عام

جناية الإنسان على الأسرة

  • خالد الهذلول

الأسرة تنظيم اجتماعي أصيل في التاريخ، وأول وجود للإنسان على هذه الأرض كان وجودًا أسريًا، حين أهبطَ الله عز وجل آدم وزوجه إلى الأرض، ثم كتب بينهما نسلًا نشأوا في هذه الأسرة الصغيرة العريقة.

ثم جنى الإنسان جنايات متعددة على هذه الأسرة، آخرها وقد تكون أبشعها- جناية الإنسان الغربي وتمرده على هذا النظام الإنساني الطبيعي.

كيف تفككت الأسرة في المجتمعات الغربية؟ ألخص كلامًا لعبدالوهاب المسيري يشرح فيه هذا التحول الذي طرأ على نظام الأسرة.

صار تحقيق الطموح الوظيفي والاستقلال المالي محل اعتناء واهتمام كبيرين -خصوصًا من المرأة– على حساب العناية بالأسرة وبنائها والمحافظة عليها، فالأب يعمل والأم تعمل كذلك.

وصارت الأسرة أيضًا نظامًا مؤقتًا قابلًا للانحلال، فحين يبلغ الطفل سن السادسة عشرة فإنه يترك المنزل، وحين يشيخ الأب فقد ينتقل إلى بيوت المسنين.

وقد يتفكك هذا النظام كاملًا بالطلاق، وهو احتمال قوي جدًا. وقد تتكون الأسرة أصلًا من عضوين غير مرتبطين ببعضهما برباط الزواج، أي أنها قابلة للانحلال والسقوط بشكل كبير متى ما شعر أحد الطرفين أن العلاقة لم تعد مشبعة، بعكس العلاقة الزوجية التي يفترض أن أطرافها مرتبطون ببعضهم ارتباطًا دائمًا مهما طرأ على هذه العلاقة من ضعف أو فتور.

تحدث المسيري أيضًا عن فكرة «الترانسفير»، وذكر أن الأسرة من مظاهر هذه الفكرة، فللأسرة أشكال تُستحدث باستمرار وليس شكلًا واحدًا فقط، فقد تتكون من ذكروذكر أو أنثى وأنثى، وقد تكون القسمة ثلاثية وليست ثنائية أي أنها تتألف من ذكر وذكر وأنثى، فإذا كانت الأسرة بهذه السيولة فواضح أن التنظيم الاجتماعي لم يعد قائمًا ولا معتمدًا عليها، بل يمكن أن تتلاشى في أي وقت ويحل محلها نظام أو شكل جديد.

مصطفى حجازي، أستاذ علم النفس اللبناني، له أبحاث قيمة في أهمية علاقة الطفل بأمه خصوصًا في سنواته الأولى، وفي أن الطفل منذ ميلاه مُزوّدٌ بآليات عصبية دماغية للتفاعل مع الأم، وفي أن الإحباط الذي يتعرض له الطفل في علاقته مع أمه يؤثر على بنيته وتكوينه النفسي تأثيرًا كبيرًا.

وهذا الإحباط الذي قد يشعر به الطفل تجاه أمه ليس مقصورًا على الحرمان الكلي من الأم، بل حتى الانفصال المؤقت له آثار مخيفة على نفسية الطفل.

“وضع [جون بولبي] كتابًا خاصًا في هذا الموضوع بعنوان: الانفصال، القلق، الغضب. يذهب «بولبي» إلى أن سلوك التعلق بالأم يترسخ في الشهر السادس من العمر،ولذلك فإن كل الأطفال يضطربون إذا عُزلوا عن أمهاتهم بعد هذا العمر وحرموا منهن، من خلال وضعهم في المؤسسات أو المستشفى”.

بل إن الطفل من شدة تعلقه بأمه فإن مجرد التهديد بالهجر والانفصال يثير لديه مخاوف قد لا تقل عن المخاوف الناشئة عن فقدانه فعلًا لأمه.

طورتْ «ماري إينسوورث» نظرية «بولبي»، وأضافت إليها أن العلاقة العاطفية بين الطفل وأمه دافع أوّلي كالحاجة إلى الغذاء والنوم والحماية، وليست دافعًا ثانويًا ناشئًاعن تلك الحاجات. وتذهب هذه النظرية كذلك إلى أن نوعية العلاقة الأولية مع الأم منذ الشهور الأولى هي التي تحدد صحة الطفل النفسية أو تعيقها، إضافةً إلى مُحدِّدات أخرى.

وهذه الرعاية الأموية للطفل وإشباعه عاطفيًا ونفسيًا يصعب أن توجد خارج الأسرة، لأنه إذا لم تكن الأم مرتبطة بزوج ينفق عليها فستضطر هي للعمل، ثم يتعرض طفلها لفقدانها بشكل يومي، حتى يفتقد الأمن النفسي الذي قد يؤثر على انطلاقته وتنمية مهاراته وانفتاحه على العالم.

الأسرة نظام إنساني تراحمي، تشيع فيه الرحمة والحب -أو هذا ما يُفترض فيه-، وكل الأنظمة والبدائل الأخرى التي قد تحل محل الأسرة لن تُشبِع الطفل إشباعًا وافيًا بكلحاجاته ومطالبه.

يختلف تماسك الأسرة في المدن الكبيرة والعواصم عن القرى والأرياف، العواصم غالبًا ما يُشغَل الإنسان فيها بمهام وأعباء أكثر من إنسان المحافظة والريف، إنسان العاصمة ليس لديه فراغ كبير لتعاهد هذا البنيان والمحافظة عليه وتطويره، -بنيان الأسرة بأوسع معانيه وليس الأسرة الضيقة فقط-.

يرى «علي عزت بيغوڤيتش» أن الحضارة الحديثة وما نتج عنها من تغيرات اجتماعية واقتصادية أثرت في النظام الأسري، فحالات الزواج في عدد من المجتمعات الغربية في تراجع مستمر مع تزايد في حالات الطلاق، وتزايد لعدد النساء العاملات وتزايد لعدد المواليد غير الشرعيين، ووجود أسر تقوم على أحد الوالدين فقط وهي الأم، كل هذه المظاهر وغيرها أثرت في تماسك الأسرة، وصارت الأسرة بسببها بناءً هشًّا لا يمكن أن ينشأ فيه الطفل نشأة طبيعية.

ثم ساقَ عددًا من الإحصائيات التي تؤيد كلامه، ففي سنة ١٩٦٠م مثلًا في (كاليفورنيا) تساوى عدد حالات الزواج مع عدد حالات الطلاق، وتصاعدت نسبة حالات الطلاق إلى حالات الزواج تصاعدًا مفاجئًا، فقد كانت النسبة في أمريكا سنة ١٩٦٠م ٢٦٪؜، وفي سنة ١٩٧٥م ارتفعت النسبة إلى ٤٨٪؜، وكذلك في مناطق أخرى من العالم، كالاتحاد السوفييتي وسويسرا وغيرها.

وفي استبيان أجري في فرنسا بين طالبات المدارس، كانت الرغبة في الاستقبال والحياة السائبة تأخذ المحل الأول بين الرغبات، بينما جاءت الرغبة في الزواج في آخر القائمة.

وبطبيعة الحال، إذا كان هناك عزوفٌ عن الزواج ورغبة في إشباع الغريزة دون الالتزام بأي مسئوليات، وإذا كان هناك إقبالٌ من النساء على العمل والوظيفة تأثرًا بالأفكار الشائعة التي تدعو إلى أن تستقل المرأة بنفسها وتؤسس لنفسها مصدر رزق خاصًّا بها؛ فإن النظام الأسري مهدد بالانحلال والانقراض.

وهذه الأسباب كلها التي أدت إلى تراجع دور الأسرة هي من مُفرَزات الحضارة المعاصرة، والحضارة الغربية اليوم بأفكارها ومؤسساتها وأسلوبها واقتصادها غير منسجمة مع الأسرة، ولا يمكن لهذه الحضارة أن تنجز أهدافها في مجتمع تتمتع فيه الأسرة بمكانة كبيرة.

اتجاه الحضارة الغربية إلى تحقيق معدلات عالية في الإنتاج والتصنيع والاستهلاك أدى إلى إشراك المرأة في هذه العجلة، فهذه المعدلات ستصل إلى مستوى معين لايمكن أن تتعداه في ظل مكوث النساء في بيوتهن.

 ثم إذا اقتحمت المرأة هذا الميدان فإن أداءها في مؤسسة الزوجية سيتأثر، ورعايتها لبيتها ستتدنى، ثم لن تحتفظ الأسرة بتماسكها وفعاليتها كما كانت.

قد يوجد أفراد كثيرون في هذه المجتمعات عائليون بطبعهم، وتميل أمزجتهم إلى الارتباط الدائم وتكوين أسرة يتعاهدونها بالتربية والتوجيه، إلا أن هذه الحالات استثناءات لا تلغي كون الأسرة عائقًا في طريق الحضارة.

يشيع في هذه الحضارة أن العائلة عائق عن تحقيق الإنسان لطموحاته المهنية، وقد يضطر للكذب أحيانًا على الإدارات المسؤولة عن التوظيف بخصوص حالته الاجتماعية، حتى يُطَمْئنَهم إلى أن ولاءه خالصٌ للوظيفة والمهنة، ولن تشغله الأعباء العائلية عن الإنتاج والعمل. وهو موقف طبيعي في ظل حضارة لا تكترث كثيرًا بالأسرة، وخصوصًا إذا كانت الأسرة تؤثر في الأداء المهني للموظف.

تحدث «زيجمونت باومان» في كتابه: [الحب السائل – عن هشاشة الروابط الإنسانية] عن طبيعة العقلية الغربية وتفلّتها وعدم تحملها للارتباط والالتزام الدائميْن، فالتفلت الجنسي الذي تعيشه المجتمعات الغربية لا يسمح للأسرة بأن توجد وجودًا طبيعيًا، لأنه إذا كانت الرغبة يمكن أن تُشبَع إشباعًا فوريًا فلماذا تُعكَّر بالارتباط؟

وتحدث كذلك عن تحول مفهوم الحب وعلاقته بالجنس، حين لم يكن الجنس ممكنًا لكثيرين إلا عن طريق الزواج والالتزام الدائم بشريك أبدي، مع ما في هذا الالتزام من مخاطر وتبعات وتكلفات، ثم بدأ الجنس بالانفكاك عن الحب والارتباط شيئًا فشيئًا، حتى صار بمقدور الإنسان أن يمارسه دون أيّ تبعات، وهذا الخيار الأخير أكثر إغراءً بطبيعة الحال، خصوصًا في مجتمعات استهلاكية تحب الجِدّة والتنوع وتستخدم البضائع -والبشر أيضًا- وتتخلص منها بعد استهلاكها.

ثم أطلق عبارة بديعة شرح فيها الفارق الرئيسي بين الزواج واللقاءات العابرة: «إن الزواج هو قبول التبعات التي ترفض اللقاءات العابرة قبولها»، وحين تحظى اللقاءات العابرة بإقبال وإعجاب، وحين يُسوَّق لجاذبيتها وطرافتها وخفتها فإن النظام الأسري سينهار.

أما الموقف الإسلامي خصوصًا والديني عمومًا من الأسرة فهو موقف مختلف جذريًا عن الموقف الغربي، فالإسلام أولًا يدعو إلى الزواج ويحث عليه: [يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج..] -متفق عليه-، والزواج بطبيعة الحال هو اللبنة الأولى في بناء الأسرة، ويحرم الإسلام الزنا ويعده من الكبائر، ويغلّظ الحد على الزاني إذا كان محصَنًا، ثم يوجب على الرجل النفقة على زوجه، ويوجب على الأبناء الإحسان إلى والديهم عمومًا وحين يكبرون خصوصًا.

وحتى حين يكره الرجل زوجته فإن القرآن لا يرشده إلى الطلاق وهدم هذه العلاقة المقدسة مباشرة بل يدعوه إلى التريث والصبر: {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} وحتى إذا عزم على الطلاق، فليس بجائز له في كل وقت، وإنما يطلق في طهر لم يقع فيه وطء، وحتى إذا طلق طلقة أو طلقتين فللزوج أن يراجع زوجته دون عقد جديد، وهكذا تجد أن الشريعة لا تتشوف إلى هدم هذا البنيان، بل تحرص على إبقائه قدر المستطاع.

والعبارة المنسوبة لعمر رضي الله عنه: «هل كل البيوت تبنى على الحب؟» قالها لرجل يريد طلاق امرأته لأنه لا يحبها، فأخبره رضي الله عنه أن الأسرة لا تُهدم لمجرد عدم الإحساس بالحب، لأنها أعظم من أن تُدار بمجرد العاطفة.

وقد نظّم الإسلام معظم المواضيع المتعلقة بالأسرة تنظيمًا دقيقًا، يشير إلى اهتمامه بهذه النظام وعنايته بضبطه وإحكامه، كالزواج والطلاق والرضاع والنفقة، والحضانة والخلع وغيرها.

كتَبَ بيغوڤيتش في الفرق بين موقف الإسلام والحضارة المعاصرة من الأسرة: “لقد كرست جميع الأديان الأسرة باعتبارها عش الرجل، واعتبرت الأم المعلم الأول الذي لايمكن استبداله بغيره، أما الطوبيا فإنها تتحدث دائمًا بابتهاج عن التعليم الاجتماعي ومدارس الحضانة وبيوت الأطفال وأمثال ذلك. وبصرف النظر عن رأينا الخاص في هذه المؤسسات فإن هناك شيئًا واحدًا مشتركًا فيما بينها جميعًا، ألّا وهو غياب الأم ووضعُ الأطفال في رعاية الموظفين”.

مع وجود الحضانات ودُور التنشئة “لا نرى أمًا ولا أسرة…فبدلًا من التربية أو تنشئة الإنسان، نواجه عملية تكنولوجية كأننا بإزاء إنتاج دواجن”.

“لقد ألحقت الحضارة الخزي بالأمهات بصفة خاصة…إنها الحضارة التي أعلنت أن الأمومة عبودية، ووعدت بأن تحرر المرأة منها، وتفخر بعدد النساء اللاتي نزعتْهن من الأسرة والأطفال لتلحقهن بطابور الموظفات”.

مهاجمة النظام الأسري ومضايقته أو الاحتفاء به والدعوة إليه مرتبطة بفهمنا للإنسان وتصنيفنا له، فحين يصنف الإنسان تصنيفًا لادينيًا، ويكون الغرض من وجوده استهلاك أكبر قدر من المتع والملذات، فلن يرى في الأسرة ضرورةً أو احترامًا، بل سيراها عائقًا دون رغباته.

بناءً على ما سبق، فإني أرى أن أي استنقاص من شأن الروابط الأسرية أو التقليل من أهميتها أو قطع الصلة بأعضائها جنايةٌ تساهم -صراحةً أو ضمنًا، بقصد أو دون قصد- في تحطيم المجتمع وهدم الأساس الذي يقوم عليه.

وبالمقابل فإني أفرح حين أرى كل ما يدعو إلى احترام الأمومة والأبوّة، والإحسان إليهم والبرّ بهم، هذه الدعوات تؤكد -من حيث تدري أو لا تدري- قداسة الأسرة، وإنسانيتها، وأهميتها، وأنها المحضِن الإنساني الوحيد لتنشئة الطفل وتربيته وتعليمه وإشباعه.

اقرأ ايضًا: الإطاحةُ بالأسرة: عالمٌ جديد شُجاع كنموذجٍ مُتحقّق

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى