الفلسفة

ميشيل فوكو “عن الحمقى، والمجرمين، والمنحرفين جنسيًّا”

  • تأليف : بانومس كينج
  • ترجمة : محمد صديق أمون
  • تحرير : عبير صالح

كان ميشيل فوكو (1926-84) أحدَ أبرز الفلاسفة ومؤرخي الأفكار الفرنسيين وأكثرهم تأثيرًا، اشتُهر خاصةً بنظرياته في الخطاب، وعلاقة السلطة والمعرفة.

تبحثُ مؤلّفاتُه العديدةُ والملهِمةُ مثل:  (l’histoire de la folie à l’âge classique ( 1972  (تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكيّ -2006)، surveiller et punir (1975) (المراقبة والعقاب-1990)، (84-1976)Histoire de la sexualité (تاريخ الجنسانيّة- 2004) ظهورَ مؤسسات الدولة (العقابيّة، والعلميّة، والطبيّة) شديدة البطش وآلياتِ سيطرتها، وتكشف عن المواقف الغربيّة من الحمقى، والمجرمين، والمنحرفين جنسيّاً، متأمّلةً الأساليب التي استخدمتْها المجتمعات لمعاقبة أولئك الخارجين عن المألوف، ومع ما فيها من صعوبةٍ واضحة، إلّا أنَّ نظرياته عُدَّتْ رائدةً واستُخدمتْ في مجالات معرفيّة مختلفة كالفلسفة، والنقد الأدبيّ، والأنثروبولوجيّا،و السوسيولوجيا، والدراسات الجندريّةـ بالإضافة إلى نظرية الكوير.

دَرَسَ فوكو -المولود في بواتييه – في المدرسة العليَا للأساتذة في باريس، وهناك تتلمذ على كُلٍ من لويس التوسير، وموريس ميرلو بونتي، بدأ مسيرته في التدريس في جامعات أوروبية عديدة في ألمانيا، والسويد، والجزائر وذلك في خمسينيّات القرن العشرين، قبل أن يعودَ إلى فرنسا ليشغل كرسيَّ الفلسفة في جامعة كليرمون فيران، وجامعة فنسن في سان دوني. ثم عُيِّن في 1970 أستاذاً لتاريخ الأنساق الفكريّة في الكوليج دو فرانس ذائعة الصّيت. و مذ السبعينيّات بدأ فوكو ينشط سياسيًّا، فأنشأ (بالاشتراك مع بيير فيدال ناكيه، وجان ماري دومينيك) Groupe d’information sur les prisons [مجموعة المعلومات الخاصة بالسجون] بغرض نشر معلومات حول الأوضاع داخل السجون الفرنسيّة، كما نظم عدة احتجاجاتٍ دفاعاً عن الجماعات المهمّشة.

طوال مسيرته، كان اهتمامُ فوكو منصبّاً على كيفيّة استخدام المؤسسات العلمَ والمعرفة بصفتهما أدواتٍ سلطويّة تخولها إخضاع البشر لحكم الخبراء، وارتأى -كما فعل فريدرك نيتشه من قبل- أنَّ بين المعرفة والسلطة عُرى لا تنفصم. في كتابه Folie et déraison (1961) (الحضارة والجنون) أو l’histoire de la folie à l’âge classique 1972  (تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكيّ 2006) بحث فوكو -ناقداً مؤسسة الطب النفسيّ- نشوءَ مفهوم المرض العقليّ في أوروبا، مستنداً إلى واسع أبحاثه الأرشيفيّة، ومعبراً عن عظيم ريبته في خفيّ أجندات الطب النفسيّ الحديث، كما اعتقد أنَّ العلاجات النفسيّة المقدمة للحمقى لم تعمل على مداواتهم أو تحريرهم؛ بل كانت قمعيّةً واستبداديةً، و وسائلَ لدرء التحديات التي تواجه أخلاقيات المجتمع المتعارف عليها.

درسَ فوكو حاديه القلقُ من الإصلاحات القضائية الفرنسيّة، في كتابه (surveiller et punir (1975 (المراقبة والعقاب 1990) التغيراتِ التي اعترتْ الإجراءات العقابيّة، متوخيّاً خطَّ معالمِ النّقلة التي تمّت من أساليب الإعدام المعروفة في العصور ما قبل الحديثة إلى استحداث سجون القرن التاسع عشر.  استهل فوكو كتابه هذا بإعادة سرد تفاصيل ما لاقاه الجنديّ الفرنسيّ روبرت فرانسوا داميان من تعذيبٍ وتنكيلٍ بشع، ثم تقطيعٍ أمام حشد هائل من النّاس، وذلك لمحاولته اغتيال الملك لويس الخامس عشر، ثم أتبعَ هذا المشهدَ بجدول زمنيّ وقائمةٍ تحوي لوائح قوانين أحد سجون الأحداث في القرن التاسع عشر، حيث كل حركة مرصودة ومحددة، زعمَ فوكو مع إقراره بكون الأسلوب الحديث في سجن المجرمين أكثر رفقاً وإنسانيّة، أنَّ نشوء السجن الحديث كان آليةً لضمان تحكمٍ أكثر نجاعة، وأنَّ استراتيجيّات الحجز والانضباط هذه قد أضحتْ نموذج التحكُّم المحتذى من قبل المجتمع بأكمله، حيث المصانع والمدارس والمستشفيات كلُها مصممةٌ على غرار السجن الحديث.

ترتكزُ شهرُة فوكو أيضاً على عمله التفكيكيّ ذي الأجزاء العديدة (84-1976)Histoire de la sexualité (تاريخ الجنسانيّة- 2004)، والذي يتناول بالبحث مواضيعَ مختلفةً حول الجنسانيّة الحديثة، لكنّه رحلَ ولمّا يكتمل الكتاب. و فوكو نفسُه كان شاذاً جنسيّاً يعيشُ في مجتمع فرنسيّ لم يشع فيه تقبُل ذلك بعد. أمّا كتابُه هذا فيعدُّ استمراراً لمنهجه الجينالوجي كما في (surveiller et punir (1975 (المراقبة والعقاب1990)، وفيه بيّن فوكو الرّوابطَ الوثيقة بين مختلف الحقول المعرفيّة الحديثة حول الجنسانيّة وبين هياكل السلطة في المجتمع، واعتقدَ كذلك أنَّ التحكم الحديث بالجنس يماثل التحكم الحديث بالمجرمين عبر جعل الجنس غرضاً للخطاب الطبيّ، وخطابات التخصصات العلميّة. أنكر فوكو على من يرى أنَّ الجنسانيّة كانت مكبوتةً في العصر الفيكتوريّ، بل زعمَ أنَّه كان هناك في الواقع ذيوعٌ لخطابات طبيّة، وقضائيّة، وسيكولوجيّة جديدة حول الجنس، وجدالاتٌ مهووسة حياله، وهذا أدّى برأيه إلى تأسيس الهويّات الجنسيّة بهدف العمل على ضبطِ الجنسانيّة لا كبحها. وادّعى فوكو في قولة مشهورة أنَّ صنفَ الشواذ جنسيّاً لم يوجد قبل القرن التاسع عشر، مع أنَّ العلاقات بين متماثلي الجنس قد مورست عبر التاريخ، دون أن يوسَمَ ممارِسوها بوسم الشذوذ الجنسيّ، ودون حتى أن ينظروا هم إلى أنفسهم بمنظار الجنسانيّة.

في سني حياته الأخيرة، عكفَ فوكو على النصوص الرّومانيّة واليونانيّة القديمة، رغبةً منه في معرفة كيف نظر أولئك الأقوام إلى الجنس والمتعة، وكيفيّة نشوء القوانين الأخلاقيّة منذ عصر قدامى الوثنيين إلى بواكير النّصرانيّة، وتُعدُّ الكتابات المتأخرة مثل 1984 L’Usage des plaisirs (استعمال المتع 2004)، و Le Souci de soi 1984 ( الانشغال بالذات2004) تحولاً مهمّاً في تفكير فوكو حول الأخلاق عن أعمال السبعينيّات التي ركّزت على مواضيع السلطة/المعرفة، حيث تستلهم أفكارَ الأقدمين حول الفنّ، وجماليّات الوجود، وفلسفة العيش التي تركّز على “الاهتمام بالذّات” بصفتها سبيلاً لمقاومة هيكليّات المؤسسات المجتمعيّة، وبعد أن بحث فوكو في أعماله المبكرة القهر السياسيّ المسلّط على البشر، جادلَ في مؤلفاته الأخيرة أنّه باستطاعتنا- بوصفنا أفراداً مستقلين مختارين- مقاومةَ خضوعنا الذاتيّ، وتحصيلَ القدرة على تغيير حيواتنا بأيدينا.

أعمال فوكو الرئيسية الأخرى تشمل Naissance de la clinique 1963 (مولد العيادة) والذي يتناول ظهور المِهَن الطبيّة، بالإضافة إلى كلٍ من 1966 Les mots et les choses (الكلمات والأشياء 1990) وهو دراسةٌ لأصول العلوم الإنسانيّة الحديثة، و L’archéologie du savoir 1969 (حفريّات المعرفة 1986) وهو رسالةٌ في نظريته ومنهجه الأركيولوجي.

كان فوكو من أوائل من فَتَكَ بهم مرضُ الإيدز، فتوفي في باريس في الخامس والعشرين من حزيران سنة 1984 وله من العمر سبعة وخمسون عاماً.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى