الرئيسية / الفلسفة / هل تختفي عندما تموت؟

هل تختفي عندما تموت؟

  • تأليف: بالي يورقرو
  • ترجمة: أمجاد الغرير
  • مراجعة: نجوى الشمري
  • تحرير: لطيفة الخريف

يبدو أن كثيرا من الفلاسفة يعتقدون أنك “تختفي” ببساطة عندما تموت، ” تُمسح” من إطار الواقع كما يمسح شخص رسمة ًما من السبورة. وأعتقد أن التفكير بهذه الطريقة خطأ كبير. أدركته مجلة “التايمز” عندما عرضت وفاة بن لادن، ومن ثم “عدم وجوده” مع صورة له على الغلاف معلّمة بعلامة X  كبيرة. إذا كنت تحاضر حول القبض على بن لادن وقتله فإنك قد ترسم صورة له على السبورة، ثم تختتم محاضرتك كما فعلت التايمز، برسم  X  كبيرة على الصورة. سيكون ذلك هو الفعل الصحيح. أما الفعل الخطأ فهو ببساطة مسح الصورة، وإزالتها. إن سبورة فارغة لا تمثل موت بن لادن. بل على العكس تماما، إنها لا تمثل شيئا. فلم يصبح بن لادن بموته لا شيء، تماما كما أنه لم يخلق من لا شيء.   (Ex nihilo, nihil fit)

ولكن يبدو أن هذا، على كل حال، قد فات الكثير، إن لم يكن معظم الفلاسفة الذين كتبوا عن ميتافزيقيات (غيبيات) الموت. شيلي كيقان، على سبيل المثال، كتب في دراسته الشهيرة الموت أن “عدم الوجود هو عدم وجود. إنه ليس نوعًا من وضع أو حالة أنا فيه على الإطلاق (بعد أن أموت)”. يبدو أن كيقان يعتقد أنه عندما تموت وتختفي من الوجود فإنه لن يكون هناك “أي أحد” ليكون في أي وضع أو حال، لن يكون هناك أحد حتى ليكون في حالة عدم الوجود، أو ليكون له خاصية العدم. ويبدو أنه يؤيد مذهب كواين بأنه “في استخدامنا المنطقي السليم “للوجود”، أن عدم وجود بن لادن، يعني ببساطة أنه لا يوجد كيان كهذا إطلاقًا”. وإذا لم يوجد مثل هذا الكيان، فمن الواضح أنه لا يوجد مثل هذا الكيان ليشغل حيز العدم، وليمتلك خاصية العدم.

“الموت يؤثر عليك وليس على ماهيتك”

كما أسلفت، فهذه الرؤية عن الموت شائعة بين الفلاسفة. ولاختيار مثال بارز آخر، خذ في الاعتبار ما كتبته فرانسيس كام في “الأخلاق”: ” قد تكون الحياة بالنسبة لشخصٍ ما أسوأ من بديل العدم، على الرغم من أن العدم ليس حالة أفضل من الوجود”.

بالنسبة إلى كام فإن العدم ليس أبداً حالة وجود أفضل من الوجود لأنه بالنسبة لها، على ما يبدو، فإن العدم ليس حالة وجود على الإطلاق.

وعلى كل حال فإن كام وكيقان مخطئان، ما قالا إنه صحيح ليس بالنسبة إلى سقراط ولكن بالنسبة إلى جنية الأسنان (الخرافية).

إن جنية الأسنان بكل تأكيد ليست في حالة العدم لسبب بسيط وهو أنه لا وجود لشخص كجنية الأسنان. وعلى النقيض من ذلك، فإنه يوجد شخص كسقراط. نايثن سالمون في كتابه “ما هو الوجود؟” يختصر الأمر بقوله: “وجود كريبك” صحيح، بينما “وجود نابليون” خاطئ. لكريبك وجود، ونابليون ليس له وجود. عندنا تموت وتفنى من الوجود، لست تُمسح، لست تُزال، ولا تتحول إلى نوع آخر من الكينونة. أنت تفقد وجودك وليس جوهرك. “الموت يؤثر عليك وليس على ماهيتك”

لذلك، لنفترض، على سبيل الجدل، أن الأشخاص كائنات مادية وأن ذلك جزء من جوهرها، فعندما مات سقراط لم يتوقف عن كونه ماديًا، فقد تحول من كونه كائنًا مادياً موجودًا إلى كونه كائنًا مادياً غير موجود. والشيء نفسه صحيح، بالتناظر، لكائن مادي غير عضوي كالصخرة. هذا سيبدو بلا شك متناقضًا (بل مجنونًا بصراحة) لكثير من الناس. فبكل تأكيد، ما لا يوجد لا يمكن أن يكون ماديا. وبالنتيجة، إذا كان الشيء مادياً فقد تتعثر به في الظلام، بينما في المقابل لا حاجة للقلق من التعثر بالمعدوم. هذا صحيح بما فيه الكفاية، إذا كنا نتحدث عن كائن حقيقي مادي موجود. ولكننا هنا نتحدث عن كائنات مادية لم تعد موجودة أي التي فقدت وجودها ولكن لم تفقد جوهرها. ماذا يعني في الواقع أن يفقد شيئا ما جوهره؟ ما الذي يمكن أن يجعل منه ذلك الشيء بالذات الذي فقده؟

أدبياً، إذن، هو هذا: يجب عدم الخلط بين المادية والفعلية. صعوبة الحديث المتسق عن الموتى ليست مقتصرة بأي حال على فلاسفة الموت فقط، وبالتأكيد ليس على أي نوع من الفلاسفة. وهذا ملاحظ في إهداءات الكتب على وجه الخصوص، حيث لا يستطيع المؤلفون ببساطة إجبار أنفسهم على الإشارة للموتى أنفسهم مستبدلين بذلك الإشارة إلى ذكرى الموتى. وعندما تفكر في هذا، على كل حال، إنه سخف. فعلى عكس الموتى، ذكرياتنا مع الموتى حية وجيدة، وعلى أي حال، فهي بديل ضعيف للأحباء الذين كُرّموا في الإهداءات. إنها أمك التي علمتك أن تحب الموسيقى، وليست ذكرياتك عن أمك، والدك هو أول من أخذك للقاءات الشعرية، وليست ذكرياتك عنه، وهكذا. ما الذي قد يكون أكثر اختلافا من والد متوفى عن ذكراه الحية؟ إن عدم وجود الموتى يجب أن يجعلنا متوافقين أكثر مع ما هو حقيقي، لا أقل. فالقريب المتوفى  حقيقي بكل جزء كذكراه الحية، وإن كان أقل وجودا منها. “لا نفكر.. أبدا في شيء أو كائن نحبه مالم يكن أمام أعيننا حقاً”، كتبت سيمون ويل في “السمو والجاذبية”: ” دون التفكير بأن هذا الشيء ربما قد دُمّر أو أن هذا الشخص قد مات. لعل إحساسنا بالواقع لا يذوب بواسطة هذه الفكرة بل يكون أقوى … الحب يحتاج إلى الواقع”.

هذه الفقرات مقتطفة من كتاب  بالي يورقرو  ” الموت والعدم “، من مطبوعات جامعة أوكسفورد، أغسطس 2019م

شارك المعرفة عبر:

شاهد أيضاً

نعوم تشومسكي يوضح: ما الخطأ في فلسفة مابعد الحداثة؟ وكيف انتهى المطاف بالمفكرين الفرنسيين إلى دعم أشكال السلطة القمعية؟

تأليف: جوش جونس ترجمة: أمجاد الغرير تحرير: محمد عبيدة   لطالما كان لدى نعوم تشومسكي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *