عام

لورانس كراوس: فيزيائيٌّ آخر يُعاني من عقدة معادِيَة للفَلسفَة.

  • تأليف : ماسيمو بيغلوتشي – Massimo Pigliucci
  • ترجمة : محمد بن خليفة الغافري
  • تحرير : مسفر العصيمي

لا أعلَمُ مَا الخَطْبُ لدَى الفِيزيَائيين اليَوْم، لقد اعتدَنا أنْ نَراهُم طبقةً راقيةً فِكريًّا أمثالُ آينِشتاين ونِيلز بور، اللّذانِ لم يَقْتَصِر تميُّزهُم عَلَى البحثِ العلميّ فقط؛ بل كانوا مهتَمِّينَ، ومُحتَرِمينَ، ومُلِمّينَ أيضًا بفروع المَعْرفَة الأخرى، كالفلسفةِ خصوصًا.

لكن هذه الأيام، من الشّائعِ جدًّا أن تُصادِفَ فيزيائيّينَ أمثالَ ستيفن وايِنْبيرغ وستفِين هُوكِنج؛ الذينَ ينبُذونَ الفَلسَفَة لأسبابٍ خَاطِئة، هازئينَ بها. مِنَ الواضِحِ أنّ السّبب في ذلك يعودُ إلى تركِيبَة من الجَهْلِ المُدقِع والعَجْرفَة -وهُمَا غالبًا ما يجْتَمِعانِ معًا، وأنا متأكّدٌ بأنّ أفْلاطُون سيسعَدُ بهذِهِ الإشَارَة-. آخِر هؤلاءِ المُزعجينَ هو لورانس كراوس، الأُستاذَ بجامِعةِ أريزونا.

لقد كُنْتُ أتَجَاهَلُ هُراءَ لورنس كَراوس حوْلَ الفلسفَة لفَترة، على الرّغمِ من أنّ كَلامَه يظهَرُ أمامي أحيانًا على تَويتر وجوجل بلس. لكن في يومٍ من الأيّام، أشارَ لي صديقي مايكل دي دورا إلَى المُقابلة التّي أجراهَا كراوس مع مجلّة The Atlantic مؤخّرًا، وأشْعُرُ الآنَ بأنَّنِي مُلزَمٌ بالتّعليق؛ للخَيْرِ الذّي قد يتمخّضُ عنهُ. لكن قبْلَ ذلك، المَجْدُ لروس أندِرسون الذّي أجرى المُقابَلة؛ لمُحاججتهِ كراوس في العَديدِ من مُغالطاتِه التّي تَفَوَّهَ بها. لنُلقِي نَظْرَة، ألا يُستَحْسَنُ بِنَا ذلك؟.

يفْخَرُ كراوس -ولو باستِحيَاء- بالمَديحِ الذّي تلقّاهُ من ريتشارد دوكنز بخُصوصِ كتابِهِ الأخير ” كوْنٌ من لاشَيْء: لمَاذَا يوجَدُ شيْءٌ بَدَلًا من لاشَيْء” وذَلِكَ عندما قارَنَ بهِ كتابَ داروين “أصل الأنواع” علَى أساسِ أنّه قد قَلَبَ الوَرَقَة الرّابِحَة الأخيرَة للاهوتيين. على أيّ حَال، دعُوا دوكنز يَنْخَرِطُ في هذَا النّوْع من البَلاغَة الزّائِغَةٍ والسّخيفة ( لا يَزالُ دوكنز مُقتنِعًا بأنّ الدّينَ سَيُهزَم بالعقلانيّة وحدَها، لو كانَ الأمرُ كذلكَ؛ لكانَ ديفيد هِيُوم كافيًا لذلك”. الحَقيقةُ أنّ كتاب كراوس مُوجَّهٌ إلى الجُمهورِ العامّ، ويُروِّجُ لأعمالِ كُتّابٍ أخرينَ (بالإضافةِ إلى أعمالهِ الخَاصّة)، وليسَ ذلكَ النّوع الذي يكشِفّ عن اكتشافاتٍ علميّة غير مَسبوقَة، كتلكَ التّي طَرَحهَا داروين في أعمالِهِ، وهذا ما يَصْنعُ كلّ الفُروقاتِ بينهما.

كانَ كتابُ كراوس مَوْضِعَ إشادَة كبيرَة عندما صُدِرَ في يناير، لكن مُؤخّرًا تمَّ انتقاده من قِبَل ديفيد ألبرت في صحيفَةِ النيويورك تايمز:
“إنّ الجُسيْمات الأوّليّة الدّقيقَة، والخَالدة، المُّكوّنَة للعالَمِ الماديّ، استِنادًا إلى ما تُقدّمُهُ نظريّات المجالَ الكمّي النَسبيّ تتكَوّنُ -بنَحوٍ غير مفاجِئ- من حقول كموميّة نسبيّة، ليسَ لديْهَا على الإطلاق أيّ شيْء لتَقولَهُ حوْلَ موضوع مِنْ أينَ أَتَت هذه الحُقُول أو لماذا يتألّفُ العالَمُ من الحُقولِ التي يَتكوّنَ منها كما نَرَاهُ، أو لماذا يجبُ عليه أن يتأّلف من حُقولٍ أساسًا، أو لماذا يَجِبُ أن يكون هناكَ عالَمٌ في المَقامِ. أُغلقتْ القضيّة. انتَهت القصّة”.

هذا قاسٍ، ونتفهّمُ لماذا لم يُعجِبْ كراوس ما كَتَبَهُ ألبرت، لكنّني أتساءَل ما إذا كانَ لدَى كراوس مُسوِّغًا عندما نَعَتَ ألبرت بأنّه “فيلسوفٌ غبيّ”، مع الأخذِ في الإعتبَارِ بأنّ هذا الأخِير ليس فقط فَيْلسوف فيزياء مُحتَرَمٌ للغاية في جامعةِ كولومبيا، بل يحمِلُ شهادةَ دكتوراة في الفيزياءِ النّظريّة أيضًا. لا أعتقدُ بأنّ جامعةَ روكفلر-التّي حَصَلَ ألبرت فيها على شهادَتِهِ- تمنَحُ الدكتوراة للأغبِياء، لكن قدْ أكونُ مُخطِئًا.

على أيّ حال، دعونا نَرَى جوهَر هجوم كراوس على الفَلسفَةِ، يقول:”في كلّ مرّةٍ تَحدُثُ فيها قفزَةٌ نوعيّةٌ في الفِيزيَاء، فإنّها تتخطّى إلى تِلكَ المَناطِق التّي قامَ الفلاسِفَةُ بتحييدِها لأنْفُسِهِم، مِن ثَمَّ تَرَى هذا الإستِياء من قِبَل الفلاسفة”. إنّ هذا يُوضِّح شيئَيْنِ غايَةً في الوُضوحِ: الأوّل؛ أنّ كراوس لا يُدْرك طَبيعَةَ العَمَل في الفسلفة (إنّها لا تهدِفُ إلى تقدّمِ العِلم). والثّاني، أنّ كرواس لا يُمانِع في أن يقوم بدوْر الخَبيرِ في علمِ النّفس، على الرّغمِ من تَهافت تفسيره النّفسيّ. حسَنًا إذن، يُمكنُ للآخرين أن يلعَبوا هذَه اللّعبَة أيضًا، من هذا المُنطِلق؛ سأطرَحُ الفرضيّة القائِلَة بأنّ الفيزيائيينَ أمثالَ واينبيرغ وهوكنج وكراوس يُعانون من عُقدة أوديب بنسخَتِها الفِكريّة عندمَا يُحاولونَ الإيقاعَ بالفَلسفةِ (تَعلمونَ بأنّ الفلسفة هي أصْلُ العُلوم، بإمكانِكَ العَمَل على جمْعِ التّفاصيل عن الإحباطِ الجنسيّ المُتأصّل من هناك).

هاكَ جوهرَةً أخرى يُقدّمها هذا اللّامع -كفيزيائيّ- المُغفّل:”الفَلسفَة هي حقْلٌ يُذكّرُني بنُكتة وودي آلن القديمَة: ” أولئكَ الذينَ لا يُمكِنهُم فعلَ شيءٍ؛ يُعلِّموه، وأولئِكَ الذينَ ليسَ بمقدورهم أنْ يُعلّموا، يعلِّمون الجمناز”. (=بمعنَى أنّه من السّهلِ أن تُعلِّمَ كيفَ يُقامُ بفِعْلِ شيءٍ معيّنٍ عوضًا عن فِعْلِهِ بنفسك)، وأسوَءُ صِنف من الفَلسفَة هو فلسفةُ العِلم. الأفرادُ الوحيدونَ، على حدّ علمي، الذينَ يقْرَأونَ أعمال فلاسفة العِلم هُم فلاسفة العلم الآخرونَ، ليسَ لديْها أي تأثير على الفيزياءِ إطلاقًا، لديْهِمُ بأن يَشْعُرُوا بأنّه قد تمّ تهديدهم؛ ذلكَ لأنّ العلمَ يتقدّم، على النّقيضِ من الفَلسفَة”.

حسنًا، في البَدئ، من الإنصافِ أن نقول أنّ الأشخاص الوحيدونَ الذينَ يقْرأونَ كتب الفيزياء النّظريّة هم الفِيزيائيّونَ النّظريّون أنفسهم، لذلك استنادًا إلى منطِقِ كراوس، فإنّ كلا المَجالَيْنِ لا علاقةَ لهما بأيّ شيء آخَر -بالطبْع إنّ الأمر ليسَ كذلك-. ثانِيًا، أكرّر مرةً أخرى: إنّ مهمّة الفلسفة -فلسفة العلم تحديدًا- ليسَ حلّ المُشكلات العلميّة، لدينَا “العِلمُ” لذلك – وقد شرحنا أنا وجوليا ما الغَرض من فلسفة العلم-. حتّى تُدرك مدى سخافة تَفكير كراوس في هَذا، فكّر فيما سيبدوا عليهِ الأمر لو أنّه قال أنّ مؤرّخي العلم لم يحلُّوا مُشكلَةً في الفيزياء قَطّ. هذا بسبب أنّ مؤرّخي العلم ينصبّ عملهم على علم التاريخ، ليسَ العِلم. متَى كانت آخر مرّة استطاعَ فيها فيزيائيٌّ نظريٌّ على حلّ مُشكلةً في علم التاريخ؟.

وكالعادَة ستستَمعُ إلى القضيّة الأزليّة والمُفضّلة لديهم، ألا وهي أنّ الفلسفَة لا تُحرِزُ تقدُّمًا. وقد فنّدتُ هذه أيضًا. النّقطة الأساسيّة هنا أنّ التقدّمَ في الفسلفة لا يُقاسُ بمعاييرِ العُلوم، تمامًا مثل كلمة “تقدُّم” التّي يَجِبُ أن تُفسَّرَ في أيّ مجال وفقًا لقضايا ذلك المَجال ومنهجيّتهُ، وليسَ وِفقًا لقضايا العِلمِ ومنهجيّته- بالمُناسبَة، ما حالُ التّقدّم في نظريّة الأوتارِ يا لوراس؟ لقد مَضَتْ 25 سنة-ولا يزالُ العدّ مُستمرًّا- دونَ أن تُقدّموا أيّ دليل تجريبيّ عليه-.

من المؤكّد أنّ أندرسون قد سئِمَ من غرور كراوس عندَ هذهِ النّقطة، فأشارَ إلى أنّ الفلاسفة قدْ ساهَموا بالفِعْلِ في عددٍ من المجلات العلميّة والمجالاتِ المُرتَبِطَة بها، فَذَكَرَ علم الحاسب الآلي وارتباطِهِ الوثيق بالمَنطِق. كما ذَكَرَ أنّ برتراند راسل كان شخصيّة محوريّة في هذا الجانب. فردّ عليه كراوس بأنّ المنطِقَ هو فرعٌ من فروع الرياضيّات -الحقيقَةُ أنّ العكس صحيح-، لذلكَ لا يُمكن للفلسفة أن تحصُل علّى الفضْلِ في ذلك. لكن على أيّ حال، كان برتراند راسل عالمَ رياضيّات -في الواقع أنّهُ اشتَهَر كمنطقيٍّ مهتم بفسلفةِ الريَاضيّات-، ثمّ يذكُرُ كراوس أنّ فيتجنشتاين كانَ “رياضيًّا بارِعًا” كما لو أنّه كانَ من قبيل المُفاجَأةِ أن تَرَى فيلسوفًا مُلمًّا بالمنطقِ والرياضيّات. على كلّ حال، إسهاماتُ فيتجنشتاين الرّئيسيّة كانت في فلسفةِ اللّغة.

لم يُغلق أندرسون موضوعَ هذه النّقطة، وأكّدَ:” من المؤكّدِ أنّ للفلاسفة أمثال جون راولز قد أثّروا تأثيرًا كبيرًا في مجالاتٍ عدّة كالعُلومِ السّيَاسيّة والسّياسة العامّة، هل ترى هذه الإنجازات إنجازاتٌ لهم الفَضْل فيها؟”، هُنا أُجبِرَ كراوس إلى الكَشْفِ عن نزْعَتِهِ المُعادية للفِكر، أو بالأحرى-اسمحْ لي عزيزي القارِئ- تَضليلهُ الفكريّ: “حسنًا، أنا أعني …..، انظر لقد كنتُ استفزازيًّا، أنا أميلُ إلى القِيام بهذا بينَ الفَيْنة والأخرى حتّى أجذبَ انتباه النّاس”. حقًّا يا كراوس؟ اعلَم أنّ هذا التّصريح جاء من شخْصٍ قال فيما بعد في نَفْسِ المُقابلة: ” إذا كُنتَ تكتُبُ للعامّة، فلا تُغالي في ادّعاءِك، لأن الجُمهور سيُصدّقُك”. حتمًا يا كراوس، سيُصدّقك النّاس وهذا أمرٌ سيّءٌ ومُخزٍ، على الأقلّ حين تتحدّث عن الفلسفة.

لدى كراوس أيضًا نظرة مُتفائلة تتّسِمُ بالسّذاجةِ نحو العلم كما اتّضَحَ لاحقًا. على سبيلِ المثال، لقد ادّعى بأنّ “الفرق بين العُلماء والفلاسفة هو أنّ العُلماء يَشْعرونَ بالبَهجة عندما يُخطئون، لأنّ خطؤُهُم يعني أنّ هناكَ المَزيد لتَعلُّمِهِ”. بكلّ جديّة؟ لقد امتَهنْتُ العلمَ لأكثَر من عَقديْن ولم أُشاهد أحدًا قطّ يكونُ فَرِحًا عندما يُقال له بأنّه أخطَأ، أو لم يُدافِع عن نفسِهِ بضراوة -و حتّى بالإساءَة- بقدْرِ ما يستطيعُ ضدّ أيّ دعوى تُشكّكُ في صحّة ما يدّعيه.

في الواقِع، كما قالَ الفيزيائيّ ماكس بلانك: “يتقدّمُ العلمَ بالجنائِز”، وذلكَ لأنّه في كثير من الأحيَان، يهرَمُ الجيل القَديم من العلماء فيَتقاعد أو يموت قبلَ أن تأتي أفكارٌ جَديدة ثم تترسَّخ. لورنس، العُلماء هم مجرّد بشر، وكجَميع البَشَر لديْهم ميولٌ إلى أمورٍ دنيويّة كالجِنس والشّهرة والمال -والسّعي نحوَ المَعرِفَة بالطّبع-، العِلمُ نشاطٌ رائعٌ وناجِحٌ بطريقَة مُذهلة -على الرّغم من الأخطاء الفَادِحَة-، لكِن لا يُوجَد سبَب يُبرّر محاولتك في أن تَجْعَل مُمارسيهِ كأنّهم قِدّيسونَ فِكْريّونَ، وهُم ليسوا كذلكَ بالتأكيد -مَثَلًا: شاهِد الإرتفاع المُخيف في التّزوير العلميّ-.

وأخيرًا، فيما يتَعلّقُ بقضيّة ما إذا كانَ ألبِرَت “الفيسلوفَ الغبيّ” كانَ وجيهًا في انتقادِهِ لكتابِ كراوس، أشارَ أندرسون: “يبدو أنّكَ تُجادِل أنّ العَدَم هو فراغٌ كمّيٌّ في الواقِع، وهذَا الفراغ الكمّيّ غير مُستقرّ بطريقةٍ تجْعَلُ ظهورَ المادّة ونسيج المَكان أمرًا مُحتّمًا، لكن الفَراغ الكمّيّ له خصائِص، لأجلِ ذلك؛ فإنّه يَخْضَع لمُعادلات نظريّة المَجال الكمّيّ، لماذا يَجِبُ علينَا إذن أن نُفكِّرَ في الأمْرِ على أنّه عَدَم؟”. ربّما أنا الوحيدُ الذي راوَدَه هذا الشّعور، لأنّني في هذه اللّحظة تخيّلتُ أن كراوس انخَرَطَ باضطرابٍ متزايدٍ، يقولُ متلعثمًا مهزوزَ اليَقين: “لا أظنّ بأنّني حاجَجْتُ بأنّ الفيزياء قدْ أظهَرَت بشكلٍ حاسمٍ كيف أنّ شيئًا يأتي من لاشيء -إذن لماذا عَنْوَنْتَ كتابك بهذا العُنوان؟-، الفيزياء قد أوْضَحَت كيفَ أنّه “من المُرَجّح” أن تُسبّبَ الآلياتُ الفزيائيّة حدوثَ ذلك… أنا لا أهتمُّ إطلاقًا بما يعنيهِ الفلاسفة بالعَدَم، أنا أهتمّ ب”العَدَم” كما هو في الواقِع، فإذا كانَ العَدَم في الواقِع مملوءٌ بالأشياء -عدَمٌ مملوءٌ بالأشياء؟ مُذهل- فسآخُذُ بِهِ.

فردّ عليهِ أندرسون: “عندما قَرأتُ عنوان كِتابك؛ ظَنَنْتُ بأنّ “الإستِفْهامات حَوْلَ منْشَأ الأشياء قد انتهت”، فقَالَ كراوس: “حسَنًا، إذا كانَ ذلكَ الطُّعم- يقصِد العُنوان- قد جَذَبَكَ إلى الكِتاب فهذا أمرٌ رائع، لكن بكلّ جديّة؛ أنا لم أدّعي بذلك الإدّعاء بتاتًا، لو عَنْوَنْتُ الكِتاب ب”الكَون البَديع”؛ فلن يَسْتَقطِبَ هذا العُنوان الكَثير من القُرّاء إليه”.

بكلّ جديّة يا كراوس، أنتَ مُلزَمٌ -أخلاقيًّا- بالإمتِثالِ لنَصيحتِك وتكون صادقًا مع قرّاءكَ. ادّعي ما تَرغَبُ بادّعائِهِ وليس ما تظنُّ بأنّه سيبيع نُسخًا أكثَر من كِتابك. بدايةً تَجْعَلُ عنوانَ الكِتاب كطُعْمٍ للقُرّاء ثم تَنقِلُب عليهم، ثمّ بعدَ ذلك تشكو بمرارةٍ عندما يتجرّأ “الفَلاسفة الأغبياء” بالإشارةِ لما قُمتَ بِهِ.

في كتابِهِ “مُشكِلَة الفيزياء” أعْرَبَ لي سمولين عن أَسَفِهِ لمُضيّ جيلٍ كاملٍ على الفيزياء النظريّة بدونَ تحقيق أيّ تقدّم عظيمٍ فيها أُثبِتَ تجريبيًّا، وهو الأوّل منذ أواخر القَرْن التّاسِع عشر الذّي يمضي هَكَذا. يُلقِي سمولين باللّومِ على العَديدِ من العَوامِل التّي تَسبّبت بهذهِ الحالَة المُزريَة، بِما في ذلكَ بِنيَةَ هذا الفَرع المعرفيّ حيثُ يتمّ تحديد أولويّات التّمويل والتّعيين بواسطةِ عدد قليلٌ من ممارسيهِ.

من المُفارَقاتِ أنّ من ضِمنِ الأسبابِ التي اعتَبَرها سمولين قد تسبّبَت في هذهِ الحَالة هو قِلّة الإهتمام بالفلسَفَة وتقديرِها بيْنَ الفيزيائيينَ المُعاصرينَ، هذا اقتباسٌ من كِتابِ لي سمولين: “أتّفِقُ معكَ تمامًا بخصوصِ الأهميّة والقِيمَة التّعليميّة للمنهجيّة، وكذلكَ تاريخٌ وفلسفَة العِلم. الكَثيرُ من الناسِ حاليًّا-حتى العُلماء البارزين- يبْدونَ لي كشخص رَأَى آلافَ الأشجارِ لكنّهُ لم يَرَ غابةً قطّ. إنّ الإلمام بالخَلفيّة التّاريخيّة والفلسفيّة تمنَحُ الباحث ذلكَ النّوع من الإستِقلاليّة عن تَحيّزات جِيلِهِ، والتّي يُعانِي منها معظمُ العُلماء، هذا الاستقلالُ الناتِج منَ البَصيرة الفلسفيّة-برأيي- هو الحدّ الفَاصِل بينَ حِرَفيّي المِهنَة ومُتخَصّصيها وبينَ السّاعي الحَقيقيّ وراء الحَقيقَة” -ألبرت آينشتاين
—————————
حاشِيَة: كما أشارَ البَعْض، لقد نَشَرَ كراوس اعتذارًا أجبَرَه عليه دانيل دينيت على ما يبدو. عُمومًا، يبدوا أنّه لم يتعلّم الكَثير، يخلِطُ بينَ اللاهوت والفَلسفَة (في جزء)، ويردّ بضغينَة على مُراجِع واحد فقط قد أزعَجَه حقًّا (يقصد نقد ألبرت في صحيفة النيويورك تايمز). والأهمّ من ذلك؛ أنّه لم يَسْتَوْعِب بأنّ فلسفةَ العِلم لا تختصُّ بتقديمِ الإجاباتِ على المُشكلاتِ العِلميّة لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ (لدينا “العِلم” للقيام بهذه المُهمّة)، إنّها تهتمّ، عِوَضًا عن ذلك، إلى فَهْمِ كيفيّة عَمَل العلوم، هل هذا صَعْبٌ عليكَ حتّى لا تَفْهمه، بروفيسور كراوس؟.

المصدر : Lawrence Krauss: another physicist with an anti-philosophy complex

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى