الرئيسية - فكر وثقافة - ما رأيته عندما كنت ميّتاً

ما رأيته عندما كنت ميّتاً

  • بقلم : إيه جي آير
  • ترجمة : عبدالجليل السحيمي
  • تحرير: ناريمان علاء الدين

 

أول هجوم لي بالتهاب رئوي وقع في الولايات المتحدة. وقد كنت اثناء ذلك في المستشفى لمدة عشرة أيام في نيويورك ، وبعدها قال الأطباء إنني بحالة جيدة بما يكفي للمغادرة. ومع ذلك ، كشفت الأشعة السينية الأخيرة ، التي خضعت لها في الصباح الماضي ، أن إحدى رئتي لم تكن خالية من العدوى بعد. فتسبب هذا في تعاطف أطبائي على اقتراح أنه سيكون من الجيد بالنسبة لي أن أمضي بضعة أيام أخرى في المستشفى. لقد احترمت هذا الرأي ، لكن بما أنني كنت أرتدي ملابسي بالفعل وأتجهز نفسيًا لوضع مرضي ورائي ، فقد قررت المخاطرة. ثمّ أَمضيت الأيام القليلة القادمة في شقّة رَبيبَتي ( نيجيلا لوسون )  ، ثم اتخذت الترتيبات اللازمة للعودة إلى إنجلترا.

و عندما وصلت ، كنت أؤمن بأنني عولِجت وأُغرقت في دائرة اجتماعية محمومة أكثر من تلك التي أصبحت معتادًا عليها قبل ذهابي إلى أمريكا. فقد نالني الجزاء يوم الأحد 30 مايو. لقد خرجت لتناول طعام الغداء ، وكان لدي الكثير لتناول الطعام والشراب ، وتجاذبي أطراف الحديث دون انقطاع. و في ذلك المساء حدثت لي انتكاسة.  اذ لم أستطع أن آكل أي شيء تقريبًا من الطعام الذي أحضره أحد الأصدقاء ليقوم بطهوه  في منزلي.

و في اليوم التالي ، و الذي كان يوم عطلة مصرفيّة ، كنت على موعد طويل لتناول الغداء في سافوي مع صديقة كانت متحمسةً جدًا لأن ألتَقي بابنها . لقد كنت ارغب في تأجيل الموعد ، لكن صديقتي تعيش في إكسيتر ولم يكن لدي أي فكرة عن كيفية الوصول إليها في لندن. لذلك أخذت سيارة أجرة إلى سافوي وتمكنت من الدخول إلى ردهة الفندق . و بِالكاد استطعت أن آكل أي شيء من السمكة المشوية اللذيذة التي طلبتها ولكني أجبرت نفسي على الاستمرار حتى نهاية الحديث . ثمّ غادرت في وقت مبكر وأخذت سيارة أجرة إلى المنزل.

و في ذلك المساء شعرت بأن حالتي ازدادت سوءاً . و مرة أخرى ، لم أستطع أن آكل تقريبًا أي شيء من العشاء الذي  أحضرته لي صديقة  آخرى. و في الواقع ، فإنها كانت تشعر بالقلق الشديد بسبب ضعفي لدرجة أنها بقيت بجانبي حتى صباح اليوم التالي . و عندما لم تتحسّن حالتي  في صباح اليوم التالي ، اتصلت هاتفياً بطبيبي العام  وبابني الأكبر جوليان. و لم يقم الطبيب بأكثر من مجرد وعد بمحاولة الاتصال بالأخصائي ، و لكن جوليان ، الذي يتمتع بالكفاءة العالية بشكل غير ملحوظ ، اتصل على الفور بسيارة الإسعاف و جاءت سيارة الإسعاف بسرعة مع اثنين من الممرضين ، وصديق آخر ، كان قد دُعي في الوقت المناسب لاستلام المفتاح ، ورافقني إلى مستشفى الكلية الجامعية.

أتذكر القليل جدًا مما حدث منذ ذلك الحين . فقد تم نقلي إلى غرفة في الجناح الخاص ، والتي كانت مخصصة لي من قبل الأخصّائي ، الذي كان لديه غرفة استشارية في نفس الطابق. و بعد خضوعي للأشعة السينية  و لعدد من الفحوصات ، والتي أثبتت دون شك أني كنت أعاني بشدة من الالتهاب الرئوي ، انتقلت إلى العناية المركزة في الجناح الرئيسي للمستشفى.

و لحسن حظي كان الطبيب الشاب الذي كان مسؤولًا عني في الأساس طالبًا جامعيًا في الكلية الجديدة بأكسفورد ، بينما كنت عضوا في ادارة الجامعة . و هذا ما جعله حريصًا جدًا على ان يراني أتعافى ، وفي الواقع ، كان مهلوعا جدا لحالتي لدرجة أنه نهى عن أن أتعرّض للإنزعاج ، حتى عندما اعتقدت الممرضة الخبيرة أن ذلك ضروري.

و تحت رعايته ورعايتهم ، حققت تقدماً جيداً لدرجة أنني توقعت أن أخرج من العناية المركّزة والعودة إلى الجناح الخاص خلال أسبوع. ولكن كانت خيبة أملي خطأي . لم أحاول تناول طعام المستشفى، و قدمت عائلتي وأصدقائي كل الطعام الذي أحتاجه. و أنا مغرم بشكل خاص بسمك السلمون المدخن ، و ذات مساء ألقيت بلا مبالاة شريحة منه في حلقي. و لكنها ذهبت إلى الطريق الخاطئ وعلى الفور تقريبا انخفض تسجيل دقات قلبي على الرسم البياني وهرعت ممرضة الجناح إلى الإنقاذ ، لكنها لم تكن قادرة على منع قلبي من التوقف. و أخبرتني هي والطبيب فيما بعد أنني قد متُّ بهذا الإحساس لمدة أربع دقائق ، ولم يكن لدي أي سبب يدعو إلى عدم تصديقهما.

أزعج الطبيب ابني نيكولاس ، الذي كان قد سافر جواً من نيويورك ليكون بجانبي ، بقوله إنه من غير المحتمل أن أتعافى ، و علاوة على ذلك ، أنه إذا تعافيت جسديًا ، فمن غير المحتمل أن تكون صحتي العقلية على ما يرام . و كانت الممرضات أكثر تفاؤلاً ، واختار نيكولاس بشكل معقول تصديقهن.

لا أتذكر أي شيء حدث لي في ذلك الوقت. و أخبرني الأصدقاء أني كنت مملوءا بالأنابيب ، و لكنني لم أعلم أبدًا كم  أنبوباً كان هنالك وما هي الأغراض التي وُضعت من اجلها . كما لا أتذكر وجود أنبوب تم إدخاله في حلقي لإحضار كمية البلغم التي كانت موجودة في رئتي. و لم أكن على دراية بالعديد من زُوّاري ، والذين لكثرتهم إضطرت الممرضة على تعيين نظام حصص للزيارات . أعلم أن الأطباء والممرضات فوجئوا بسرعة شفائي و عندما بدأت أتحدث ، أعرب الأخصّائي عن دهشتة بأن يكون أي شخص لديه كمية قليلة جدًا من الأكسجين في رئتيه كيف يكون كلامه واضحًا للغاية.

كانت أول كلماتي المسجلة ، و التي أقنعت أولئك الذين سمعوها أنني لم أفقد فكاهتي ، عندما هتفت : “أنتم كلكم مجانين”. لست متأكدًا من كيفية تفسير ذلك. من الممكن أن أكون قد أخذت مستمعيّ على أن يكونوا مسيحيين وأقول لهم أنني لم أكن قد اكتشفت أي شيء “على الجانب الآخر”. ومن الممكن أيضًا أنني جعلتهم يتشكّكون مما يوحي اليهم أنني اكتشفت شيئًا ما. و أعتقد أن التفسير الأول أكثر ترجيحًا ، وكما كان الحال في الحالة الأخيرة ، كان ينبغي علي أن أقول : “نحن كلنا مجانين “. ومع ذلك ، لا يمكنني أن أكون متأكدًا.

كانت تعليقاتي الاولى والتي لم أكن على دِرايةٍ بها ، بصرف النظر عن فكاهتي السابقة ، التي صدرت بعد عدة ساعات من عودتي إلى الحياة . تم توجيه تلك التعليقات إلى سيدة فرنسية كنت صديقها لأكثر من 15 عامًا. اذ استيقظتُ لأجدها جالسةً بجانب سريري وبدأت أتحدث إليها بالفرنسية بمجرد ان تعرّفت عليها. وكانت لغتي الفرنسية طليقةً وتحدثت بسرعة تقريبا كما يلي : “هل علمتي أنني كنت ميتاً ؟ و في المرة الأولى التي حاولت فيها عبور النهر شعرت بالإحباط ، لكن محاولتي الثانية نجحت. وكانت استثنائية جدا ،و أصبحت أفكاري أشخاصًا. “

يشير محتوى تلك التعليقات إلى أنني لم أضع تعليمي التقليدي بالكامل ورائي. في الأساطير اليونانية ، كانت أرواح الموتى ، المجسدّة الآن بشكل غامض ، مُجبَرةً على عبور نهر ستيكس من أجل الوصول إلى هاديس ، بعد ان تقوم بالدفع الى قائد المركبة ، تشارون. و ربما قد تذكرت الان الفيلسوف المفضّل لدي ” دافيد هيوم” والذي تصوّر خلال مرضه الاخير” اضطراب في الأمعاء ” ان تشارون قال له بجزع متزايد ” أيها المارق الكسول”. و بلطفه المعتاد اجاب ( هيوم ) انه رأى بلا ندم ان موته يقترب و أنه لم يبذل اي جهد لتأجيله. هذه واحدة من المناسبات النادرة التي فشلت فيها في متابعة هيوم. و من الواضح أنني بذلت جهدا لإطالة أمد حياتي. ان الذكرى الوحيدة التي اكتسبتها من التجربة والتي تشمل موتي الى حد ما هي ذكرى حيّة للغاية.

لقد واجهت ضوء أحمر ، مشرق للغاية ، ومؤلم للغاية حتى عندما  حاولت ان اتحاشاه . كنت أدرك أن هذا النور كان مسؤولاً عن حكومة الكون. وكان من بين وزرائها مخلوقان تم تكليفهما بالمسؤولية عن الفضاء. قام هؤلاء الوزراء بالتفتيش الدوري للفضاء وقاموا مؤخرًا بإجراء هذا الفحص. ومع ذلك ، فقد فشلوا في القيام بعملهم بشكل صحيح ، نتيجة الى أن الفضاء ، مثل أحجية الصور المقطوعة بشكل سيء ، وكان متقطع الاوصال قليلا . وكانت النتيجة الأخرى أن قوانين الطبيعة قد توقفت عن عملها  كما ينبغي. و شعرت أن الأمر متروك لي لوضع الأمور في نصابها الصحيح. كان لدي الدافع لإيجاد طريقة لإطفاء الضوء المؤلم. لقد افترضت أن ذلك يشير إلى أن الفضاء كان لا يعمل بنظامه الصحيح وأنه سيغلق نفسه عند استعادة النظام.

و لسوء الحظ ، لم يكن لدي أي فكرة عن المكان الذي ذهب إليه حراس الفضاء وخشيت أنه حتى لو وجدتهم ، فلن أتمكن من التواصل معهم. ثم حدث لي أنه و حتى القرن الحالي  قد قَبِل  الفيزيائيون القطع النيوتوني للمكان والزمان ، فقد أصبح من المعتاد ، منذ تبرير نظرية النسبية العامة لآينشتاين ، أن نعامل الزمَكَان كشيء واحد متكامل . و تبعا لذلك ، اعتقدت أنه يمكنني اصلاح الفضاء عن طريق التشغيل في الوقت المحدد.

كنت أدرك بشكل غامض أن الوزراء الذين تم تكليفهم بالوقت كانوا في جواري وشرعت في الترحيب بهم. و شعرت بالإحباط مرة أخرى. إما أنهم لم يسمعوا بي ، أو اختاروا أن يتجاهلوني ، أو أنهم لم يفهموني. و بعد ذلك ، خطرت لي حيلة في المشي لأعلى ولأسفل ، وألوح بساعتي ، على أمل لفت انتباههم ليس لساعتي نفسها بل إلى الوقت الذي تم قياسه فيها . ولكن هذا لم يُثير أيّ أستِجابة . و أصبحت يائساً أكثر فأكثر ، حتى انتهت التجربة فجأة.

من الممكن ان هذه التجربة كانت وهميٌة . ولكن تم تقديم إشارة طفيفة بأنها قد تكون [حقيقية موضوعيًا] بواسطة صديقتي الفرنسية ، أو بالأحرى تم تقديمها من والدتها ، التي خضعت أيضًا لأزمة قلبية منذ عدة سنوات. فعندما سألتها ابنتها ما كان عليه الحال ، أجابت أن كل ما تتذكره هو أنها يجب أن تبقى بالقرب من الضوء الأحمر.

في ظاهر الأمر ، فإن هذه التجارب ، على افتراض أن آخرها كان حقيقيًا ، الّا أنها تُعد دليلًا قويًا على أن الموت لا يضع حداً للوعي. هل يتبع ذلك أن هناك حياة مستقبلية؟ ليس بالضرورة. المشكلة هي أن هناك معايير مختلفة للوفاة ، والتي هي في الواقع متوافقة منطقيا ولكن قد لا تكون دائما مقنعة مع بعضها.

في هذه الحالة ، قُدّمتُ لكي أفهم أن توقف القلب لا يترتّب عليه منطقياً أو سببيًا توقّف الدماغ. في ضوء الأدلة القوية للغاية التي تؤيد اعتماد الأفكار على الدماغ ، فإن الفرضية الأكثر احتمالًا هي أن عقلي استمر في العمل على الرغم من توقف قلبي.

إذا كنت قد اكتسبت سببًا وجيهًا لأؤمن بحياة مستقبلية ، فإن ذلك لن ينطبق على نفسي فقط. و من المسلم به أن المشكلة الفلسفية المتمثلة في تبرير إيمان الفرد الواثق في ظلّ وجود وتلامس العقول الأخرى لم يتم حلها بعد [مشكلة العقول الأخرى]. ومع ذلك ، مع استثناء محتمل لـ  ( فيخته ) Fichte ، الذي أعلن أن العالم كان فكرته ولكن ربما لم يكن يعني ذلك حرفيًا ، فليس هناك أي فيلسوف أذعنَ لنظرية الإيمان بالذات.

لم يؤكد أي فيلسوف بجدية أنه من بين كل الكائنات الموجودة في الكون ، كان وحده واعيًا. و علاوة على ذلك ، من المسلّم به عادة ، و ليس فقط من قبل الفلاسفة ، أن عقول الآخرين تحمل تشابهًا وثيقًا بما فيه الكفاية مع عقل المرء . وبالتالي ، اذا كنت قد مُنحت احتمالاً معقولاً لرؤية الحياة المستقبلية ، فبإمكان البشر الآخرين توقع ذلك أيضًا.

لنفترض جدلا ، من أجل الحصول على برهان ، أنه يمكن أن نعيش حياة مستقبلية. ما الشكل الذي يمكن لتلك الحياة اتخاذه؟ أسهل إجابة هي أنها تنطوي على إطالة تجاربنا ، دون أي ارتباط مادي. هذه هي النظرية التي ينبغي أن تجذب التجريبيين المتطرفين. وقي الواقع هي مُتّسِقة مع مفهوم الهوية الشخصية الذي تبناه كل من ( هيوم ) و ( وليام جيمس )  وفقا لما تتكوّن منه هوية الشخص ، ليس في امتلاك روح دائمة ، ولكن في تسلسل تجارب الفرد ، التي تضمنها الذاكرة . إنهم لم يطبقوا نظريتهم على حياة مستقبلية ، والتي أنكرها ( هيوم ) بكل الاحوال .

و بالنسبة لأولئك الذين تجذبهم هذه النظرية ، كما تجذبني ايضا  ، فإن المشكلة الرئيسية ، التي أقر هيوم بأنه غير قادر على حلها ، تتمثل في اكتشاف العلاقة أو العلاقات ، التي يجب أن تعقد بين تجاربهم لكي ينتموا إلى واحدة أو الى نفس الذات. ظن ويليام جيمس أنه وجد الإجابات في علاقاته المتعلقة بتجميع الشعور واستمرارية أفكارنا وأحاسيسنا ، بالاقتران مع الذاكرة ، من أجل توحيد التجارب المنفصلة في الوقت المناسب. لكن على الرغم من أن الذاكرة ضرورية بلا شك ، يمكن إثبات أنها ليست كافية تمامًا.

لقد قمت أنا بنفسي بإجراء دراسة شاملة وتطوير للنظرية في كتابي ، ( أصول البراغماتية ). لقد أُجبِرت على مضض على الاستنتاج بأنه لا يمكنني تفسير الهوية الشخصية دون الرجوع الى الأجسام التي شغلها الشخص على التوالي عبر الزمن . وحتى مع ذلك ، لم أتمكن من تقديم وصف مرضٍ للطريقة التي يتم بها ربط سلسلة من التجارب بجسم معين في أي وقت معين.

إن الاعتراف بأن الهوية الشخصية عبر الزمن تتطلب هوية الجسد هي سمة مفاجئة للمسيحية. و أسميها مفاجئة لأنه يبدو لي أن المسيحيين يميلون الى نِسيان أن بعث الجسد هو عنصر في عقيدتهم. و مسألة كيفيّة استمرار الهوية الجسدية على مدى فترات من الزمن ليست صعبة للغاية. قد يتمثل الجواب في إفتراض إعادة توحيد الذرات ، و ربما قد لا يكون هناك تشابه جسدي قوي ولكنها قد تكون معززّة بتشابه السّلوك .

المغالطة السائدة هي افتراض أن إثبات الحياة الآخرة سيكون أيضًا دليلًا على وجود الإله. و هذا بعيد عن القضية. إذا لم يكن هناك سبب وجيه للاعتقاد بأن إلهًا قد خلق أو يرأس هذا العالم ، فلا يوجد سبب وجيه للاعتقاد بأن إلهًا قد خلق أو يرأس العالم التالي ، على افتراض غير مرجّح ان هذا الشيء موجود. و إنه من المتصور أن تجارب شخصاً ما في العالم المقبل ، إن وجدت ، ستوفر دليلاً على وجود الله ، لكن ليس لدينا الحق في افتراض هذه الأدلة ، عندما لا تكون لدينا تجارب ذات صلة.

و من الجدير بالذكر في هذا الصدد ، أن اثنين من فلاسفة كامبريدج المهمين في هذا القرن ، ( JE McTaggart ) و ( CD Broad )  الذين آمنوا بدعوى ( McTaggart ) أنه سوف ينجو بالتأكيد من وفاته ، وبالنسبة ل (Broad ) فقد كان لديه احتمال بنسبة 50 بالمائة انه سيفعلها ، لقد كان كلاهما ملحدان. استمدّ ( McTaggart ) يقينه من الميتافيزيقيا ، التي تعني ضمنا أن ما نراه في حيرة من الأشياء المادية ، في بعض الحالات كعقول الإسكان هي في حقيقتها أرواح ، تنظر الى بعضها البعض في شيء من الحب.

لقد كان ( Broad )  ذو الأوهام مُعجباً بنتائج البحوث النفسية. لقد كان بالتأكيد ذكيًا جدًا لدرجة أنه اعتقد أن الأداء المتفوق لعدد قليل من الأشخاص في لعبة تخمين البطاقات غير المرئية ، والتي أثبت بصعوبة أنها مهمة من الناحية الإحصائية ، كان له أيّما تأثير على احتمال الحياة في المستقبل. لذلك يجب أن يكون مقتنعًا بشهادة وسائل الاعلام . و كان على يقين من أن معظم وسائل الإعلام أثبتت أنها عمليات احتيال ، لكنه كان مقتنعًا بأن بعضها لم يكن كذلك.

و ليس هذا ما جعله متفائلا. فقد تبنى وجهة نظر مفادها أن هذا العالم كان سيئًا للغاية وأن هناك فرصة معقولة لأن يكون العالم التالي -إذا كان موجودًا- أكثر شرا.  وبالتالي ، لم يكن لديه رغبة قوية للبقاء. لقد ظن أنه كانت هناك فرصة للقيام بذلك. و كانت أحد كتاباته الساخرة هو أنه إذا مر أحدٌ على تقارير وسائل الإعلام ، فإن الحياة في العالم التالي ستكون بمثابة عشاء دائم في جامعة ( ويلز ).

و إذا كان ( برود )ملحدًا ، فإن صديقي الدكتور  (ألفريد إوينج ) لم يكن كذلك. كان (  إوينج ) ، الذي اعتبر ( برود )أنه فيلسوف أفضل من  ( فيتجنشتاين ) ، لقد كان ساذجًا حتى بالمعايير الأكاديمية ، وداهية فكريًا ، وصادقًا بشكل مستمرّ ، ومسيحي متديّن . وذات مرة سألته من اجل إثارته ، قلت: ” أخبرني ، ألفريد ، ما أكثر ما تتطلع إليه في العالم القادم ؟ ” فأجاب على الفور: “سوف يخبرني الله ما إذا كانت هناك اقتراحات مسبقة.” لقد كانت إجابة ساخرة بالنسبة لطابع موضوعنا الغريب والذي يجب ان تكون الاجابة عليه مضحكة للغاية.

إن هدفي  من تكرار هذه القصة هو أن المشكلات الفلسفية مثل السؤال حول ما إذا كانت مقترحات المنطق والرياضيات تحليلية استنتاجية أو اصطناعية في الواقع ، وإذا كانت تحليلية ، سواء كانت صحيحة بالاتفاق ، فلن يتم حلها عن طريق اكتساب معلومات اكثر. المطلوب هو أن ننجح في الحصول على رؤية أوضح لما تنطوي عليه المشكلات. قد يأمل المرء في تحقيق ذلك في حياة مستقبلية ، لكن في الحقيقة ليس لدينا سبب وجيه للاعتقاد بأن عقولنا ستكون أكثر وضوحًا في العالم المقبل -إن وُجِد- اكثر من وضوحها حاليّا .فالإله – ان وُجِد – قد يجعل عقولنا كذلك ، لكن هذا ليس شيئًا يمكن أن يعتمد عليه كثير من  الألوهيين المتحمسين.

إن المشكلة الفلسفية الوحيدة التي يمكن أن نوضحها في العثور على أنفسنا على حياة مستقبلية هي العلاقة بين العقل والجسم ، إذا كانت حياتنا المستقبلية لا تتكون من بعث أجسادنا ، ولكن في إطالة سلسلة خبراتنا الحالية . فيجب أن نشهد بعد ذلك انتصار الثنائية ، لكن ليست الثنائيّة الذي اعتقد ( ديكارت ) أنه أسسها . و إذا كانت حياتنا تتألف من سلسلة طويلة من الخبرات ، فلا ينبغي أن يكون لدينا سبب وجيه للنظر إلى أنفسنا كمواد روحية.

اذا ها هي آخر تجاربي الأخيرة والتي قد اضعفت قليلاً من اقتناعي بأن موتي الحقيقي -والذي من المقرر أن يكون قريبًا إلى حد ما- سيكون نهايتي الحقيقية . رغم أنني ما زلت آمل أن يكون الأمر كذلك. ولكنها لم تضعف قناعتي بعدم وجود إله. و إنني على ثقة من أن بقائي ملحدا سوف يهدئ مخاوف زملائي من أنصار الجمعية الإنسانية البريطانية ، ورابطة الصحافة العقلانية ، وجمعية ساوث بليس الأخلاقية.

شارك المعرفة عبر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *