيير في السنوات الأولى. والنتيجة هي أنني أجد السردية المعتادة مبالغًا فيها، وغير كاملة، وخاطئة بطرق مختلفة. عموماً، أعتقد أن المنطق الصوري ليس مهمًا للفلسفة التحليلية كما تعلمنا أن نعتقد ذلك. هناك شيء غريب حول السردية التي تعتبر الثلاثي (فريجه) و(راسل) و(فيتجنشتاين) هم الشخصيات المؤثرة. صحيح أن تلك الفلسفة أصبحت أفضل معهم واستمرت بالتحسن بعد ذلك، ولكن علينا أن نتذكر أن قيمة أسهمنا الفكرية يمكن أن تنخفض وترتفع في أي وقت. هناك بالفعل الكثير من الجوانب حيث الفلسفة التحليلية أكثر تطوراً مما كانت عليه قبل قرن مضى. من الصعب إنكار ذلك، على سبيل المثال: (تارسكي) و(مونتاغيو) أخذوا فهمنا للغة إلى مستوى جديد من التطور بتطبيق التقنيات المنطقية والرياضية التي لم تكن متاحة قبل الآن. ولكن، مثلما أوضحت في كتابي أن هناك جوانب أخرى، ففي المقام الأول هناك الولاء للميتافيزيقا، حيث كان التحليليون الأوائل أكثر حكمة منا.

 

3:16: بطريقة ما أنت لا تعني أن قصتك لا تتضمن الشخصيات الكبرى المعتادة، ولكن بالأحرى تعني أن أدوارهم قد تغيرت. على أية حال، هناك شخص واحد لا يُنسب إليه -عادةً- تأسيس هذا الاتجاه، والمعروف أن (فريجه) هو من يعطى شرف هذا الدور، لكن بالنسبة لك (كانط) هو الأهم، ولا سيّما منهج تفريقه بين الكلي والجزئي، فما هذا التفريق؟ وما الذي يجعل طريقة كانط مميزة جدًا في التعامل مع هذه الثنائية؟

فريزر ماكبرايد: تصور (كانط) –تبعًا لـ (هيوم)- أن مفهومي السبب والمسبَّب المتلازمين يمثلان إشكالية من وجهة نظر تجريبية؛ لأننا لا نستطيع في الواقع أن نُمسك سببًا يستلزم آثاره. ولكن (كانط) لا يزال يسعى للدفاع عن استخدام هذه المفاهيم على أساس أنها تنتمي إلى مجموعة المقولات القبلية التي بدونها يستحيل إصدار أحكام تجريبية. إن الهدف الطموح لـ(كانط) في “نقد العقل الخالص” في القسم المعنون بـ “الخصم الميتافيزيقي” كان لإظهار أن هذه المجموعة من المقولات ليست مجرد نتاج اعتياد التتابع أوالعرف السائد (كما رأى هيوم)، ولكن يمكن أن ينظر إليه على أنه قبلي ببساطة من خلال التفكير في طبيعة الحكم التجريبي نفسه.

ما يتم التغاضي عنه دائمًا هو أن مفاهيم الجوهر والعرض -الكلي والجزئي كما تم تسميتهم فيما بعد- تظهر بجانب مقولة العلية في جدول مقولات (كانط). بالنسبة إلى (كانط) أزعم أن الجوهر والعرض يمثلان إشكالية من وجهة نظر تجريبية؛ لأننا لا نستطيع تجربة الروابط الضرورية بينهما أيضًا؛ لذا فإن (كانط) كان يعاني من مشكلة في الجوهر والعرض؛ لأن (هيوم) كان لديه مشكلة في السبب والمسبب قبله. ما يشار إليه عادة هو أن “الخصم الميتافيزيقي” لـ(كانط) كان الفشل؛ لأنه لا يوجد قدر من التأمل المنضبط في طبيعة الحكم التجريبي يمكنه أن يستخلص المقولات على طاولة (كانط)، لكن ما لم يُلاحظ هو العواقب، فمفهومَا الجوهر والعرض كانا يمثلان مشكلة لـ(كانط)، لكن دون أن يبرر سبب هذه المشكلة، وكان ذلك جزءًا هامًا من إرث (كانط) للفلاسفة التحليليين الأوائل. في الواقع هو جزء من إرث (كانط) بالنسبة لنا مع أنه تم التغاضي عنه دائمًا.

 

3:16: أنت ترى إذًا -بالنسبة لك- أن الاتجاه التحليلي يبدأ كجدل حول عدد المقولات الموجودة، هل يمكنك أن توضح لنا ما يدور حوله هذا النزاع؟ وما هي “ثنائية المقولات” في مقابل “أحادية المقولات” و “تعددية المقولات”؟ ومن أين بدأ التحليليون الأوائل؟

فريزر ماكبرايد: بما أن (كانط) لم ينجح إلا في إشكالية مقولتي الجوهر والعرض، فإن السؤال الذي واجه (مور) و(راسل) هو: كم عدد المقولات اللازمة لفهم تجربتنا؟ فأحادية المقولات هي المذهب القائل بأنه لا حاجة في الواقع إلى تنوع المقولات؛ لأن مقولة واحدة ستفي بالغرض، أما ثنائية المقولات فهي المبدأ الذي يقتضي وجود مقولتين على وجه التحديد، وتعددية المقولات هي التي تعتبر عدد المقولات المطلوبة مسألة غير محددة! التحليليون الأوائل كانوا على رأي واحد في معارضتهم لمذهب وحدة الوجود، وهو المذهب القائل بأنه ليس هناك سوى وجود واحد فقط. لقد اتخذوا جانب تعددية الوجود، أي المبدأ الذي يقول بأن هناك أشياء كثيرة موجودة، غير أنهم اختلفوا بشأن عدد المقولات التي تمثلها الأشياء الكثيرة الموجودة في الواقع، فتطورت آراؤهم وتغيرت بشأن عدد المقولات. فإذا ركّزنا على تفكيرِهم في المقولات، فإن القوس السردي الواسع للفلسفةِ التحليلية المبكرة سينطوي على مرحلةٍ ثورية مبكرة، حيث قدم كل من (مور) و(راسل) التصنيف الأحادي للمقولات قبل أن يتحولوا إلى ثنائيتها. هذه المرحلة المبكرة حلّت محلها تعددية المقولات مع (وايتهيد)، و(فيتجنشتاين)، و(فرانك رامزي).

 

3:16: كيف قام (مور) و(راسل) بتطوير أفكارهما في هذا المجال في بداية الأمر؟

فريزر ماكبرايد: يمكن تتبع اختراع “الفلسفة الجديدة” لـ(مور) و(راسل) إلى أوائل صيف عام 1898م. وكان (مور) قد قدم أطروحته، وهي “الأساس الميتافيزيقي للأخلاق” للحصول على الزمالة في كلية ترينيتي في كامبريدج. (مور) و(راسل) كانا يناقشان مشروع كتاب كان (راسل) يكتبه في ذلك الوقت، لكنه لم يكمله أبدًا، وهو بعنوان “تحليل المنطق الرياضي ليكون تحليلًا للمادة: المفاهيم الأساسية والمسلمات الضرورية للرياضيات”. ما انبثق من مناقشاتهما كان نظرة للعالم على أنه مضياف إلى أقصى حد لظهور أفكار منطقية؛ وذلك لأن العالم نفسه -بما في ذلك عقولنا- كان مصورًا على أنه يتكون من قطع وأجزاء مستقلة من المعلومات، أو مثلما وصف (مور) و(راسل) هذه القطع والأجزاء في العالم بالمفاهيم والقضايا التي بُنيَت من تلك المفاهيم.

كان رأيهما نوعًا من أحادية المقولات؛ لأنهما اعترفا بمقولة واحدة فقط، هي المفاهيم. قدم (مور) بيانه للفلسفة الجديدة في ورقة ظهرت في عام 1899م تحت عنوان “طبيعة الحكم” وهي مستمدة من الفصل الثاني من أطروحته. كان (كانط) قد تبنى ثنائية المقولات بالنسبة إلى الجوهر والعرض، لكن (مور) تصور مقولته الوحيدة (المفاهيم) على أنها أكثر جوهرية. وعليه، تُلغى مقولتي الجوهر والعرض. في هذه الأثناء كان (راسل) يجادل في كتابه “فلسفة لايبنتز” في عام1900م، ويرى أن المقولتين القبليتين للجوهر والعرض تنتميان إلى كلانية تبادلية ولا يمكن فهمهما بمعزل عن بعضهما البعض، في حين يمكن فهم كل مقولة من المقولات العلية بمعزل عن بعضها البعض؛ لذا يجب أن نستبعد مقولة العرض إذا كانت مقولة الجوهر مشكوكًا فيها، وهي كذلك؛ لأن الجواهر -علميًا- فرض (زائد عن الحاجة)، كما أن أسماءَهم غامضة دلاليًا.

 

3:16 : ماذا كان دور (ستوت) و (وايتهيد)؟ هل كان تحول الأول إلى علم النفس، والثاني إلى علم الرياضيات ردة فعل على ثنائية الكلي والجزئي؟

فريزر ماكبرايد: (ستوت) أشرف على (مور) و(راسل)، وقام (وايتهيد) بالإشراف على (راسل)؛ لذا فلهما تأثير عليهما. (ستوت) و(وايتهيد) لديهما ادعاء بأنهما أجداد الفلسفة التحليلية، وعندما تنظر إلى الأشياء عن كُثب فمن الواضح أن الفلاسفة الآخرين قد لعبو دورًا أيضًا، وليس هناك قصة واحدة يمكن أن تروى عن تأثير (مور) و(راسل)، فعندما يتعلق الأمر بالتقدم الفلسفي فإنه يكاد يكون دائمًا إنجازًا جماعيًا، صحيح أن هناك نمطًا معقدًا من الاتفاق والاختلاف بين الفلسفة الجديدة وما قبلها، لكن لا يمكن الادعاء بأن (فريجه) كان له تأثير في البداية؛ لأن فلسفة (مور) و(راسل) الجديدة تأسست قبل عدة سنوات من قراءة أيّ منهما لـ (فريجه).

كرّس (ستوت) حياته المهنية الأولى لفلسفة العقل وعلم النفس. وقد طبع كتابه “دليل لعلم النفس” عام 1898م، بما لا يقل عن خمس طبعات. لكن اهتماماته تحولت أكثر إلى الميتافيزيقيا مع تقدم حياته المهنية وتطور نسخته الخاصة من أحادية المقولات. بينما ادعى (مور) و(راسل) أن هناك مفاهيمًا فقط، ورأى (ستوت) أنه لا يوجد سوى جزئيات مجردة (مظاهر كما نسميها الآن)، لكن لم يكن وصوله إلى هذه المرحلة هو مجرد انعكاس ميتافيزيقي محض؛ إذ كان من الاعتبارات المعرفية الحاسمة لـ(ستوت) أن الجزئيات المجردة تتناسب مع الحقائق الفعلية المستمدة من التجربة المعرفية، أي الخبرة -حيث تستمد كل المعرفة التجريبية- في حين أن الجواهر والأعراض لا تتناسب على الإطلاق. في حين بدأ (وايتهيد) مسيرته المهنية كعالم رياضيات؛ وكان بحثه في الجبر الشامل 1898م هو مساهمته الرئيسة. ولكن عمله على الغاية التطبيقية من الرياضيات تحول أكثر إلى فلسفة العلم، وتوّج ذلك في رسالته “مفهوم الطبيعة” 1920م. إن هذا العمل يُقرأ قليلاً الآن لكنه كان مؤثرًا ومحتفًى به في العشرينات. اعتنق (وايتهيد) نسخة من تعددية المقولات، وقال مثلما إن العلم يُطوِّر الطابع المتعدد الأشكال لتجربتنا، فإنه أيضاً يكشف عن مجموعة متنوعة من الكيانات التي لا يمكن وصفها بشكل ملائم فقط من خلال نظام يحتوي على مقولتين، هما: الجزئي والكلي.

 

3:16: هل كان (راسل) يؤيد ثنائية المقولات؟ وكيف انتقل من (كانط) إلى (فريجه)؟ وكيف يعمق هذا فهمنا للخلاف بين (راسل) و(فيتجنشتاين) حول نظرية العلاقة المتعددة للحكم؟

فريزر ماكبرايد: إن تطور ميتافيزيقا (راسل) كان مدفوعاً بتطوير فلسفته العقلية. وبصفتنا من أتباع الفلسفة الجديدة، كان (راسل) قد تصور في الأصل أن حكم أحد الأشخاص ينطوي على علاقة بينه وبين القضية، حيث ينظر إلى القضية على أنها قطعة قائمة بذاتها من أثاث العالم، أي أنها كيان واحد في حد ذاته. وبحلول عام 1910م، تخلّى (راسل) عن واقعيته حول القضايا بسبب غموض وحدتها. وبدلاً من ذلك، تصور أن حكم الشخص هو الذي له علاقة بكيانات متعددة، تلك الكيانات التي يصدر الحكم بشأنها. وإصدار الحكم هو أن يقوم الفاعل بنوع معين من العمل العقلي حيث تجمع كيانات متعددة معًا في حلقة عقلية واحدة. هذه كانت “نظرية العلاقة المتعددة للحكم لـ (راسل)”.

(كانط) و(فريجه) كانا يحملان أشكالاً مختلفة من ثنائية المقولات. تصور (كانط) الأعراض على أنها قادرة على أداء دورين في حين أن الجواهر يمكن أن تؤدي دورًا واحدًا فقط. الأعراض يمكن أن تحدث بشكل متوقع، عندما تعزى إلى أشياء أخرى. أو يمكن أن تؤدي دور الموضوع، عندما تتعلق بها الأعراض الأخرى. في حين أن الجواهر لا يمكن أن تحدث بشكل متوقع. واتفق (فريجه) مع (كانط) على أن الشيء الذي يحدث كموضوع لا يمكن أن يحدث بشكل متوقع، ولكن (فريجه) اختلف مع (كانط)؛ لأنه رأى أيضًا أن أي شيءٍ يحدث بشكل متوقع لا يمكن أن يحدث كموضوع. هذه كانت ثنائية (فريجه) للمقولات، وهو تقسيم عميق لطبيعة الأشياء.

في حين كان راسل قد دعا إلى أحادية المقولات في وقت مبكر، فقد انتقل لاحقًا إلى الشكل “الكانطي” من ثنائية المقولات، مجادلًا ضد الشكل الذي قرره “فريجه” في مبادئ الرياضيات عام 1905م. ولكن عندما ألقى (راسل) محاضراته عن فلسفته الذرية المنطقية عام 1918م، كان قد وضع حجج كانط جانباً واعتنق شكلًا من أشكال ثنائية (فريجه). إذًا لماذا غير رأيه؟ لأنه باعتناق ثنائية (فريجه) كان راسل قادرًا على التحايل على اعتراض كان قد ذكره (فيتجنشتاين) في عام 1913م حول نظرية “العلاقة المتعددة للحكم”.

اعترض (فيتجنشتاين) على أن نظرية (راسل) لا تضع أي قيود على كيفية قيام شخص ما بإصدار حكم يجمع كيانات متعددة في عملية عقلية؛ لذا فهو يترك هذا الأمر مفتوحًا؛ لأن شخصًا ما يصدر حكمًا قد يقوم بتجميع الأشياء معًا بطرق غير منطقية تمامًا. رد (راسل) بأنه في حين أن الشخص الذي يصدر حكمًا يحمل علاقة بكيانات متعددة، فإن العلاقة لا تتعامل مع الكيانات التي يحملها على أنها شيء واحد؛ إنها تعالج الكيانات بطرق مختلفة اعتمادًا على ما إذا كانت جواهر أو أعراض، أما أساليب علاقة الحكم لديها فتكون مُعدة حسب الطلب للجواهر وأخرى مُعدة حسب الطلب للأعراض، بحيث يمتنع مرور الأعراض في مسارات الجواهر، أو العكس. وهذا يستبعد خطأنا في الحكم الذي ينتج عن تغير الجواهر والأعراض. وبتخصيص علاقة الحكم لهذه البنية، يفترض (راسل) ثنائية فريجه.

من الشائع أن (راسل) تخلى عن نظرية العلاقة المتعددة للحكم بسبب انتقادات (فيتجنشتاين)، ولكن (راسل) لم يتخل عن النظرية واستمر في تقديم نسخة من نظرية العلاقة المتعددة عندما ألقى محاضراته عن فلسفة الذرية المنطقية. وكان قادراً على القيام بذلك؛ لأنه كان قد انتقل إلى شكلٍ من أشكال ثنائية فريجه.

 

3:16 : كيف يرتبط عمل (راسل) في طبيعة الحكم بنظريته في العلاقات؟

بينما كان راسل يبحث عن تفسير لطبيعة الحكم اعتمادًا على نظرية العلاقات المتعددة، كان يسعى في نفس الوقت إلى تفسير طبيعة النظام. الحقيقة العميقة حول الكون هي أنه يتكون من أشياء مرتبة بطرق محددة، لقد تلاعب بنظريتين مختلفتين عن النظام. وفقًا للنظرية الأولى، العلاقات لها اتجاه/نسبة. إذا كان القط على الحصيرة، فهذا لأن هذه العلاقة تنتقل من القط إلى الحصيرة. بطبيعة الحال إذا كان القط على حصيرة فثمة حصيرة تحت القط، وهذا لوجود التضاد بين النسبتين. طبقًا للنظرية الثانية، العلاقات لا نسبة فيها، ويرى (راسل) أنها محايدة؛ لذا لا توجد نسبة، فـ(القطة على السجادة) و(السجادة تحت القطة) هما فقط طريقتان لقول نفس الشيء بالضبط. وبهذه الإشارة لا يكون النظام سمة متأصلة للحالة، بل ينشأ عن علاقات مختلفة تربط بين الحالة وأشياء أخرى. عندما بدأ (راسل) بكتابة “نظرية المعرفة” عام 1913م، كان يحمل النظرية المحايدة للعلاقات، وكان ما توصل إليه قبل أن ينهي المخطوطة أن النظرية المحايدة غير متوافقة مع نظرية الحكم متعددة العلاقات. ونتيجة لهذا والصعوبات الأخرى التي نشأت، لم يكمل (راسل) أبدًا كتابه نظرية المعرفة. لكن لأن (راسل) أراد التمسك بالعلاقة المتعددة لنظرية الحكم، وكان واثقًا من أنه قد تناول انتقادات (فيتجنشتاين) في العام السابق، تخلى (راسل) عن النظرية المحايدة للعلاقات واعتنق نظرية النسبة في عام 1914م في محاضرات هارفارد “معرفتنا للعالم الخارجي”. إن النظريات المحايدة والنسبة تلعب دورًا هامًا في السرد التاريخي لكتابي، ولكني أرى -من وجهة نظري- أن النسخة من النظرية المحايدة تفوز، وهو ما يمكنك أن تكتشفه أكثر في أوراقي عن العلاقات.

 

3:16 : إنك ترى أن ورقة فرانك رامزي “الكليات” عام 1925م تتويجًا لهذه الحلقة الفكرية، إذًا فيمَ كان يجادل (رامزي)؟ ولماذا هي ورقة مهمة للفلسفة التحليلية؟ وهل (رامزي) و(فيتجنشتاين) على نفس الطريق هنا؟

فريزر ماكبرايد: تخلى (راسل) عن نظريته التعددية في الحكم عام 1919م؛ لأنه لم يعد يؤمن بوجود موضوع عقلي موحد، ومن ثم لم يؤمن بأي شيء قادر على فعل عقلي من النوع الذي تقتضيه نظرية العلاقة المتعددة. في رسالة منطقية فلسفية عام 1919م، اقترح (فيتجنشتاين) إمكانية الحكم، دون افتراض موضوع عقلي موحد. إن فكرته الأساسية كانت أن القضية هي نموذج داخلي، أي أنها إعادة إنتاج للحقيقة التي تعكسها القضية داخل العقل. القضية قادرة على تمثيل الحقيقة التي تعكسها؛ لأن القضية في حد ذاتها حقيقة (أي أنها عدد من الأشياء الذهنية في العقل مرتبة بطريقة محددة). وعليه، فكونها حقيقة، يجعلها قادرة على تقاسم النموذج مع الحقيقة التي تمثلها؛ لذا ليس هناك غموض حول كيف أن التمثيل ممكن. القضايا هي حقائق، وكونها حقائق يجعلها مناسبة لتمثيل حقائق أخرى، فالقضايا هي صور للحقائق التي تتشارك فيها؛ وبسبب هذا الوصف للتمثيل، فإن نظرية (فيتجنشتاين) المعروفة باسم “نظرية الصورة” تعمل على مستوى مفرط من العمومية، ولكنه لا يترك الباب مفتوحًا أمام الأشكال التي تتشاطرها القضايا والحقائق التي تمثلها إلا إذا اقتضى الأمر تقاسم الصورة؛ لذا فإن أطروحة (فيتجنشتاين) لكيفية التمثيل تترك المجال مفتوحًا أمام أشكال الحقائق التي تظهر في الواقع. واستنتج (فيتجنشتاين) أن أشكال الحقائق الفعلية لا تكشف نفسها لنا إلا في وقت لاحق، وأن تحليل القضايا هو فقط ما يمكن أن نستخدمه لوصف الظواهر التي تكشف لنا طبيعة الحقائق الفعلية ومكوناتها. وهذا يعني أن فيتجنشتاين كان يقول بتعددية المقولات؛ لأن سرديته لإمكانية التمثيل تركت العدد وطبيعة المقولات مفتوحة.

تنتمي نظرية ‘”الكليات” لـ (رامزي) 1925م إلى فترة تطوره الفكري، عندما كان قد عاد لتوه من فيينا وكان لا يزال عالقًا في أسر “رسالة منطقية فلسفية”. تبنى (رامزي) نظرية الصورة لـ (فيتجنشتاين)، وقد ركز بعمق على تقسيم (فيتجنشتاين) الثلاثي: 1- تخدم اللغة أغراضًا عديدة، 2- هي جزء من الكائن البشري ولا تقل تعقيدًا عنه. وعليه، 3- لا يمكننا أن نستنتج من الأشكال السطحية للغة أشكال القضايا المعبر عنها بها. يقول (رامزي) في “الكليات”: إننا لا نستطيع أن نعرف مسبقًا ما هي أشكال القضايا التحليلية بالكامل، مثل: القضايا الذرية. وخلُص إلى أن مهمة التحليل ميؤوس منها بالنسبة لنا، ومن ثم يستحيل علينا أن نعرف عدد المقولات وطبيعتها. لكن بعد عام قرر (رامزي) أننا قد نكتشف لاحقًا ما هي أشكال القضايا الذرية؛ لذا اعتنق (رامزي) مبدأ تعددية المقولات مثلما سبقه (فيتجنشتاين).

لماذا كانت هذه الحلقة مهمة للفلسفة التحليلية؟ لأن (رامزي) أدرك أن عدد المقولات لا يجب أن يكون قبليا كما كان يفترض الميتافيزيقيون، إن تلك العملية الميتافيزيقية التي قام بها الميتافيزيقيون وهم جالسون على الأرائك لن توصلهم إلى أي شيء عن هذا العالم. كانت هذه حلقة مهمة للفلسفة التحليلية؛ لأن (رامزي) كان قد تبنى نوعًا من الطبيعانية، والطبيعانية هنا بمعنى الحد من دور الفلسفة القبلية لصالح الاعتماد على تحقيق تجريبي بعدي. وفي هذه الحالة، يمكن تسوية مسألة عدد المقولات وطبيعتها، إذا كان من الممكن حسم هذه المسألة على الإطلاق. لكن لاحظ أن هذا النوع من الطبيعانية ليس بالضرورة أن يكون بمعنى المادية.

 

3:16 : حسنًا، هذا يساعدنا على فهم المشهد التاريخي للاتجاهات التحليلية في مرحلتها الأولى، إذًا أين نحن الآن بخصوص هذه القضية؟ وما الحالة الراهنة للنقاش؟ وهل عادت روح العصر الفائت وتلك الحالة من الفهم التقليدي والقاطع لكيفية تكوين المقولات (وهي النظرة الميتافيزيقية السائدة ما قبل نقد كانط أو الدوغمائية بحسب تعبير كانط نفسه) التي كان من المفترض ألا تتجاوز مكانها في القرن الثامن عشر؟ وهل أنت مع تعددية المقولات؟ وهل هذه هي النظرة السائدة لدى معاصريك؟

فريزر ماكبرايد: يقدم الميتافيزيقيون افتراضاتهم عن طبيعة الواقع بثقة، ويختالون منتشين في قبورهم كأن شيئا مما ذكر لم يحدث؛ إنهم يستجيبون لحدسهم وما يعتبرونه معقولاً أو منطقيًا. كان (كانط) رافضًا لمسلك الميتافيزيقيين قبل النقد، ووبخهم في (نقد لأي ميتافيزيقا ممكنة) وقال “لا يمكنك مواصلة المشروع الميتافيزيقي اعتمادًا على الحس السليم فقط؛ لأن هذا الذي تتحدث عنه لا تقوم سمعته إلا على الشائعات العامة”. ومع قوة نقد (كانط)، ها نحن ذا مرة أخرى، ما زلتُ متمسكًا بتعددية المقولات وبالطبيعانية، وأعتقد أن التمثيل هو نوع من النمذجة للعقول، ولكن ليس فقط العقول التي تحدث عنها (راسل) و(وايتهيد) و(فيتجنشتاين) و(رامزي)؛ إذ لا شيء من هذا قد تم تسويته، لكن أيضًا ليس هناك وجهة نظر مستقرة بين معاصريّ.

 

3:16: يُقدم (ديفيد لويس) -غالبًا- على أنه ميتافيزيقي ثوري في الفلسفة التحليلية، وقد أبدى نوعًا من العبقرية الليبنيزية (نسبة الى الفيلسوف لايبنتز)، إنه الشخص الذي بعث الميتافيزيقيا مرة أخرى بعدما دفنها (كواين) والوضعية المنطقية؛ لكنك تعتقد أن هناك سردية أخرى عن الفلسفة التحليلية، وأن دور (كواين) و(لويس) هذا يحتاج إلى مراجعة، أليس كذلك؟ إذًا ما الصورة الحقيقية لـ (لويس) و(كواين)؟ وكيف أن مراجعة وجهات نظرنا حول هذين الاثنين تعطينا صورة مختلفة عن مراحل الاتجاه التحليلي؟

فريزر ماكبرايد: إن آرائي عن (كواين) و(لويس) قد أثْرَتها البحوث المشتركة، لقد حصلتُ مؤخرًا مع المؤلف المشارك فريدريك جانسن-لوريت على مخطوطات ومراسلات لويس غير المنشورة، وهي موجودة الآن في برينستون مكتبة فايرستون. ما وجدناه هو أن رسائل (لويس) تشهد على وجود خيوط اتصال عديدة بين فلسفته وفلسفة (كواين).

كان لدى (ديفيد ماليت أرمسترونج) وجهة نظر مؤثرة بأن فلسفة (كواين)، وقد كانت فلسفته معارضة للميتافيزيقيا بشدة، ولكن (دي. سي. وليام) هو من أبقى الميتافيزيقيا على قيد الحياة وقتما كانت فلسفة (كواين) سائدة. وردًا على هذا، كتب (لويس) إلى (أرمسترونغ):

“أنا لا أرى (كواين) كجزء من مناخ معادي تمامًا للميتافيزيقيا المنظمة، في الواقع أرى أن (كواين) نفسه هو ميتافيزيقي منظم… عندما فشلتُ في اجتياز امتحان الميتافيزيقيا كطالب في جامعة هارفارد في عام 1963م، فعلى الأرجح كان (كواين) هو ما قرأته أثناء استعدادي للامتحان؛ بالتأكيد كانت هذه خطة دراسة ضعيفة جدًا، ولكن لا أعتقد أنني كنت أدرس الموضوع الخطأ تمامًا” (28/10/94).

ذهب (لويس) إلى رؤية أن (كواين) كان ميتافيزيقيًا، ولكن له نظام هو في بعض النواحي متوافق مع اتجاه (ويليام) ويخالفه في البعض الآخر. أعتقد أن (لويس) كان على حق في ذلك. إن الوصف الأفضل للفلسفة التحليلية في القرن العشرين هو أن الميتافيزيقيا لم تغب يومًا عن المشهد، وبعيدًا عن بدئه ثورة ميتافيزيقية، فقد حمل (لويس) شُعلة هذا الاتجاه، وإن كان قد قدم تأطيرًا أصيلُا لها.

 

3:16: لماذا تقول “إن نزعة (لويس) المنهجية التي تتميز بالمحافظة والليبرالية هي إشكالية على عدة مستويات؛ وما نخلص إليه هو اعتبار أن منهجية (لويس) جمعت بين نفسية العالِم والشاعر، مثلما وصفها (راسل) و (كارناب) لكن -فيما نراه- لم يكن ذلك الجمع الذي يحسد عليه صاحبه”؟

فريزر ماكبرايد: بالطبع (لويس) لم يكن (كواين) وهناك اختلافات هامة رغم خطوط الاتصال بينهما. كان (كواين) عالم الطبيعة الذي أصر على أن الفلسفة يجب أن تكون مقيدة بالعلم، أما (لويس) فقد كانت لديه وجهة نظر مختلفة، فقد رأى -مثل (مور)- أن الفلسفة يجب أن تكون مقيدة بالحس السليم أيضًا. كتب (لويس) في رسالة إلى (ستيف باك) “أنا محافظ فلسفيًا، وأعتقد أن الفلسفة لا يمكنها أن تقدم معارضة معقولة للقناعات الراسخة للحس السليم أو الأطروحات الثابتة للعلوم الطبيعية والرياضيات (27/7/90)”. لكن طريقة لويس لم تقدم آلية تحديد تلك القناعات الراسخة التي لا يمكن معارضتها، ولم تقدم تفسيرًا لما يعنيه بقوله “إنها لدينا” أو ماذا نفعل عندما تتعارض تلك القناعات مع بعضها البعض، أو مع أطروحات العلوم الطبيعية والرياضيات. لقد ترك لويس كل فيلسوف ليجيب عن هذه الأسئلة بنفسه اعتمادًا على ضميره الفكري الشخصي في ضوء المكان الذي نشأ فيه؛ لذا فـ(لويس) كان أيضًا ليبراليًا على الصعيد الفلسفي، ونتيجة لهذه الليبرالية الفلسفية، لم يتوقع لويس وقوع الاتفاق على إجابات الأسئلة الفلسفية العميقة؛ لأن الفلاسفة مختلفون في اعتمادهم على ضمائرهم الفكرية، ولديهم نقاط بداية مختلفة. في الواقع لقد توقع (لويس) إجابات لا يمكن التوفيق بينها على الأسئلة الفلسفية العميقة.

وقد أعرب (راسل) و(كارناب) عن أسفهما لانعدام توافق الآراء حتى بخصوص التقدم الذي أحرزه الفلاسفة على مر القرون. لقد رأوا أن الفلاسفة قد بالغوا في أنفسهم أكثر من اللازم وتحولوا إلى شعراء؛ لأن كل فيلسوف سعى إلى بناء نسقه الشخصي كعمل من أعمال التعبير عن الذات؛ لذلك أوصى (راسل) و(كارناب) باتباع العلوم واعتماد طريقة أكثر “اشتراكية”، حيث كرس الفلاسفة أنفسهم للمسائل الجزئية في مجملها، وأيدوا فقط ما يمكنهم تبريره أمام زملائهم في العمل. لكن الليبرالية الفلسفية لدى (لويس) تعني أن الفلاسفة لا يمكنهم أنْ يتوقعوا تبرير استنتاجاتهم أمام زملائهم في العمل أكثر من شعرهم. وقد طوّرنا هذه الآراء وقدّمنا المزيد من الأدلة من رسائل (لويس) في أوراقنا الأخيرة.

 

3:16: الطبيعة الحقيقة هي مجال آخر من مجالات الفلسفة التحليلية التي ركزت الاهتمام عليها. لماذا ترى أن فكرة (أرمسترونغ) عن العلاقة غير التماثلية بين الحقيقة وصانع الحقيقة ليست ضرورية؟ وهل يمكنك أن ترسم لنا ما يفترض أن تشرحه أطروحة (أرمسترونغ) حول صانع الحقيقة؟ ولماذا لا نحتاج إليها؟

فريزر ماكبرايد: أكد (أرمسترونغ) أن صدق القضية يعتمد على شيء خارجها، وهو الكيفية التي تبدو بها الأمور في الواقع، ولا عكس. أي أن ترتيب الأمور في الواقع لا يعتمد على صدق القضية. صحيح أن (إبيمنيدس) قد كذب لأن هذا ما فعله، لكنه لم يكذب؛ لأن الواقع فعلًا هو أن (إبيمنيدس) قد كذب لشرح هذه التبعية غير المتماثلة، صرح (أرمسترونغ) بوجود علاقة غير تماثلية بين الحقيقة وصانع الحقيقة. ووفقًا (لأرمسترونغ)، فإن (إبيمنيدس) كذب، والحقيقة التي تثبت أنه فعل: هي أن الواقع يكذبه، وليس العكس. إن اقتراح (آرمسترونغ) يثير جميع أنواع الأسئلة والصعوبات حول طبيعة صنع الحقيقة وطبيعة صانعي الحقيقة، لكني جادلت بأنه لا حاجة لنا للذهاب إلى هناك؛ لأنه يمكن تفسير عدم التماثل الأصلي دون اللجوء إلى صانعي الحقيقة.

للتبسيط نقول: تخيّل أنّ لدينا تمثيلًا عن الواقع مكون من مسند ومسند إليه، وصِدق هذا التمثيل يعتمد على ما إذا كان المسند قد تحقق في المسند إليه، وعليه: فمسألة ما إذا كان (إبيمنيدس) قد كذب أم لا تعتمد على وجود شخص اسمه (إبيمنيدس) تحقق فيه فعل الكذب، ومن خلال الاعتماد على الآليات الدلالية المتداخلة للمرجعية وتحقق المسند في المسند إليه؛ أرى أننا قادرون على تبرير صدق التمثيل من خلال الرجوع إلى الواقع، لكن هذا يعني أنه لا يمكن تفسير كيفية وجود الأشياء في الواقع اعتمادًا على صدق التمثيل؛ لأن نفس الكيفية التي عليها الأشياء في الواقع هو ما يبرر صدق التمثيل، ولهذا فإن الاعتماد على صدق التمثيل في تبرير كيفية وجود الأشياء في الواقع يوقعنا في الدور الممتنع، ولتجنب هذا الدور يكفي شرح عدم التماثل المحسوس دون الحاجة إلى الاعتماد على صانعي الحقيقة.

 

3:16: نريد خلاصة نخرج بها من هذه المحاورة: أيمكنك أن تقول شيئًا عن الاتجاه التحليلي بصورة كلية، وكما تراه الآن؟ فغالبًا ما يُلصق به تهمًا عديدة، مثل: أنه علمي، ووضعي، وغارق في التحليل أكثر من اللازم، وممل، وتافه، وفارغ، ومحصور في مجال اهتمامه، لكنك تعارض هذا، أليس كذلك؟ الفلسفة التحليلية قريبة -نوعًا ما- من اهتمامك هذه الأيام، أليس صحيحًا؟ إذًا ما الذي يميزها عن الاتجاهات الأخرى؟ ولماذا ترى نفسك (إذا كنت تفعل) جزءًا منها؟

عندما تبدأ النظر عن كثب في الظروف التي جعلت من الممكن ظهور الفلسفة التحليلية المبكرة في كامبريدج في أواخر 1890م، تجد تنوعًا كبيرًا ومجموعة من التأثيرات بداية من الارتباط بالفلاسفة الموتى العظماء، والمدارس الفلسفية الأخرى في إنجلترا وإسكتلندا وحتى خارج القارة، والتخصصات الأخرى أيضًا، بما في ذلك الرياضيات والعلوم الطبيعية والكلاسيكيات. كانت الفلسفة التحليلية المبكرة إنجازًا متعدد التخصصات شمل أوروبا كلها. أعتقد أن مكانة (راسل) و(مور) الفكرية لم تتكون فقط من تألقهما المتأصل -مع من أنهما كذلك- ولكن مكانتهما كانت بسبب قدرتهما على توجيه هذه القوى لفترة من الوقت. ويمكننا أن نقول شيئًا مماثلاً عن المدرسة البولندية وحلقة فيينا التي جعلت (مور) و(راسل) في طليعة التطورات في الفلسفة التحليلية. الدرس الذي أستخلصهُ من التاريخ: هو أن الفلسفة غالبًا ما تقطع أشواطًا كبيرة وتساهم بشكل دائم في المعرفة الإنسانية عندما يكون الفلاسفة منفتحين على التأثيرات من خارج حدود عملهم المباشر، وقولي هذا لا يلزم منه الوقوع في العلموية؛ لأن التقدم الفلسفي لا يتطلب أن تُمنَح العلوم الطبيعية امتيازات معرفية أو قيمة معيارية أكثر من العلوم الاجتماعية والفنون أو العلوم الإنسانية التي نتجاهلها -لأنها خارج تخصصنا- على مسؤوليتنا.

 

3:16 : أنتم قلقون بشأن الاحتباس الحراري العالمي والبيئة، وقد قمتم مؤخرًا بحملات لجعل الفلاسفة يفعلون شيئًا حِيال الطريقة التي يعملون بها لمعالجة هذه الشواغل. هل يمكنك أن تخبرنا ماذا تقترح عليهم أن يفعلوا؟

لقد قمتُ بحملة للأقسام الفلسفية في جامعات المملكة المتحدة للحد من آثار الكربون عن طريق استخدام الطيران بصورة أقل للذهاب إلى العمل، واستبداله بالمؤتمرات عن بعد. وقد اعتمدتْ الرابطة الفلسفية البريطانية هذه السياسة، وقد وقعتْ عليها حتى الآن عشرون إدارة وست جمعيات تعليمية. إن الهدف من السياسة ليس فقط أن يتسبب الفلاسفة في انبعاث قدر أقل من الكربون في الغلاف الجوي، ولكن أيضًا من خلال تقديم أفضل ما لدينا يُمكننا تشجيع مؤسساتنا والمجتمع الأوسع على المشاركة معنا. أملي هو أن يحوّل الفلاسفة طاقتهم وإبداعهم نحو إيجاد طرق ليكونوا جزءًا من حل الطوارئ المناخية، بدلاً من أن يكونوا جزءًا من المشكلة؛ لذا أقترح على الفلاسفة العاملين في المملكة المتحدة الذين يشعرون بالقلق بشأن الحالة المناخية أن يشجعوا إداراتهم على الاشتراك، وأن يشجع الفلاسفة خارج المملكة المتحدة مؤسساتهم على اعتماد سياسة مماثلة، ويمكن لأيّ شخص التأثير حتى لو لم يكن في وضع مؤسسي، فيجب أن يقود بنمط أقل، ويطير بصورة أقل؛ لأنه الأشخاص من حوله سيلاحظون ما يفعل وسيتبعه الآخرون. أقترح أن علينا جميعًا -بما في ذلك الموظفين والطلاب- الانضمام إلى الحملات للتخلص من الوقود الأحفوري.

 

3:16 : وأخيرًا، هل هناك خمسة كتب يمكنك أن توصي بها وتأخذنا إلى أبعد من عالمك الفلسفي؟

هذا سؤال صعب؛ لأنني وجدت أنه لإحراز تقدم في مجال الفلسفة -غالبًا- ما يتطلب الأمر التطرق إلى مجال آخر، بما في ذلك تاريخ هذا الموضوع؛ لذا مررت في طريقي بالكثير من الحقول المعرفية للوصول إلى حيث أنا الآن، لكن هناك خمسة كتب كانت مهمة لي عندما بدأت وما زلتُ أشعر بتأثيرها، وهي:

  1. Ruth Barcan Marcus, Modalities, Oxford University Press, 1993
  2. George Boolos, Logic, Logic and Logic, Harvard University Press, 1998
  3. F. Strawson, Individuals, Methuen, 1959
  4. V. Quine, Word & Object, MIT Press, 1960
  5. M. Armstrong, Universals & Scientific Realism, Vol. I,II, Cambridge University Press, 1978

أعجبني المقال

المصدر
3-16amphoto from twitter @keith_wilson

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى