الرئيسية / تقارير ودراسات / لقد وصل المسلمون إلى أمريكا قبل البروتستانت بأكثر من قرن، وبأعداد كبيرة. فكيف نُسيَ تاريخهم؟

لقد وصل المسلمون إلى أمريكا قبل البروتستانت بأكثر من قرن، وبأعداد كبيرة. فكيف نُسيَ تاريخهم؟

  • تأليف : سام هاسلبي – Sam Haselby
  • ترجمة : محب عثمان
  • تحرير : ناريمان علاء الدين

كانت الكلمات الأولى المنقولة بين الأوروبيين والأمريكيين – وكانت من طرف واحد ومربكة كما كان يجب – بلغة الإسلام المقدسة. وقد أمِل كريستوفر كولومبوس أن يبحر إلى آسيا، واستعد للتواصل في ملاعبها الكبرى بلغة من أهم لغات التعامل الأوروبي- الآسيوي (الأوراسي). لذلك عندما تحدث – اليهودي الإسباني – مترجم كولومبوس إلى شعب الهيسبانيولا ( التينو ) فإنه تحدث باللغة العربية. ليست اللغة فحسب، بل الدين ذاته على الأرجح وصل إلى أمريكا عام 1492، وذلك قبل أكثر من عشرين عاماً من نشر مارتن لوثر رسائله على الأبواب وإيقاده الإصلاح البروتستاني.

غزا المغاربة المسلمون – العرب والأفارقة – جزءاً كبيراً من شبه الجزيرة الألبيرية عام 711, وأنشأوا ثقافة إسلامية امتدت لثمانية قرون. وفي مطلع 1492 أكمل الملكان الإسبانيان فرناندو وإيزابيلا استرداد البلاد المفتوحة، حتى غُلب المسلمون وكانت آخر ممالكهم (غرناطة). في نهاية ذلك القرن; كانت محاكم التفتيش – والتي كانت قد أُنشئت قبل قرن – قد أرغمت ما بين 300,000 إلى 800,000 مسلماً وما لا يقل عن 70,000 من اليهود على التحول إلى النصرانية. الإسبان الكاثوليك عادة ما يشكون بممارسة المورسكيين والمتنصرين شعائر دياناتهم السابقة في السر، فطاردتهم تلك المحاكم واضطهدتهم. وبكل تأكيد فقد سافر بعضهم في طاقم كولومبوس حاملين الإسلام في عقولهم وقلوبهم.

القرون الثمانية من الحكم الإسلامي تركت في إسبانيا إرثاً ثقافياً عميقاً، وتلوح الشواهد بوضوح وأحياناً بشكل مدهش مفاجئ خلال غزو الإسبانيين لأمريكا، إذ يعجب بيرنال دياز ديل كاستيلو – مؤرخ غزو هيرنان كورتيس لأمريكا الوسطى – بأزياء بعض نساء أمريكا، فيكتب ( يبدون أنيقات جداً في طريقة لبسهم، يبدون كنساء المغرب ). ويبدو كذلك الأثر العربي في تسمية الإسبان لأماكن عبادة المواطنين الأصليين (mezquita) وهو المسجد بالإسبانية، فقد أخبر كورتيس أنه رأى أكثر من 400 مسجداً عند مروره بأناهوك وهي اليوم تكساس والمكسيك.

عمل الإسلام للإسبان في العالم الجديد كنوع من المخططات أو الخوارزميات، فحينما التقوا بأشياء جديدة عليهم وأناس جدد، عادوا للإسلام محاولين فهم ما يرون وما يحدث. حتى اسم ( كاليفورنيا ) ربما كان مشتقاً من أصل عربي، فلقد أطلق الإسبان هذا الاسم أخذاً عن رواية رومانسية مشهورة بينهم (Deeds of Esplandian) كتبت عام 1510، وكانت تحكي قصة جزيرة غنية – كاليفورنيا – يحكمها الأمازون السود والملكة كالافيا. نُشِرت هذه الرواية في اشبيلية التي كانت – لمدة قرون – جزءاً من الخلافة الأموية (الخليفة، كالافيا، كاليفورنيا).

وكلما وصل الغزاة أرضاً جديدة والتقوا بشعبه الأصلي قرأوا عليهم ذلك الشرط، وهو إعلان قانوني منمق. يفيد في جوهره وجود حالة مجتمعية جديدة، يتاح فيها للأمريكيين التحول إلى النصرانية والخضوع للحكم الإسباني أو تحمل مسؤولية ما يتبع من وفياتٍ وخسائر. وهذا الإعلان الرسمي المذاع عن نية الغزو، متضمناً دعوة غير المؤمنين بالنصرانية إلى التسليم والدخول فيها، وهذا هو المطلب الأول للجهاد. تبنى النصارى هذه الممارسة بعد حروبهم مع المسلمين لقرون، وجعلوه من جملة دين النصارى، وأسموه المطلب (requerimiento)، ونقلوه إلى أمريكا. النصارى الايبريون ربما خطأوا الإسلام أو شيطنوه، لكنهم كانوا يعرفونه جيداً. وما داموا يرونه غريباً فلا بد أن يُؤلف اتصافه بالغرابة.

ونعلم أن المسلمين من غرب أفريقيا في عام 1503 كانوا في العالم الجديد. إذ في تلك السنة كتب حاكم هيسابنيولا إلى إيزابيلا طالباً تقييد جلب العبيد. ولقد كانوا – كما كتب – (مصدر فضيحة للهنود)، وكتب – مراراً – أنهم (هربوا من أسيادهم). ففي صباح عيد الميلاد عام 1522، وفي أول تمرد للعبيد، انشق 20 عبداً من عبيدsugarmill وبدأوا بذبح الإسبان. وألمح المحافظ إلى كون المتمردين أغلبهم من الولوف, وهم من شعوب السنغال أسلم كثير منهم في القرن الحادي عشر. وكان تعرض المسلمين الأفارقة للاستعباد أكثر من غيرهم لأنهم قرأة وكاتبون، ومهارتهم تلك لم تكن محل تقدير وإعجاب من أصحاب المزارع. وفي الخمسين سنة التالية للتمرد عام 1522 على هيسبانيولا، أصدرت إسبانيا خمسة مراسيم تمنع جلب العبيد المسلمين.

فالمسلمون إذن وصلوا إلى أمريكا قبل أكثر من قرن من تأسيس شركة فرجينيا لمستعمرة جيمس تاون عام 1607. وقبل أكثر من قرن من تأسيس البيوريتانيين (التطهريين) لمستعمرة خليج ماساتشوستس عام 1630. كانوا يعيشون قبل أن توجد البروتستانتينية ذاتها وليس البروتستانت فحسب. كان الإسلام ثاني ديانة توحيدية في أمريكا بعد الكاثوليكية – حسب رأي الكاتب – .

الفهم الشعبوي الخاطئ – الذي تعدى حتى إلى بعض النخبة – أن الإسلام والمسلمين وافدون جدد على أمريكا ينَم عن أشياء مهمة حول كيفية كتابة التاريخ الأمريكي. وبالأخص، يكشف كيف برّر وروّج المؤرخون ظهور الدولة القومية الحديثة. إحدى الطرق لإضفاء قيمة للولايات المتحدة الأمريكية كانت أن يقلل الاختلاف ودرجة (عالمية الدولة لا قوميتها، والتنوع العرقي، والتعايش المشترك للسكان) في أمريكا خلال أول 300 سنة من الوجود الأوروبي.

الماضي هو قطع التاريخ وأجزاءه، التي ينتقي منها المجتمع ما يصدق به نفسه.

هيمنت المؤسسات البيوريتانية على كتابة التاريخ الأمريكي. ربما لم يعد هذا صحيحاً تماماً، في حين اشتكى المؤرخ الجنوبي يو بي فيليبس قبل أكثر من 100 عام أن بوسطن كتبت تاريخ أمريكا، وكان غالبيته كُتب بشكل خاطئ. وإن جئنا إلى الحديث عن التاريخ الديني لأمريكا، فإن عاقبة سيطرة المؤسسات البيوريتانية (التطهرية) الرائدة في بوسطن (هارفارد) وفي نيوهيفين (ييل) فإنها جسيمة. هذا (الأثر البيوريتاني) على مشاهدة وفهم الدين في أمريكا الأولى وأصول الولايات المتحدة سبّب تشويهًا حقيقيًا، كما لو رجعنا في التاريخ الأوروبي للقرن العشرين إلى أتباع تروتسكي.

فكَر في التاريخ كونه عمقاً واتساعاً للتجربة الإنسانية، كما حدث فعلاً. يَجعل التاريخ العالم والناس والأمكنة ما هو عليه، أو ما هم عليه. ونقيض ذلك: التفكير في الماضي أجزاءً من التاريخ يختار منها المجتمع ما يشاء تصديقاً لنفسه وتأكيداً على شكل حكومته ومؤسساته وأخلاقياته المهيمنة.

إذن، فنسيان مسلمي أمريكا الأولى أكثر من مجرد قلق غامض مجهول الدواعي. تؤثر عواقب ذلك النسيان على قضية الانتماء السياسي اليوم. ليست الأمم أضرحة موتى ولا أوعية رفات أو صناديق مقتنيات. إنهم – كما خلقهم الله – أحياء، ويجب أن تضخ فيهم الدماء ويجددوا – على نحو ثابت ومستمر – وإلا فالضمور والموت. وإن الاحتكار الافتراضي من قبل الانجلو-بروتستانت على تاريخ الأديان في أمريكا غطى على وجود المسلمين في نصف الألفية الثانية في أمريكا وصعبت الإجابة عن أسئلة مهمة (من ينتمي إلى أمريكا؟ من هو الأمريكي؟ ما هي معايير الانتماء؟ من له حق اتخاذ القرار؟).

ثم ما يجب أن تعني (أمريكا)؟ أو (الأمريكي)؟، مؤسسة اوموهندرو – منظمة علمية رائدة في التاريخ الأمريكي القديم – أشارت عبر برنامجها (أمريكا الأولى الكبيرة) إلى إجابة واحدة ممكنة. (أمريكا العظمى) أو (الأمريكي)، ألفاظ مجملة وكبيرة، ولكنها ليست عديمة المعنى. تاريخياً، من الأفضل أن تفهم أنها (التصادم الكبير، والاختلاط، والغزو بين الشعوب والحضارات والمايكروبات والحيوانات الأوروبية والأفريقية مع شعوب ومجتمعات منتصف الكرة الغربي)، من منطقة البحر الكاريبي العظمى إلى كندا التي قامت عام 1492. ومنذ ذلك الحين إلى عام 1800على الأقل، كانت (أمريكا الكبرى) أو (أمريكا الكبرى الأولى).

كان المسلمون جزءاً من أمريكا الكبرى منذ البداية، بما في ذلك أجزاء أصبحت فيما بعد الولايات المتحدة, مصطفى الزموري عربي مسلم من الساحل المغربي، وصل إلى أمريكا – في بعثة إسبانية كارثية بقيادة بانفيلو دي نارفيز – عبداً. وبرغم كل ما لاقاه، نجا بنفسه وعاش حياته فسافر من سواحل خليج المكسيك عبر ما يعرف الآن بجنوب غرب الولايات المتحدة الأمريكية وأمريكا الوسطى أيضاً. وقد ناضل خادماً عند شعوب تلك الأرض ثم صاغ – بفضل الله – من ذلك العبد طبيباً مشهوراً محترماً.

في عام 1542 نشر كابيزا دي فاكا كتابه (أحد أربعة ناجين من بعثة نارفيز) أول كتاب أوروبي، وعرف لاحقاً باسم (مغامرات في الداخل الأمريكي المجهول) وكان مخصصاً لأمريكا الشمالية. أخبر فيه عن الكوارث التي حلت بالغزاة، وعن سنين ثمان قضاها الناجون متجولين في أمريكا الشمالية وأمريكا الوسطى. وقال دي فاكا أن الزموري أصبح رجلاً لا يمكن التفريط فيه وأنه ذلك الزنجي الذي كان يتحدث معهم طوال الوقت، وكان يريد بقوله (هم) السكان الأصليين. وقال إن حديث الزموري مع السكان الأصليين كان سبباً في إنقاذهم من الموت ولاحقاً سبباً في انتعاشهم.

رأى الزموري أكثر بكثير مما يعرف اليوم بالولايات المتحدة، أهلها وأراضيها، أكثر من (الآباء المؤسسين) للدولة، أكثر منهم مجتمعين. تلتقط ليلى اللامي كل هذا وأكثر وتقيده في روايتها الممتازة (The Moors Account)، والتي تتبّعت فيها الزموري من أيام طفولته في المغرب، إلى عبوديته في إسبانيا، وفي آخر المطاف إلى نهايته الغامضة في الجنوب الغربي الأمريكي. فإن كان هناك ما يصلح أن يكون أفضل صورة للأمريكي الرائد أو الروح الحدودية، فمن الصعب أن يعثر على ممثل لها خيرمن الزموري، وقد كانت تجربة تكيف وإعادة ابتكار مروعة تركت أثرها على الأمة والشعوب التي كانت ثم.

وسمحت بداية المجتمع الزراعي في تشيسابيك بين عامي 1675 و 1700 للسادة المحليين بجلب أكثر من 6000 أفريقي إلى فرجينيا وماريلاند. هذه الطفرة في عالم التجارة أحدثت تغيراً هاماً في الحياة الأمريكية. فبعد أن كان الرقيق البيض خمسة أضعاف السود عام 1668 في تشيسابيك فقد انقلب هذا المعدل في عام 1700. وفي الأربعين سنة الأولى في القرن الثامن عشر جاء المزيد من الأفارقة. وأدى نمو ثروة مُلاَّك المزارع بين عامي 1700 – 1710 إلى استيراد 8000 آخرين من الأفارقين المستعبدين، وبحلول عام 1730 كان يجلب سنوياً إلى تشيسابيك 2000 عبداً على الأقل. وكانت تشيسابيك تتحول من مجتمع يملك رقيقاً (وكانت معظم المجتمعات لها رقيق) إلى مجتمع رقيق، الأمر الذي كان جداً غير اعتيادي، وفي مجتمع العبيد، تعد العبودية أساس الحياة الاقتصادية، وتعد علاقة العبد والسيد علاقة اجتماعية مثالية، ونموذجاً لعلاقات الجميع.

كانت الأجيال الأولى من الأفارقة المجلوبين إلى أمريكا الشمالية غالباً ما يُجلبون للعمل في الحقول جنباً إلى جنب ملاكهم وينامون وينام ملاكهم تحت سقف واحد. ولاحظ المؤرخ ايرا برلين في كتابه (many thousands gone) أنهم كانوا يحرصون على التحول إلى النصرانية. وأنهم أَمِلوا أن يؤمن لهم ذلك التحول مكانة اجتماعية. والذين أحضروا في نهاية القرن السابع عشر والنصف الأول من القرن الثامن عشر ليعلموا كعبيد في فيرجينيا وماري لاند وكارولينا كانوا قد جاءوا من أماكن متفرقة من أفريقيا والجزر الهندية الغربية، وكان أغلبهم مسلمين والقليل جداً كانوا من أصول مختلطة، جاءوا من أماكن تختلف عن أجيال (المواثيق) السابقة. كان المُنصرون ومُلاك المزارع في القرن العشرين يشتكون من أن (جيل المزارعين) إنما يبدي اهتماماً ضئيلاً بالنصرانية، وكانوا انتقدوا ما رأوه من ممارسة العبيد المسلمين لما أسموه (شعائر وثنية). استطاع الإسلام – إلى حد ما – أن يستمر في مجتمع العبيد العاملين في المزارع الأمريكية.

ومثل ذلك، كان ما فعله الفرنسيون حين استعبدوا الآلاف منتهزين فرصة نشوب الحرب الأهلية في غرب أفريقيا بين عام 1719 و 1731، فأحضروا قرابة الستة آلاف مستعبد أفريقي مباشرة إلى لويزيانا، معظمهم جاءوا من فوتا تورو، وهي منطقة حول نهر السنغال، وهي اليوم تتوزع بين السنغال وموريتانيا. وقد وصل الإسلام إلى فوتا تورو في القرن الحادي عشر، والفوتا – منذ ذلك الحين – معروفون بعلمائهم ومجاهديهم وحكمهم بالشريعة، ومن ذلك إمامة الفوتا تورو، الدولة الدينية التي استمرت منذ عام 1776 إلى عام 1861. وفي آخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر كانت النزاعات في أفريقيا الشاطئ الذهبي – اسمها اليوم غانا – وبلاد الهوسا – غالبها في نيجيريا اليوم – لها انعكاسها في الأمريكيتين. فقد هزم الأسانتي في السابق تحالف المسلمين الأفارقة، وقد انتصر الجهاديون في آخر المطاف إلا أنه وخلال هذه العملية فُقد الكثير من المواطنين الأمريكان في تجارة الرقيق.

ربما كانت أغنية سَلومِن في الأصل أغنية سليمان

أيوب سليمان ديالو أشهر مسلم في القرن الثامن عشر في أمريكا الشمالية، كان من الفُلاتة، وهو شعب مسلم يسكن غرب أفريقيا. وفي بداية القرن السادس عشر قام الأوروبيون المتاجرون بالبشر باستعباد كثير من الفلاتيين وإرسالهم ليباعوا في أمريكا. ديالو ولد في بوندو – بين نهري السنغال وغامبيا – تحت الحكم الإسلامي. وقد أسره تاجر رقيق بريطاني في عام 1731، وبيع آخر الأمر إلى نخاس أنجليكاني مبشر، وعرف أن ديالو يكتب العربية ثم اختبره بأن قدم له نبيذاً ليعلم إن كان مسلماً. ولاحقاً قام محامٍ بريطاني بكتابة صك استعباد لديالو وأرسله إلى ماري لاند وقد كتب نقل اسمه إلى الانجليزية فصار بهذا جوب بن سَلومِن بعد أن كان أيوب سليمان.

وعلى هذا النحو، كانت تجربة الاستعباد ونقل العبيد إلى أمريكا قد شوهد فيها الكثير من الأسماء المنقولة إلى الانجليزية، فقد حولت الأسماء الواردة في القرآن إلى أسماء مقاربة لها من انجيل الملك جيمس، إذ أصبح موسى موسِس، وإبراهيم أبراهام، وأيوب أصبح جيكوب أو جوب، وصار اسم داود ديفيد، وسليمان سَلومِن وهكذا. اعتمدت توني موريسنو على تاريخ التسمية بالأسماء الإسلامية في أمريكا في روايتها أغنية سليمان أو (song of Solomon). عنوان الرواية جاء من أغنية فلكلورية احتفظت بأدلة على تاريخ أولئك الأبطال، مالكمان ديد وعائلته. ويبدأ المقطع الرابع من الأغنية: (سليمان و ريان وبلال وشالوت / يعرب والمدينة ومحمد أيضاً). وهذه أسماء جاءت من أفريقيا لمسلمين مستعبدين في فيرجينيا وماري لاند وكارولينا وكنتاكي ومناطق أخرى في أمريكا، وبعبارة أخرى كانت أغنية سَلومِن في بادئ الأمر أغنية سليمان.

تغيير أسماء – على وجه السخرية أو التلطف – كان أداة مهمة متاحة لصاحب المزرعة يندر إهمالها. وبالرغم من ذلك ظلت الأسماء العربية موجودة في السجلات التاريخية في أمريكا الشمالية. تحتوي سجلات محكمة لويزيانا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر على دعاوى ومعاملات متعلقة بـ (المنصور، ثومان، أماديت، فاطمة، ياسين، موسى، بكري، معمري وغيرها من الأسماء)، وكذلك في سجلات محكمة جورجيا في القرن التاسع عشر دعاوى قضائية تخص (سليم، بلال، فاطمة، اسماعيل، أليك، موسى وأسماء أخرى). قضى نيوبل بوكت – عالم اجتماع في القرن العشرين – عمره متتبعاً وجامعاً مواد إثنوغرافية – أي بيانات عن عرق ما – حول الحياة الثقافية للأمريكان الأفارقة. ففي كتابه (أسماء السود في أمريكا: الأصول والاستعمال) وثق أكثر من 150 اسماً عربياً شائعاً بين ذوي الأصول الأفريقية في جنوب الولايات المتحدة الأمريكية، وقد يكون للشخص الواحد اسمان: اسم انجليزي (اسم عبد) يستخدم لأغراض رسمية في حين يغلب في بيئة العمل استخدام اسمه العربي.

ويصعب معرفة مدى استمرارية الأسماء المرتبطة بالهوية الدينية أو ممارسة العبادات المستمرة، وليس من المرجح انفصالها تماماً. فمثلاً، نشرت صحيفة جورجيا عام 1791 إعلاناً عن عبد هارب: (زميل زنجي جديد، يدعى جيفري أو إبراهيم). ونظراً للتحكم الدقيق من قبل الملاك في تسمية العبيد، يجب أن يكون هناك الكثير ممن سموا جيفري واسمهم في الحقيقة إبراهيم، والنساء اللاتي سُمين بماسي وفي الحقيقة اسمهن معصومة، وما إلى ذلك.

في منتصف القرن العشرين وثق لورينزو داو تيرنر الباحث المتخصص في لغة الجولا (لغة الكريولا المتحدث بها في الجزر المقابلة للساحل الجنوبي الشرقي الأمريكي) قرابة 150 اسماً من أصل عربي، شائعة نسبياً في جزر البحر وحدها. ومن تلك الأسماء أكبر وعلي وأمينة وحاميت، وأسماء أخرى كثيرة. كان اسم مصطفى منتشراً في أوائل القرن التاسع عشر في مزارع كارولاينا الشمالية والجماعية. لا تجعل الأسماء العربية بالضرورة من سمي بها مسلماً، على الأقل ليس في المغرب والشام، حيث كان من العرب من هم نصارى ويهود. لكن انتشار الإسلام نقل الأسماء العربية إلى غرب أفريقيا. لذلك فالغالب على الظن أن أولئك الأمريكان أو الأفارقة الأمريكان أو آباءهم وأجدادهم مسلمون.

حاولت السلطات الإسبانية – بدافع من الخوف – طرد العبيد المسلمين من مستوطنات أمريكا الأولى. وقد كان مجتمع العبيد في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في أنجلو أمريكا أكثر أمناً واستقراراً، ففضّل بعض المزارعين وجودهم. في كلتا الحالتين، كان المنطق نفسه، فقد وقف المسلمون على الحياد، وكانت لهم سلطة، وحازوا نفوذاً. وفي منشور (القواعد العملية لإدارة العبيد الزنوج وعلاجهم في مستعمرات السكر 1803) جاءت التوصية بأن المسلمين – وركز المنشور على جزر الهند الغربية – متميزون في رعاية الخيول والماشية وفي الخدمة المنزلية، ولكن القليل منهم مؤهلون للعمل في الحقول، والذي لا يجب أبداً أن يقوموا به. ولاحظ المؤلف في المزارع (أن الكثير منهم يتحدثون باللغة العربية).

ادعى أحد ملاك العبيد في جورجيا أوائل القرن التاسع عشر تمثيله مقاربة مستنيرة بشأن العبودية، ودافع عن جعل (أساتذة الديانة المحمدية) (سائقين) أو (مؤثرين) في المزارع اللاتي يعملون بها. وادعى أنهم سيبدون قدراً من الأمانة لأسيادهم. وأورد المؤلف وغيره مواقف لعبيد مسلمين اصطفوا فيها مع الأمريكان ضد البريطانيين في الحرب عام 1812.

وقد أصبح بعض المسلمين أنفسهم أسياداً في القرن التاسع عشر، ومعلمين وضباطاَ عسكريين في أفريقيا. كان إبراهيم عبدالرحمن عقيداً في جيش والده، إبراهيم صوري، الذي كان أميراً أو حاكماً في فوتا جالون، فيما تعرف اليوم بغينيا. في عام 1788 وحينما كان عمر إبراهيم 26 عاماً، أُسِر في الحرب، واشتراه تجار بريطانيون ونقلوه إلى أمريكا. وقضى 40 عاماً في قطف القطن في ناتشيز، في ولاية ميسيسبي، وكان مالكه توماس فوستر يدعوه بالأمير.

في عام 1826، وفي سلسلة من الأحداث غير المحتملة، جذب إبراهيم انتباه جمعية الاستعمار الأمريكية (ACS). أُسست هذه الجمعية بهدف ترحيل ذوي الأصول الأفريقية من أمريكا إلى أفريقيا. تتألف الجمعية من كبار المحسنين وبعض من أقوى السياسيين في الدولة، وقد جمعت ما بين القوميين البيض والمسيحيين العالميين. ضغطت الجمعية على فوستر لأكثر من عامين ليحرر إبراهيم عبدالرحمن، الذي وافق في النهاية على تحرير إبراهيم دون عائلته. وذهب عبدالرحمن إلى المدن الحرة في شمال أمريكا، وجال في مسيرات وشارك في حملات تبرع مرتدياً زياً مغربياً، وحاملاً أوراق مكتوب عليها سورة الفاتحة للمتبرعين (داعياً إياهم إلى الإيمان بأنها صلاة الرب).

 

كان إبراهيم مسلماً، وصلى صلاة المسلمين. وأخبر قادة الجمعية حين التقاهم أنه مسلم. ومع ذلك، أعطى توماس جالوديت – وهو ناشط تعليمي إنجيلي بارز تلقى تعليمه في جامعة ييل – إبراهيم إنجيلاً مكتوباً بالعربية وطلب منه أن يصليا سوياً. وتحسيناً لمجال النقل إلى أفريقيا والتوظيف المربح، ضغط آرثر تابان – أحد كبار المتبرعين في أمريكا – على إبراهيم ليكون مبشراً نصرانياً ويساعد في توسع إمبراطورية الإخوة تابان التجارية الربحية إلى أفريقيا.

مجلة الجمعية، السجل الأفريقي والصحيفة الاستعمارية، وصفت كيف كان إبراهيم سيصبح الرائد الرئيس للحضارة الأفريقية غير المستنيرة. ورأوه يغرس الصليب في جبال هونج كونغ البعيدة. وباختصار، فهذا هو التأثير التطهري في العمل. أولاً، رفضوا دين الرجل وتحديده هويته. ثانياً، كانت مؤسسات قوية – متخصصة في كتابة وحفظ ونشر وتعليم المهارات الأساسية في صياغة الحكايا والسجلات إلى ماضي – تعمل على تشويه الرجل.

البيوريتانيون لا يمثلون سكان نيو إنجلاند، وليسوا محبوبين عندهم

تفاصيل قصة إبراهيم ربما كانت استثنائية، ولم تكن تجربة كونه مسلماً أمريكياً مواجهاً الاحتكار الانجلو بروتستانتي العازم على إنشاء بلد نصراني أمراً استثنائياً. جزئياً، تطور الإسلام ليسمو على الاختلافات الجسيمة الثقافية واللغوية في آسيا وأفريقيا؛ فقد تحدث إبراهيم بست لغات. وكانت البروتستانتية الانجلو أمريكانية الإنجيلية على النقيض من ذلك؛ فقد كانت أضيق وأقل عمراً. تبلورت البروتستانتية في منطقة مُقيدة ثقافياً شمال الأطلسي، وفي علاقة نشطة بين كل من القومية والرأسمالية، غير هادفة إلى تجاوز التنوع، بل – كما حاول جالوديت وتابان مع ابراهيم – التجانس.

كم من الناس شارك إبراهيم تجربته؟ وكم كان عدد المسلمين في أمريكا ما بين عامي 1500 – 1900؟ وكم في أمريكا الشمالية؟

كتبت المؤرخة الكبيرة سليفيان ضيوف حول هذا الموضوع، في كتابها (عباد الله) أو (servants of allah)، بنوع من الكشف المتحفظ (أن مئات أو آلاف المسلمين كانوا في الأمريكتين) وكتبت (أن هذا كل ما نستطيع قوله عن الأرقام والتقديرات)، من بين عشرة ملايين مستعبد أفريقي أو أكثر أرسلوا إلى العالم الجديد، وقد ذهب أكثر من 80% منهم إلى البرازيل ومنطقة البحر الكاريبي. وبالرغم من ذلك، فالمسلمون الذي وفدوا إلى أمريكا في أوج الاستيطان البيوريتاني (التطهري) كانوا أكثر من البريطانيين. وفي ذروة ذلك الاستيطان وخلال (الهجرة الكبرى) بين عامي 1620 و 1640، وصل إلى أمريكا الشمالية 21000 بريطاني فقط. وربما كان ربع أولئك الوافدين خدماً، لا يمكن افتراض امتلاكهم العاطفة البيوريتانية. وفي عام 1760 كانت نيو إنجلاند موطناً لـ 70 ألفاً – على الأكثر – من المنتمين إلى كنيسة (نيو إنجلاند بيوريتانز).

وبالرغم من كون أعدادهم صغيرة نسبياً، إلا أنهم نجحوا في أن يكونوا معلمين للأمة. وما زالت نيو إنجلاند من بعض الوجوه هي الخاسر في في نهضة الولايات المتحدة. فقد بلغت نيو انجلاند القمة في التأثير الاقتصادي والسياسي في القرن الثامن عشر، وبالرغم من دورها البارز في استقلال الولايات المتحدة، لكنها لم تكن أبداً مركز قوة اقتصادية أو سياسية في المستعمرات البريطانية في أمريكا الشمالية ولا في أمريكا القارة، ولا حتى في الولايات المتحدة.

ببساطة، نظراً لكونها واحدة من الكثير من المستعمرات في العالم الجديد، فقد كانت شاذة عنهم في بعض النواحي الهامة. كانت نيو انجلاند فريدة من الناحية السكانية بسبب توطينها من قبل العائلات، وكانت طائفية دينية، غير سوية سياسياً، وثانوية اقتصادياً من وجهة نظر أوروبا. حتى عبارة (نيو إنجلاند البيوريتانية) من الممكن أن تكون مضللة. كانت الحياة في القرنين السابع عشر والثامن عشر تدور في نيو إنجلاند على الإتجار بالسمك والأخشاب والملاحة البحرية – وتحديداً التجارة مع مزارع الهند الغربية – وليس الدين. البيوريتانيون (التطهريون) لايمثلون سكان نيو إنجلاند وليسوا محبوبين عندهم. فمثلاً، في خليج ماساتشوستس في القرن السابع عشر، قاطع مرة أحد المستمعين لموعظة وزير تطهري قائلاً (أعمال نيو إنجلاند هي سمك القد وليس الله).

جعلتهم بعض الصفات غير اعتياديين، ولكنهم بها تميزوا في كتابة التاريخ، كما أنهم برعوا في محو الأمية والتعليم وتفسير النصوص وبناء المؤسسات. مهاراتهم كانت سبباً في تمكينهم من بين الأمريكان – بشكل واضح – من النهوض لتحدي معالجة ما دعاه عالم الاجتماع رودجر فريدلاند (مشكلة التمثيل الجمعي) في العالم الحديث. قبل ظهور الأمم الحديثة، كانت تواريخ الشعوب هي أنسابها. كان الناس المنحدرون من سلالة جد ما – كأبراهام (إبراهيم) أو إينياس – يرتبطون بشكل طبيعي. يبدو نموذج الشعب الحديث مشكلة جديدة، وهي اشتراك الشعب الواحد في سمات أساسية وحتى متوارثة، لكنهم لا يشتركون في سلف ولا ملك أو ملكة.

في نهاية القرن الثامن عشر، لم يكن أحد يعرف كيف يمثل عامة الشعب. في أمريكا الشمالية، كان البيوريتانيون هم الأقدر على فعل ذلك، فكتبوا عن أنفسهم معتقدين أنهم شعب مختار وليسوا من عامة الشعب، ليس مختاراً من نسل معبودهم – تعالى الله – ولكن متبعين أوامره. وكان ذلك لقلب التاريخ الشاهد على تعدد الأجناس إلى تاريخ وحدة وطنية، وجب عليهم فعل ذلك وإن لم يكن ذلك لائقاً على كل حال.

استبعَد التأثير البيوريتاني الكثير؛ بما في ذلك الوجود الراسخ الطويل للإسلام والمسلمين، بالإضافة إلى قدر من نزاهة وعاطفة التجربة البيوريتانية وفق شروطهم واصطلاحهم، وهي متباينة عن إسهاماتهم في التاريخ الوطني للولايات المتحدة. منحت مستعمرة نيو إنجلاند دوراً مضخماً، نتيجة لهيمنة مؤسساتهم. فعلى مدى قرنين، تغيرت الأعراف كثيراً، إلا أن مؤرخين من مؤرخي القرن التاسع عشر مثل فرنسين باركمان وهنري آدمز تشاركا مع من خلفوهم في القرنين العشرين والواحد والعشرين مثل بيري ميلر وبرنارد بايلان وجيل ليبور، التزاماً بإيجاد أميركا والأصول القومية للولايات المتحدة في نيو إنجلاند في القرن الثامن عشر.

ومن أضر المآثر للكتابة البيوريتانية للتاريخ كانت التدثر المزعوم بدثار الحرية الدينية، كنوع تعهد انجلو بروتستانتي. لكنهم والبروتستانت الإنجيليين يضطهدون خصومهم الدينيين، مثل: الأمريكان الأصليين والكاثوليك والشيوعيين والمثليين الجنسيين والمسلمين وأحياناً – على وجه الخصوص – غيرهم من البروتستانت. فلا جون وينثروب ولا كوتن ماثر ولا أي فرد من ملاك الأراضي التطهريين عانوا من اضطهاد ديني حقيقي. إن امتلاك قوة كتلك التي هي عند التطهريين، أمر لا يتوافق تمامًا مع أصل بعض الادعاءات بالسلطة الأخلاقية للنصرانية، ولا هي منسجمة مع كون أمريكا بلداً للحرية الدينية، وملاذاً للمضطهدين كما قرر توماس بين في 1776.

وإن كان ثمة طائفة تمثل الصورة الفضلى للحرية الدينية، فإنهم المسلمون من أمثال إبراهيم بن عبدالرحمن والزموري، فقد جاءوا إلى أمريكا في ظروف اضطهاد حقيقي، وناضلوا لأجل أن يُعترف بدينهم وحريتهم في التعبد. مانع المسلمون نوازعهم إلى الاستبداد بالآخرين، بمن فيهم الأمريكيون الأصليون، وذلك على العكس مما كان من الانجلو بروتستانت.

أبقى نتائج التأثير التطهري أو البيوريتاني كانت الالتزام المستمر بإنتاج ماضٍ يُركّز فيه على كيفية تأدية الإجراءات الانجلو بروتستانتية – المبدئية عادةً والشجاعة – إلى ما عليه أمريكا اليوم ومؤسساتها وحكومتها، وغالبية تلك الإجراءات كانت في نيو إنجلاند وتشيزابيك غالباً. والحقيقة أن تاريخ أمريكا ليس حكاية أنجلو بروتستانتية في المقام الأول، وإنما هو – بشكل أوسع – تاريخ الغرب. وربما لا تكون قضية ما يتألف منه الغرب قضية بَدَهِية أو واضحة، لكن العصر الأكثر عالمية في التاريخ الذي دشنه الاستعمار الأوروبي في نصف الكرة الأرضية الغربي جزء مهم منه.

وقد كان المسلمون جزءاً من تلك المجتمعات منذ بداياتها، إن عنينا بالغرب أمريكا الشمالية أو النصف الغربي من الكرة الأرضية. والخلافات حول ماهية الأمة الأمريكية وأفرادها مستمرة، وتبقى الأجوبة مفتوحة على عدد من الاحتمالات وهي في غاية الأهمية. تاريخياً، المسلمون أمريكان أصلاً مثل الأنجلو بروتستانت. مسلمو أمريكا الأوائل – من وجوه عدة – يمثلون أفضل ممارسات ومثل للدين الأمريكي. وأي بيان أو اقتراح خلاف ذلك، فإنه مستمد من الشوفينية المقصودة أو الموروثة، ولا يهم مدى حسن نية المتقدم به.

 

  • (محرر في صحيفة (Aeon) المتخصص في التاريخ، وعضو هيئة التدريس في الجامعة الأمريكية في القاهرة والجامعة الأمريكية في بيروت)
شارك المعرفة عبر:

شاهد أيضاً

ضع هاتفك جانباً فربما يساعدك ذلك على عيش حياة أطول

تأليف : كاثرين برايس ترجمة : زينب عبد المطلب تحرير : عزة المصمودي قد يُهدّد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *