الرئيسية - تقارير ودراسات - لا وجودَ لما يُسَمى بـ “جينِ المِثْلِيَّةِ الجِنسية”

لا وجودَ لما يُسَمى بـ “جينِ المِثْلِيَّةِ الجِنسية”

  • جوناثان لامبرت.
  • ترجمة: الجرَّاح القويز.
  • تحرير: غادة بنت عبدالرحمن.

لا وجودَ لما يُسَمى بـ “جينِ المِثْلِيَّةِ الجِنسية”، وفقًا لدراسةٍ كبيرةٍ عن الأساسِ الجِينيِّ للسُّلوكِ الجِنسيِّ للبشر.

يشير حوالي نصف مليون جينوم إلى 5 وصمات جينية مرتبطة بالسلوك الجنسي ومع ذلك لا ينهض أي منها للتنبؤ بالهوية الجنسية للفرد.

كشفتْ أكبرُ دراسةٍ حتى الآن عنِ الأساسِ الوراثيِّ للسلوكِ الجنسي، أنهُ يوجد خمسُ مناطقَ جينيةٍّ مسؤولةٍ عن السُّلوكيات الجنسية لمِثْلِيي الجنس، لكنَّها لم تكُن موثوقةً بما يكفي لتوقع السُّلوك الجنسي للشخص.

استندتِ النتائجُ التي نُشرت في مجلة (science) في تاريخ 29 أغسطس، والتي تؤيد نتائج دراسات صغرى سابقة، إلى جينات مايقارب 500,000 شخص، وأظهرت أنهُ على الرغم من وجود مكوِّن جِينيٍّ للتفضيلاتِ الجنسية إلا أنه لا وجودَ لجين مُحددٍ يمتاز بتأثيرٍ كبير في تحديدِ السُّلوك الجنسي.

يقول كبيرُ الباحثينَ  (أندريا جانا) ، عالمُ الوراثةِ في معهد (MIT) وهَارفرْد في كامبريدج: “لا يوجدُ جينٌ للمثلية الجنسية”.

استخدم أيضًا (جانا) وزملاؤه هذا التحليلَ لتقدير أن نحو 25٪ من السلوك الجنسي يمكن تحديده عن طريق علم الوراثة ، مع تأثر الباقي بالعوامل البيئية والثقافية وهو رقم مشابهٌ لنتائج دراسات أصغر. وتبعًا لهذا تقول (ميليندا ميلز) ، عالمةُ الاجتماعِ بجامعة (أكسفورد) بالمملكةِ المتحدة وباحثةٌ مهتمةٌ بالأساسِ الوراثيِّ للسلوك الإنجابي، أن هذه الدراسة تعتبر قوية لكنها تحذر من أن النتائج قد لا تكون ممثلة لجميع السكان -وهو قصورٌ اعترف به الباحثون في خانة قيود ومشاكل الدراسة-. وذلك لأنَّ الجزء الأكبر من الجِينُومات أتتْ من (البنكِ البِيُولوجيِّ البريطاني للبرامج البحثيَّة) وأيضًا من جينات الزبائن في شركة (23andMe) الموجود مقرها في ماونتن فيو، كاليفورنيا.

فالأشخاصُ الذين يساهمون بمعلوماتهم الوراثية والصحيَّة في قواعدِ البيانات هذه في الغالب من أصلٍ أوروبي. وغالبًا، من كبار السِّن. فالمشاركونَ في (البنك البيولوجي البريطاني) أعمارهم تتراوح بين 40 و 70 عامًا وقت جمع البيانات، ومتوسطُ ​​العمر للأشخاص في قاعدة بيانات شركة (23andMe) هو 51 عام.

يشيرُ الباحثونَ أيضًا إلى أنهم اتَّبعوا (اتفاقيةَ التحاليل الجينيَّة) عن طريق اسقاط بعض الأشخاص من الدراسة وهم الذين لم يتطابق جنسهم البِيولوجي والجنسُ الذي حدَّدوه لأنفُسهم، ونتيجةً لذلك : لا تشملُ هذه الدراسة الأقليَّات الجنسيَّة والجنْسانيَّة (مجتمع المثليين LGBTQ) مثل المتحولين جنسيًا ومزدوجي الجنس (المُخنثين).

 

هناك حاجةٌ لمزيدٍ من البيانات.

لطالما اعتقدَ العلماءُ أنَّ جيناتِ الشخص تؤثر جزئيًا في ميله الجنسي. فقد أظهرتِ الأبحاثُ التي أُجريت في التسعينات من القرن الماضي أن التوائم المتطابقة تتشارك على الأغلب في الميل الجنسيِّ أكثر من التوائمِ غير المتطابقة أو الأشقاء بالتبنِّي. وبعضُ الدراسات تشيرُ إلى أن هناك جزء معين من كروموسوم (X) يُسمى منطقة (Xq28) مرتبطٌ بالتوجُّه الجنسي للأشخاص الذين كانوا ذكورًا بيولوجيًا -على الرغم من أن الأبحاث اللاحقة ألقتّ بظلالٍ من الشكِّ على تلك النتائج-.

المشكلةُ في هذه الدراسات أنها جميعًا تحتوي على عينات صغيرة جدًا، وتركيزها منصب في الغالب على الرجال. وهذا، وفقًا لميلز، أعاق قدرةَ العلماء على اكتشاف العديد من المتغيرات المرتبطة بالتوجه الجنسي.

في الدراسة هذه استخدم (جانا) وزملاؤه طريقةً تُعرف باسم (دراسة الرابطة الجينومية الواسعة) (GWAS) للنظر في جينومات مئات الآلافِ مِن الأشخاص الذين لديهم تغيرٌ لحرفٍ واحد في الحمض النووي، وهو مايسمى تعدد الأشكال لـ (لنيوكلتيد المفرد) (SNPs)[1]. فإذا كانَ الكثيرُ من الأشخاص الذين لديهم سمةٌ مشتركة يتشاركون أيضًا حالة (SNPs) فيوجد احتمالٌ بأنَّ هذه الحالة مرتبطة بطريقة ما بالنتيجة .

وقد قسَّم الباحثون المشاركين في الدراسة إلى مجموعتين، إحداها مارست الجنس مع شخص من نفس جنسها وأخرى لم تفعل. ثم أجرى الباحثون تحليلين منفصلين. في أحدهما ، قاموا بتقييم أكثر من مليون حالة (SNPs) واكتشفوا أنَّ الأشخاص الذين لديهم أكثرُ من حالة (SNPs) مشتركة مع بعضهم البعض قد أبلغوا أيضًا عن سلوكيات جنسيةٍ مماثلة. وقد وجدَ العلماء لذلك أن الوراثةَ يمكن أن تفسر 8-25٪ من الاختلاف في السلوك الجنسي.

أما بالنسبةِ لتحليلهم الثاني، أراد (جانا) وزملاؤهُ معرفةَ أيٍّ من هذه الـ (SNPs) مرتبط على وجه الخصوص بالسلوكيات الجنسية المثلية، وقد وُجدت خمسةٌ منها كانت أكثر شيوعًا بين هؤلاء الأفراد. ومع ذلك، فإن هذه الخمس حالات تشرحُ مجتمعةً أقل من 1٪ من التباين في السلوك الجنسي.

وهذا يشيرُ إلى أنَّ هناك الكثير من الجينات التي تؤثر على السلوك الجنسي، ولكن كما يقول (جانا): “إن كثيرًا منها لم يعثر عليه الباحثون حتى الآن”. ولذلك يعتقد (جانا) أن حجم العيِّنة الأكبر قد يساعد في تحديد تلك المتغيرات المفقودة. ومع ذلك يحذر (جانا) من أنه لا يمكن استخدامُ هذه الـ(SNPs) للتنبؤ بالتفضيلاتِ الجنسية بشكلٍ موثوق في أيٍّ منها الفرد، لأنه لا يوجد جين واحد له تأثير كبير على السلوكيات الجنسيَّة.

 

الأمر معقدٌ حتى الآن  ..

على الرغمِ من أن الباحثين حددوا بعض حالات (SNPs) المعنيَّة في السلوكِ الجنسي المثلي، إلا أنهم غيرُ متأكدين مما تفعله هذه المتغيرات الوراثية. فإحداها قريبة من الجين المرتبط بحاسة الشم، والذي يقول (غانا) إنه يلعب دورًا في الانجذاب الجنسي. وأيضًا يرتبط (SNP) آخر بالصلع عند الذكور، وهي سمة تتأثر بمستويات الهرمونات الجنسية، مما يشير إلى أن هذه الهرمونات ترتبط أيضًا بالسلوك الجنسي المثلي. فهذه النتائج تظهر تعقيد النشاط الجنسي عند البشر. كما واجه الباحثون تحديًا آخر حين أدركوا أن شرح النتائج الدقيقة حول مثل هذا الموضوع الحساس لعامة الناس سيكون أمرًا صعبًا.

ولضمانِ عدم إساءة تفسير نتائج الدراسة، عمل باحثو الدراسةِ مع الجماعات المناصرة لـ (مجتمع المثليين LGBTQ) والمختصين بالعلومِ والتواصلِ ليضمنوا إيصال نتائجهم إلى الجمهور بأفضل طريقة. وتضمَّنت جهودهم تصميم موقع ويب يَعرض نتائج هذه الدراسة -ومشاكلها- للجمهور، باستخدامِ لغة دقيقة وخاليةٍ من المصطلحات.

يقول (إيوان بيرني) بعد إشادته بهذا الجهد: “إن التواصل بهذ الموضوع يشبه السيرَ في حقل ألغام”. وهو بالمناسبة، عالم وراثة ومدير معهد EMBL الأوروبي للمعلوماتية الحيوية بالقرب من كامبريدج في المملكة المتحدة .

أيضًا يعتقد (إيوان بيرني) أن هذا النوع من البحوث مهمٌ على الرغم من أن بعض الباحثين والمناصرين لمجتمع المثليين قد يشككون في الغرض من إجرائها. ومع وجود الكثير من البحوث الاجتماعيةِ على السلوكيات الجنسية المثلية يعتقد بيرني أنَّ هذا الموضوع معقد بشكل كبير. ولذلك يقول أن الوقت قد حان لتقديم منظور قوي من ناحية بيولوجية للمناقشة.

اقرأ ايضاً: “الإباحية : تجسيدٌ لنهاية العالم”

[1] الجينوم الواحد يتكون من اربعة نوكليتدات مرتبة على شكل ازواج وهي (A,T,G, C) ولايتغير الترتيب وعند وجود تغيير في هذا الترتيب تسمى هذه الحالة (SNPs)

المصدر: No gay gene

شارك المعرفة عبر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *