الرئيسية - عام - لمَ نحب رائحة الكُتُب القديمة؟

لمَ نحب رائحة الكُتُب القديمة؟

  • كتبته: فرح محمد
  • ترجمته: أروى حمد عبدالله
  • تحرير: عائشة السلمي

اقترحت ورقة بحثية جديدة أن يتم إدراج “الرائحة” ضمن قائمة اليونسكو للتراث اللامادي. وقد دُعِمَت هذه الحركة من قِبَل دفاتر الزُوّار في مكتبة كاتدرائية القديس بول والتي احتوت على أسطر مثل “…لقد أحببنا كلنا الرائحة والمكتبة الجميلة” و ” مكان مذهل ! يمكنني استنشاق المعرفة”و, “بإمكاننا هنا شمّ التاريخ وعطر التراث والإحساس بمشاركة أرواح من الماضي”.

إننا قد لا نكتفي بتقدير رائحة الأشياء التي نحبها؛ بل قد نحاول تعبئتها، بحيث يصبح بإمكانك أن ترشّ رائحة الكتب القديمة كعطر، أو تخزّن زجاجات صغيرة من رائحة نفحات أشجار الصنوبر، أو تشعل شمعة لتطلق منها رائحة المطر. فنحن نحب بشكل واضح أن نعيد خلق بعض الروائح الموجودة في بيئتنا، لا أن نكتفي بالاستمتاع بها حين تظهر في البيئة. هذا راجع لكون “الرائحة” تؤدي أغراضاً وتحمل معانٍ نفسية هامة. وقد كُتِب في المجلة الأمريكية لعلم النفس “لقد كان الروائي الفرنسي مارسيل بروست يتذكر مطبخ جدّته المحبوبة واصفاً في روايته الشهيرة ” بحثاً عن الزمن المفقود” بأن قطعة من بسكويت المادلين الفرنسي مغموسة بكوب من شاي الزيزفون وحدها كفيلة “بجعل كامل جسدي ينتفض” ويقول غاستون باشلارد في كتابه “جماليات المكان”: أنا الوحيد الذي باستطاعته -في ذكرياته عن قرن آخر- فتح الخزانة العميقة التي لاتزال تحتفظ لي خصيصاً بتلك الرائحة الفريدة، رائحة زبيب يجفّ على صينية من الخيزران”

فبالنسبة لبروست وباشلارد، كانت الرائحة أساسية جداً لإلصاق معنى بالمكان أو التجربة. (أي شخص سبق له أن عاد بالذاكرة بشكل فجائي إلى رحلات عائلية قديمة لأنه اشتمّ رائحة دهان واقي الشمس أو باقات أعياد الميلاد، أو لعلاقات سابقة لأنه اشتمّ رائحة عطر مشابه- يعلم ذلك بالسليقة).

حاول العلماء أن يقدّروا بالضبط إلى أي حدّ تؤثّر الرائحة على وعينا بالمكان. إحدى التجارب عرّضت المشتركين لروائح وصور مناظر، ثم طلبت منهم أن يؤلّفوا قصصاً بناءاً عليها وأن يتذكّروا تفاصيل المناظر. ووجدوا أنه كان من الأسهل على المشتركين أن يؤلّفوا سيناريوهات مقنعة ومفصّلة في المجلس الدافئ ذو الرائحة الطيبة. أما في المجلس الدافئ ذو الرائحة الكريهة، فقد وجد المشتركون صعوبة أكبر في تأليف سيناريوهات مقنعة مفصّلة، وكذلك في تذكّر تفاصيل المنظر إن لم تتناسب الرائحة معه.

وعلى هذا، نخلص من الدراسة، بأنه سواءاً كان الشخص يقرأ قصة أو يتخيل حدود حدث واقع في مكان ما، دائماً ما تؤدي الرائحة دور الغراء الذي يلتصق بالمنظر ويحفظ في الذهن ذكرى كامنة لتفاصيله العابرة.

شارك المعرفة عبر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *