مراجعات كتب

المادة والعقل: بحث فلسفي

  • ماريو بونجي
  • أحمد الكرساوي
  • تحرير: معاذ محمد إقبال

    بيانات الكتاب:
  • العنوان: المادة والعقل: بحث فلسفي A Philosophical Inquiry Matter and Mind
  • المؤلف: ماريو بونجي Mario Bunge
  • المترجم: صلاح إسماعيل.
  • الناشر: المركز القومي للترجمة.
  • تاريخ النشر: 2019م.
  • عدد الصفحات: 751 صفحة.

مقدمة:

     تعتبر فلسفة العقل أحد أهم الفروع الفلسفية وأقدمها، فقد كانت مسائلها مجالا للبحث والنظر منذ ظهور الفلسفة، إلا أنها بدأت كمبحث فلسفي نسقي ومنظم تقريبا مع ظهور كتاب جلبرت رايل (مفهوم العقل) عام 1949م، ومنذ أن وضع رايل هذا الكتاب وفلسفة العقل في تطور مستمر أكثر من أي فرع فلسفي آخر، فقد شغلت مباحثُها تفكيرَ أغلب الفلاسفة المعاصرين، وكتبوا حولها العديد من الكتب والدراسات، ومن أهم ماكُتب في هذا المجال كتاب (المادة والعقل بحث فلسفي) للفيلسوف الأرجنتيني الشهير ماريو بونجي (1919م-2020م).

     ولد ماريو بونجي في بوينس آيرس وتلقى تعليمه فيها، وانصرف في بداية حياته إلى دراسة الفيزياء النووية والذرية، ثم اتجه بعد ذلك إلى دراسة المشكلات المتعلقة بفلسفة العلم والعقل، فنال كرسي فلسفة العلم في جامعة بوينس آيرس، ومكث فيها مدرسا حتى جاء الوقت الذي قرر فيه أن يشق طريق حياته بعيدا عن بلده بسبب الظروف السياسية آنذاك حيث رحل إلى الولايات المتحدة ثم المكسيك وألمانيا إلى أن استقر أخيرا في كندا.

     تميز بونجي بإتقانه للكثير من اللغات التي مكنته من الاطلاع على العديد من الكتب الأجنبية في شتى المعارف فكان لذلك أبلغ الأثر في تشكيل معالم فلسفته، وصار بذلك أحد الفلاسفة الموسوعيين الذين يصعب أن تحدد ميدانا معينا لاهتماماتهم، فقد كتب بونجي أكثر من خمسين كتابا في فلسفة العلم وفلسفة اللغة وفلسفة العقل وفلسفة الطب وغيرها من فروع الفلسفة، ورغم غزارة إنتاجه والمكانة الكبيرة التي يحتلها بونجي إلا أنه لم ينل حتى الآن القدر الكافي من اهتمامات البحث والترجمة بما يوازي أهميته بوصفه أحد أعلام الفلسفة المعاصرة، فقد بقي مغمورا يعيش وراء الستار، ويكفي أن تعرف أن هذا الكتاب هو أول كتبه التي تترجم إلى العربية.

     يعتبر بونجي من أقطاب الفلسفة المناصرين للعلموية والمادية، وأحد الوجوه البارزة التي انخرطت في النقاش المحتدم حول مسائل المادة والعقل، وقد لقيت أطروحاته الفلسفية والعلمية اهتماما واسعا، وحظيت بمناقشات وانتقادات واسعة، وبينت كتبه وأبحاثه العلمية قدر هذا الفيلسوف ومكانته في الفلسفة المعاصرة.

     كرس بونجي جهده طوال مسيرته الفلسفية لبيان أسس الفلسفة المادية العلمية، ونقد النزعات المثالية على تعددها واختلاف صورها نقدا لاذعا مشوبا في كثير من الأحيان بنوع من السخرية، ومن ذلك مثلا سخريته من الفلسفة الوجودية عموما ووجودية هيدجر خصوصا باعتبارها فلسفة عدمية لاتقوم بحل أي مشكلات فلسفية إذ يقول: “لاأستطيع القول إن الوجودية فلسفة، مادامت جمل هيدجر الخاصة مثل: عوالم العالم، والزمان هو نضج الزمانية، وجوهر الحقيقة هو الحرية، هي جمل غامضة ولاسبيل إلى فهمها، وكذلك ذهب نيتشه إلى أن الوجودية عدمية، ويظل الأمر قائما حتى يكتشف الأطباء النفسيون هل هو جنون أم بلاهة أم شيء زائف”(1).

إن أهمية ترجمة كتابات بونجي تعود إلى عدة أمور:

     أولا: المزاوجة التي قام بها بونجي بين العلم والفلسفة في بحث مسألة العلاقة بين العقل والجسم وحرية الإرادة وغيرها من المسائل، خلافا لبعض الفلاسفة الذين قاموا بتهميش الواقع العلمي المادي وحصروا دور الفيلسوف في مجرد التأمل النظري، يظهر هذا في مناقشة بعض فلاسفة العقل مثل هيلاري بتنام وسول كريبكى لمشكلة العقل والجسم على ضوء خيالات تامة كالمخ في وعاء، والأرض الجافة، والزومبيات وغير ذلك، يقول بونجي في بيان ميزة فرض التطابق العصبي النفسي: “ولحسن الحظ أن فرض التطابق العصبي النفسي لايمثل أوهام الخيال العلمي ولايقع ضمنها وإنما يرتكز على بحث معرفي عصبي متين ويحث عليه، وهذا شيء قلما يراعيه فلاسفة العقل”(2).

     ثانيا: الأصالة والجدة في الحلول التي طرحها بونجي لمعالجة (مشكلة العقل والجسد) أو المشكلة الصعبة كما يسميها تشالمزر ممثلة في النظرية الانبثاقية أو مايسمى (الواحدية العصبية النفسية).

     ثالثا: بيانه للأصول الفلسفية لكثير من النظريات العلمية، وكشفه عن المثالية الكامنة في بعض هذه النظريات، ومن ذلك قوله موضحا تسرب المثالية إلى الفيزياء وعلمي النفس والاجتماع: “مجموعة من الفيزيائيين النظريين البارزين أعادوا ابتكار مثالية هيجل ومذهب الظواهر عند بوذا وبطليموس وهيوم وكانط وكونت وماخ… زد على ذلك أن المثالية لاتزال تنطلق بقوة في علم النفس وفي ضواحي العلم الاجتماعي وعلم الاجتماع الفينومينولوجي”(3)، واعتباره نظرية الأكوان المتعددة -التي تم توظيفها من قبل الملاحدة لصالحهم- مجرد فرضية مثالية تشبه المثل التي قال بها أفلاطون، يقول: “وإذا ساورك شك في وجود أفلاطونيين بيننا راجع الأدبيات الغزيرة عن الأكوان الموازية”(4).

     عاش بونجي حياة طويلة حافلة بالأنشطة والإنجازات الفكرية والفلسفية والمهنية، وشرب من مشارب عديدة ونهل من تراث الأقدمين والمحدثين، وقدم إرثا فلسفيا كبيرا يستحق التمحيص والتنقيب للوصول إلى فهم فلسفته فهما عميقا ومتكاملا، وقد جاء هذا المقال لعرض الخطوط العامة لفلسفة ماريو بونجي مؤملاً أن يشكل بداية للبحث بصورة أكثر اتساعا.

محتويات الكتاب:

     صدر كتاب المادة والعقل في عام 2010م، وقد قام بترجمته الدكتور صلاح إسماعيل المتخصص في فلسفة اللغة وفلسفة العقل، وهو أول من قدم فلسفة ماريو بونجي للمكتبة العربية من خلال كتابه (اللغة والعقل والعلم في الفلسفة المعاصرة).

     يتكون الكتاب من قسمين أساسيين: يعالج القسم الأول قضايا متعلقة بالمادة، أما القسم الثاني فقد خصصه المؤلف لمعالجة القضايا المرتبطة بالعقل، ففي القسم الأول تحدث بونجي عن الأسس التي تقوم عليها ماديته العلمية، والفرق بينها وبين الماديات السابقة عليها، ونقد الصور المتنوعة للفلسفة المثالية، والعلاقة بين الابستمولوجيا والأنطولوجيا، بالإضافة إلى الحديث عن المذهب الطبيعي وأنواعه ومميزاته.

     في حين يهتم القسم الثاني بالمسائل المتعلقة بالعقل كمسألة العلاقة بين العقل والجسم، والوعي وأنواعه والنفس والإدراك ومسألة الإرادة الحرة، ومشكلة الفصل بين العلم الزائف والحقيقي وغيرها من الموضوعات.

    وأمام هذا الكم الهائل من المسائل والمشكلات المعرفية المتشعبة قمت باختيار أربعة مواضيع أرى أنها كافية في رسم الملامح العامة لفلسفة ماريو بونجي، وهي:

  1. المادية: باعتبارها الركيزة الأساسية التي تقوم عليها فلسفة بونجي.
  2. مشكلة العقل والجسم.
  3. مشكلة الفصل بين العلم الحقيقي والزائف: وفيها تظهر نزعته العلمية المتطرفة متمثلة في المعايير التي وضعها للتمييز بين العلم الحقيقي والزائف، واستبعاد الدين من دائرة المعرفة الحقيقية.
  4. حرية الإرادة.

 

المادية:

     يستهل بونجي القسم الأول من الكتاب بالتصريح بمذهبه قائلا: “أنا مادي”، ويقصد بالمادية تلك الرؤية التي تثبت الواقع الخارجي المادي مستقلا ومنفصلا عن الذهن وتجعله قابلا للإدراك الحسي، ومصطلح المادية هنا أدق من مصطلح الواقعية، لأن كلمة الواقعية كما يقول لينين: “قد لوثها الوضعيون وسائر المخبصين الذين يتذبذبون بين المادية والمثالية”(5)، وقد أشار بونجي إلى هذا اللبس والخلط الحاصل بين مصطلحي الواقعية والمادية مؤكدًا على أهمية التفريق بينهما، فإن بعض الفلسفات الواقعية مع إثباتها لموجودات خارج الذهن إلا أنها تنفي إمكانية إدراكها حسيا.

     وبعد أن يصرح بونجي بماديته ينفي عن نفسه النزعة الفيزيائية وهي الصورة المبكرة والبسيطة من المادية، لأن الفيزياء في نظره ليس بمقدورها تفسير جميع الظواهر، فهذه الظواهر تحدث في أمخاخنا وهي أشياء تتجاوز ماهو فيزيائي، ولايمكن أن تفسر الآلات تفسيرا كاملا، بقدر ماتجسد هذه الآلات  أفكارا من قبيل أفكار القيمة والهدف والأمان التي هي غير فيزيائية.

     قام بونجي بعد ذلك بنقد بعض صور المادية السابقة عليه والتي لاتتفق مع ماديته العلمية، ومن ذلك مثلا نقده لفلاديمير لينين أحد أقطاب المادية الديالكتيكية حين وقع في حمأة المثالية رغم محاربته للمثاليين في عصره، وذلك عندما صرح بوجود عوالمَ ثلاثة وهي: الطبيعة، والمخ، وصورة تأمل الطبيعة في الإدراك البشري التي تتألف من المفاهيم والقوانين والمقولات، وهو المذهب الذي كرره بوبر بعد حوالي نصف قرن حين قام بتقسيم الواقع إلى ثلاثة عوالم: العالم المادي والعالم العقلي والعالم الثالث المجاوز للواقع المحسوس، وكل عالم من هذه العوالم مستقل عن الآخر مع إمكانية التفاعل بينها.

     وقد طابق بونجي بين العالم الثالث عند بوبر والروح الموضوعي عند هيجل، والواقع أن المطلق الهيجلي يختلف عن العالم الثالث عند بوبر، فالأول يمحو دور الفرد ويقصيه ويلغيه في الكل ولايجعل له أي دور في الوجود، وهذا يؤدي من وجهة نظر بوبر إلى القضاء على إبداع الفرد ومساهمته في النمو المعرفي.

     وبعد أن فرغ بونجي من نقد المذاهب المادية السابقة عليه كالمادية الكلاسيكية والجدلية والأسترالية وغيرها بدأ في بيان الأسس الأربعة للفلسفة التي يتبناها وهي:

  1. المادية: ففلسفة ماريو بونجي كما ذكرنا سابقا فلسفة مادية، بمعنى أنها تثبت وجود العالم الخارجي خارج الذهن، وتثبت استقلاله عن الذات العارفة، وتجعله قابلا للمعرفة.
    وهذا المفهوم لحقه تشويه كبير من قبل المثاليين حين ربطوه بالإلحاد، وهو الأمر الذي اشتكى منه بونجي في هذا الكتاب، ولازال هذا التشويه لمصطلح المادية يتكرر على نطاق واسع، مع أن المثالية أيضا يمكن أن تكون مقوضة للدين كما هو واضح أشد الوضوح في مثالية كانط.
        وبناء على هذا الأساس المادي الواقعي قام بونجي بنقد العديد من الفلسفات المثالية ابتداء من أفلاطون وكونفوشيوس وبوذا إلى باركلي –التي تمثل فلسفته الذاتية الجذرية- وهيوم وكانط وماخ مرورا بالفلسفات المعاصرة كالبنيوية النسبية التي هي صورة مختلفة من الذاتية، بالإضافة إلى مجموعة من الفيزيائيين الذين أعادوا ابتكار المثاليات السابقة في نظرياتهم العلمية.
  2. النسقية: بمعنى أن جميع صورها الأنطولوجية والابستمولوجية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية تدعم بعضها بعضا، فالفلسفة العملية كما يرى بونجي لابد أن تكون متماسكة مع كل المكونات الأخرى في النسق الفلسفي كالمنطق والابستمولوجيا والأنطولوجيا، وماهذه الأخطاء الواقعة في فلسفة العقل إلا نتيجة لعزل هذه المكونات بعضها عن بعض، والطريقة المثلى لمعالجة مشكلات العقل والمادة إنما تكون من خلال وضعها في نسق أنطولوجي شامل، وهذا التصور الوحدوي المتكامل من شأنه أن يعالج مشكلات الفلسفة معالجة صائبة بدلا من معالجتها بوصفها لغزا منفصلا، يقول بونجي معبرا عن أهمية الصلة والترابط بين الفروع الفلسفية: “وأعتقد أن الفلسفة تفتقر إلى عمود فقري من دون أنطولوجيا، وتكون ملتبسة من دون علم دلالة، وعديمة الرأس من دون ابستمولوجيا، وصماء من دون أخلاق، ومشلولة من دون فلسفة اجتماعية، ومهملة من دون تأييد علمي، ولاتوجد فلسفة على الإطلاق مع غياب هذه الأشياء”(6).
  3. العلمية: أي أن كل مايمكن دراسته يتم بحثه بواسطة المنهج العلمي، فهي إذن مادية علمية، وهذا مايميز مادية بونجي عن الماديات السابقة، ويعود ظهور المادية العلمية إلى عام 1850م حين ظهرت على يد بوخنر وجاكوب وكارل فخت، إلا أن هؤلاء كانوا ميكانيكيين بخلاف المادية العلمية المعاصرة التي يتبناها بونجي.
  4. الدينامية: فكل شيء عند بونجي قابل للتغير، إلا أن هذا التغير لايتم من خلال الصراع بين الأضداد كما يقول الديالكتيكيون.

 

وقد قام بونجي بمعالجة جل المشكلات الفلسفية والمعرفية والأخلاقية والاجتماعية، ونقد مختلف الفلسفات انطلاقا من هذه الرؤية المادية العلمية.

مشكلة العقل والجسم:

     تعتبر مشكلة العقل والجسم إحدى أصعب المشكلات الفلسفية، لدرجة أن شوبنهاور أطلق عليها (عقدة العالم)، وسماها ديفيد شالمرز (المشكلة الصعبة) مقارنة ببقية المشكلات السهلة المتعلقة بفلسفة العقل كمشكلة العقول الأخرى والإدراك والنوم والقصدية وغيرها.

     تكمن المشكلة في صعوبة فهم كيفية تأثير العقل في الجسد والجسد في العقل وهما من طبيعتين مختلفتين. حيث انقسم الفلاسفة في حل هذه العقدة إلى ثنائيين وواحديين، والواحديون ينقسمون إلى ماديين ومثاليين، وتأتي المادية في صور متعددة. ولحل هذه المشكلة يدافع بونجي عن صورة معينة من صور المادية تسمى المادية الانبثاقية أو (الواحدية العصبية النفسية)، وتعني أن كل نظام له خصائص منبثقة تفتقر إليها مكوناته الأساسية، فالحالات العقلية عند بونجي هي خصائص للدماغ تنبثق عن المجموع والكل، أي أنها منبثقة عن مجموعة من الأعصاب لاعصب واحد فقط، ويمثل بونجي لذلك بقطرة الماء والأسرة، فقطرة الماء لها سمات كالتوتر السطحي ودرجة الحرارة إلا أن مكوناتها الجزيئية تفتقر إلى هذه الخصائص، كذلك الأسرة لها خصائص من قبيل الانسجام مثلا لكن أفراد الأسرة  يفتقرون إلى هذه الخاصية.

     يشترك مع بونجي في هذه الرؤية للعقل كلا من جوزيف مارغوليس وجون سيرل وأتباع المادية الديالكتيكية، إلا أن بونجي أخطأ في نسبة القول بالثنائية إلى جون سيرل والماديين الديالكتيكيين، وقد وصف بونجي جون سيرل بالارتباك في الرؤية تجاه هذه المسألة، يقول بونجي: “والشيء الذي لايدعو إلى الدهشة أن تكون الثنائية العصبية النفسية هي فلسفة العقل الروسية الرسمية”(7).

     والصواب أن جون سيرل والماديين الديالكتيكيين يقررون دائما أن الوعي ما هو إلا خاصية منبثقة عن الدماغ لا أن هناك شيئين منفصلين: مثالي ومادي، وعمليتين مستقلتين كما ذكر بونجي، يقول جون سيرل: “بناء على الرأي الذي أطرحه: الوعي هو مستوى جهازي، هو صفة بيولوجية تماما، كما أن الهضم والنمو وإفراز المرة هي مستويات جهازية وصفات بيولوجية، بحد ذاته الوعي صفة دماغية ولهذا فهو جزء من العالم المادي”(8).

     ويقول مفصلاً نافيا وجود ظاهرتين مستقلتين: “إن العقلي هو بكل بساطة صفة من الجهاز المادي للدماغ، وثانيا: إذا جاز الكلام سببيا لاتوجد ظاهرتان مستقلتان؛ الجهد الواعي والشرارات العصابية اللاواعية، الشيء الوحيد الذي يوجد هو الجهاز الدماغي الذي يحتوي على مستوى واحد من الوصف، حيث الشرارات العصابية تحدث، ومستوى آخر من الوصف، مستوى الجهاز حيث الجهاز واع، وفي الحقيقة يحاول بصورة واعية أن يرفع الذراع حالما نتخلى عن المقولات الديكارتية للعقلي والمادي، حالما نتخلى عن فكرة أن هناك عالمين منفصلين عندئذ لاتوجد في الحقيقة مشكلة خاصة عن السببية العقلية”(9).

     يطلق جون سيرل على هذا المذهب (الطبيعية البيولوجية) وهو مذهب طبيعي باعتبار العقل جزءًا من الطبيعة، وبيولوجي لأن طريقة التفسير طريقة بيولوجية باعتبارها مقابلة للطريقة الحسابية أو السلوكية أو الاجتماعية أو اللغوية.

     وكذلك الحال بالنسبة للماديين الديالكتيكيين فإنهم يقررون عدم وجود ظاهرتين مستقلتين، وليس هناك واقعان منفصلان “كما توجد مثلا التفاحات النابتة على غصن شجرة التفاح وبشكل مرتبط به، بل هما عملية واحدة وحيدة والوعي هو حالتها الداخلية، وليس الوعي مادة أو شيء مادي”(10).

 

مشكلة الفصل بين العلم الحقيقي والزائف:

     أحد المشاكل الفلسفية المبحوثة في هذا الكتاب – والتي رأى بوبر أن حلها يعد مفتاحا لحل معظم المشكلات المتعلقة بفلسفة العلم – هي ماتعرف بـ (مشكلة الفصل) أو التمييز بين العلم الحقيقي والزائف، والتي تروم البحث عن معيار واضح وثابت يميز بين العلم واللاعلم.

     تعددت وجهات النظر في هذه المسألة، ووقع التباين الشديد بين فلاسفة العلم حول المعايير التي ينبغي تطبيقها للتمييز بين العلم الحقيقي والزائف، فكان أول حل قُدِّم لمعالجة هذه المشكلة على يد الفيلسوف ديفيد هيوم الذي أراد إخضاع كل المعارف للمنهج التجريبي، فاستبعد بذلك الدين وجعله داخل دائرة العلوم الزائفة فقال: “تناول الكتب الموجودة كتابا كتابا، واسأل عن كل كتاب منها: أهو من العلم الرياضي؟ أهو من العلم الطبيعي؟ إذا لم يكن كذلك فألق به في النار”(11).

     ثم جاء بعد هيوم المناطقة الوضعيون الذين استفادوا منه ووضعوا مبدأ التحقق الذي صاغه وايزمان معيارا للتمييز بين العلم واللاعلم، ومؤدى هذا المبدأ أن أي قضية يكون لها معنى إذا أمكن التحقق منها تجريبيا، وإذا لم يمكن لها ذلك فهي زائفة لامعنى لها، إلا أن هذا المبدأ تعرض لانتقادات عديدة من قبل الكثير من الفلاسفة.

     ثم برزت بعد ذلك العديد من الحلول لمعالجة هذه المشكلة كان من ضمنها تلك المعايير التي وضعها بونجي في هذا الكتاب وهي:

  1. المعيار الأول: قابليتها للتغير والتطور: وهذا بخلاف العلوم الزائفة التي تتصف بالركود وعدم التطور كما هو الحال بالنسبة للتحليل النفسي وعلم الاقتصاد المجهري الكلاسيكي الجديد، فالعلم الزائف علم عاقر لايولد مشكلات جديدة.
  2. المعيار الثاني: انسجامها واتساقها مع المعارف السابقة، فالتصادم مع بقية العلوم هو سمة من سمات العلوم الزائفة.
  3. المعيار الثالث: تداخلها مع بقية العلوم التجريبية الأخرى أو علم واحد فقط من تلك العلوم على الأقل، ومن أمثلة ذلك دراسة العقل والذاكرة التي هي من مباحث فلسفة العقل وعلم النفس وعلم الأعصاب، أما العلوم الزائفة فتكون دائما منعزلة عن بقية العلوم ومقطوعة الصلة بها.
  4. المعيار الرابع: أن العلوم الحقيقية تتحكم فيها الجماعة العلمية: ويقصد بونجي بهذا أن أصحاب العلوم الحقيقية يطرحون نظرياتهم وينشرونها في الوسائط العلمية كالمجلات وغيرها ويحاولون البحث عن الثغرات بغية معالجتها وتصحيحها، وهذا على الضد من العلوم الزائفة التي يحجم أصحابها عن النشر بحجة أن المجتمع العلمي مجتمع متحيز، بالإضافة إلى عدم اعترافهم بالخطأ فهم متيقنون دائما من صحة فرضياتهم ولايدخلونها ضمن دائرة الفحص.

     كان من ضمن النتائج المترتبة على هذه المعايير التي وضعها بونجي ومعه بعض فلاسفة العلم استبعاد الدين من دائرة المعرفة الحقيقية، لأنه في نظرهم علم زائف لايقوم على أسس علمية وليس له معايير واضحة ومنضبطة، يقول بونجي: “إن الدعوى المسكنة القائلة: يمكن أن يتعايش العلم والدين تعايشا سلميا لأنهما يتعلقان بسلطات غير متداخلة هي دعوى كاذبة، الدين والعلم في نزاع من الناحية الأنطولوجية لأن الدين يقرر وجود كائنات خارقة، بالإضافة إلى نفوس متحررة من الأجسام، على حين ينكر العلم ذلك، ولاينسجم أحدهما مع الآخر من الناحية المنهجية أيضا، لأنه على حين يبحث العلماء عن الحقائق؛ ترى رجال الدين يزعمون أنهم قد وجدوها بالفعل”(12).

     يتضح من خلال البحث في تاريخ المشكلة أن فلاسفة العلم لم يتفقوا على إيجاد معايير منضبطة واضحة خالية من النقد والاعتراض، وهذا ما جعل إيمري لاكاتوش -رغم قيامه بوضع  بعض المعايير- يعترف بأنها من المشاكل الكبرى صعبة الحل، كما ذهبت إليزابيث سيري إلى أن المشكلة غير قابلة للحل مطلقا.

     وكان لاري لودان أحد الفلاسفة الذين عارضوا اعتبار العلم الطبيعي هو النمط المعرفي الوحيد،  فقد دافع عن المعرفة متعددة الأبعاد، وذهب إلى أن المعايير التي وضعها بعض فلاسفة العلم -ومنهم بونجي- كالتقدمية والتراكمية والمقدرة على التصحيح الذاتي يمكن أيضا أن تنطبق على النظم المعرفية الأخرى، فقال: “كثيرا مايزعم البعض أن العلوم فقط هي التي تكون تقدمية وتراكمية، بينما مجالات البحث الأخرى تقدم تغيرات في أسلوبها وفي نمطها مما لايمكن وصفها بأي معنى على أنها تقدمية، وأحيانا تُطرح المقارنة بشكل مختلف فيقال أحيانا: إننا في العلوم يمكن أن نكتشف متى تكون افتراضاتها خاطئة، إلا أننا في النظم المعرفية الإنسانية لايمكن أن نكتشف ذلك، وكثيرا مايزعم البعض أن العلوم تقوم بتصويب ذاتها لكن غير العلوم تفتقد هذه الصفة المهمة…إلا أن هذا التمييز لن يصمد أمام البحث التفصيلي، إن بعض النظم المعرفية مثل الميتافيزيقا واللاهوت وحتى النقد الأدبي تعرض كل المقومات التي نحتاج إليها لعمل تقييمات عقلية للمزايا النسبية للإيديولوجيات المتنافسة في إطار هذه النظم، وغير العلوم مثلها مثل العلوم يوجد لديها كل مايوجد تماما في العلوم، توجد مشكلات إمبيريقية وتصورية، ولكل منها معاييرها لتقييم الكفاءة في حلول المشكلات، ويمكن توضيح أن كلا منها يحدث تقدما جوهريا في مراحل معينة من مراحل تطورها التاريخي”(13).

     كما عارض بوبر تفريق الوضعيين بين العلم الطبيعي وغيره من المعارف، “وأوضح أن النظريات العلمية فروضٌ قد تأتي بأية طريقة مثلما تأتي الفكرة الفنية أو الخرافة أو الأسطورة بأية طريقة”(14) ووضع مبدأه المعروف بـ (مبدأ القابلية للتكذيب) بديلا لمبدأ التحقق.

     وأكد أيضا على العلاقة الوثيقة بين الميتافيزيقا والعلم، لكنه لم يرد بذلك إثبات علمية الميتافيزيقا بل كان غرضه بيان دورها في تقدم العلم، وأهميتها في بناء النظريات العلمية، وإثبات استفادة العلم من الميتافيزيقا “كما هدت ماكسويل إلى محاولة تفسير العلاقات الملاحظة لضغط حرارة الغازات وحجمها ودرجتها، ومن المشكوك فيه تماما أنه كان في وسع دالتون وماكسويل التوصل إلى فروضهما العلمية المميزة دون اهتداء خططهما البحثية بالأفكار الميتافيزيقية للمذهب الذري”(15).

     وذهب فيرابند إلى إبطال المزاعم بوجود معايير يمكن من خلالها التفرقة بين ماهو حقيقي وماهو زائف، حيث دافع عن بقية المعارف والعلوم، وطالب من خلال مذهبه الفوضوي بالانفتاح على كل البدائل والأفكار، والاستفادة والتعلم من جميع المعارف والعلوم الإنسانية، وفسح المجال أمام وجهات النظر المختلفة وتوسيع نطاق المعرفة، ونبذ (العقلانية) الصارمة التي تعني الالتزام بأطر وقواعد مطلقة وثابتة لأنها في رأيه تقيد الفكر وتحد من الإبداع.

     استند فيرابند إلى التاريخ ليقرر أن كثيرا من المعارف قد تمر عليها فترات من الضعف والسقوط، لكنها سرعان ماتعود للمنافسة وتصحيح نفسها، وتقدم العلم عليها في بعض الفترات ليس لكونه العلم الحقيقي الوحيد، بل قد يكون أحيانا تحت ممارسة نوع من الضغوط السياسية والعسكرية، كما حصل للطب التقليدي في الصين الذي تمت إزاحته بفعل السطوة المادية الغربية واستمر الوضع على اعتبار الطب التقليدي أحد العلوم الزائفة، إلى أن قام الحزب الشيوعي الحاكم برئاسة ماو تسي تونغ  بإعادة الاعتبار إليه في خمسينيات القرن الماضي، بالإضافة إلى فتح المجال للمنافسة الحرة والعادلة بين مختلف العلوم، فاكتُشف بذلك أن لدى الطب التقليدي مجموعة من الوسائل التشخيصية تفوق تلك الموجودة في الطب العلمي الغربي.

     ويدحض فيرابند مايذهب إليه العلماء الطبيعيون من أن العلم مستقل بذاته وأنه لايدين بشيء لبقية المعارف بطرح أمثلة تاريخية مضادة تبين أن العلم استفاد من الدين وغيره من العلوم، وهذا ماذهب إليه أيضا ألبرت أنشتاين؛ فقد قال مقررا العلاقة الوثيقة بين الدين والعلم ودور الدين في تقدم البحث العلمي: “أؤكد أن الشعور الديني الكوني من أنبل وأقوى الحوافز على البحث العلمي…وبالرغم من أن الاتجاه العلمي والاتجاه الديني كلا منهما على حده ينفصلان عن بعضهما بصورة واضحة فهناك علاقات متبادلة قوية بينهما، وأمور يعتمدان فيها كلا منهما على الآخر”(16).

     لم يقصد فيرابند من فلسفته الفوضوية نبذ العلم وإقصائه من ميدان المعرفة كما فهم البعض، بل يقصد عدم السماح للعلم بالهيمنة وبسط سلطته على بقية المعارف، وبيان عدم كفايته لوحده، والدعوة إلى إعطاء بقية المعارف مساحة كافية لطرح ماتقوله دون إقصاء.

     وأما ماذهب إليه بونجي وغيره من إثبات التعارض المطلق بين الدين والعلم واستحالة التآلف بينهما فغير صحيح، فإن الدين الإسلامي الحق لايتعارض مع (الحقائق العلمية) التي يقررها العلم الطبيعي، ويمكن هنا أن نستعير الجواب الذي قدمه ابن تيمية على مسألة التعارض بين العقل والنقل ونطبقه على مسألة التعارض بين العلم والدين فنقول: إن النقل منه ماهو قطعي ومنه ماهو ظني، وكذلك العلم الطبيعي منه ماهو (حقائق علمية قطعية) ومنه ماهو ظني، فإذا ادعى أحدهم وقوع التعارض بينهما فلايخلو إما أن يكونا قطعيين، أو يكونا ظنيين، أو يكون أحدهما ظنيا والآخر قطعيا:

  1. ففي حال التعارض بين القطعي والظني منهما: فإن المقدم هو القطعي سواء كان النقل أو العلم التجريبي، وتقديم العلم التجريبي لا لكونه علما تجريبيا بل لكونه قطعيا.
  2. وفي حال التعارض بين الظني النقلي والظني العلمي الطبيعي: فالمقدم هو الراجح منها، فأيهما ترجح كان هو المقدم سواء كان النقل أو العلم الطبيعي.
  3. وأما التعارض بين القطعي النقلي والقطعي العلمي الطبيعي فممتنع، لأن الباري سبحانه هو الذي أنزل الدين وهو الذي خلق المادة ووضع قوانينها، والتعارض المتوهم هنا مرده إما إلى الخطأ في فهم دلالة النص الشرعي أو عدم ثبوت النظرية العلمية.

     وقد أوضح فلاسفة العلم الثلاثة توماس كون من خلال مفهوم الثورات العلمية وفيرابند الذي وقف ضد المنهج وكارل بوبر أن العلم الطبيعي التجريبي ليس فيه شيء قطعي يقيني، فكل مايقدمه قابل للتغير والتطور، يقول كارل بوبر: “ليس في الأساس التجريبي للعلم الموضوعي أي شيء مطلق، فالعلم لاينبني على أساس من الصخر، وإنما إن صح التعبير على أرض موحلة يقيم عليها نظرياته الجسورة، إنه بناء على أعمدة مغروسة في الوحل من علٍ ولايتوقف غمسها عند حد طبيعي معطى سلفا، ولايتوقف السبر لأن الأعمدة قد وصلت إلى طبقة صلبة واصطدمت بها؛ وإنما لأننا نكتفي بالعمق الذي وصلت إليه، لأننا نأمل أنها تستطيع تحمل البنية في الوقت الحاضر على الأقل”(17).

     فالعلم التجريبي لايكون قطعيا وموضوعيا ومحايدا دائما كما يعتقد كثير من الناس، بل هو عرضة للخطأ والقصور في البحث وغياب الموضوعية والتحيز وطغيان النظرة الذاتية، وهذا مابينه فلاسفة مدرسة فرانكفورت خصوصا هابرماس في كتابه المعرفة والمصلحة، حيث أكد على أن المصلحة قد تكون هي الـمُسيِّرة للعلم الطبيعي التجريبي في بعض الأحيان، وليس كما يصور العلمويون العلم بأنه موضوعي ومحايد تماما، وأما بالنسبة لمبدأ التحقق الذي وضعه فلاسفة الوضعية المنطقية فإنه لايمثل إشكالا على إثبات الأمور الغيبية عندنا، لأن هذه الغيبيات موجودة متحققة في الخارج ويمكن إدراكها بالحس عند توفر الشروط لمن اختصه الله بذلك كما وقع لبعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكما سيقع في الدار الآخرة.

حرية الإرادة:

     وقع الاختيار على هذه المسألة لكونها من أكبر المسائل الشائكة في الفلسفة، والأكثر إثارة للجدل، فقد تشعبت فيها الآراء، ودار حولها نزاع حاد بين الفلاسفة، ونظرا لأهميتها صارت محل بحث في عدة مجالات كفلسفة العقل وعلم الأعصاب والعلم المعرفي وغيرها من المجالات.

ويمكن أن نقول إن الآراء في هذه المسألة تعود إجمالا إلى مذهبين رئيسيين:

  1. التوافقية: التي ترى أن الحرية متسقة ومتفقة مع الحتمية السببية، فليس هناك تعارض بين الحرية والحتمية، ويطلق على التوافقية أحيانا (الحتمية اللينة) في مقابل الحتمية الصلبة التي تنفي حرية الإرادة.
  2. اللاتوافقية: التي ترى أن الحرية لاتتفق مع الحتمية السببية، فإما حرية الإرادة وإما الحتمية، ثم ينقسمون إلى:
    أ- ليبرتاريين: يقررون الحرية وينفون الحتمية السببية، فتصرفات الإنسان كما يرى هؤلاء إنما تنبع من الذات، وبالتالي لا وجود لأسباب سابقة منفصلة تؤثر فيه، فهي حرية غير مقيدة.
    ب- وتشككيين: يرون أن الحرية مستحيلة.

     تبنى بونجي المذهب التوافقي–وهو المذهب السائد عند الفلاسفة خلال القرن العشرين- حين أكد أولا على حرية الإرادة مستندا على الوعي بالحرية وبالطريقة التي نتصرف بها، والشعور بأننا أحرار في جميع أفعالنا، فـ“أنا أكتب هذه الجملة لأنني أريد أن أكتبها، وليس لأن أي شخص أمرني بذلك، وأنا أمارس الإرادة الحرة في كل مرة أقوم فيها باختيار بين البدائل”(18).

     يضيف بونجي أن المسؤولية الأخلاقية وقواعد السلوك والثواب والعقاب تفترض مسبقا حرية الإرادة، فعندما يصدر منا فعل ينتج عنه ضرر معين فإن المجتمع يتوجه بطبيعته إلى إلقاء اللوم علينا، وربما تقوم السلطة بتوجيه العقاب التي تراه مناسبا لهذا الضرر، ولوكانت تصرفاتنا نتاجا للجبرية أو الحتمية الصلبة لما كنا مستحقين للثواب أو العقاب.

     ولكن يمكن أن تكون فكرة “أننا أحرار” أن يكون مجرد وهم، فالحقيقة أن تصرفاتنا محتومة ومحددة مسبقا بفعل أسباب خارجة عنا كما يقول غلاة الحتمية من الفلاسفة الطبيعيين أمثال اسبينوزا ودي هولباخ وبعض العلماء كلابلاس وسكنر بحجة أن المخ مجرد منفعل بما يأتي من البيئة الخارجية، وبالتالي فكل قراراتنا مقيدة بالمثير كما يقول علم الأعصاب الكلاسيكي وعلم النفس السلوكي.

     يدلل بونجي على بطلان هذا الرأي بالدراسة العلمية التي أجراها دونالد أولدينغ هيب (1985م)، فقد أثبتت تجارب هيب أن المخ فعال ونشط في جميع الأوقات حتى خلال النوم، وأن فاعليتنا متولدة ذاتيا على عكس مايدعيه بافلوف من كونها مجرد استجابات لمثيرات خارجية، فمركز الإرادة الحرة يقع في القشرة الجبهية الأمامية من الدماغ، وبالتالي إذا أصيب الإنسان بأذى في هذه المنطقة من الدماغ يصبح فاقدا لحرية الإرادة، لذلك لايستطيع مرضى الجراحة الفصية أن يستمتعوا بهذه الحرية.

     هذه الحرية التي يقررها بونجي ليست حرية سلبية بمعنى أن الإنسان يتخذ قراراته بمعزل عن المؤثرات الاجتماعية والطبيعية، بل يرى أن البيئة الطبيعية والاجتماعية تؤثر أيضا في خيارات الإنسان، فهي حرية إيجابية متوافقة ومتساوقة مع الحتمية، وبهذا يؤكد بونجي أنه ليس هناك تناقض بين التسليم بالحتمية واعتبار الآخرين مسؤولين عن تصرفاتهم.

     يذهب بونجي إلى أبعد من ذلك فيثبت حرية الإرادة لدى الحيوانات، مستدلا بتعامل هذه الحيوانات مع المشكلات الجديدة بطرائق جديدة، لكن لما كانت الإرادة مشروطة بالوعي فإن من الواجب أولا البحث عن إجابة السؤال التالي: هل للحيوانات وعي؟ هذه المسألة لازالت محل جدل كبير عند علماء نفس الحيوان، فالبحوث الأخيرة لاتدعم بشكل مؤكد الرأي القائل بأن الحيوانات لديها وعي مثلما هو موجود عند البشر، ومن وجهة نظري أن للحيوانات نوعا من الوعي يخالف عن الوعي الموجود لدى البشر يُمكِّنها من الشعور بذاتها ومن التعامل مع محيطها، يسمي أنطونيو داماسيو هذا الوعي (الوعي الصميمي) في مقابل (الوعي الموسع) حيث يزود الوعي الصميمي الكائن الحي بالإحساس بالذات بشأن لحظة ما -الآن- وبشأن مكان ما -هنا-، مجال الوعي الصميمي هو هنا والآن.

     أما الوعي الموسع فهو أكثر تعقيدا من الوعي الصميمي، وهذا النوع من الوعي يجعل الإنسانَ مدركا للماضي والحاضر والمستقبل المتوقع ومطلعا باهتمام على العالم من حوله، فهو ظاهرة بيولوجية معقدة لديها عدة مستويات من التنظيم(19).

     وإذا كانت الحيوانات تملك نوعا معينا من الوعي أقل من الوعي الإنساني فإنها بالتالي تملك نوعا من حرية الإرادة يتناسب مع وعيها.

 


الهوامش:

(1) – بونجي، ماريو. المادة والعقل، بحث فلسفي. ترجمة صلاح إسماعيل، القاهرة. المركز القومي للترجمة. الطبعة الأولى. 2019م. ص117.

(2) – المصدر نفسه، ص414.

(3) – المصدر نفسه، ص85-86.

(4) – المصدر نفسه، ص221.

(5) – لينين، فلاديمير. المادية والمذهب النقدي التجريبي. دار التقدم. 1981م، ص61.

(6) – بونجي، ماريو. المادة والعقل، ص70.

(7) – المصدر نفسه. ص341.

(8) – سيرل، جون. العقل، مدخل موجز. ترجمة ميشيل حنا متياس، الكويت. المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب. 1428ه، ص97.

(9) – المصدر نفسه، ص168.

(10) – جيرار بن سوسان وجورج لابيكا. معجم الماركسية النقدي. ترجمة جماعية. بيروت. دار الفارابي. ص1135. وجماعة من الأساتذة السوفييت. المادية الديالكتيكية. ترجمة فؤاد مرعي وبدر الدين السباعي وعدنان جاموس. دار الجماهير. ص136.

(11) – زكي نجيب. قصة عقل. مؤسسة هنداوي. ص73.

(12) – بونجي، ماريو. المادة والعقل، بحث فلسفي. ص383.

(13) – لودان، لاري. التقدم ومشكلاته نحو نظرية عن النمو العلمي. ترجمة فاطمة إسماعيل، القاهرة. المركز القومي للترجمة. الطبعة الأولى، 2016، ص221.

(14) – الخولي، يمنى طريف. فلسفة كارل بوبر. القاهرة. الهيئة المصرية العامة للكتاب. 1989م، ص339.

(15) – جيليز، دونالد. فلسفة العلم في القرن العشرين. ترجمة جسين علي. دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2009، ص448.

(16) – آنشتاين. أفكار وآراء. ترجمة رمسيس شحاتة. القاهرة. الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986م، ص244.

(17) – بوبر، كارل. منطق البحث العلمي. ترجمة: محمد البغدادي. بيروت. المنظمة العربية للترجمة. الطبعة الأولى. 2006م. ص139-140.

(18) – المادة والعقل، بونجي، ص534.

(19) – داماسيو، أنطونيو. الشعور بمايحدث، دور الجسد والعاطفة في صنع الوعي. ترجمة رفيف كامل غدار. بيروت. الدار العربية للعلوم ناشرون. الطبعة الأولى. 1431ه-2010م، ص24.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى