عام

هل من الممكن وجود اعتقاد دون لغة؟

  • تأليف : كريستين أندروز – Kristin Andrews
  • ترجمة : زينب بنت فؤاد عبدالمطلب
  • تحرير : ناريمان علاء الدين

يمكننا التساؤل عما يفكر أو يشعر به الآخرون، دون سماعهم يقولون أية كلمة.

تمسك طفلتي الصغيرة بمخروط المثلجات الفارغ، مراقبةً بيأس كرة من المادة اللزجة، ذائبة على الأرض. من الواضح أنها حزينة، لأنها فقدت تحليتها. يفرك قردٌ رأسه بورقة شجر، ثم يمرر الورقة لمقدم الرعاية الإنسان. لأية شخص على دراية بمحمية القرود في بورينو في أندونيسيا، من الواضح أن القرد يريد رأسه منظفاً. لوحظ اقتراب سفينة فضائية، قادمة من الفضاء الخارجي من كوكب الارض. تأمل البشرية أن نواياهم مسالمة.

تدل تصوراتنا لمشاعر ونوايا الأطفال الصغار، والحيوانات، والمخلوقات الفضائية على أنه من الممكن أن تكون مفكراً (قادراً على التفكير) دون أن تكون متكلماً (قادراً على استخدام اللغة). لكن أنكر بعض الفلاسفة هذا الأمر، مجادلين أن مستخدمي اللغة فقط، هم من يمكنهم الاعتقاد بأية شيء. يتطلب فهم وجهة النظر هذه، بعض الشرح لطبيعة كل من اللغة والاعتقاد.

لا تستخدم طفلتي اللغة بعد. لا يملك القرد، مثل كل الحيوانات غير البشرية، منظومة لغوية طبيعية. ربما لا تملك الكائنات الفضائية أية شيء يشبه لغة البشر؛ إذا افترضنا أنهم يتقاسمون عقلاً مشتركاً، وأنهم يتواصلون فيما بينهم بنفس الطريقة، التي تعمل بها أنظمة أجسادنا الفرعية. يمكن لهذه المخلوقات أن تتواصل، لكن لا يمكنهم استخدام اللغة- أسلوب التواصل البشري الذي يملك بناءً قواعدياً يمكّننا من إنشاء جمل”بناء منطقي”-يمكننا من استخلاص استنتاجات، من مجموعات من الجمل إلى جمل جديدة، والذي يتيح امتلاك هذه الجمل لقيمة حقيقية.

اللغة مؤثرة، ولكنها ليست مؤثرة كفاية، لتخلق أفكاراً من لا شيء.

تُوصف المعتقدات عادة بأنها تمثيلات عقلية، ذات تركيب مبني على الفرضيات، مما يعني إمكانية وصفها باعتبار الجُمل. تتيح لنا الاعتقادات الاستنتاج العقلاني، بحيث أننا نستطيع استخدام مجموعات من الاعتقادات حول العالم، لاستنتاج أمور جديدة عن العالم، ذات قيمة حقيقية، بمعنى أن معتقداتنا إما أن تكون صحيحة أو خاطئة.

بالنظر إلى التركيب المتماثل بين اللغة والاعتقاد، ربما لا يكون من المفاجئ، تصوّر بعض الناس لاستحالة وجود اعتقاد دون لغة. يبدو أن كل من اللغة والاعتقاد، يملك تركيباً جُملياً، يتيح لنا التفكير بأشياء مثل: كل الكلاب من الثدييات، فايدو كلب، ومن هاتين الفكرتين، ننتهي إلى أن فايدو من الثدييات. من هذا النوع من الملاحظات، نقوم بتطوير فرضيات. ربما نحن نفكر باللغة! ربما تكون اللغة ضرورية للاعتقاد أصلاً. وربما يكون تركيبها اللغوي هو الذي يتيح لنا حل المشكلات و تكوين التعميمات. على أية حال، اللغة مثل السحر، مُتيحةٌ لإيجاد عدد لا متناه من الأفكار الجديدة، من خلال مجموعة أدواتها المتناهية.

هي ليست بالفرضية السيئة، لكنها لا تصمد أمام التمحيص. اللغة مؤثرة، لكنها ليست مؤثرةً كفاية، لتخلق أفكاراً من العدم. يمكن استخدام اللغة لتكوين مفاهيم جديدة، تتيح لنا التفكير بأفكار جديدة، نستطيع بالتالي استخدام اللغة لتكوين اعتقادات لم نكن نملكها مسبقاً. تقول فرضية بديلة، بأنه بدون وجود شيء للتفكير به في المقام الأول، لن يكون هناك شيء للتحدث عنه. الأفكار تحفز اللغة.

وفقاً للنظرية البديلة، تكون اللغة وسيلة لنقل الأفكار. إذا كانت وظيفة اللغة هي نقل ما نفكر به، سيقدم هذا الأمر تفسيراً آخر للسبب وراء التراكيب المتماثلة بين اللغة والاعتقاد: الاعتقاد ضروري لوجود اللغة، لكن اللغة غير ضرورية لوجود الاعتقاد.

على الأرجح، كانت وظيفة اللغة الأولى، هي نقل معتقدات البشر الأولية. قبل استخدام البشر للغة، كان عليهم اكتشاف كيفية صنع أدوات حجرية، تتّبع وقتل الحيوانات، و تحضير لحومهم للأكل. يمكننا استخدام اللغة لوصف معتقدات البشر الأوائل، حيث كانوا يرمون حرابهم نحو الأدغال لأنهم اعتقدوا أن ظبياً يختبئ داخلها. من السهل بالنسبة لنا استخدام اللغة، لوصف معتقداتنا ومعتقدات الآخرين، إذا تطورت اللغات البشرية، لتعرّف ما اعتقدته البشرية سابقاً. يرجع التماثل بين الاعتقاد واللغة، إلى أن تكوين المعتقد، قيّد تطور اللغة. لولا وجود بعض المعتقدات التي تستحق أن تُنقل، لن يكون هناك حاجة بشرية قط لتطوير مَلَكَة لغوية.

تقدم الفرضيتان توقعاتٍ مختلفة عن الصلة المفاهيمية بين اللغة والاعتقاد، إذا كانت اللغة ضرورية لوجود الاعتقاد، بالتالي يجب أن يكونا متشابكين مفاهيمياً، ولا يجب أن يوجد أية دليلٍ على وجود الاعتقاد، لا يخدم كدليلٍ على وجود اللغة. ومع ذلك، عندما نفهم المعتقد من حيث امتلاكه لخصاصية التفكير، واللغة من حيث امتلاكها لخصاصية التواصل، نستطيع بذلك أن نفهم وجود دليلٍ على وجود الاعتقاد، لا يخدم كدليلٍ على وجود اللغة، لأن سلوك الطفل قبل استخدامه للغة، سلوكَ الحيوانات و سلوك الفضائيين المفترضين، يثير تساؤلات عما يفكر به هؤلاء الأفراد. من الطبيعي أن نتسائل في بعض الأحيان، عمّا يفكر به الكائن الغير المستخدم للغة. في المقابل، نحن لا نميل أبداً للتساؤل، عما إذا كان الكائن المستخدم للغة قادراً على التفكير.

تُمثّل اللغة إحدى الإشارات على كون الشخص مفكراً، لكن يوجد إشارات أخرى مثل التقنية. تدل مركبة فضائية قادرة على الانتقال من نظام شمسي آخر، لتزور كوكب الأرض، على تقدم تقني، ومهارة بإدارة الواقع، والاستنتاجات العقلانية عن طريقة عمل العالم. لا نستطيع إلا أن نعتبر المركبة الفضائية نتيجةً لفعل ذكي، مما يجعلنا نتسائل عن غايات الفضائيين: لماذا هم يزوروننا؟ هل نواياهم مسالمة، أم أنهم ينوون احتلال كوكبنا؟ هل يعتقدون أننا نستحق أن يتعرفوا علينا، أم أننا حشرات يتعين عليهم إبادتها؟

يعتبر التواصل غير اللغوي مؤشراً آخر على الاعتقاد. تُعدّ إيماءات القرود، مثل ” اهرش هنا”، مبينةً من خلال خدش كبير مزعج لجسده، و “اصعد علي”، مبينةً من خلال ذراع مرفوعة، تعبيراتٍ عن الرغبات. عندما ترفع البونو (قرد) ذراعها، ثم تنزلها فور استلقاء شريكها الاجتماعي عليها، يقول الباحثون أنها “أشبعت ظاهرياً”. تدل النتيجة المُرضية ظاهرياً، على اعتقاد البونو بأن العالم يلائم احتياجاتها الآن.

يعتبر العلماء وجود الاعتقاد عند الحيوان، أفضلَ تفسير لقدراتهم على التواصل، واستخدام التقنيات الثقافية. تتواصل الحيوانات، بما فيها الطيور والقوارض والقردة، باستخدام نداءاتٍ صوتية تشير إلى أشياء ضمن بيئاتهم. تمتلك قرود الفرفت، نداءاتٍ إنذار مختلفة لكل من النسر والأفعى والنمر. تشير نداءاتُ إنذار حيوان السرقاط إلى نوع المفترس، بالإضافة إلى درجة الخطورة. تدل نداءاتُ الشمبانزي على الموقع، والكمية النسبية لمصدرِ طعام، مكتشفٍ حديثاً. يُعتقد أن هذه النداءات خاضعة للتحكم الواعي، لأنها مكيّفة طبقاً لعلامات موضوعية، مثل وجود أو غياب جمهور، ليتلقى الإخبار. يبدو أن لدينا هنا حالة من التفكير والتواصل، ولكن دون لغة.

تمتلك العديد من الأنواع الحيوانية تقنياتٍ، كجزءِ من ثقافتها. لا يمكن عزو الاختلافات بين المجتمعات ضمن النوع الواحد، لسمات جينية أو بيئية، ولكنها مُعلّمةٌ ضمن إطار اجتماعي. وجد العلماء أدلةً، على وجود الثقافة عند الحيتان والدلافين، القرود الكبيرة والقرود، بالإضافة إلى الطيور والفئران وحتى النحلة الطنانة. على سبيل المثال، تكسر الشمبانزي في بوسو في غينيا المكسّرات، من خلال وضعهم على سندان حجري، مثبتةً السندان بصخرة أو وتد خشبي، ومستخدمةً مطرقة صخرية لتكسر المكسرات. تستخدم جماعة من قردة الشمبانزي في حديقة لوانجو الوطنية في غابون، مجموعةً من خمس أدوات مختلفة، لكي تصل إلى العسل في خلايا النحل تحت الأرض. يجب أن تُستخدم كل أداة في الترتيب الصحيح، من أجل الوصول إلى الطعام بنجاح. تتعلم قردة الشمبانزي اليافعة تقنياتها الثقافية، من خلال الملاحظة الدقيقة، لما تفعله قردة الشمبانزي الخبيرة.

يتعيّن على المعتقدين بأن اللغة ضرورية للتفكير، أن يرفضوا اتخاذ العلماء من وجود الاعتقاد عند الحيوان، تفسيراً لقدرتهم على التواصل واستخدام التقنية. لكن ليس بإمكانهم إنكار الأولوية المفاهيمية للمعتقد على اللغة. على أحسن الفروض، يقدم المشككون حجةً من الجهل تقول التالي: ” بما أنني لا أستطيع التخيلَ كيف يستطيع القرد التفكير بدون اللغة، يجب أن تكون اللغة ضرورية للاعتقاد”. لا يجب أن تُؤخذ محدودية الشخص التخيلية، كدليل على عدم امتلاك الحيوانات للمعتقدات. يجب أن تُعتبر صعوبة فهمنا للاعتقاد بدون اللغة، كفرصة للبحث أكثر. توجد الكائنات الفضائية هنا بالفعل؛ أنا أتسائل بماذا-وكيف- يفكرون؟! على هذه المهمة، على الفلاسفة والعلماء أن يتحدوا.

lلمصدر : Can There Be Belief Without Language?

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق