العلم

هل شارفت البيولوجيا على قبول التصميم؟

  • ترجمة: د. عبد الله الشامي
  • مراجعة: خالد الشايع
  • تحرير: خلود الحبيب

تؤثر حركة المحاكاة الحيوية biomimetics، على البيولوجيا ببطء ولكن بفعالية. وهذا التوجه عالمي ومتعدّد التخصّصات، تلهمنا الكائنات لنفكر بالتصميم مع كلّ نوع من المتعضيات تقريبًا، بدءا من الفيروس وصولًا إلى الحوت الأحدب، كما تعطي المشاريع البحثية الكثيرة في المُحاكاة الحيوية تطبيقات مثمرة تحسّن من حياة الإنسان. فهي استراتيجية ناجحة للبحث؛ لأنّها لا تزيد فقط من فهم النظم البيولوجية، بل لأنها ممتعة أيضًا! فهي مرئية بوضوح من الطلاب، الذين يحبون مشاهدة العناكب والنمل والوزغ (أبو بريص) ويحبون معرفة كيف تعمل.

تحقّق المُحاكاة الحيوية في الوقت نفسه أحد أهداف فرانسيس بيكون Francis Bacon (1561 – 1626)، رائد البحث المنظم والمنهجي في العالم الطبيعي. من مأثور القول 73 من الأورغانون الجديد Novum Organum [أداة العلم الجديدة]، أخبرنا بيكون كيف يكون أفضل حكم على الفلسفة الطبيعية الجيّدة، ما نسميه العلم: “من بين جميع العلامات نجد أن أكثرها تأكيدًا، أو قيمة تلك الآتية من الثمار الناتجة: الثمار والتأثيرات هي الكفالة والضمان، إن جاز التعبير، لحقيقة الفلسفة”. وتفيض الثمار الجيّدة باستمرار من آنية التصميم المستوحى من البيولوجيا. فماذا قدّمت الداروينية للعالم في الآونة الأخيرة؟

 

تصاميم الطبيعة تلهم الإبداع البشري

نشر خمسة باحثين من جامعة كارتاخينا  للتقنية في اسبانيا ورقة بحثية تؤيد التصميم بصورة لافتة، عن التصميم الصناعي في مجلة بولس وان PLOS ONE، تحت العنوان، “مقاربة معتمدة على وسيط لتطبيق أشكال الطبيعة لإنتاج تصميم تخيلي”. تكاد الورقة البحثية أن تستعمل عبارة “التصميم الذكي intelligent design”، وهي عبارة تبقى بعيدة جدًا عن استخدام المجلات العلمية، التي تلتزم الكياسة السياسية. ولكن انتشرت كلمات مثل التصميم، الذكاء، والوكالة في هذه الورقة البحثية عن “عملية التصميم المبتكرة والمستوحاة من الأحياء”. وقد هدف المؤلفون إلى تحسين الإبداع، لدى التقنيّين والمهندسين والمُصمّمين – وكانت مُحاكاة تصاميم الطبيعة أفضل الطرق لفعل ذلك.

يهدف المصمّم إلى إنشاء أشكال ومواد وتراكيب وألوان وبُنى، تحسّن محيطنا عبر إنتاج أشياء وآلات وأدوات نفعية ترضي حاجاتنا وراحتنا. يمكن تعريف التصميم الصناعي، بأنّه عمل إبداعي يتعلق بتصميم الأشياء لتوفّق بين الأداء العملي، والوظيفة الجمالية. يسمح الإبداع بدوره لنا بتوليد أفكار ومفاهيم جديدة، وربط الأفكار والمفاهيم، التي نعلمها مسبقًا مما ينتج عنه غالبًا حلولًا مبتكرة. عندما يواجه المُصمّم الصناعي تحدّيًا لإيجاد حلٍّ مرتكز على الشكل، من أجل تصميم منتج ما، قد يحتاج لوسائل أو مصادر إلهام لمُساعدته على إيجاد الشكل الأكثر ملاءمة؛ وتشكل الطبيعة أحد تلك المصادر. [التأكيد مضاف].

مع الأخذ بتلك المبادئ في الاعتبار، استطاعوا تصميم وسيلة تعليمية لمساعدة المُصمّمين الصناعيين، في إيجاد أشكال طبيعية تحقق الفاعلية والحس الجمالي. ووسع عملهم من أدوات متاحة، مثل الأداة اسأل الطبيعة Ask Nature (https://asknature.org)، والتي وصفت بأنّها “قاعدة بيانات ‘لبراءات الاختراع البيولوجية’ ويمكن فيها البحث عن مجال واسع من الآليات والخصائص البيولوجية؛ من أجل حلّ المشاكل التقنية”. واستعمل على الدوام عدة برامج “المعتمدة على وكيل”، أو “عدة وكلاء” لمساعدة طلاب الهندسة ليتعاونوا في حلّ المشكلات. ما يقدّمه هؤلاء الباحثون لمجتمع التصميم الصناعي، هو إعطاء العنصر الجمالي حقه عند تصميم الأشياء، التي تمتاز بأنّها عملية وتسر الناظرين، ويعتقدون أنّ النظر في حلول الطبيعة يعزّز إبداع المُصمّم.

بينما هذه الورقة البحثية لا تتحدث عن تفسير أصل التصاميم في الطبيعة، إلا أنّها تلاحظ وجود التصميم في الطبيعة كمصدر للإلهام، كما تلاحظ الدور الأساسي لفاعل ذكي في التصميم، ضع كلّ ذلك معًا، فتجد مفهوم التصميم الذكي intelligent design، وإن لم تذكر العبارة صراحة.

إحصاء كلمات التصميم في الورقة البحثية:

  1. تصميم: 137
  2. ذكي/ذكاء: 11 (ستة في المراجع)
  3. وكيل/وكالة: 141
  4. وظيفة: 15
  5. مبدع/إبداع: 27
  6. معلومات: 33 (وتشمل المعلومات البيولوجية، نقل المعلومات)
  7. المُحاكاة الحيوية: 17 (12 في المراجع)
  8. معقد/تعقيد: 41

على العكس من ذلك تغيب في الورقة البحثية كلمات عن الصدفة، أو العشوائية، أو التطور.

 

اختبار النموذج العام “البارديم”

إيمانًا من المؤلفين بقدرة الطبيعة على تقديم الإلهام في التصميم؛ وضعوا برنامجًا لزيادة إبداع المُصمّم. تتضمن الأداة، في إحدى مراحل عملية التصميم، خطوة في المُحاكاة الحيوية biomimicry، حيث تسأل الطالب أن يتفحّص الأشكال في الطبيعة بحثًا عن قدرتها الوظيفية، وملامحها الجمالية. اختبروا أداتهم الجديدة على 15 طالبٍ متطوّع، يدرسون التصميم بمساعدة الحاسوب ليروا إن كانت تعزّز إبداعهم. تخبرنا دراسات الحالات الفردية كيف عالج الطلاب مهامهم في تحدّي التصميم، وكيف كان أداءهم. “بالعموم، كانت النتيجة مُرضية فيما يخصّ الإدارة، واعتبر الجميع أنّ الأداة كانت مفيدة وفضّلوا العملية الإبداعية في طور التصميم التخيلي”. ختموا بهذا:

عندما يواجه المُصمّمون تحدّيًا في تشكيل منتج، فإن بعض مصادر الإلهام ضرورية لتحسين العملية الإبداعية. يمكن للطبيعة أن تمثل مصدرًا لا ينضب من الأفكار، ولكن نظراً للعدد الهائل من الإمكانيات المتاحة، فقد تكون مهمة معقدة عند البحث عن مفاهيم محدّدة. لتحسين عمل المُصمّمين، من الضروري استعمال أدوات داعمة في طور التصميم التخيلي، والتي تعزّز الإبداع بفضل المحفّزات البصرية؛ ولذلك فإن التعرّض للأمثلة البيولوجية بمساعدة الرموز والصور، يمكنه أن يساعد في توليد أفكار مبتكرة. وارتكازًا إلى هذا المفهوم، قدّمت مقاربة جديدة لتأسيس علاقات إدراكية بين متثابتات مختلفة للشكل في الطبيعة. تبدأ العملية الإبداعية برموز تمثّل الأشكال الأكثر روعة في الطبيعة. من بعد إجراء عدد من الاختيارات، تقدّم الأداة سلسلة من الصور من عناصر الطبيعة، والتي تحقّق الشروط المعتمدة على الشكل التي حدّدت مسبقًا. تعزّز هذه العملية الإدراكية الإبداع عبر البحث عن الشكل الأفضل ملاءمة لجمالية المنتج المراد تصميمه.

 

ثورات علمية على مراحل

تتحدث هذه الورقة البحثية عن التصميم الصناعي أكثر من البيولوجيا بحدّ ذاتها، ولكن فكّر بالملامح التالية عن المبادئ التي عبّر عنها، والتي يمكنها تشجيع مجتمع التصميم الذكي:

  • يكسب التصميم في الطبيعة التقدير لفاعليته وقيمته الجمالية.
  • يعزّز التصميم في البيولوجيا العملية الإبداعية.
  • التصميم نشاط يقوم به فاعل.
  • اجتازت الورقة البحثية مراجعة الأقران peer review، دون ذكر للتطور ولكن مع ورود مئات من الكلمات عن التصميم.
  • التصميم الطبيعي يمثل موضوعًا بحثيًا علميًا مشروعًا، ودون أي افتراضات دينية.

تحدث الثورات العلمية غالبًا على مراحل. أولًا تتراكم الأدلة المخالفة للنموذج العام “البارديم” المجمع عليه. بعدها يشعر مزيد من الباحثين بالراحة في استخدام اللغة الجديدة، لنموذج عام بديل. أخيرًا لا يرى غالبية العلماء سببًا للتمسّك بالنموذج العام القديم، فتكتمل الثورة.

ويمكننا أن ننظر إلى ذلك كحلّ وسط، حيث لم تعد لغة التصميم ترى كتهديد في دوائر معيّنة، مثل هندسة المُحاكاة الحيوية. وبمجرّد أن تصبح الصلة المنطقية غير قابلة للإنكار بين ما يقوم به الفاعلون من البشر لتصميم الأشياء، التي تتسم بالوظيفية والجمال، ومع ما تحقّقه الطبيعة بمعرضها الهائل من التصاميم الملهمة، قد يبدأ مزيد من العلماء بمزامنة أفكارهم: “نحن نستعمل عقولنا للتصميم، لذلك لا بد من وجود عقل يكمن وراء التصاميم في الطبيعة. ومن المفترض أنّه عقل متفوّق؛ لأنّنا لا نستطيع الوصول لأداء قريب من أدائه”.

 

المراجع:

An agent-based approach for the application of nature’s forms to product conceptual design

المصدر: evolutionnews

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى