الرئيسية / فكر وثقافة / سام هاريس ليس دينيًا ، لكنه روحاني و يؤمن بقوة الحوار

سام هاريس ليس دينيًا ، لكنه روحاني و يؤمن بقوة الحوار

  • تأليف : نيك سيمونز – Nick Simmons
  • ترجمة : مصطفى هندي
  • تحرير : هادي رباح الجبة

إذا كان علينا أن نصف بالضبط ما يقوم به سام هاريس ، فأعتقد أنه من الشاق على المرء أن يجمعه كله تحت مسمى واحد ، فإنه عالم أعصاب ، و هو بالتأكيد بالنسبة لي لقب مهني مرموق ، لقد درس الطرق التي التي ينشط بها الإيمان أجزاء معينة في الدماغ ، و بالطبع هو مؤلف لمجموعة من الكتب ذات موضوعات متعددة و غريبة ، و بالتأكيد هو ناقد اجتماعي ، و فيلسوف ، و أحيانًا استفزازي ، لكن هذا الأخير قد يبدو سلوكًا عارضًا حيث يبدأ أحاديثه العامة بأنه لا يتعمد أن يكون مستفزًا ، علاوة على ذلك فهو ” مثقف عام ” ،

و أيا كان معنى ذلك حقيقة ، فقد قال أنه مجرد ” مهتم بالعقل و الوعي ” و تحديدًا المعتقدات و ما يتعلق بها [من أحكام و نتائج و ملابسات ] ، و يبدو أن هذا هو المركز الذي تتلاقى عنده أعماله في الدين و النقد الاجتماعي و علم الأعصاب و فلسفة الأخلاق و النقد السياسي و الفلسفة السياسية و ما يتعلق بالقيم الروحية ، كما قال أنه يمثل ، على وجه العموم ، الأمانة الفكرية و العقلانية العلمية ، لقد شارك في لقاءات عدة تتراوح من دار الأوبرا في (سيدني – أستراليا ) خلال مؤتمر ( أفكار خطرة ) ، مرورًا بجامعة ( هارفارد – انجلترا ) ، و انتهاء [ بالبرنامج المسموع ] للممثل الكوميدي جو روغان ؛

يتساءل المرء عما سيقوله شخص كهذا في يوم العمل ، و عن أحواله عندما كان طالبًا جامعيًا ،

عند قراءة كتب سام هريس ، نجد أن خيوط شبكة اهتماماته المتنوعة تتلاقى ، إن لم تتداخل و [ تتعقد ] و تتلاشى الحدود الفاصلة بينها ،

في كتابه الأخير ( الاستيقاظ : [ دليل إلى الروحانية بعيدا عن الدين ] ) رغم أنه في ظاهره كتاب عن الروحانيات ، إلا أن فيه نقاشًا حول الدور الذي تلعبه الأديان في أسر أعمق المشاعر الإنسانية و توجيهها لدعم دين معين ، و هو الأمر الذي يراه هاريس على أنه فهم خاطئ للمعنى الحقيقي للمشاعر ، و ينتقل من خلال ذلك إلى ما يبدو كمساعدة ذاتية أو دليل إلى إمكانية تحقيق تأمل روحاني مقطوع الصلة بالدين و بدون افتراض شيء فوق طبيعي أو [ خارق ] ، ثم ينتقل ، بدون إخلال بالترتيب ، إلى تفسير علم الأعصاب لهذه التجارب [ المشاعر و الخبرات ] الروحانية ، و من هناك يُنوِّه على شئ من السيرة الذاتية ، و من ثم فإن الكتاب يدور حول هذه الأمور مرة أخرى ، و من المؤسف أن أمين المكتبة الذي أُجبر على تصنيف كتاب هاريس على أنه عمل أدبي قال أنه كان في حيرة من أمره !

ربما يكون كتاب هاريس القادم هو الأكثر إثارة للجدل من بين كتبه ، و يعد إلى حد ما ادعاء مثير للإعجاب بالنسبة لمؤلف تدحض كتبه فكرة الإرادة الحرة و تطالب بنهاية الإيمان في أمريكا ،
( الإسلام و مستقبل التسامح ) ، الكتاب القادم لهاريس بالاشتراك مع ماجد نواز يهدفون من خلاله ، بعد طول انتظار ، إلى تقديم حوار سلمي و عقلاني و مثمر حول مكانة و مستقبل الإسلام ، بشتى صوره ، في عالم متعدد الثقافات و اللغات ،

شريك هاريس ، [ ماجد نواز ] ، يبدو مؤهلاً بشكل استثنائي للحديث في هذه القضايا ، فحياة نواز أشبه ما تكون بشعار الملاكم ، فمن الراديكالي إلى المسجون ثم السياسي ، ولّد ذلك لديه رؤية فريدة حيث إنه عايش كل الأطياف من الإسلامي المتطرف إلى السياسي الليبرالي مرورًا بجميع ما بينهما ، فهو بكل ما تحمله الكلمة من معنى = رجلٌ رأى كل شئ !

بالرغم من اختلاف هاريس و نواز حول أشياء كثيرة ، و يعترفان بتغيير آراءهما أثناء النقاش ، إلا أنهما يتشاركان نفس الهدف ، ألا و هو خلق مجال سياسي محايد و علماني ، يستطيع من خلاله الناس ، حتى المسلمين المحافظين ، مشاركة الأفكار و نقدها بدون اضطهاد ، بقيود أو بدون قيود ،

و على ما يظهر ، فإن رغبتهم هي بدء هذه النقاش القديم مجددًا ، متفائلين و آملين تجنب هذه العاطفة الهوجاء و التعصب اللذين عادة ما يثيرهما مجرد ذكر هذا الموضوع و يبدو أن المراجعات المبكرة حققت شيئا من النجاح بخصوص هذا الأمر بالرغم من الاعتراضات الشديدة من جهة النقاد الذين لم يقرؤوا الكتاب بعد ،
في هذه المحاورة مع هاريس لابد أن نجتاز الحدود الفاصلة بين أجزاء الموضوع الواحد ، و لك أن تطلق العنان لخيالك حول ما سيخرجه هذا التلاقي غير المعتاد للعقول المختلفة ،

نيك : هل يمكنك أن تحدثنا عن صديقك و شريكك ماجد نواز ؟ … فمن خلال نظرة سريعة في سيرته و حياته يبدو أنه قد عاش عدة مراحل في حياته ، ما هي خلفيته [ الفكرية ] و لماذا قررت التعاون معه في هذه الدراسة تحديدًا ؟

هاريس : ماجد هو شخص استثنائي ، فقد كان مجندًا في ( حزب التحرير ) ، و هو منظمة إسلامية متطرفة تهدف لإنشاء خلافة إسلامية حول العالم ، و تم اعتقاله أخيرا أثناء وجوده في مصر ، حاول تجنيد قادة عسكريين كبار و مهندسين عسكريين في أماكن كثيرة مثل باكستان ، و قضى أربع سنوات في السجن وسط حشود ضالة من الجهاديين و الإسلاميين المتطرفين ، في الواقع ، إن تواجده بالقرب من هؤلاء الأشخاص و اطلاعه على مدى فظاعة العديد من مخططاتهم أعاد صياغة أفكاره من جديد ،

تدخلت منظمة العفو الدولية بشكل كبير لإطلاق سراحه ، هذه المساهمة الرحيمة من منظمة إنسانية ” كافرة ” عملت على تغيير أفكاره أيضا ، و أدى ذلك إلى تخلصه من التطرف ، على عكس العديد ممن هو في نفس حالته ،
أنهى [ ماجد ] تعليمه و بدأ إنشاء مؤسسة ( كويليام ) الفكرية و التي تهدف إلى خلق طرح [ سرد ] فكري مضاد للإسلام السياسي و نشر الإصلاح [ الثقافي ] في العالم الإسلامي ، إنه حقا متحدث رائع باسم التعددية ، و بسبب خلفيته الفكرية فقد تصدى بامتياز لكل الأكاذيب و الحقائق المشوهة التي يروجها هؤلاء الذين ينفون أية صلة بين الاعتقاد [ الديني ] و السلوك ، و بين ( الأيدلوجيات ) و كل هذا الدمار الذي نراه في الأخبار مثل النزاع حول الرسوم الكاريكاتورية الدنماركية و مذبحة الجريدة الأسبوعية ( شارلي ابدو ) [ في فرنسا ] ،

نقطة البداية في أي حديث حول هذا الموضوع يجب أن تكون بمثابة اعتراف بأن هذا الجنون و التعصب هما نتاج اعتقادات معينة يعتز بها ملايين من الناس ،

نيك : لقد لاحظت أن هناك أشخاص على موقع التواصل الاجتماعي ( تويتر ) ، ممن لم يقرؤوا كتابك بعد ، قاموا بانتقاد عملك مع ماجد على أنه منافٍ للمنطق و العقل ، و سخروا من ( ماجد ) بالتحديد بوصفه ” صبي أعمالك ” و استخدموا عبارات أشد من هذه .

هاريس : أي شخص يقرأ كتابنا أو شاهد المناقشة التي أجريناها في منتدى كينيدي في جامعة هارفارد و لا يقر بأن ماجد ليس هو الرجل الذي يقصده فهو شخص مختل ، كما قلت سابقا ، فإن أفكاري تحسنت بشكل كبير عما كانت عليه بفضل الحوار المتبادل بيننا ،

في كتابنا نناقش كيف يمكن للمسلمين أن ينتحلوا منهجًا أكثر علمانية و تسامحًا من كتابهم المقدس ، حيث لا يوجد هرم اكليروسي [ طبقة كهنوت ] في الإسلام السني ، فلابد أن تكون هناك وجهات نظر متعددة ، و ببساطة فلا يمكنك أن تقف في حيز الجمود و[التقليد ] و تزعم أن هناك وجهة نظر تتفوق على الأخرى ،

لقد أقنعني ماجد أن السبيل الوحيد للمضي قدمًا هو الاندفاع بقوة في هذا الاتجاه بالذات ، مما يؤدي بنا إلى العلمانية ، و هي ببساطة رغبة في إبعاد الدين عن السياسة و الشئون الاجتماعية بغض النظر عن معتقدات المرء أياً كانت ، حتى أولئك المحافظين جدا ( و بعبارة أخرى المتعصبين ) يمكن أن يتم إقناعهم بقبول العلمانية لأنها تحميهم من سيطرة وجهات نظر الآخرين و تدخلهم في حياتهم ، العلمانية ما هي إلا مساحة محايدة نستطيع فيها الحفاظ على أمن العديد من المعتقدات و وجهات النظر ،

نيك : لقد تحدثتَ مرارًا كيف أنه من النادر مقابلة شخص غيّر آرائه في الواقع ، أنا شخصيا شاهدت حديثك عن الإرادة الحرة و قرأت كتابك ، متى فعلت ذلك بنفسك ؟

هاريس : إن النظرة المتأنية في وهم الإرادة الحرة هي المنحة ذات العطاء المستمر ، لقد غيرت رأيي حول العديد من الأمور ليس فكريا فقط لكن أيضا عاطفيا مثل عقوبة الإعدام ، اعتدت أن أكون مؤيدًا لهذه العقوبة ، و أن الأشرار يستحقون الموت جراء جرائمهم ، و اعتقدت أيضا أنه من المشين إطعامهم ثلاث وجبات يوميا و الاحتفاظ بمتعلقاتهم

نيك : أجل أجل … و تحديدًا في أمريكا ، يتكرر هذا التعبير ” ثلاث و جبات يوميا ” بخصوص السجون ” كيف نجرؤ على إبقاء المجرمين أحياء ” و غيرها من وجهات النظر حول نفس المعنى ،

هاريس : نعم لقد شاركت في ذلك في وقت ما ، شعرت أنه بالنسبة إلى الأشخاص المجرمين بحق ، الذين لا يمكن التفكير في إعادة تأهيلهم إطلاقا ، فإن فكرة العقاب النهائي تعطي معنى أخلاقيا ،
لكن التفكير العميق في أصول السلوك البشري هو ما غير وجهة نظري ، لم يخلق أحدٌ نفسه ، إن جيناتنا و بيئتنا خارجة تماما عن سيطرتنا ،

يصير الناس على أية صورة هم عليها بسبب عوامل خارجة عن إرادتهم تماما ، يترتب على ذلك أشياء كثيرة ، أحدها أنك يجب أن تؤمن بأن أسوأ إنسان على الأرض هو بشكل أو بآخر ضحية ظروف عديدة من جينات خبيثة و آباء فاسدين و أفكار ضارة …و مجموعة كبيرة من العوامل جعلته على ما هو عليه الآن ، عليك أن تعترف أنه إذا كانت لديك دماغه و جسده و مررت بنفس الظروف و الملابسات الدقيقة في حياته فستكون مثله ، و بمحض الصدفة أنك لست كذلك ،

نلاحظ ذلك على الفور عندما نتحدث عن قاتل مثل ( تشارلز ويتمان ) الذي كان يعاني من ورم دماغي يضغط على اللوزة المخية مما يؤدي إلى التشويش على شخصيته و [ اتزانه النفسي ] ،

لكن معظم الناس لا يدركون أن جميع المؤثرات على دماغ الشخص ، بداية من الجينات و انتهاء بالأفكار و الاعتقادات ، هي أمور قهرية و لا تقاوم مثلها مثل أورام المخ [التي لا يمكن إزالتها] ، و اعترافي بالقيمة الأخلاقية الكبيرة للحظ هو ما قادني لتغيير وجهات نظري في عقوبة الإعدام ،

أيضا النظر للأمر من خلال وهم الإرادة الحرة يمكن أن يغير ، في التو و اللحظة ، عاطفتي تجاه الأشخاص المكروهين ، كما تعلم ، فإني أواجه باستمرار أناسا يشوهون أعمالي بشكل خبيث ، أو يتحاملون علي بأشياء زائفة بغرض التشهير فقط ، غالبا ما يكون رد فعلي الأول تجاههم أن أعاملهم كما لو أنهم مسؤولون بشكل كامل عن سلوكياتهم و بالتالي أغضب منهم ، لكن عندما أتراجع و أتأنى و أفكر في أسباب أفعالهم فإن موقفي يتغير ، أشعر فجأة أنني في مواجهة حيوان مفترس أو إنسان آلي خرج عن السيطرة ، لا يزال يتعين عليّ مواجهة الأكاذيب و الأفعال السيئة ، لكن الغضب لم يعد أمراً منطقيا ، لم يعد هناك مجال لعاطفة العتاب [ كما لو أنهم مسؤولون عن أفعالهم ] ، سيكون ذلك بمثابة إلقاء اللوم على إعصار بسبب سلوكه السئ !

يعيش الناس متصورين أنهم لو استطاعوا استرجاع شريط حياتهم لتصرفوا بشكل مختلف ، بينما إذا استطعت إرجاع الكون لحالته الدقيقة التي كان عليها بالأمس فستفعل نفس الأشياء و تقول نفس الكلمات و تعتقد نفس الأفكار ، و كذلك بالنسبة إلى أعدائك ، و لنفس الأسباب بالضبط ،

إن إدراك هذا الأمر يجنبك أن تأخذ كل شئ بشكل شخصي !

فإنك إذا وجدت نفسك في مواجهة دب رمادي ، فستخاف منه بالطبع ، وقد تقتله إذا لم يكن هناك شيء آخر يمكنك القيام به لحماية نفسك ، لكنك لن تكرهه كما تكره شخصًا سيئًا ، هذا القدر الزائد من الضغينة و الحقد يتولد من خطأ فلسفي .

نيك : إذا لم يقتنع القراء فلا يسعني إلا أن أوجههم إلى كتاب ” الإرادة الحرة ” و المناقشة التي كانت في مؤتمر الأفكار الخطرة في سيدني ، و أحث الجميع على مشاهدة هذا الفيديو فمن الصعب جدا ألا تغير رأيك على الأقل أثناء مشاهدته ،

لقد قلت أنك تلقيت رسائل إلكترونية رائعة ، خاصة أثناء النقاشات حول الدين و الوجود فوق الطبيعي ، لقد سمعتك ذات مرة تذكر ذلك الشخص الذي قلت له ” هل هناك أي خلل في رأسك ؟؟ ” عندما قابلته بعد الظهر و كان قد غيّر اعتقاده في دينه صباحا ،

هاريس : بالفعل ، كنت مرة على طاولة العشاء مع كاثوليكية متعصبة سابقة و ظلت سنوات تضع صليبا أو مسبحة تحت فراش زوجها على أمل أن تحفظ روحه ، لقد قرأت كتابي ” رسالة إلى أمة مسيحية ” و في ذلك اليوم لم تعد مؤمنة ، و كانت فرصتها أنها قابلتني على طاولة العشاء في تلك الليلة ،

كان من المدهش حقا أن أقابل شخصا استمع لصوت عقله بنفس طريقتها متجاوزة أسوار إيمانها و مخاوفها من الجحيم بشكل خاص ، الأمر أشبه بحضور ولادة جديدة للعقل ،

و السبب الرئيسي لدهشتها و ندمها هو ذلك الوقت الذي ضيعته في الاهتمام بالأمور التي تعتقد الآن أنها محض أوهام ،

في الواقع ، هذه هي الصورة الأساسية لمغالطة ” التكلفة الميتة ” ، لقد استغل الناس هُوياتهم الدينية كثيرا و ربوا أولادهم بنفس الطريقة ، و قلصوا شكوكهم عاما بعد عام،

لقد شيدوا حصنا ضخما حول افتراضات [و آراء ] ويكأنها صحيحة تماما ، و فجأة بدؤوا يشكون في صحتها ، ربما لم يكن الإنجيل وحي من [ كيان ] كامل العلم ، و طوال الوقت لم يتمكنوا من الخوض في تلك التساؤلات ، و الخوف من اكتشاف إضاعة الوقت في خيالات غير صحيحة هو ما يمنع الناس من الاعتراف بشكوكهم ،

إن رؤية شخص كان قد تم إنقاذه من ذلك الوهم قبل ساعات كان شيقا جدا ،

بصراحة اعتقد أنه لا يجب البحث عن الماضي الديني للمرء ، مهما كان مضطربا ، لأنه مضيعة حقيقية للوقت ، على سبيل المثال أجريت محادثة رائعة مع ميغان فيليبس روبر ( حفيدة فريد فيليبس ) على جهازي ، لقد نشأت و تربت في طائفة مسيحية ، في معمدانية [ كنيسة ] ويستبورو ، لكنها تركتها مؤخرا ،

بالطبع كان هناك بعض الأشياء التي ندمت عليها في صغرها ، لكنها أيضا أدركت الوسائل و التجارب التي جعلتها أقوى و مستعدة لمساعدة الناس بطريقة لا يستطيع الآخرون القيام بها ، يمكن أن يكون هناك قيمة جوهرية داخل الأشياء التي تبدو في ظاهرها مضيعة للوقت ،

نيك : أريد التحدث قليلاً عن [ كتابك ] (الاستيقاظ ) ، لإعطاء الناس فكرة عن مجموعة المواضيع التي تتناولها ، فأنت تتحدث عن نظرة أعمق لجميع أنواع التجارب الروحية التي يمكن الوصول إليها دون الاعتقاد بأي شيء خارق للطبيعة ، هل يمكن أن توضح ؟

هاريس : حسنا ، من الواضح أن الناس لديهم خبرات استثنائية يريدون أن يطلقوا عليها “الروحانية” ، ويميلون إلى تفسير هذه التجارب في ضوء معتقداتهم الدينية ،

يمكن للناس أن يشعروا بالحب اللامتناهي لكل الكائنات الحية ، أو يفقدون إحساسهم بأنفسهم بشكل كامل ، سواء من خلال الممارسات التأملية [ الصوفية ] مثل التأمل و الصلاة ، أو بشكل عفوي [ تلقائي ] عن طريق تناول بعض الأدوية ، ومع ذلك ، هناك شيء واحد يمكننا معرفته على وجه اليقين و هو أنه في حين أن الناس يفسرون ذلك كدليل يؤيد معتقدات دينية معينة ، فإن هذه الخبرات و المشاعر لا يمكن أن تكون دليلاً على أي شيء إلهي [ متناهي في التجريد ] ، لأن الناس سواء من خلفية دينية معينة ، أو ليسوا متدينين ، لديهم هذه الخبرات ، وغني عن القول أن معظم المذاهب الدينية المعروفة لا تتفق منطقياً مع جميع المذاهب الأخرى ، لا يمكن أن يكون الإسلام و المسيحية و البوذية كلها صحيحة ،

لذا فإن حقيقة أن الشخص يمكن أن يشعر بالنشوة الصوفية أو النعيم ، أو يحب جاره كما يحب نفسه لا يمكن أن يثبت ، أو حتى يوحي ، بأن بوذا هو الشخص المستنير الوحيد في التاريخ ، أو أن يسوع هو ابن الله ، لأن الهندوس و المسلمين ، وحتى الملحدين لديهم هذه المشاعر أيضا ،

نحن نعلم أنه يجب أن يكون هناك مبدأ شامل ننطلق منه ، هناك حقائق حول الوعي البشري التي نريد استكشافها ، هناك تجارب يمكن أن تغيرنا جذريا ، لكن علينا أن نفهم هذه الظواهر في ضوء عقلانية القرن الحادي والعشرين ، علينا أن نتجاوز المعوقات الجغرافية و الثقافية ، لا يمكننا أن نبني تصورنا عن العقل البشري و الكون في ضوء ما تلقيناه في المكان الذي ولدنا فيه ،

أتدري لماذا معظم الناس على دين آبائهم ؟

لماذا معظم الهندوس في العالم في الهند ؟

هل لأنهم كانوا محظوظين بما يكفي ليولدوا حيث ساد الدين الصحيح ؟ إنها فكرة مجنونة تمامًا ،

عندما ترى خريطة لكيفية توزيع الأديان على سطح الأرض ، ستجدها غالبًا ما تتبع الحدود الدولية ، فيجب أن تفهم شيئًا واحدا على وجه اليقين الذي لا يقبل الشك ، و هو أن أيا من هذه المعتقدات لم ينتج من بحث حقيقي [عقلاني] في الطبيعة ، يجب أن يكون كل ما يتعلق بالعقل البشري صحيحًا في بومباي كما هو الحال في لندن أو سيدني ،

نيك : لكن ، و أرجو ألا يكون ذلك وقحا قليلا ، لماذا يجب أن ننصت إليك فيما تقوله عن ماهية الحياة ؟ ما الذي يؤهلك لذلك ؟

هاريس : الأمر لا يتعلق بمؤهلاتي ، القضية التي أتكلم عنها تعتمد على صدقها الذاتي، فإما أنها صحيحة و منطقية ، أو أنها ليست كذلك ، بالتأكيد لا يعتمد الأمر على سلطتي ، مهما كانت خبرتي كعالم أو متأمّل روحاني ، إذا كان لكل مسلم و مسيحي و بوذي تجربة في فقدان إحساسه و الانفصال عن بقية الكون ، ويقود كلًا منهم تقليدُه لتفسير هذه التجربة بطرق غير متوافقة جذريًا … حسناً ، إذن أنت تعلم أنه ، كحد أدنى ، اثنان من التفسيرات الثلاثة خاطئة ، لذا أنا أقول أننا نقر بحاجتنا إلى مقاربة عالمية و ثقافية و علمية صادقة لنفهم مجموعة المشاعر البشرية بشكل كامل،

نيك : بخصوص هذا الكتاب القادم ، ما هو هدفك النهائي ؟

هاريس : ” الإسلام ومكانته في العالم ” ، أقدم هذا الكتاب كنقطة انطلاق جديدة للمناقشة التي نبذل قصارى جهدنا كي لا نتطرق إليها ،

المؤلف المشارك ، ماجد نواز ، هو ذلك العقل النادر و الليبرالي المسلم الذي يناقش بصدق العلاقة بين العقائد الدينية و أشكال العنف والتعصب الذي نراها في المجتمعات المسلمة والشرق والغرب ، من النادر جدا العثور على موضوعية و حيادية مثل هذه ، ومن الضروري نشر هذا الموقف على أوسع نطاق ممكن ، كلانا لم يفحص صحة الإيمان بالله و بالتأكيد لا أحاول الفوز بالنقاش لصالح الالحاد ، كان هدفنا المشترك هو إيجاد طريق للإصلاح ، لكن سترى أن هناك كمية كافية من الأدلة لتمهد لك الطريق ،

لكن الخلاصة هي أننا فعلنا ذلك : لقد تناقش ملحد كان ينتقد الإسلام لأكثر من عقد من الزمان مع متطرف مسلم سابق و كان حوارا متحضرا ومثمرا بشكل كبير ، لذا آمل أن يصبح كتابنا القصير الأساس لكثير من المناقشات المشابهة في المستقبل .

المصدر : Sam Harris Is Not Religious, But He’s Spiritual — and He’s Putting His Faith in the Power of Conversation

شارك المعرفة عبر:

شاهد أيضاً

التاريخانية (شرح موجز)

تأليف : فريدريك بيزير ترجمة : أروى حمد تحرير : خلود عبد العزيز الحبيب   …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *