عام

سُلوكُ المُستخدِم: التّطبيقاتُ والمواقعُ الإلكترونية مصمَّمةٌ لخلق اللاقدرة على المقاومة وحتّى الإدمان

  • تأليف : مايكل سكولسن – Michael Schulson
  • ترجمة : إيمان حسباوي
  • تحرير : محمد عبيدة

هل ينبغي ضبْطُ النّتّ، شأنُها في ذلك شأنُ المخدّرات والكازينوهات؟

عندما أدخل شبكة الإنترنت، أشعر كأنني أحد حمام “كارنيو الأبيض” الخاص بِ: “ب. ف. سكينر”. قضى هذا الحمام أهم ساعات حياته في صناديقَ، ينقرُ بوسوسةٍ قِطعا صغيرة من الپلِكسيچلاس. وأثناء قيامه بذلك، ساعد هذا الحمامُ سكينر الباحثَ في علم النفس بهارفارد، على رسم بعض المبادئ السلوكية التي تنطبق بدقة مرعبة على تصميم الخبرات الرقمية للقرن الواحد والعشرين!

مرّن سكينر طيورَه على كسب الطعام بنقْر الپلِكسيچلاس. ففي بعض السيناريوهات، يحْصلُ الحمام على الطعام كلّما نقرَ؛ وفي إعدادات أخرى، ضبط سكينر المدد الزمنية بين كل مكافأتين. وبعد حصول الحمام على الطعام، توقف النظام عن توفير الوجبات لمدة ٦٠ ثانية تقريبا، وبمجرد انقضاء المدة، يحصل الطائر على مكافأة أخرى إذا قام بالنقر. إلا أن الحمام لم يضبط التوقيت تمام الضبط، لكنه اقترب من ذلك. كان سكينر يغير بعشوائية المُدد الزمنية بين الوجبات المتاحة: فمرَّةً يتوفر الطعام في غضون ٦٠ ثانية؛ وفي المرة الموالية، يمكن أن يتاح بعد خمس ثوان، أو ٥٠ ثانية، أو ٢٠٠ ثانية.

في ظل هذه الظروف غير المستقرة، جُنَّ جنونُ الطُّيور، إذ تنْقر وتَنقر؛ أحد الطيوردَقَّ الپلِكسيچلاس ٢.٥ مرّة في الثانية لمدة ١٦ ساعة، ونقرَ آخر ٨٧٠٠٠ مرة على مدار ١٤ ساعة، حاصلاً على مكافأة في أقلّ من ١ في المئة من المدّة.

إذن؟ حسنا، إليكم توضيحا بسيطا للكيفية التي ينطبق بها بحث سكينر عن الحمام على الحياة الرّقمية المعاصرة. وللتوضيح، انتقيت المثال المفترض التالي: لنفترض صحفيا، ولنَدْعُه مايكل إس،.وظيفته إرسال واستقبال رسائل البريد الإلكتروني. يتلقى مايكل في المتوسط رسالة إلكترونية واحدة كل ٤٥ دقيقة. تارة يقدر الفاصل الزمني بين الرسائل الإلكترونية بدقيقتين فقط، وتارة أخرى بثلاث ساعات. ومع أن أغلب الرسائل غير مهمة أو مسببة للتوتر، إلا أن بعضها ممتع. بعد مدة قليلة، كلما كان لدى مايكل إس اتصال بالإنترنت، يقوم بتحديث بريده الإلكتروني كل ٣٠ دقيقة، ثم كل خمس دقائق، ثم، أحيانًا، كل دقيقتين، وسرْعانَ ما أصبح عُرَّة قَهْرِيّة – الحمامة الناقرة- لاستخدام الويب.

هل علينا أن نلقي اللوم على مايكل إس لإهدار ساعات من حياته في نقر زر صغير؟ يمكننا ذلك؛ لأن لديه ضعفا في ضبط النفس، ولأنه اختار مهنة يعد فيها البريد الإلكتروني شكلاً مهماً للتواصل.

مجددا، هل سنلقي اللوم على حمام سكينر العالق في صندوق، الذي ينقر وينقر حتى يحصل على الحبوب وبذور القنب، بينما يفحص باحث رائدٌ الهفواتِ داخل أدمغتها؟ من المسؤول بالفعل عن هذا السيناريو برمته؟ الحمام؟ أم سكينر الذي صمّم الصندوق في المقام الأول؟

في سنة ٢٠١٥، كان من التفاهة وصف شبكة الإنترنت بأنها مشتتة للانتباه. نتحدث عرضًا عن الحياة الرقمية من حيث الإدمان وعدم القدرة على المقاومة. خلال الألفينات، أطلق المستخدمون على أول هاتف ذكي سائد اسم الكْراكْبِرِي crackberry. وفي زمننا الراهن، نصف الأدوات والتطبيقات الأساسية: فايسبوك، والبريد الإلكتروني، ونيتفليكس، وتويتر، باستعمال مصطلحات مفردة للميثامفيتامين وماكينات الحظ (slot machines).

ناقش علماء النفس إمكانية إدمان الإنترنت منذ سنة ١٩٩٦، أي بعد ثلاث سنوات فقط من إصدار أول متصفح ويب رئيسي. لكن لا يوجد إجماع حول كيفية تشخيص إدمان الإنترنت، أو ما إذا كان حقيقيا حتى؛ إذ تتفاوت تقديرات انتشاره بِشِدَّة. وبخلاف الهيروين، فإن الإنترنت لا يقتل الناس، ولديه فائدة جلية؛ وبالإضافة إلى ذلك، فقد يكون من الصعب فصل الوسيط (الإنترنت) عن تجربة الإدمان (المواد الإباحية على سبيل المثال، أو المقامرة عبر الإنترنت).

وفي جميع الأحوال، تميل هذه الفئات التشخيصية نحو التطرف؛ إذ لا يبدو أنها تشمل المجال الكامل للتجارب المعروضة عندما يمزح الناس عن الكْراكْبِرِي، أو يتحدثون عن الغوص في تمبلر وفايسبوك.

ومع ذلك، فبالنسبة إلى ملايين الأشخاص، يُفهم الإنترنت عادةً من خلال عدم القدرة على المقاومة. ويلوم النّقّاد الإنترنت نفسه على هذا الوضع، أو يلومون الأفراد المستخدمين. لكن لا أحد من الموقفين صائب حقيقة. فالإنترنت ليس تجربة محددة سلفا، إنه نظام اتصالات وبروتوكولات؛ كما لا يوجد شيء في شبكة الحاسوب العالمية يوجب سلوكيات شبيهة بالإدمان.

تمتلك شركات التكنولوجيا أذكى الإحصائيين وعلماء الحاسوب، عملهم تحطيم قوة إرادتك.

فهل ينبغي لوم الأفراد على ضعف ضبط النفس؟ إلى حد ما نعم. فالمسؤولية الشخصية ذات أهمية. لكن من المهم أن ندرك أن العديد من مواقع الويب والأدوات الرقمية الأخرى قد صممت خصيصًا لاستثارة سلوك قهري لدى المستخدم (compulsive behaviour).

تحدد قلة من الشركات الشكل الأساس للويب الذي يستخدمه معظمنا يوميًا. والعديد من هذه الشركات يجني أموالا من خلال جذب انتباه المستخدمين وتحويله إلى نقرات، وزيارة للصفحات. لقد راهنوا بمستقبلهم على أساليب لزرع عادات لدى المستخدمين، بهدف كسب أكبر قدر ممكن من هذا الانتباه. تقوم الشركات الناجحة ببناء فرق متخصصة، وجمع رِزَم من البيانات المخصصة، كلها معدة لتعليق المستخدمين بمنتجاتهم.

يقول مؤيد التصميم الأخلاقي، تريستان هاريس (Tristan Harris)، العامل في غوغل: “على الرغم من أن المستخدم قد يحتاج إلى ممارسة قوة الإرادة والمسؤولية والتحكم الذاتي -وهذا شيء عظيم- إلا أنه ينبغي علينا أيضًا أن نعترف بالوجه الآخر من المسألة”. أخبرني هاريس أن شركات التكنولوجيا الكبرى تمتلك ١٠٠ من عباقرة الإحصاء وعلماء الحاسوب الذين ارتادوا المدارس العليا، عملهم تحطيم “قوة إرادتك”. باختصار، هذه معركة غير عادلة تماما.

إنها شهادة على العلاقة الغريبة بين وادي السيليكون والدافعية القوية لإساءة الاستعمال، بحيث لما نُشر كتاب نير إيال (Nir Eyal) حول كيفية بناء المنتجات التي تُكوِّن عادةً ما لدى المستخدمين، لم يُثِر أيّ جدال!

في المقابل، كان كتاب “مُدمن” (Hooked, 2014)، الذي يُعلّم مصمّمي الويب “خلقَ شغفٍ” لدى مستخدميهم، أكثر الكتب مبيعًا. وقد أثنى عليه كُتّاب بارزون في التكنولوجيا، مثلما فعل مؤسّس WordPress، حيث استُضيف إيال إلى ندوة في جامعة ستانفورد.

يساعد إيال – باعتباره مستشارا لشركات وادي السيليكون النّاشئة- عملاءه في مُحاكاة ما يسميه “الخصائص الشّبيهة بالمخدرات” (narcotic-like properties)، لمواقع مثل فايسبوك وبينترست. صرح إيال لـBusiness Insider بأن هدفه هو جعل المستخدمين يواصلون نفس الحلقة الأساسية، مرارًا وتكرارًا. في كتابه: “مُدمن”، شرع في الإجابة على سؤال بسيط : “كيف يمكن لهذه الشّركات التي لا تنتج أكثر من بِتّات الشِيفرة المعروضة على الشاشة، أن تتحكّم – فيما يبدو – بأذهان المستخدمين؟”

يجادل إيال بأن الإجابة هي نموذج تصميم بسيط ذي خطوات أربعة؛ فكر في موجز أخبار فايسبوك، الخطوتان الأولَيَتَان بسيطتان: تصادف هدفا (أي شيئا يدفعك للتمرير أسفل موجز الويب)، وفرصة للأداء (أنت بالفعل تمرر لأسفل)، ومن الأهمية بمكان ألا تكون نتائج هذا الإجراء متوقعة، في المقابل، يجب أن تقدم مكافأة متغيرة، بحيث لا يكون المستخدم متأكدًا تمامًا مما قد يجد؛ فعلى الفايسبوك، يمكن مثلا أن تكون المكافاة مقطع فيديو لقط أو منشورًا بغيضًا من أحد المعارف!

أخيرًا، وحسب إيال، يجب أن تمنحك العملية فرصة للقيام ببعض الاستثمار: نقرا على زر أعجبني على سبيل المثال، أو ترك تعليق. يجب أن يزداد الاستثمار تدريجياً، حتى يشعر المستخدم أكثر وأكثر استثمارا في حلقة هدف، أداء، مكافاة. ثم، ها أنت مدمن!

إذا كان هذا يشبه تجارب سكينر إلى حدّ ما، فهذا لأنه مصمّم على أساسها؛ كما هو الحال مع الحمام، يمكن أن تؤدّي المكافأة غير المؤكّدة إلى سلوك هوسي. استعملتْ صناعةُ القمار هذه التّقنيات لسنين عديدة. أيضًا : كما أدرك سكينر نفسه، فالجهاز الكلاسيكي ذو المكافأة المتغيّرة والعالية هو ماكينة الحظّ.

بالطّبع هناك فروق بين ماكينة الحظ وموقع الويب

تدرس ناتاشا شول (Natasha Schüll) عالمة أنثروبولوجيا بجامعة نيويورك، التّفاعلات بين الإنسان والآلة. واستقبلت طلبات من مصمّمي وادي السيليكون المهتمّين، بعد نشر إثْنوغرافيتها عن مدمني القمار ومصمّمي الآلات في لاس فيجاس، (Addiction by Design, 2012).

يتوقع الناس -عادة- أن مدمني القمار يهتمون بالفوز. لكن وفقًا لشول، يلاحق المقامرون نوعًا من التركيز الشبيه بالغَيْبُوبَة، والتي تسميها ب: “نطاق الآلة” (the machine zone). في هذا النطاق، تكتب شول: “يُعلّق الزمان والمكان والهوية الاجتماعية بالإيقاع الميكانيكي لعملية متكرّرة.”

بالطّبع، هناك فروق بين ماكينة الحظ وموقع الويب. ففي الأول، كلما طالت مدة لزومك للمكافآت المتغيرة، زادت الأموال التي تخسرها؛ أما بالنسبة إلى شركة تكنولوجيا في اقتصاد ‘الانتباه’، فكلما طال انخراطك في المكافآت المتغيرة، زاد الوقت الذي تقضيه على الإنترنت، وزادت الأموال التي تجنيها من خلال إيراد الإعلانات. وبينما نميل إلى وصف الإنترنت بعبارات الإلهاء، فما يتم تطويره عصبيا حينما تتفحص البريد الإلكتروني أو الفايسبوك، أو عندما تغرق في كاندي كراش، هو في الواقع ضرب معين من التركيز، تركيز يفضل الحركة الرقمية والمكافأة.

في عالم القمار، يميل الناس إلى إلقاء اللوم على المدمنين؛ وغالبًا ما ركزت الأدبيات الأكاديمية حول القمار على عقول المدمنين أنفسهم وسلوكهم. لكن شول تجادل أنه يوجد شيء ما بين المقامر واللعبة – تفاعلٌ معين بين الإنسان والآلة- مُهَنْدَسٌ‏ عمدا.

ومع ذلك، فإننا نستمر في إلقاء اللوم على الناس. وبتعبير شول : “يبدو محتالا للغاية أن نصمم -عن قصد- بهدف جذب الانتباه، ثم نلقي كامل العبء على الفرد”.

غير أن من أشد منتقدي نير إيال، هو نير إيال نفسه! على الهاتف، يبدو عميق الفكر، وجادا، وحساسا للآثار الأخلاقية لعمل حياته. وهو غالبًا ما يستشير مقدمي الرعاية الصحية بتطبيق تكتيكات Hooked –مثلا- على الأدوات الرقمية التي تذكّر الناس بتناول الأدوية في الوقت المحدد. ويقول إنه يرفض الاستشارة لصالح القمار والمواقع الإباحية. إن الهدف من هذا الكتاب -حسب إيال- كان الحث على المنتجات “التي يمكن أن تساعد الناس على أن يعيشوا حياة أكثر سعادة وصحة وأوثق صلة وأكثر ثراء”.

يقول إيال: “في الواقع، لا يمكنك بيع شيء للناس إذا كانوا لا يريدونه”، ثم يردف قائلا: “إن ما أدرسه هو الإقناع. لا الإكراه؛ فالإكراه هو أن تحمل الناس على القيام بأمور لا يريدونها، وبصراحة لا أعرف كيف أفعل ذلك”.

في Addiction by Design، تقول شول: إن “مصممي الصناعة يجهزون التكنولوجيا بِفَعالِيَّة لتضليل المقامرين؛ فأحيانا يقلقون بشأن تكتيكاتهم الخداعية… وأحيانا أخرى يدافعون عن هذه التكتيكات، مصرين على أنهم يمنحون المقامرين “ما يريدون”.

وهذا يشبه كثيرا ادعاء إيال : لا يمكنك بيع شيء لا يريده الزبون أصلا، واستفسرتُ شول عن التشابه، فقالت: “أظن أن قلب [إيال] يوجد في المكان المناسب”. لكنها تجادل أنه حينما نتكلم عن تصميم الآلة، لا يتعلق الأمر بالضبط، بمنح الأشخاص ما يريدونه أو لا يريدونه؛ بل إن ما يهم، تقول شول: هو “الظهور والتسارع والإسهاب الذي يحدث بين العرض والطلب”.

ومع تطبيقهم لمبادئ التّصميم التي تخلق الإقناع والإدمان، كان هناك اضطرابٌ أخلاقي كامن من البداية

بعبارة أخرى، هناك فرقٌ بين ما نريده وما نحصل عليه. ندخل الإنترنت بحثًا عن التّرفيه والاتّصال والمعلومات، وعادةً، نريدُ أن نسهو، ويبدو أن الشّركات جيدة جدًا في تضخيم هذه الغاية: بأخذ ما نريدُ، ومنحنا شيئًا أكبر بقليل؛ إنّه الفرق بين الرّغبة في الاتّصال بالفايسبوك لمدة ١٠ دقائق والبقاء هناك لمدة ٣٠ دقيقة!

يمكن أن يكون إيجاد اللفظ الذي يعبر عن هذا التضخيم أمرًا صعبًا. في أسوأ الأحوال، ينم الأمرعن الإكراه. وفي أفضل الأحوال، يمثل عدم توازن القوة بين المستهلكين العاديين والمهندسين الذين يحاولون تطويق قوة إرادتهم. وفي كلتا الحالتين، لعب القمار مفيد، من حيث إنه يلقن درسًا مخيفًا : يمكن أن تجلب الآلات الجيدة التصميم الناسَ إلى نطاقات الدافعية لإساءة الاستعمال المربحة. ومع تطبيقهم لمبادئ التّصميم التي تولد الإقناع والإدمان، كان هناك اضطرابٌ أخلاقي كامن منذ البداية.

في إحدى الورقات الأولى في علم: “أ. ك. ت. إ” (اختصارا ل : أجهزة الكمبيوتر كتكنولوجيات إقناعية) (captology) – بعنوان: “عملية استخدام أجهزة الكمبيوتر لتغيير سلوكيات الناس” – استنتج عالم النفس ب. ج. فوغ (B J Fogg) بستانفورد -الذي درس العديد من قادة التكنولوجيا في وادي السيليكون- خاتمة في الأخلاق؛ كتب فوغ عام ١٩٩٨ : “سيكون من الأفضل لمقنعي التِّكنولوجيا المُتقدِّمَة أن يبنوا تصاميمهم على معايير أخلاقية يمكن الدفاع عنها”. ولم تكن هذه دعوة مثيرة للتنفيذ والصلابة الأخلاقية.

في Hooked، يدرج إيال بابا أخلاقيا عمليا، يرجو منه مساعدة المصممين على تحديد ما إذا كانوا يطبقون نموذج الإيقاع (hook model) أم لا. سألت إيال عما يمنع شخصا ما من قراءة الكتاب، وبناء أداة للاإكراه أو مسببة للأذى، فأقر: “لا شيء،” “لا شيء يمنعهم”. لكنه يجادل أنه بالنسبة للعديد من الشركات: “هناك دافع للتنظيم الذاتي”، لأنه من الممكن أن ينهار المستخدمون المدمنون بتعاسة.

ومع ذلك، فإن هذه المطالبات بالاعتدال لا تتزامن في الواقع مع نموذج الربح الأساسي في وادي السيليكون.

تخيّل أن الإنترنت مكتبةٌ بورخيسية لا نهائية تقريبا؛ تشكّل كل مقالة، وكل قطعة، وكل شريحة، وكل مستوى من اللّعبة، وكل صفحةٍ للإنزال، غرفةً في المكتبة، بحيث تعبر بابًا كلّ مرّة تستخدم فيها رابطًا لدخول صفحة جديدة.

في البداية، إذا كنت تريد كسب المال، فإنّك تبيع أيّ شيء في الغرفة؛ ربما تكون صحافةً ممتازة، وربّما تكون لعبةً أو وصفة، وربّما تكون مادّة ستُشْحَن إلى منزل شخص ما؛ في هذا النّموذج، يوفّر الإنترنت تجربةَ معاملات مباشِرة في الفضاء الرّقمي.

ومع مرور الوقت، وبدل جنْي المال من الأشياء الموجودة في كلّ غرفة، بدأت الشركات في نقد الأبواب، وتجهيزها بمُسْتَشْعِرات. وفي كلّ مرة تعبر بابًا، يتقاضى أحدهم مالاً. وفورًا، سيبدأ بعض الأشخاص بإضافة الكثير من الأبواب الجديدة، ويبني آخرون غرفًا واسعة وفارغة، لكنها تؤدي دور محطّات وسيطة مصمّمة لجلب أكبر عدد ممكن من الأشخاص للدّخول والمغادرة.

حينما تفتح مقالا معيّنا على موقع Slate.com مثلا، فأنت تدخل غرفة مقالات؛ تجني Slate المال لأنها تبيع عددًا معينًا من الأبواب المُقاسة في كل فضاء من هذه الفضاءات الرّقمية؛ نسمّي هذه الأبواب: “إعلانات”. تخلق هذه البنية تأثيرًا غريبا إلى حدّ ما، لأنّه إذا كان هدفُ Slate الظّاهر هو جلب الناس إلى غرفها لقراءة الصّحافة الجيدة؛ فإنّها في الواقع تتقاضى مقابل جذب النّاس وإرسالهم خارجا بسرعة – سواء أكان إلى موقع صاحب الإعلان، أم إلى مقال آخر.

وفي الحقيقة، هذه هي الطريقة التي تعمل بها Slate؛ ففي مقالة فيروسية نشرت سنة ٢٠١٣، اشترك الكاتب التقني فرهاد مانجو (Farhad Manjoo) مع شارتبيت (Chartbeat) لتتبع المدة التي قضاها قراء Slate بالفعل في مقال معين؛ وجدوا أن ٣٨ في المائة فتحوا المقال ولم يقرؤوه على الإطلاق. وبالنسبة إلى الذين بدؤوا القراءة؛ فإن أقل من ٢٥ في المئة واصلوها إلى الآخر، ويبدو أن ٥ في المئة نظروا إلى العنوان ثم غادروا. يموضع مانجو هذا الاضطراب في سياق ثقافي مبهم، مشيرا إلى “أننا نعيش في عصر القراءة السطحية”، لكن هذا النمط لا ينبغي أن يفاجئنا؛ إنه ببساطة، نموذج ربح يعمل للغرض الذي صمم لأجله.

عند مرحلة معينة، لا يعود بإمكانك كسب المال من خلال بناء غرف ممتازة؛ بل تكسب المال عن طريق معرفة الكيفية التي تجعل الناس يعبرون أكبر عدد ممكن من الأبواب، بجعلهم يقومون بالمسح عبر الإنترنت، باجتياز ممر من الأبواب في حالة من الحركة نفسها، نقرا في نقر في نقر!

ترعرع تريستان هاريس وهو يمارس سحر خفة اليد الذي – على حد تعبيره – علمه مدى سهولة التلاعب بالعقل الإنساني. وأثناء تواجده في ستانفورد، درس التكنولوجيات الإقناعية برفقة فوغ. وكان في الفصل نفسه أشخاص لامعون، فقد واصل زميل حريص في مشروع الفصل ليشارك في تأسيس الإنستغرام. وبعد مغادرته لستانفورد، صمم هاريس واجهات لِآبّل (Apple)، كما شارك في تأسيس Apture، وهي أداة بحث في الوسائط المتعددة، تبنتها غوغل عام ٢٠١١. واليوم، هاريس هو فيلسوف التصميم هناك. إلى جانب ذلك، يعمل مؤيدا صوتيا للتصميم الأخلاقي، ورئيس منظمة صغيرة تعمل على مفهوم اسمه: Time Well Spent.

في Time Well Spent، تستفسر المواقع المستخدمين عما يريدونه بالفعل. ولتحقيق هذا الغرض، تخيل هاريس موقعا أكثر مرونة، إذا أردت قضاء ١٥ دقيقة على الفايسبوك، في النظر إلى صور الأصدقاء القدماء، سيساعدك الفايسبوك في القيام بذلك، ثم يدفعك خارجا بلطف حين ينقضي وقتك. وإذا أردت أن تعمل على حاسوبك في هدوء لساعتين، دون تلقي أي رسائل على البريد الإلكتروني، سيحفظ لك الحاسب الإلكتروني الرسائل غير المستعجلة، ويوصلها إليك عند انتهاء فترة الراحة. وإذا كنت تود أن تلعب في Angry Birds حتى تسقط مقلتاك، يمكنك ذلك أيضا.

تساعد بعض التكنولوجيات الناس مسبقا على ممارسة هذا النوع من السيطرة، فهناك تطبيق Freedom الذي يتيح لمستخدميه منع الوصول لبعض المواقع. وتساعد Saent – وهي أداة إنتاج جديدة- المستخدمين على تعقب سلوكهم عبر الانترنت، ومشاركته لتقليل الالتهاء.

مثَلُ الموقع العضوي كمَثل الأغذية العضوية: حتى إذا كانت هذه الأدوات متاحة، فإنها تتطلب مجهودا للوصول إليها ومهارةً لاستخدامها.

أخبرني هاريس أنه “ينبغي علينا أن نتغير من مجرد التنافس على الانتباه الخام، إلى التنافس عما إذا كان هناك إسهام إيجابي صاف في حياة الأفراد.” هذه فكرة جيدة؛ والسؤال يكمن في كيفية الوصول إليها. فصنع إسهام إيجابي صاف في حياة الأفراد لا يرضي المستثمرين بالضرورة.

يقارن هاريس أهداف Time Well Spent بحركة الطعام العضوي؛ تبدو الإنترنيت – حسب تقديره – كنظام الغذاء التقليدي: خيارات محدودة، معظمها سام. وهو يبحث عن طرق لتطوير أدوات تسمح للأفراد لجعل شبكتهم شبكة عضوية؛ حتى إنه يتصور شهادات حكومية كما المعايير العضوية، تسمح للمواقع الإلكترونية بالتصريح بنفسها بوصفها مروجة لاستخدام متوازن ومدروس بعناية.

تبدو هذه المماثلة ذكية، ولكنها أيضا مقلقة؛ إذ إن نظام الغداء العضوي لا يشكل إلا جزء صغيرا جدا من السوق، كما أنه غير متاح لأغلب الناس؛ فهي تسمح بمقدار ثري لاتخاذ قرار في الحديث السياسي الواسع بشأن ضبط الغذاء الصناعي. ويبدو أن نفس الإشكالات تنطبق على الموقع العضوي: فحتى إذا كانت هذه الأدوات متوفرة، فإنها تحتاج مجهودا ومعرفة لكيفية الوصول إليها. ويبدو أن تلك الأدوات مثل Freedom تزَوِّد أصلا فئة ضيقة ذات دراية تكنولوجية؛ إذ إن الثلثين من مستعملي Saent الأوائل كانوا مطوّري برمجيات.

عندما تقرأ ما يكفي من المقالات حول الإكراه والإلهاء اللذين يخلقهما الإنترنيت، فإنك تبدأ بملاحظة نمط غريب! يحمل الكُتاب أنفسَهم على غضب أخلاقي حول انتشار وقوة السلوكات شبه الإدمانية، ويقارنون الشركات التكنولوجية بمالكي الكازينوهات، وأصحاب الملكيات الآخرين في الصناعات المنظمة. ثم يقترحون، في ذروة غضبهم، أن من يجب عليه أن يتغير هم المستخدمون لا المصممون!

وهذا أمر سخيف حقا. خذ مثلا ناقدَ التكنولوجيا بيل دافيدو (Bill Davidow)، حيث كتب على موقع The Atlantic حول الشركات التكنولوجية التي ‘تستغل علم الأعصاب’، مقارنا إياها بكل من شركات التبغ والكازينوهات، راثيا أنه “لا يوجد حل بسيط لهذه المشكلة”، ثم وهو يصف وباء اجتماعيا، يقترح فجأة متسامحا، أن المستخدمين يستطيعون إبعاد هواتفهم الذكية أحيانا، بهدف التركيز على الأشخاص من حولهم!

إن ‘الرَّقابَة’ كلمة مرعبة، خصوصا للذين اعتادوا منا على الأعراف التحررية التي قادت توسع الإنترنيت خلال العقدين الماضيين. من الممكن أن نفهم ترددنا في الكلام عن ضبط التكنولوجيات التي تحفز الإلهاء؛ لأننا نفكر من جهة، بالسلوك القهري كذنب للآلات أو الأفراد، عوضَ كونه تجربة مصممة موجهة نحو نهايات استراتيجية؛ ومن جهة أخرى، لأننا نميل إلى ربط الرقابة بالنمطية التي تحد من خيارات المستخدمين.

ومع ذلك، ففي هذه الحالة، من الممكن أن نتخيل رقابة تُوَسِّع – في الواقع- خيارات المستخدمين، ولا يجب أن تكون بالضرورة اجتياحية أو درامية؛ بل يمكن أن تكون مصممة لمنح المستخدمين المزيد من السيطرة على تجاربهم داخل شبكة الإنترنيت.

لن تكون هذه المهمة سهلة. يُزودنا سوق المخدرات المصمّم بمماثلة مفيدة هنا؛ إذ في كل مرة تحظر الحكومات هذه المواد المحتوية على الكانابينويدات الاصطناعية (synthetic cannabinoids)، الملقبة عادة ب K2 أو Spice، يَخرج المصممون ببساطة، بنسخة جديدة مختلفة قليلا تتسلل داخل قيود القانون. وبالمثل، ومع شيء متسلل كالإلهاء، ومتعدد الأشكال كالويب، من السهل أن نتخيل شركاتٍ تجد طرقا لتحسين تصميماتها، وأساليب جديدة لجذب المستخدمين. ومع ذلك، يمكن للرقابة أن ترسل رسالة، ويمكن أن تستهدف بعض الأدوات الأكثر شيوعا، التي يستعملها المصممون لاستدراج المستخدمين إلى نطاق الآلة.

هناك ثلاثة أشياء نستطيع القيام بها. أولا- يمكننا أن نطلب من مواقع التواصل الإجتماعي ومواقع الألعاب الراشدة، ومزودي البريد الإلكتروني وصُناع الهواتف الذكية، عَرْضَ حاجِباتِ الإلهاء (distraction dashboards) حتى يستطيع المستخدمون السيطرة على عناصر معينة من تجاربهم.

يسمح الفايسبوك مسبقا لمستخدميه بإيقاف بعض الإشعارات (لكن ليس جميعها). تمنح هذه الحاجِبات المستخدمين مستوى جديدا من السيطرة على وقتِ تلقي الإشعارات، وكيفية تلقيها وتردُّدها. يمكننا أن نطلب من الشركات بأن تدع المستخدمين يقرّرون عدد الرسائل التي يستلمونها على البريد الالكتروني، أو عدد المرّات التي تُحدِّثُ فيها الشبكاتُ الإجتماعية بياناتِها. يمكن أن تسمح الحاجِبات للمستخدمين أيضا بتحديد شكلِ ميزات معينة من مُخَطَّط الصفحة، ككمية المحتوى الجديد الذي يرونه على الصفحة الواحدة.

يعلم تويتر عدد المرات التي تتصفح فيها تويتر. تعرف شركات الألعاب مقدار استخدامك للألعاب المجانية. إن أرادوا فعل شيء، أمكنهم ذلك!

سيكون من الأفضل حظر بعض خصائص التصميم القهري، والمستهدفُ الأكثر جلاء هنا هو التّمرير المستمرّ واللانهائي. حاليا، تُنعِش مواقعٌ مثل الفايسبوك والتويتر الصفحة تلقائيا وباستمرار؛ إذ يستحيل الوصول إلى نهاية الصفحة. وبالمثل، يسمح لك Tinder بالسحب إلى اليمين أو اليسار إلى ما لا نهاية، أما اليوتيوب والنيتفليس وما أشبهَهما من المواقع، فإنهما يشغلان الفيديو أو العرض التالي تلقائيا.

من خلال نموذج hooked، تتيح هذه الأدوات إعادة تعيين الهدف باستمرار. وبالنسبة إلى الشركة، فإن الهدف واضح : يُبقونك في الموقع لمدة أطول. لكن التمرير اللانهائي ليس له فائدة جلية للمستخدمين، وهو موجودٌ لا لشيء – تقريبا – إلا للتحايل على ضبط النفس. يستعيد منحُ المستخدمين فرصةَ الإيقاف، أو اتخاذَ قرار عند نهاية كل صفحة منفصلة أو جلسة، توازنَ القوة لصالح الفرد. ويسمح للأشخاص بالمزيد من التحكم في حلقاتهم الإدمانية.

وكمجالٍ ثان من أجل الرّقابة، ينبغي أن يُطلب من المواقع إخطارُ المستخدمين الذين يُبدون سلوكيات قهرية. ومع أنه يصعب تعريف إدمان الإنترنت الكامل، إلا أنه يوجد شيء ما خلف هذه السطور -فيما يبدو- وعلى الأرجح أن مواقع من أمثال الفايسبوك تعرف في مستخدميها من هو مريض. وهذا شكل من أشكال الرقابة التي يؤيدها إيال، إذ يقول: “في الماضي، إذا كنت صانع خمر، يمكنك أن تنفض يديك وتقول، انظر، لا أدري من هو السكير” ، ويتابع: “اليوم، يعلم الفايسبوك مقدار تصفحك لفايسبوك، يعلم تويتر عدد المرات التي تتصفح فيها تويتر، تعرف شركات الألعاب مقدار استخدامك للألعاب المجانية. إن أرادوا فعل شيء، أمكنهم ذلك.” بالطبع، إذا أراد المواطنون فعل شيء، يمكننا أيضا، بإجبار الشركات على توفير نقاط التوقف، وتحذير المستخدمين عندما تشبه أنماط استخدامهم سلوكيات إشكالية من الناحية النفسية.

ويكمن الخيار الثالث في إتاحة شكل ألطف من التغذية الراجعة. في هذا النموذج، يمكن أن يطلب من المواقع أو المتصفِّحات إدراج أدوات تسمح للمستخدمين بمراقبة أنفسهم – مدة تواجدهم على الموقع، مثل عدد مرات زيارتهم في اليوم، ومقاييس أخرى. ويمكن للمواقع أيضا السماح للمستخدمين يتحديد نقاط التوقف الخاصة بهم، مثلا : إذا قضيت على التويتر أكثر من ساعة اليوم، أغلق علي من فضلك.

هل سيعمل هذا؟ غالبا لا؛ ففي الولايات المتحدة على الأقل، كنا مترددين بشكل ملحوظ، في ضبط الشركات التكنولوجية، ولكن يكون أحيانا من المهم مناقشة الرقابة على الأقل، بغرض إعادة صياغة الشروط الأساسية للحوار. تقدم الأدوات الرقمية العديد من الخدمات الرائعة للمستخدمين، وهي تفعل ذلك لأن دوافع المنتجين والمستهلكين متطابقة. وبما أن المستخدمين يستطيعون إبرام العقود، فإننا نقايض انتباهنا وخصوصيتنا، ونحصل في المقابل على الخدمات.

وكما في أي عقد، هناك توازن للقوة. فإذا كانت بنية الويب اليوم، عبارة عن أي إشارة، فإن هذا التوازن يميل نحو المصممين. الأمر يستحق أن نعير المزيد من الاهتمام لمن نعيرهم انتباهنا، إلا إذا أردنا أن نواصل النقر هنا وهناك كحمام سكينر.

المصدر : User behaviour

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى