عام

لماذا اشتريت أربعة أطفال سوريين من شوارع بيروت ؟

  • تأليف : فرانكلين لامب – Franklin Lamb
  • ترجمة : نوضا عبدالرحمن
  • تحرير : عبير صالح

أعترف بأني قمت مؤخراً بشراء أربعة أطفال من امرأة سورية يبدو عليها التعب والإنهاك بالقرب من شاطئ الرملة البيضاء، لستُ متأكداً مما وصفت به المرأة نفسها ؛ قد تكون صادقةً، وقد تكون عضواً في إحدى عصابات المتاجرة بالبشر التي تنتشر هذه الأيام في لبنان وتقوم بشراء النساء الضعيفات والأطفال السوريين، زعمت المرأة البائعة أنها كانت جارةً للأطفال الأربعة في حلب، وأنهم فقدوا والديهم في الحرب، الصورة في الأعلى تُظهِر الأطفال قعوداً على دراجتي النارية بعد بضعة أيام من البيع، طفلتان توأمتان بعمر الخمس سنوات، وصبي يبلغ سنةً وبضعة أشهر، وأخوه الأكبر ذو الثمان سنوات.

انتهى المطاف بالمرأة والأطفال في لبنان، لكنها ذكرت لي أنها كانت خائفةً من التسجيل في مفوضية شؤون اللاجئين لأنها لم تكن مهاجرةً قانونية ولم يكن لديها هوية رسمية، أخبرتني المرأة أنها لم تعد قادرةً على مواصلة الاعتناء بالأطفال، لكنها لم تُرِد التخلي عنهم وإلقاءهم في الشارع، عرَضَت عليّ المرأة اقتناء الأطفال الأربعة مقابل ألف دولار، أو كان بإمكاني اختيار أحدهم مقابل مئتين وخمسين دولاراً، بصدمةٍ بالغة بدأت الركوب على دراجتي النارية قائلاً: “خلاص!”، ونظرت حولي باحثاً عن سيارة شرطة في الجوار، استرقتُ النظر إلى الخلف، رأيت الأطفال خائفين جداً، كانوا باردين ومبللين من المطر، وفي غاية الجوع كما يبدو! لم أستغرق وقتاً في التفكير فعرضتُ على المرأة فوراً ست مئة دولار مقابل الأطفال الأربعة، قبِلت المرأة قائلةً بأنها ستغادر إلى تركيا محاولةً الوصول إلى جزيرة ليسبوس قبالة اليونان ، أعطتني السيدة مهلة عشر دقائق للذهاب إلى إحدى مكائن الصرف الآلي وإحضار ستمائة دولار نقداً، طلبت المرأة أن تكون النقود بالدولار وليس بالعملة اللبنانية.

بدا على الأطفال أنهم يدركون ما يحدث وأخذوا يحدقون بي، كانت تعابير وجوه هؤلاء الملائكة تحاول استيعاب أن من يرعاهم يساوم على مصيرهم، ظلّت صورهم تلاحق ذهني وأنا أمتطي دراجتي النارية باحثاً عن مكينة صراف آلي، بالإضافة إلى ذلك كنتُ واعياً تماماً بالإحصائيات المعروفة هذه الأيام، والتي تقول أن قرابة أربعة عشر مليون شخصٍ في سوريا بحاجةٍ ماسة إلى المساعدة الإنسانية العاجلة! معظم هؤلاء من الأطفال الذين يواجهون خطر الإصابة بسوء التغذية أو التعرض للاستغلال والاعتداء، معظمنا هنا يعلم قصصاً مرعبةً عن هذا الأمر تحدث في أنحاء سوريا، ففي القرى التي تبعد قرابة ساعةٍ فقط من الحدود اللبنانية – مثل مضايا وزبداني- أُجبِرَ الأطفال الذين يعانون من الحصار على التغذي على الأعلاف الحيوانية، والحساء المصنوع من أية أعشابٍ يمكن العثور عليها، لقد قرأنا التقارير الإعلامية التي تحدثت عن أن أكثر من عشرين شخصاً قضوا نحبهم نتيجة الجوع خلال عام 2015م ، والتقارير العديدة التي تحدثت عن حالات لأطفالٍ رضّعٍ توفّوا لأن أمهاتهم كنّ مريضات وغير قادراتٍ على إرضاعهم، وإن كانت هناك عيادة محلية فإنها تفتقر إلى حليب الأطفال، أو تعاني من نفاد المحاليل الخاصة بالرضع.

وفي المعضمية، على بعد عدّة أميالٍ فقط من العاصمة دمشق، توفي ثلاثة مواليد الشهر الماضي بعد نفاد المعونة الطبية اللازمة للتغذية الوريدية.

فكرتُ بحجم الاستغلال الذي يواجهه الأطفال اللاجئون السوريون في لبنان، وبعشرات الآلاف الذين يبيتون في العراء في هذه الليالي الباردة، وبالآلاف التي لا تعد ولا تحصى وتكون ضحيةً سهلةً لسوء المعاملة كل يوم ! فكرتُ بحقيقة أنّ جهود إغاثة اللاجئين في لبنان تعاني من نقص مزمن في التمويل مما اضطر المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة لقطع مساعداتها عن جميع اللاجئين باستثناء شديدي الحاجة نظراً لعدم كفاية الأموال.

فكرت بدراسةٍ استطلاعيةٍ أُجرِيَت مؤخراً حول إنقاذ الأطفال، أظهرت الدراسة أن ثلث المقيمين الذين تمت مقابلتهم – والبالغ عددهم 126 مقيماً – أبلغوا بأن أطفالهم يذهبون غالباً بدون أيّة وجبة في اليوم، وأن ربعهم قد شاهدوا أطفالاً في بلدانهم يموتون بسبب نقص الغذاء.

فكرتُ بالخطابات الشرسة والمعادية للاجئين من بعض السياسيين اللبنانيين التي تصف اللاجئين السوريين بأنهم خطرٌ على الأمن الوطني والاستقرار الاقتصادي، على الرغم من أن الوظائف الوضيعة التي يجدونها غالباً لا تجعلهم يحلون محل العاملين اللبنانيين – إن وجدوا- بل إن العديد من السياسيين اللبنانيين المروجين للخوف يُظهِرون دونالد متعاطفاً مقارنةً باللاجئين.

فكرتُ بالأطفال السوريين الذين أشاهدهم يومياً متجولين في شوارع بيروت يتسولون ويبيعون العلك والزهور والأحذية اللامعة ، فكرتُ أيضاً بالفتيات ذوات الأحد عشر والاثني عشر عاماً واللاتي تعرفتُ على بعضهنّ خلال زياراتي إلى الشاطئ حيث أحب الذهاب للتنزه والتأمل في البحر الأبيض المتوسط متفكراً في الحياة ومتحدثاً إلى السلطعونات الانطوائية التي تطفو على السطح على طول الشاطئ، تقبض على شيء ما ثم تختفي بسرعة.

تسير أولئك الفتيات البريئات الجميلات على طول كورنيش الرملة البيضاء يترقبن السيارات ذوات النوافذ السوداء حتى تتوقف، وفي العادة تتوقف السيارات فعلاً، ويقوم المتحرشون بالتحرش بهؤلاء الطفلات مقابل بضع دولارات، قبل أن ينطلقوا ثانيةً ويختفوا في الزحام! وأحياناً يقومون بالاحتفاظ بهنّ معهم!

بصفتي مراقب، قمتُ بإعطاء الشرطة المحلية صوراً لبعض لوحات الترخيص التابعة لأولئك المتحرشين، لكن أحد المسؤولين في مركز شرطة الحمراء أجاب معتذراً بأن “رجال الشرطة غارقون في حل مشاكل أخرى” ولن يتمكنوا من النظر في حالاتٍ كهذه، ولقد أبلغتُ أكثر من مرة عن حالة فتاة صغيرةٍ تُدعى ليلى، لكنهم كانوا مراراً يهزّون أكتافهم بلا مبالاة، وفي إحدى المرات أجابتني ضابطة شرطة قائلةً: “على الأقل، هي تجني بعض المال لأجل عائلتها”.

كتبتُ مؤخراً إلى بعض الأصدقاء عن “ليلى” هذه، الفتاة اللطيفة ذات الاثني عشر عاماً، والتي تعمل في شاطئ الرملة البيضاء، أخبرني أصدقاءها أن ليلى لم تعد من “عملها” منذ الأسبوع الماضي، وليس لديهم أي فكرة عما حدث لها.

قرابة نصف النساء السوريات اللاتي هربن مع أطفالهن إلى لبنان فقدن أزواجهن في الحرب، وأغلبهن فقدن أبنائهن البالغين أيضاً، معظمهن لم يكن لديهنّ وظائف خارج منازلهن قبل النزوح وهنّ الآن مجبراتٍ على ذلك، إلى جانب أدوارهن كأمهاتٍ عاملاتٍ، يقمن أيضاً بدور الأب، والأخت الكبرى، والأخ الأكبر، والصديق المفضّل لأطفالهن.

تقول منار- الأخصائية الاجتماعية الفلسطينية في مخيم شاتيلا- “إن الأمهات أصبحن يمثلن كل شيءٍ بالنسبة لأطفالهن”.

العديد من النساء السوريات اللاتي استطعن إيجاد عملٍ لهن تعرضن للتحرش الجنسي من أرباب العمل وزملائهن الذكور، بعضهن استطعن إخفاء حقيقة عدم وجود ذكر في أسرهن يقدم لهن الحماية إذا أبلغن عن الاعتداءات الجنسية عن أرباب عملهن الفاسدين، لكن بعض اللاجئات السوريات المستضعفات يلجأن إلى ممارسة الدعارة مقابل المال والمعونة المادية! يقدّر أحد الأخصائيين الاجتماعيين في مخيم شاتيلا أن المرأة يمكنها أن تجني 36 دولاراً في اليوم مقابل عملها في الجنس، بينما تجني ما يقارب 8 أو 10 دولارات فقط مقابل العمل اليدوي.

تذكر إحدى الأخصائيات الاجتماعيات في منظمة (ABAAD)، وهي منظمة لبنانية غير حكومية تسعى لوقف عنف الرجال ضد المرأة، أن العديد من النساء السوريات الأرامل يشجعن أطفالهن على أداء عمل الأطفال، أو يقمن ببيع بناتهن المراهقات، وذلك بتزويجهن من أجل الحصول على المقدّم (المهر) الذي يُفترَض أن يقدمه العريس لوالدي العروس، ولكنه غالباً لا يفعل.

بدون الحالة الشرعية وفق القانون اللبناني، أو بدون أية أوراق ثبوتية بسبب العبثية والمتطلبات شبه المستحيلة لتجديد التأشيرة، تروي الكثير من النساء قصص الاعتداء المتكرر للمنظمات الغير حكومية القليلة التي قد ترغب في المساعدة قصص الاعتداءات تلك لا يتم إبلاغها للسلطات لانعدام الثقة في قيام سلطات الشرطة باتخاذ أي إجراء، إضافةً إلى الخوف من الأعمال الانتقامية من قبل المعتدين، أو الاعتقال لعدم وجود تصريح صالح للإقامة.

وفي الوقت نفسه الذي يُحرم فيه اللاجئون السوريون اليائسون من تأشيرات الدخول، فإن هذا المراقب القادم من الأراضي الأمريكية والذي لديه سبب كافٍ لأن يطأطئ رأسه خجلاً كل يوم مما فعلته بلاده من الحروب الإجرامية في المنطقة على مدى عشرات الأعوام، والمساهمة بمقتل أكثر من مليون شخص، وسياسة واشنطن الغير أخلاقية تجاه فلسطين، لا يواجه مشكلةً كهذه بل يمكنه الحضور إلى مركز الشرطة المحلي (الأمن العام) بالقرب من مخيم برج البراجنة الفلسطيني -والذي يضم أيضًا مئات اللاجئين السوريين هذه الأيام- كما فعل هذا الأسبوع، حيث تقدم بطلب تأشيرة إقامة أخرى لمدة ثلاث سنوات، وتم منحه لأنه أمريكي وليس سوري ويمكنه الحصول عليها في نفس اليوم إن قام بدفع 65 دولارًا رشوةً، بدلاً من الانتظار لعدة أسابيع أو أشهر، ثمة شيء ما خاطئٌ جداً في هذه الصورة!

أخذتُ الأطفال إلى شقتي، ووافَقَت صديقتي وعاملتي المنزلية اللطيفة القادمة من أديس أبابا على البقاء في المنزل ورعايتهم إلى أن نتمكن من تقديم المساعدة لهم بتوفير منزلٍ مناسبٍ وتسجيل الصبي الأكبر “خالد” في المدرسة.

في الساعات التي تلت ذلك، وفي اليوم التالي أيضاً، قمت بإجراء عدة مكالمات هاتفية من أجل الحصول على بعض المعونة لهؤلاء الأطفال لكن جهودي باءت بالفشل، ولم أتلق سوى رداً واحداً “حاول أن تجد منظمة ما تقدم لك المساعدة”، وبعض الوعود بإعادة الاتصال بي مرة أخرى، ولكن الأغلب لم يعاود الاتصال بي أبداً.

قمت أنا وصديقتي بالاعتناء جيداً بالأطفال وسرعان ما بدؤوا بإعداد وتناول المأكولات الأمريكية، بما في ذلك الكعك المحمص والبسكويت المحشو برقائق الشوكولاتة، إضافةً إلى استمتاعهم بالمأكولات المعدّة على الطريقة الأصلية في بلدي، كالمعكرونة بالجبن وفطائر الموز مع شراب القيقب من العمة الوهمية جميما والذي تم شراؤه من السوبر ماركت المحلي، وحساء الدجاج بالخضروات، ناهيك عن بعض الأطعمة الاثيوبية اللذيذة التي ساعدوا صديقتي في إعدادها، ولقد أصبحوا خبراء أيضًا في لعب الغميضة، وقاموا بالتعرف على بعض الأطفال السوريين الذين يقطنون في الجوار، وقد غمرتهم سعادةٌ بالغة حين التقوا بأقرانهم وسمعوا لهجاتهم الأصلية، وسرعان ما كانوا يتحادثون ويلعبون مثل سناجب والت ديزني البرية الشهيرة.

بصفتي مراقب، غالبًا ما أتلقى رسائل إلكترونية تطلب رأيي في الأحداث الجارية في المنطقة، أو تطرح أسئلة مختلفة، أو تطلب نصائح عن مواد أكاديمية قد يفكر فيها بعض الطلاب أو يشتركون فيها، لكن حتى هذه اللحظة لم أتلق أي سؤال عن شراء الأطفال اللاجئين السوريين في لبنان.

لو تم سؤالي عن هذا وكانت ظروف الواقع مشابهةً لما ذكرته بالقرب من شاطئ الرملة البيضاء في بيروت للأطفال الأربعة اللطيفين الذين لا يُقدَّرُون بثمن، والذين أتشرف الآن بكوني “عمهم الأمريكي”، فبدون أدنى شك أو خوف من تداعيات قانونية محتملة حول تشجيع ما قد يعتبره البعض جنايةً من نوع ما، فإني سأحث فاعلي الخير بقوة على اتخاذ الخطوات التالية:

أن يتحققوا من الحالات ومدى خطورتها قدر الإمكان، وأن يساوموا البائعين “ويشتروا” الأطفال، خصوصاً إذا رأوا أن الأطفال في حالة خطر شديد، وأنا أنصح فاعلي الخير أيضاً بالتقاط الصور الفوتوغرافية بهواتفهم الذكية، في حالتي لم يكن لدي سوى هاتف نوكيا مستعملٍ قديمٍ بعشرة دولارات وكان يقوم في الغالب بكل ما أحتاجه، لذا لا يمكنني سوى إعطاء الشرطة وصفاً جسدياً عن المرأة، ما زلت أراقبها على طول الشاطئ، وفي أي وقتٍ أكون فيه في منطقة الحمراء.

علينا جميعاً أن نبذل ما بوسعنا لتقديم بيئةٍ آمنةٍ لهؤلاء الأطفال السوريين حتى يعيشوا حياةً سويةً كغيرهم من الأطفال.

عزيزي القارئ إذا قُدِّر لك يوماً أن تكون في هذه المنطقة وصادفت محتاجين مثل هؤلاء، أرجوك أن تجعل هؤلاء الملائكة يشعرون بالأمان والدفء، قدم لها ملابس نظيفة، أطعمهم، ساعدهم في الخضوع للفحص الطبي، وتواصل مع السلطات أو المنظمات الغير حكومية لتقديم المساعدة، اشتر لهم دميةً، مع العلم أنك قد لا تحصل على المساعدة الفورية، استفسر أيضًا عن دراستهم، والأهم من ذلك عزيزي القارئ أن تحاول العثور على أمٍّ لهم، وحتى ينتهي الجحيم المجاور بعد وقتٍ طويل نأمل أن يعيشوا في بلد محب، ثم يمكن لهؤلاء الأطفال الذين يمثلون مستقبل بلدهم أن يعودوا إلى ديارهم ويعملوا في استعادة سوريا وإعادة بنائها.

المصدر : Why I Bought Four Syrian Children Off a Beirut Street

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق