الرئيسية / الفلسفة / كيفية تحصين المجتمع ضد العلم

كيفية تحصين المجتمع ضد العلم

  • تأليف : بول فييرابند – Paul Feyerabend
  • ترجمة : مصطفى هندي
  • تحرير : غادة عبد الرحمن

الفكرة الرئيسية:

إن أية إيديولوجية، إن لم تكن هناك أنظمة أخرى تقابلها و تتزن معها في القوة، فإنها تضر المجتمع و تعرقل النمو الفكري.

لا ترجع مكانةُ العلم الكبيرة، التي لا جدال فيها في المجتمع اليوم إلى الانضباطِ و الدقة المتأصلة في منهجيته، و لا إلى حجم النتائج الموثقة الناتجة عن هذه الأساليب، و لكن السبب فقط هو : أنه بمحضِ الصدفة لم تظهر منافسةٌ جادةٌ من أنظمة أخرى و لُقِّنت الأجيال التالية هذه الحقيقة.

تلخيص :

كان حديث فييرابند عام 1975 بمثابة تحليل استفزازي لمكانة العلوم في المجتمع، كان هدفه حماية المجتمع ضد جميع الأيديولوجيات بما في ذلك العلم، فإن تاريخ العلوم كممارسة يجعلنا نشكك في المعيار الذي يحميه من الفحص المطبق على الأيديولوجيات الأخرى و رفعه – في نظر الناس – إلى شيء يتجاوز الأيديولوجية البسيطة.

هدف فييرابند هو الإطاحة بطاغوت العلم الذي سيطر و حكم لأنه ” حقيقة “، و لم تتم مراجعة و تمحيص هذه الحقيقة لعدة قرون.

و قال إن العلم كان ينبغي أن يكون مجرد مرحلة في تطور المجتمع، و أداة لإسقاط الأيديولوجيات الأخرى، ثم الإطاحة بنفسه ( أو على الأقل تتم مساءلته ) من قبل نظام جديد، بدلاً من ذلك، يتم تدريس العلوم اليوم كحقيقة لا تقبل الجدل و لا تختلف عن الحقائق الدينية التي تم تدريسها في وقت سابق خلال الأيديولوجيات الدينية السائدة.

ينقسم تحليل فييرابند الأكثر تفصيلاً لمكانة العلوم في المجتمع اليوم إلى جزأين رئيسيْن :

(1) أن طريقة العلم صحيحة.

(2) تدعم النتائج صحة هذه الطريقة.

فيما يتعلق بـ (1) ، بعد حسم مسألة الاستقراء سريعًا، يستشهد فييرابند بمختلف الأعمال التي تشير إلى أن طريقة العلم لا تختلف من حيث الدقة عن تلك التي تتبعها الأيديولوجيات الأخرى، أو أنه لا توجد طريقة خاصة بالعلم، و يستقر على الرأي الأخير بمساعدة (إمري لكاتوس) من خلال التمييز بين القواعد المنهجية، و المنهجية التي تعمل بشكل مستقل.

بخصوص (2)، يعترض فييرابند على فكرة أن العلم قد اكتسب مكانته من النتائج التي وصل إليها ، حيث يقدم العديد من الأمثلة تبين اعتماد العلم لنتائج علمية زائفة مما يدل على أن الكثير من النتائج المرموقة و التي تُعزى إلى العلم قد تم التوصل إليها بالفعل بواسطة ” غرباء “، و تشمل هذه الأمثلة مجالات الطب البديل التي يقبلها العلم الغربي و مساهمات أشخاص مثل بور و آينشتاين الذين اعتبروا أنفسهم غرباء.

إن إعادة تقييم العلم كأيديولوجية تنتج مجتمعًا أكثر حذرًا، حيث يتمتع العلم بنفس الاستقلال عن شؤون البلاد مثل الدين و لا يظل مصدرًا للحقيقة التي لا يمكن التغلب عليها.

ينهي فييرابند حديثه بنقد النظام التعليمي الذي يدعم مكانة العلوم حاليًا، و هو يقرر أن الطلاب ” يتعرضون للترهيب ” ليصبحوا أتباعًا للعلم و لا يتم منحهم أبدًا الفرصة للبحث عن أيديولوجيات معارضة، خاصة أثناء طفولتهم عندما يكونون أكثر مرونة، و يختم فييرابند بتكرار رغبته في رؤية أيديولوجية العلوم تواجه بعض المنافسة – أية منافسة ، يشير إلى أن السحرة و الكهنة و المنجمين سيحققون توازنًا فعالًا – ، إنه مجرد ظرف تاريخي هو ما جعل العلم ينمو في بيئة خالية من الضواري.

يجب أن يخضع العلم لبعض المنافسة.

– – – – – –

كيفية تحصين المجتمع ضد العلم – بول فييرابند

الأصدقاء، الأعداء، ممارسو أي أعمال أخرى، سيداتي وسادتي:

قبل أن أبدأ حديثي، اسمحوا لي أن أشرح لكم كيف حدث ذلك، منذ حوالي عام كنت أعاني من قلة المال، لذلك قبلت دعوة للمساهمة في كتاب يتناول العلاقة بين العلم و الدين، و لزيادة مبيعات الكتاب، اعتقدت أن عليّ أن أجعل مشاركتي استفزازية، و أكثر العبارات استفزازية التي يمكن للمرء أن يدلي بها حول العلاقة بين العلم و الدين هي : أن العلم دين. بعد أن جعلت هذا التصريح هو جوهر مقالتي اكتشفتُ أنه يمكن العثور على الكثير و الكثير من الأدلة الممتازة على ذلك. سردت الأسباب، أنهيت مقالي، و حصلت على المال، كانت تلك المرحلة الأولى،

بعد ذلك دُعيت إلى مؤتمر للدفاع عن الثقافة، فقبلت الدعوة لأنها تحملت نفقات رحلتي إلى أوروبا، كما يجب أن أعترف أنني كنت فضوليًا إلى حد ما، عندما وصلت إلى نيس لم يكن لدي أدنى فكرة عما سأقوله، ثم عندما بدأت فعاليات المؤتمر، اكتشفتُ أن الجميع فكروا في العلم و أن الجميع متحمس جدًا، لذلك قررت أن أشرح كيف يمكن للمرء أن يدافع عن الثقافة ضد العلم، جميع الأسباب التي جمعتها في مقالتي موجودة هنا أيضًا و لم تكن هناك حاجة لابتكار أشياء جديدة. ألقيت حديثي، كوفئت بصوت عالٍ على ” أفكاري الخطرة و الفاسدة ” بالأموال التي تم جمعها عن طريق التذاكر، و ذهبت إلى فيينا.

كانت تلك المرحلة الثانية.

الآن من المفترض أن أخاطبكم، لدي حدس أنكم مختلفون تمامًا في بعض النواحي عن جمهوري في نيس، أحد هذه النواحي هي أنكم تبدون أصغر سنا بكثير، كان جمهوري في نيس ممتلئًا بالأساتذة و رجال الأعمال و المديرين التنفيذيين للتلفاز، و كان متوسط ​​العمر حوالي 58 عامًا ، ثم أنا متأكد تمامًا من أن معظمكم أكثر ميلًا إلى اليسار من الجمهور في نيس، في الواقع، أتحدث بشكل سطحي إلى حد ما قد أقول إنكم جمهور يساري بينما كان جمهوري في نيس يمينيًا، رغم كل ذلك هذه الاختلافات لديكم بعض الأشياء المشتركة، أفترض أن كلاً منكم يحترم العلم و المعرفة، و كلاكما يرى ضرورة تهذيب العلم، بطبيعة الحال، و جعله أقل استبدادية، و لكن بمجرد إجراء الإصلاحات، فيجب أن يُعد مصدرًا معرفيًا له قيمته و يجب ألا يتلوث بأيديولوجيات من أي نوع.

ثانياً، يتميز كلاكما بالجدية، المعرفة مسألة خطيرة بالنسبة لليمين و اليسار، و يجب متابعتها بروح جادة، لا مجال للتفاهات، فقط التفاني و التطبيق الجاد للمهمة محل البحث.

هذه كل أوجه التشابه التي أحتاج إليها لتكرار حديثي في نيس ، مع بعض الاختلاف الطفيف ، لنبدأ …

 

قصص خيالية ..

أريد أن أحمي المجتمع و سُكَّانه من جميع الأيديولوجيات، بما في ذلك العلوم، يجب النظر إلى جميع الإيديولوجيات من منظور صحيح، يجب على المرء ألا يأخذهم على محمل الجد، يجب على المرء أن يراها مثل القصص الخيالية التي تحكي الكثير من الأشياء المثيرة للاهتمام و التي تحتوي أيضًا على أكاذيب فظيعة، أو مثل العادات الأخلاقية القديمة التي قد تكون قواعد إبهام مفيدة و لكنها مميتة و ضارة عند اتباعها حرفيًا، الآن، أليس هذا موقفًا غريبًا و مثيرًا للسخرية ؟ بالتأكيد كان العلم دائمًا في طليعة الكفاح ضد الاستبداد و الخرافات ، إننا ندين للعلم بحريتنا الفكرية المتزايدة تجاه المعتقدات الدينية و بتحرير الجنس البشري من أشكال التفكير القديمة و الجامدة، هذه الأشكال من التفكير اليوم ليست سوى أحلامًا سيئة، و هذا ما تعلمناه من العلم، فالعلم و التنوير شيءٌ واحد، حتى أكثر نُقَّاد المجتمع راديكاليةً يؤمنون بذلك. أراد (بيتر كروبوتكين) الإطاحة بجميع المؤسسات التقليدية و أشكال الاعتقاد، باستثناء العلم، و انتقد (هنريك يوهان إبسن) التداعيات الأكثر حساسية للأيديولوجية البرجوازية في القرن التاسع عشر، لكنه ترك العلم دون مساس، لقد جعلنا (ليفي شتراوس) ندرك أن الفكر الغربي ليس هو الذُّروة الوحيدة للإنجاز البشري كما كان يُعتقد في السابق، لكنه استبعد العلم من إعادة نسبته للأيديولوجيات ، كان (ماركس) و (أنجلز) مقتنعين بأن العلم سيساعد العُمَّال في بحثهم عن التحرر العقلي و الاجتماعي، هل خُدع كل هؤلاء؟ هل جميعهم مخطئون في فهمهم لدور العلم ؟ هل جميعهم ضحايا الخرافات ؟ بالنسبة لهذه الأسئلة؛ فإن إجابتي نعم و لا ..

 

الآن، اسمحوا لي أن أشرح إجابتي ..

يتكون توضيحي من جزأين : أحدهما عام، و الآخر خاص،

التفسير العام بسيط = أية أيديولوجيَّة تكسر سيطرة نظام فكري معين على عقول البشر فإنها تساهم في تحرير الإنسان، أية إيديولوجية تجعل الإنسان يتساءل عن صحة المعتقدات الموروثة هي مساعدة للتنوير، و الحقيقة التي تسود و تنتشر دون ضوابط و موازنات = هي بمثابة طاغية يجب الإطاحة به، و أي كذب و تلفيق يساعد في الإطاحة بهذا الطغيان = مرحبٌ به، و يترتب على ذلك أن علوم القرن السابع عشر و الثامن عشر كانت في الواقع أداة للتحرير و التنوير،

لكن ذلكَ، لا يلزم منه أن العلم لا بد أن يظل هو هذه الأداة ! .

لا يوجد شيءٌ جوهريٌّ في العلم أو في أية أيديولوجية أخرى تجعلها أداة ضرورية لابد منها في مسيرة التحرر، يمكن أن تتدهور الأيديولوجيات و تصبح أديانًا غبية ، انظروا إلى الماركسية مثلًا، و الحقيقة الواضحة تمامًا أن علم اليوم مختلف تمامًا عن مثله في عام 1650، على سبيل المثال ضع في اعتبارك الدور الذي يلعبه العلم الآن في التعليم : يتم تدريس ” الحقائق ” العلمية في سن مبكرة و بنفس الطريقة التي كانت تدرس بها “الحقائق” الدينية قبل قرن ، لا توجد محاولة لإيقاظ القدرات الحساسة للتلميذ حتى يتمكن من رؤية الأشياء من منظورها الصحيح ، يكون الوضع أسوأ في الجامعات حيث تُطبق سياسة التلقين بطريقة أكثر منهجية.

لكن النقد لم يكن غائبًا تماما، فالمجتمع، على سبيل المثال، و مؤسساته ، يتعرض لانتقادات شديدةٍ و ظالمةٍ بالفعل على مستوى المدارس الابتدائية، لكن العلم معفيٌّ من النقد، ففي المجتمع بشكل عام : تُقبل كلمة العالِم بنفس القدر من التبجيل الذي كانت تقابل به أحكام الأساقفة و الكرادلة منذ زمن قريب.

على سبيل المثال :الدافع إلى التحرك نحو ” إسقاط الأسطورة ” هو الرغبةُ في تجنب أي صدام بين المسيحية و الأفكار العلمية، إذا حدث مثل هذا الصدام فمن المؤكد أن العلم على حق و المسيحية مخطئة،

تابع هذا البحث أكثر و سوف ترى أن العلم أصبح الآن قمعيًا مثل الأيديولوجيات التي كان يحاربها من قبل، لا تنخدع بحقيقة أنه لا يكاد يُقتل أي شخص بسبب تبنيه هرطقة علمية، هذا ليس له علاقة بالعلم ، بل له علاقة بالطبيعة العامة لحضارتنا، لا يزال المهرطقون في العلوم يعانون من أشدِّ العقوبات في هذه الحضارة المتسامحة نسبيًا.

لكن، أليس هذا الحكم جائرًا و ظالمًا ؟ ألم أقم بعرض المسألة في سياق مشوه للغاية باستخدام مصطلحات مغرية و مشوهة ؟ هل يجب أن نصف الوضع بطريقة مختلفة تمامًا؟

لقد قلت إن العلم أصبح جامدًا، و إنه لم يعُد أداةً للتغيير و التحرير، دون أن أضيف أنه وصل إلى الحقيقة، أو إلى جزء كبير منها، بالنظر إلى هذه الحقيقة الإضافية، فإننا ندرك، وفقًا لذلك الاعتراض، أن صلابة العلم ليست بسبب تصميم و قصد الإنسان، إنها تكمن في طبيعة الأشياء.

بمجرد أن اكتشفنا الحقيقة، هل يمكننا فعل شيءٍ غير اتِّباعها ؟ هذا الرد المبتذل لا يمكن أن يكون هو الأصل ، حيث يتم استخدامه كلما أرادت أيديولوجية تقوية إيمان أتباعها.

“الحقيقة” هي كلمة محايدة بشكل كبير، لا أحد ينكر أنه من الجدير بالثناء اتباع الحقيقة و أنه من الضلال تلفيق الأكاذيب، لا أحد ينكر ذلك و مع ذلك لا أحد يعرف ما الذي يوصل إليه هذا الموقف، لذلك من السهل تحريف القضايا و تغيير الولاء للحقيقة في شؤون الفرد اليومية إلى ولاء لحقيقة أيديولوجية ليست سوى دفاع عقائدي عن تلك الأيديولوجية، و بالطبع ليس صحيحًا أننا يجب أن نتبع الحقيقة، تسترشد الحياة البشرية بالعديد من الأفكار و الحقيقة هي واحدة من هذه الأفكار، بينما الحرية و الاستقلال العقلي يمثلان الأفكار الأخرى.

إذا كانت الحقيقةُ، كما تَصورها بعض الأيديولوجييّن، تتعارض مع الحرية، فعندئذ سيكون لدينا خيار : نتخلى عن الحرية، أو نتخلى عن الحقيقة ( بدلاً من ذلك ، قد نتبنى تصورًا أكثر تطوراً للحقيقة لا يتناقض مع الحرية؛ كان ذلك هو حل هيجل ).

انتقادي للعلم الحديث هو أنه يحول دون حرية الفكر، إذا كان السبب هو أنه وجد الحقيقة و يتبعها الآن، فعندئذ أود أن أقول إن هناك أشياء أفضل من الاكتشاف الأول و أفضل من اتباع هذا الوثن،

بهذا ينتهي الجزء العام من توضيحي.

هناك طرح أكثر تحديدًا للدفاع عن موقف العلم الاستثنائي في المجتمع اليوم، باختصار، تقول الحجة :

(1) إنَّ العلم قد وَجد أخيرًا المنهج الصحيح لتحقيق النتائج المرجوة.

(2) أن هناك العديد من النتائج لإثبات تفوق هذا المنهج.

هذه الحجة خاطئةٌ، لكن معظم المحاولات لإظهار هذا تؤدي إلى طريق مسدود، لقد أصبحت الميثودولوجيا الآن مليئة بالتكلُّفات و الشكليَّات الفارغةِ بحيثُ يصعب للغاية إدراك الأخطاء البسيطة في الأسس و القواعد، الأمر أشبه بمحاربة ثعبان العدار ذي التسع رؤوس، إذا قطعت واحدة حلَّت محلها ثمانية أخرى، حينها يكون الرد الوحيد هو السطحية : عندما تفقد هذه التكلفات محتواها ، فإن الطريقة الوحيدة للبقاء على اتصال مع الواقع هي أن تكون بسيطًا و سطحيًا ، هذا هو ما كنت أسعى إليه.

ضد المنهج

هناك طريقة/منهج كما يقول الجزء (1) من الحجة، ما هي؟ و كيف تعمل؟

إجابة واحدة لم تعد شائعة كما كانت في السابق هي : أن العلم يعملُ من خلال جمعِ الحقائق و استنتاج النظريات منها، هذه الإجابة غير مُرضية، حيث إن النظريات لا تستنتج الحقائق بالمعنى المنطقيِّ الحرفي.

فلِكي يقولوا إنَّ الحقائق تدعم النظريات فإنهم يفترضون صورة عن هذا الدعم المطلوب بحيث إن هذا الدعم :

(أ) لا يُظهر هذا العيب.

(ب) يكون متطورًا بما يكفي للسماح لنا أن نعرف إلى أي مدًى على سبيل المثالِ، تدعم الحقائق النظرية النسبية.

لا توجد مثل هذه الفكرة اليوم، و لا من المحتمل أن يتم العثور عليها على الإطلاق -أحد المشاكل هي أننا نحتاج إلى تصور عن الدعم يمكن من خلاله القول بأن حقيقة الغربان الرمادية تدعم نتيجة “جميع الغربان سوداء” – ، فالتقليديون [ الواقعيون ] و المثاليون الذين أشاروا إلى أن النظريات تشكل الحقائق و ترتِّبها، و بالتالي يمكن الاحتفاظ بها و اتباعها، أقول إنه يمكن الاحتفاظ بها لأن العقل البشري إما بوعي أو بغير وعي يؤدي وظيفة الترتيب.

المشكلة في هذه الآراء هي أنها تفترض للعقل ما يريدون شرحه للعالم، بمعنى أنه يتعامل مع الوضع السائد فقط.

هناك وجهة نظر واحدة فقط تتغلب على كل هذه المشكلات، قُدمت مرتين في القرن التاسع عشر، بواسطة ميل في مقالته الخالدة عن الحرية، و بعض الداروينيين الذين وصلوا بالداروينية إلى معركة الأفكار.

تقتحم هذه النظرية غابة من الصعوبات و تُقرِّرُ : لا يمكن تسويغُ النظرياتِ، و لا يمكن إظهار صحتها دون الرجوع إلى نظرياتٍ أخرى، قد نوضح نجاح نظرية بالرجوع إلى نظرية أكثر شمولاً – قد نثبت نجاح نظرية نيوتن باستخدام النظرية النسبية العامة – ، و قد نفسر تفضيلنا لهذه النظرية بمقارنتها مع نظريات أخرى،

مثل هذه المقارنة لا تؤسس التميز الحقيقي للنظرية التي اخترناها، في الواقع قد تكون النظرية التي اخترناها رديئةً للغاية، قد تحتوي على تناقضات، و قد تتعارض مع حقائق معروفة، و قد تكون ضعيفة و غير واضحة و محصورة في نطاق محدد و ما إلى ذلك، و لكنها قد تظلُّ أفضل من أي نظرية أخرى متاحة في ذلك الوقت. قد يكون في الواقع أفضل نظرية هي أضعف النظريات الموجودة، كما أن معايير الحكم ليست مطلقة، يزداد تطورنا مع كل خيارٍ نتخذه، و كذلك معاييرنا، تتنافس المعايير تمامًا كما تتنافس النظرياتُ، و نختار المعايير الأكثر ملاءمةً للظرف التاريخي الذي يحدث فيه الاختيار، البدائل المرفوضة ( النظريات ، المعايير ، ” الحقائق ” ) لا يتم التخلص منها ، إنها بمثابة تصحيحات و إصلاحات ، – لأنه بعد كل شيء، قد يكون اختيارنا خاطئًا – كما أن هذه البدائل تشرح و توضح مضمونَ الآراء المختارة – فنحن نفهم النسبية بشكل أفضل عندما نفهم بنية منافسيها ؛ فنحن لا نعرف المعنى الكامل للحرية إلا عندما تكون لدينا فكرة عن الحياة في دولة ديكتاتورية من حيث مزاياها و كذلك عيوبها – ، المعرفة التي نتصورها هي : محيطٌ من البدائل التي يتم فرزُها و تقسيمها حسب محيط آخر من المعايير تجبر عقولنا على اتخاذ خيارات مبتكرة و بالتالي تجعلها تنمو و تنضج، تجعل عقولنا قادرة على الاختيار و التخيل و الانتقاد.

غالبًا ما ترتبط وجهة النظر هذه اليوم باسم (كارل بوبر)، و لكن هناك بعض الاختلافات الجوهرية بين (بوبر) و (ميل).

بادئ ذي بدءٍ: طور بوبر وجهة نظره لحل مشكلة معينة في نظرية المعرفة ، لقد أراد حل “مشكلة هيوم”.

من ناحية أخرى : يهتم ميل بالظروف المواتية للنمو البشري، فنظريته المعرفية تابعةٌ لنظرية معينة عن الإنسان، و ليس العكس، كما أن بوبر ، الذي تأثر بحلقة فيينا ، يُحسِّن الشكل المنطقي للنظرية قبل طرحها ، بينما يستخدم ميل كل نظرية بشكلها التي هي عليه في العلم.

ثالثًا : معايير بوبر للمقارنة صارمة و ثابتة، في حين يُسمح لمعايير ميل بالتغيير مع الوضع التاريخي.

وأخيراً : تلغي معايير بوبر المنافسين مرة واحدة و إلى الأبد، : النظرياتُ التي لا يمكن إثبات خطئها أو التي أُثبت خطؤها = ليس لها مكان في العلم.

فمعايير بوبر واضحة لا لبس فيها و وضعت بدقةٍ، بينما معايير ميل ليست كذلك.

و هذا سيكون ميزة إذا كان العلم نفسه واضح، لا لبس فيه، و صياغته دقيقة، لكنه لحسن الحظ ليس كذلك.

بادئ ذي بدءٍ : لا يتم وضع أيةِ نظرية علميةٍ جديدة مؤثرة في مسيرة العلم بطريقة تسمح لنا أن نحدد في أية حالة يجب أن نعتبرها معرضة لخطرِ الدحض؛ فالعديد من النظريات ذات التأثير الواسع لا يمكن إثبات خطئها. توجد نظرياتٌ أخرى يمكن إثبات خطئها لكنها لا تتفق أبدًا مع المعارف الأساسية المقبولة؛ فكلُّ نظريةٍ يمكن أن تكون ملائمة بشكل ما = تم دحضها ، علاوةً على ذلك، فإن النظريات بها أخطاء منهجية حيث يحتوي الكثير منها على تناقضات و تعديلات مخصصة لذلك و ما إلى ذلك.

تقتضي معايير بوبر، إذا طبقناها بحذافيرها، القضاء على العلوم دون أن يحل محلها ما يماثلها، فهي عديمة الفائدة كوسيلة مساعدة للعلم.

أدرك العديدُ من المفكرين هذه الحقيقةَ في العقد الماضي، من بينهم (كون) و (لاكاتوس) ، أفكار كون مثيرة للاهتمام، لكنها للأسف غامضة جدًا و ليست إلا هراء، إذا كنت لا تصدقني ، فانظُر إلى الكتب.

لم يحدث من قبل أن تم غزو مؤلفات فلسفة العلوم من قبل العديد من الحمقى و غير المؤهلين، يشجع كون الأشخاص الذين ليس لديهم أدنى فكرة عن سبب سقوط الحجر على الأرض للتحدث بثقة عن المنهج العلمي، ليس عندي مشكلة مع عدم الكفاءة، و لكنني أعترض على ما يصاحب عدم الكفاءة من الملل و الإعجاب بالنفس و هذا هو بالضبط ما يحدث، نحن لا نصل إلى أفكار خاطئة مثيرة للاهتمام ، بل نصل إلى أفكار مملة أو كلمات لا تجمعها أفكار على الإطلاق.

ثانياً : كلما حاول المرء أن يجعل أفكار كون أكثر تحديدًا، يجد المرء أنها خاطئة، هل كانت هناك فترة من العلم الحقيقي في تاريخ الفكر ؟ لا ، و أتحدى أي شخص يمكنه إثبات العكس.

لاكاتوس أكثر تطوراً من كون ، فبدلاً من النظريات، فإنه يعتبر البرامج البحثيَّة عبارة عن سلسلة من النظريات المرتبطة بطرق التصحيح تسمى الإرشادات، كل نظرية في هذا التسلسل قد تكون مليئة بالأخطاء، قد تعاني من الشذوذاتِ و التناقضات و الغموض، ما يهم ليس شكل النظريات المفردة، و لكن الاتجاه الذي يظهره التسلسل. فنحن نحكم على التطوراتِ و الإنجازات التاريخية على مدى فترة من الزمن، بدلاً من الحكم عليها في وقت محدود، يجتمع التاريخ و المنهجية في مشروع واحد، و يقال إن البرنامج البحثي يتقدم إذا أدت سلسلة النظريات إلى تنبؤات جديدة ، و يُقال إنه يتدهور إذا تقلص إلى الحد الذي يجعله يقبل حقائق ليست من اكتشافه.

من السمات الحاسمة في منهجية لاكاتوس أن هذه التقييمات لم تعد مرتبطة بالقواعد المنهجية التي تُخبر العالِم إما بالاحتفاظ ببرنامج بحثي معين أو التخلي عنه، قد يلتزم العلماء برنامجًا متدهورًا ، و قد ينجحون في جعل هذا البرنامج يتفوق على منافسيه ، و بالتالي فإنهم يتقدمون بعقلانية في كل ما يقومون به – شريطة أن يستمروا في تسمية البرامج المتدهورة ب ” متدهورة ” و البرامج الناجحة ب ” الناجحة ” – ، هذا يعني أن لاكاتوس يقدم كلمات تبدو مثل عناصر منهجية؛ لكنه لا يقدم منهجية، فهذه ليست طريقة وفقًا للمنهجية الأكثر تطوراً و تعقيدًا الموجودة اليوم.

ينتهي بهذا ردي على الجزء الأول من الحجة السابقة.

 

ضد النتائج ..

فيما يتعلق بالجزء الثاني، القائلِ بأنَّ العلم يستحق مكانة خاصة لأنه حقق نتائج، هذه تكون حجةً صحيحةً فقط إذا كان من المسلَّم به أن لا شيء آخر قد حقق نتائج على الإطلاق، الآن قد يكون من المسلَّم به أن كل من يناقش هذا الأمر تقريباً يفترض هذا الافتراض، يمكن الاعترافُ أيضًا بأنه ليس من السهل إظهار أن هذا الافتراض خاطئ، فأشكال الحياة المختلفة عن العلم إما اختفت أو تدهورت إلى حد يجعل المقارنة العادلة مستحيلة.

ومع ذلك ، فإن الوضع ليس ميئوسا منه كما كان قبل عقد واحد فقط ، لقد تعرفنا على طرق التشخيص و العلاج الطبي الفعالة ( و ربما أكثر فاعلية من الطرق المماثلة في الطب الغربي ) و التي تعتمد حتى الآن على أيديولوجية تختلف اختلافًا جذريًا عن أيديولوجية العلوم الغربية ، لقد علمنا أن هناك ظواهر مثل التخاطر و التحريك الذهني التي تم طمسها من خلال المنهج علمي و التي يمكن استخدامها لإجراء البحوث بطريقة جديدة تمامًا – المفكرون السابقون مثل هاينريش كورنيليوس أجريبا و جون دي، و حتى بيكون على علم بهذه الظواهر -،

إذن، أليس الأمر هو أن الكنيسة قد أنقذت الأرواح بينما العلم غالبًا ما يفعل العكس تمامًا ؟ بالطبع ، لا أحد يؤمن الآن بالبعد الأنطولوجي الكامن وراء هذا الحكم ، لماذا ؟ بسبب الضغوط الأيديولوجية المماثلة لتلك التي تجعلنا اليوم نستمع إلى العلم لاستبعاد كل شيء آخر.

صحيحٌ أيضا أن ظواهر مثل التحريك الذهني و الوخز بالإبر قد تنضم في نهاية المطاف إلى العلم و بالتالي يمكن أن يطلق عليها ” علميّة ” ، لكن لاحظ أن هذا يحدث فقط بعد فترة طويلةٍ من المقاومة التي في حينِها لا يولي العلم أي اهتمام بجذب هذه الظواهر لحظيرته. فقط يريد أن تكون له اليد العليا على أشكال الحياة التي تعتمد هذه الظواهر.

وهذا يؤدي إلى اعتراضٍ آخر على الجزء الثاني من الحجة محل النقاش، حقيقة أن للعلم نتائجًا لا يعدها من نتائجه إلا إذا تحققت هذه النتائج بالعلم وحده وبدون أية مساعدة خارجية.

إن نظرةً على التاريخ توضح أن العلوم لا تكاد تصل إلى نتائجها بهذه الطريقة ، فعندما قدم (كوبرنيكوس) رؤيةً جديدةً للكون، لم يستشر أسلافه العلميين، و استشار مجانين الفيثاغوريين مثل فيلولاوس الذي تبنى أفكاره و حافظ عليها في مواجهة جميع القواعد السليمة للمنهج العلمي، الميكانيكا و البصريات مدينون بالكثير للحرفيين و الطب مدين للقابلات و الساحرات، و في يومنا هذا رأينا كيف يمكن لتدخل الدولة أن ينهض بالعلومِ عندما رفض الشيوعيونَ الصينيون أن يتأثروا أو يخافوا من حكم الخبراء و أوامر الطب التقليدي بالعودة إلى الجامعات و المستشفيات. و كان هناك صرخةٌ في جميع أنحاء العالم أن العلم قد دُمِّر الآن في الصين.

حدث العكس تمامًا : تقدمت العلوم الصينيةُ و استفادت منها العلوم الغربية، أينما نظرنا، نرى أن هناك تطورات علمية كبيرة ترجع إلى تدخل خارجي ساد و انتشر في وجه القواعد المنهجية الأساسية و الأكثر عقلانية.

الدرسُ واضح : لا توجد حُجةٌ واحدة يمكن استخدامها لدعم الدور الاستثنائي الذي يلعبه العلم اليوم في المجتمع. لقد فعل العلم أشياء كثيرة، لكن الأيديولوجيات الأخرى فعلت أيضًا، يسير العلم غالبًا بشكل منهجي، و كذلك الأيديولوجيات الأخرى – ما عليك سوى الرجوع إلى سجلات العديد من المناقشات المذهبية التي حدثت في الكنيسة – ، و إلى جانب ذلك، لا توجد قواعدُ سائدة يتم الالتزام بها تحت أي ظرف من الظروف ، لا توجد “منهجية علمية” يمكن استخدامها لتمييزِ العلومِ عن البقية، العلم ليس إلا أحد الأيديولوجيات العديدة التي تعمل على سير المجتمع و يجب التعامل معه على هذا النحو – ينطبق هذا البيان حتى على الأقسام الأكثر تقدمية و الأكثر جدلية في العلوم – ،

ما الذي يترتب على هذه النتيجة ؟

النتيجةُ الأكثر أهميةً، هي أنه يجب أن يكون هناك فصلٌ رسمي بين الدولة و العلم مثلما يوجد الآن فصل رسمي بين الدولة و الكنيسة. قد يؤثر العلمُ على المجتمع و لكن فقط إلى الحد الذي يسمح لأي جماعة سياسية أو أيدلوجية أخرى بالتأثير على المجتمع. يمكن استشارة العلماء في مشاريع مهمة و لكن يجب ترك الحكم النهائي للهيئات الاستشارية المنتخبة ديمقراطيًا، و سوف تتكون هذه الهيئات أساسًا من الأشخاص العاديين.

هل سيكون عامة الناس قادرين على التوصل إلى حكم صحيح ؟.

من المؤكد أنه بالنسبة للكفاءة، فإن التعقيدات و النجاحات العلمية مبالغ فيها إلى حد كبير.

واحدةٌ من أكثر التجارب المبهجة هي رؤيةُ كيف يمكن للمحامي، و هو شخص عادي، أن يجد ثغرات في الشهادة الفنية للخبير المحنَّك، و بالتالي يجهزُ هيئة المحلفين لإصدار حكمها.

العلم ليس كتابًا مغلقًا لا يتم فهمه إلا بعد سنوات من التدريب، إنه قواعد لضبط الفكر، يمكن فحصها و انتقادُها من قبل أي شخص مهتم، و هو الأمر الذي يبدو صعبًا و عميقًا فقط بسبب حملة منهجية للتشويش يقوم بها العديد من العلماء – رغم أنني سعيد بأنني لم أقل” الجميع ” – ، يجب ألا تترددَ أجهزةُ الدولة أبدًا في رفض حكم العلماء عندما يكون لديها سبب لذلك، سيؤدي هذا الرفض إلى تثقيف الجمهور العام، و جعله أكثر ثقة، و قد يؤدي إلى التحسُّن.

بالنظر إلى الغلو الطاغي في ترسيخِ المنهجية العلمية : كلما علا شأن (ليسينكو) -علم زائف ظهر في القرن العشرين- ، كلما كان ذلك أفضل -ليس تدخل الدولة هو أمر مرفوض في حالة ليسينكو ، بل التدخل المستبد الذي يقتل الخصم بدلاً من تجاهل مقولته فقط-، نجحت ثلاثة هتافاتٍ للأصوليين في ولاية كاليفورنيا في إخراج صياغات عقائدية [ دوغمائية ] لنظرية التطوُّر تمت إزالتها من الكتب المدرسية و تم إدراج سردية من سفر التكوين محلها ، – لكنني أعرفُ أنهم سيغالون و سيتحولون إلى استبداديين كما هي الحال اليوم عند إعطاء الفرصة للعلماء لإدارة المجتمع بأنفسهم ، الأيديولوجيات رائعة عند استخدامها في شراكة مع الأيديولوجيات الأخرى ، و لكنها تصبح مزعجة و مذهبية بمجرد أن تؤدي مزاياها إلى الإطاحة بخصومها -.

ومع ذلكَ، فالتغييرُ الأكثرُ أهميةً يجب أن يكون في مجال التعليم.

 

التعليم و الأسطورة ..

الغرضُ من التعليمِ، كما يظن المرء، هو : إدخال الشباب في تفاعل مع الحياة.

و هذا يعني: تفاعلهم مع المجتمعِ الذي يولدون فيه وفي البيئة المادية المحيطة بالمجتمع.

غالبًا ما تتضمن العملية التعليميَّة تدريسَ بعض الخرافات الأساسية، و تتوفر هذه الأساطير أو الخرافات في صور مختلفة، و قد يتمُّ تدريس أشكال أكثر تعمقًا عن طريق ممارسة شعائر التلقين التي تعمل على توطين هذه الأساطير في العقل على نحوٍ قاطع.

فيما يتعلق بالخرافة = يمكن للبالغ شرح و تفسير كل شيء تقريبًا -و إلا فإنه يمكن أن يلجأ إلى الخبراء للحصول على معلومات أكثر تفصيلاً-، إنه سيد الطبيعة و المجتمع، إنه يفهمهم و يعرف كيف يتفاعل معهم، على الرغم من أنهُ ليس صاحب الخرافة التي تقود عقله، استهدف فلاسفة ما قبل سقرط هذه السيادة الإضافية و قد حققوا جزءًا منها، لم يحاولوا فقط فهم العالم، لقد حاولوا أيضًا فهم وسائل فهم العالم، و بالتالي عرفوا كيف يصبحون سادةَ هذه الوسائل ، و بدلاً من أن يرضوا بأسطورة واحدة = طوروا الكثير منها مما قلل من قوة إقناع السرد الصائب في نظر البشر.

قدم السفسطائيون طرقًا أخرى للحد من ضعف السرديات الجديرة بالاهتمام، و المتماسكة و ” الملائمة تجريبياً ” … إلخ إلخ.

إنجازات هؤلاء المفكرين لم تكن موضع تقديرٍ و بالتأكيد ليست مفهومة اليوم، فعند تدريس أسطورة نريد زيادة فرصة أن تكون مفهومة و مقبولة – أي إزالة أي التباسٍ حول أي جزئية من جزئيات الأسطورة.

هذا لا يضر بأي من الأساطير عندما تتوازن الأساطير مع الأساطير الأخرى : فحتى المعلم الأكثر تفانيًا -أي المتشدد/ الشمولي- في نسخةٍ معينة من المسيحية لا يمكن أن يمنع تلاميذه من التواصل مع البوذيين و اليهود و غيرهم من الأشخاص الذين ينظر إليهم نظرة دونية.

الأمر مختلف تمامًا في حالة العلم أو العقلانية حيث يهيمن المؤمنون على الساحة تقريبًا، في هذه الحالة، من الأهمية بمكان تقويةُ عقول الشباب ، و ” تقوية عقول الشباب ” تعني تحصينهم ضد القبول السهل لوجهات النظر الشمولية الأخرى، ما نحتاجه هنا هو التعليم الذي يجعل الناس يختلفون و يقدمون نظريات متعارضة، دون جعلهم غير قادرين على تكييف أنفسهم على تعقيدات رأيٍ واحد.

 

كيف يمكن تحقيق هذا الهدف ؟

يمكن تحقيق ذلك من خلال حماية الخيال الهائل الذي يمتلكه الأطفال، و تطوير روح التناقض الموجودة فيهم بشكل كامل، على العموم، يكون الأطفال أكثر ذكاءً بكثير من أساتذتهم ، لكنهم يستسلمون و يتخلون عن ذكائهم لأنهم يتعرضون للتخويف أو لأن مدرسيهم يستفيدون منهم بشكل أفضل بالوسائل العاطفية.

يمكن للأطفال أن يتعلموا و يفهموا و يميزوا بين اثنين إلى ثلاث لغات مختلفة – أعني الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاث و خمس سنوات ، و ليس الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ثماني سنوات و الذين أُجريت عليهم مؤخرًا هذه التجربة و لكن النتائج لم تكن جيدة ، لماذا ؟ لأنهم تشبعوا بفساد التعليم غير الكفء -، بالطبع يجب تقديمُ اللغات بطريقةٍ أكثر إثارة للاهتمام مما يُفعل عادةً.

هناك كُتَّاب رائعون في جميع اللغات يروون قصصًا رائعة فلنبدأ بتدريس لغتنا معهم و ليس مع كتاب “der Hund hat einen Schwanz” و ما يشابهه من الجنون ، باستخدام القصص يمكننا بالطبع تقديم أطروحات “علمية” عن أصل العالم مثلًا، و بالتالي جعل الأطفال على دراية بالعلم أيضًا، لكن يجب ألا يُمنح العلم أي منصب خاصٍ باستثناء الإشارة إلى أن هناك الكثير من الناس يؤمنون به، و لاحقًا يتم استكمال القصص التي تم إخبارها بسرد “الأسباب” ، حيث أعني بالأسباب مزيدًا من الأطروحات من نفسِ النوع في الإطار الذي تنتمي إليه القصة، و بالطبع، سيكون هناك أيضًا أسباب معارضة سيقدمها الخبراء في المجالات المختلفة، و بالتالي فإن الجيل الشاب يصبح على درايةٍ بكل أنواع التوجهات و كل أفكار الأشخاص الذين يصادفهم في طريقه، يتعرف عليهم و يتعرف على قصصهم، و يمكن لكل فردٍ تغيير عقله إلى طريق آخر، ضع في اعتبارك الطريق الذي يجب أن تذهب إليه، فالكل يعلم الآن أنه بإمكانك كسب الكثير من المال و الاحترام، و ربما حتى جائزة نوبل من خلال أن تصبح عالمًا ، و سيصبح الكثيرون علماء دون أن تختطفهم أيديولوجية العلم ، و لأنهم اتخذوا خيارًا حرًا، و لكن ألم يضيعوا الكثير من الوقت في مواضيع غير علمية؟ ألا ينتقص هذا من كفاءتهم بمجرد أن يصبحوا علماء؟ لا، على الإطلاق ! فإن تقدم العلم و العلم الجيّد يعتمد على الأفكار الجديدة و الحرية الفكرية.

لقد تطور العلم في كثير من الأحيان من قِذل الغرباء – تذكَّر أن بور و آينشتاين اعتبروا أنفسهم الغرباء.

لكن ألا يتخذُ الكثير من الناس الخيارَ الخطأ و ينتهي بهم المطاف في طريق مسدود ؟ حسنًا، هذا يعتمد على ما تعنيه بـ “طريق مسدود”، معظم العلماء اليوم ليس لديهم أفكار، و بكثير من الخوف يعتزمون تقديم بعض النتائج التي لا قيمة لها ليضيفوا إلى طوفان الأوراق التافهة التي تشكل الآن “تقدمًا علميًا” في العديد من المجالات.

و إلى جانب ذلك ، ما الأهم ؟ أن يعيش المرء حياة اختارها بحرية كاملة، أم قضاء المرء وقته في حالة توتر و قلق في محاولة لتجنب ما يسميه بعض غير الأذكياء ” طريق مسدود ” ؟. ألا ينخفض بذلك ​​عدد العلماء حتى لا يوجد في النهاية أحد يدير مختبراتنا الثمينة ؟. لا أظن ذلك، إذا أتيح الاختيار للعديد من الناس فقد يختارون العلم، لأن العلم الذي يديره علماء أحرار يبدو أكثر جاذبية من علم اليوم الذي يديره العبيد، عبيد المؤسسات و عبيد ” العقل “، و إذا كان هناك نقص مؤقت في العلماء فعلاجُ الوضع دائمًا يكون بواسطة أنواع مختلفة من الحوافز و المكافآت.

بالطبع ، لن يلعبَ العلماء أي دور سائد في المجتمع الذي أتصوره، سيكونون أكثر توازنًا مع السحرة ، أو الكهنة ، أو المنجمين ، مثل هذا الحال لا يطاق بالنسبة للعديد من الأشخاص ، كبارًا و صغارًا ، من اليمين و من اليسار ، جميعهم تقريبًا لديهم اعتقاد راسخ بأنه قد تم العثور على نوع من الحقيقة على الأقل ، و يجب الحفاظ عليها ، و لكن طريقة التدريس التي أدافع عنها و شكل المجتمع الذي أنادي به سيخفف هذه الحالة ثم تختفي في النهاية.

لديكُم هذا الاعتقاد الراسخ؛ لأن الكثير منكم قد يكون له أسباب، و لكن ما عليك أن تفكر فيه هو أن عدم وجود أسباب معارضةٍ قوية يرجع إلى ظرف تاريخي؛ لا علاقة له بحقيقة الأشياء في الواقع.

إن بناء نوع المجتمع الذي أوصي به، و الآراء التي تحتقرها الآن -دون أن تعرفها جيدًا لتكون متأكدًا من قرارك- ستصبحُ ظاهرةً و منتصرة بحيث سيتعين عليك العمل بجد للحفاظ على مركزك و ربما لن تكون قادرًا تمامًا على القيام بذلك ، أنت لا تصدقني ؟ إذن انظر إلى التاريخ :

تأسس علم الفلك على يد (بطليموس) و (أرسطو) ، و هما من أعظم العقول في تاريخ الفكر الغربي، من الذي قلقل نظامهم التجريبي و المصاغ بدقة و المبرهن جيدًا ؟ إنهم (فيلولاوس) و مجانين الفيثاغوريين الأوائل، كيف أمكن فيلولاوس أن يلعب مثل هذا الدور ؟ لأنه وجد مدافع بارع : (كوبرنيكوس).

بالطبع يمكنك اتِّباع حدسك و أنا أتبع حدسي، و لكن تذكر أن الحدس الخاص بك هو نتيجة تدريبك ” العلمي” ، حيث أعني بالعلم = علم (كارل ماركس) ، و أقصد بتدريبي، أو بالأحرى عدم تدريبي = أني صحفي مهتم بأحداث غريبة و شاذة.

أخيرًا : أليس من الاستهتار و عدم الجدية تمامًا، في الوضع العالمي الحالي، مع موت ملايين الأشخاص جوعًا، و البعض الآخر مستعبد و مهان، و في بؤس شديد من الناحية الجسدية و العقلية، أقول أليس التفكير في أفكار مترفة و تافهة مثل هذه هو محض استهتار و عدم مسؤولية؟

أليست حرية الاختيار ترفًا في ظل هذه الظروف؟ أليس الهزل و الوقاحة المصاحبة لحرية الاختيار تعد ترفًا في مثل هذه الظروف؟ ألا يجب أن نتخلى عن الانغماس في الملذات؟ ألا يجب أن نضم صوتنا لهم و نتصرف؟

هذا هو أهم اعتراض يتم طرحه اليوم ضد مقاربة مثل تلك التي أوصي بها ، لديه جاذبية هائلة ، جاذبية التفاني غير الأناني ، التفاني غير الأناني إلى ماذا ؟

دعنا نرى !

من المفترض أن نتخلى عن ميولِنا الأنانية و أن نكرس أنفسنا لتحرير المضطهدين، و ما هي الميول الأنانية المقصودة؟ إنها رغبتنا في الحصول على أقصى قدرٍ من حرية الفكر في المجتمع الذي نعيش فيه الآن، و الحرية القصوى ليست فقط من النوع المجرد ، و لكن تلك التي نراها و نلمسها في المؤسسات و أساليب التدريس المناسبة ، هذه الرغبة في الحرية الفكرية الحقيقية في محيطنا الخاص يجب أن تُوضع جانبًا في الوقت الحاضر، هذا يفترض أولاً أننا لسنا بحاجة إلى هذه الحرية لإتمام مهمتنا، يفترض ذلك أنه يمكننا القيام بمهمتنا بعقل منغلق بقوة على بعض البدائل، يفترض أيضًا أن الطريقة الصحيحة لتحرير الآخرين موجودة دائمًا و أن كل ما نحتاج إليه هو تطبيقها فقط.

أنا آسف ، لا يمكنني قبول مثل هذا المذهب الذاتي في مثل هذه الأمور البالغة الأهمية، هل هذا يعني أننا لا نستطيع التصرف على الإطلاق ؟ لا، ليس كذلك أبدًا، و لكن هذا يعني أنه بينما يتوجب علينا أن نحاول أن نصل إلى أكبر قدرٍ من الحرية التي أوصيت بها فإن أفعالنا سيتم تصحيحها في ضوء الأفكار التي نحصل عليها مع زيادة حريتنا، سيؤدي ذلك إلى إبطاء جهودنا، بلا شك، لكن هل من المفترض أن نتحرك للأمام لمجرد أن بعض الناس يقولون لنا أنهم وجدوا تفسيرًا لكل البؤس و طريقة ممتازة للخروج منه؟ نريد أن نحرر الأشخاص لا لنجعلهم يستسلموا لنوع جديد من العبودية، بل لنجعلهم يدركون رغباتهم الخاصة مهما كانت رغباتهم مختلفة عن رغبتنا، لا يستطيع المحررون ذوو الثقة المطلقة في آرائهم و ضيقو الأفق القيام بذلك، و كقاعدة عامة فإنهم سرعان ما يفرضون عبودية أسوأ ، لأنهم أكثر التزامًا بالمنهج ، من أقذر عبودية أزالوها.

و فيما يتعلق بالهزلِ، و الوقاحة فيجب أن تكون الإجابة واضحة، لماذا يريد أي شخص تحرير أي شخص آخر؟ بالتأكيد ليس بسبب ميزة الحرية فقط، و لكن لأن الحرية هي أفضل وسيلة لتحقيق التنمية الحرة و بالتالي السعادة، نريد تحرير الناس حتى يتمكنوا من الابتسام، كيف يمكن أن نكون قادرين على القيام بذلك إذا نسينا نحن كيف نبتسم و نكره من لا يزالون يتذكرون ؟ ألا نكون بذلك ننشر مرضًا آخر مشابهًا للمرض الذي نريد إزالته، مرض الاعتقاد بأنك خيرٌ من الآخرين؟ لا تعترض على أن التفاني و الفكاهة لا يتماشيان معًا، فسقراط مثال ممتاز على العكس. إن المهمة الأصعب تحتاج إلى اليد الأخف وزناً و إلا فإن إنجازها لن يؤدي إلى الحرية، بل إلى طغيانٍ أسوأ بكثير من السابق.

– – – –

المصدر:

Introductory Readings in the Philosophy of Science – 1998: 54-65.3rd Edition. Klemke, Hollinger, et.al. (Eds.)

شارك المعرفة عبر:

شاهد أيضاً

ميشيل فوكو “عن الحمقى، والمجرمين، والمنحرفين جنسيًّا”

تأليف : بانومس كينج ترجمة : محمد صديق أمون تحرير : عبير صالح كان ميشيل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *