الرئيسية - مراجعة كتب - روحانيات الحياة: رومانسية العصر الجديد والرأسمالية الاستهلاكية

روحانيات الحياة: رومانسية العصر الجديد والرأسمالية الاستهلاكية

  • كريستوفر د.ل. جونسون
  • ترجمة: عبدالله العايد
  • تحرير: البراء بن محمد

كتاب “روحانيات الحياة” هو القطعة الثالثة لبول هيلز في ثلاثيته حول حركة (العصر الجديد) من دار بلاكويل للنشر بعد كتابيه الآخرين وعنوانيهما: “حركة العصر الجديد” و”الثورة الروحية”.

وفي حين أن المراد بالكتابين السابقين هو التركيز الأكبر على الدراسة الكميّة والعرقية، فقد استغلّ هيلز كتابه الأخير فرصةً للإفصاح عن آرائه الخاصة في الإمكانات الاجتماعية لحركة “العصر الجديد”، إضافة إلى الرد على اعتراضات نقاد الحركة المتعددين.

يبدأ هيلز كتابه بتتبع جذور “روحانيات الحياة” في العصر الجديد والتي يعيدها إلى مصدرين رئيسين: (أخلاقيات الإنسانية) التي صيغت في عصر التنوير وركّزت على الحياة، والإنسان، والمساواة، والحرية. و(أخلاقيات التعبيرية) التي صاغها الرومانسيون في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وأكدت التعبير الإبداعي الشخصي والتطور. ووفقًا له، فقد كان هذان الاتجاهان أبعد ما يكون عن عدم التوافق كما يدعي البعض، بل كانا -على نقيض ذلك- يوازنان بعضهما البعض، فيسهمان معًا بتوفير قوة كبيرة لروحانيات الحياة. أخلاقيات الإنسانية تعمل وحدها مثل أوامر مشفرة تُفرض على الفرد من الخارج، بينما تستطيع أخلاقيات التعبيرية أن تتحول بسلاسة إلى فردانية عندما لا يتم فحصها باعتبارات العالم الأوسع.

وعندما يعمل الاثنان معًا فإن أخلاقيات الإنسانية تُستوعب وتُستشعر كأنها تنبعث من الداخل، فيصبح التطور الشخصي مقرونًا في الغالب باهتمام بالبشرية. ولكن الذي يميز حركة العصر الجديد عن الإنسانية العلمانية -التي ينطبق عليها ما سبق أيضًا- هو الإحساس الذي يوحي بقدسية هذا الصوت الداخلي. فليست أخلاقيات الإنسانية وحدها التي تبدو طبيعة ترافق النمو الشخصي وتتزامن معه، ولكن الطبيعة المقدسة للحياة تعدّ أساسًا يفوض السلطة -إذا أمكن تسميتها كذلك- لهذين الاتجاهين الأخلاقيين.

يفضي هيلز بعد ذلك إلى ما شاع من اتهام روحانيات العصر الجديد بأنها تنضم إلى الاستهلاكية والأمراض الأخرى للرأسمالية. فبعد بحث طويل في مفهوم الاستهلاكية في العمل كما جاء في انتقادات عديدة، ينتهي هيلز إلى أن بعض نشاطات حركة “العصر الجديد” -التي تعزز النزعات الثقافية الفردية عبر تشجيع الاستهلاك الروحي- يمضي أكثرها إلى أبعد من ذلك، فتزودنا أحيانًا بنقد لهذا الاتجاه مع الرد على أمراض الثقافة الاستهلاكية. يدعي هيلز أيضًا أن هذه النشاطات توفر بديلًا أفضل للدين التقليدي، ومحيطًا اجتماعيًا مباشرًا يوجّه المشاركون فيه لطفًا بممارسين لتطوير ذواتهم وعلاقاتهم -بعد ذلك- مع عالمهم المحيط بهم.

ولقد قام هيلز بعمل مذهل في الدفاع -نظريًا وعمليًا- عن أطروحته القائلة أن روحانيات الحياة تستطيع تجاوز الكاريكاتير الاستهلاكي المرسوم بيد العديد من النقاد. فقد برهن -عبر تحليل الاستخدامات والدلالات المختلفة للغة الاستهلاك- على أن تحليل مجموعات معقدة من المعتقدات والممارسات يكون مضللًا إذا اختزلت في الاستهلاكية. إذ إن الحقيقة تكون -في العادة- أكثر تعقيدًا من حل إما/أو عند محاولة الكشف عن كون الشيء استهلاكيًا أم لا.

وما زال بالإمكان التسليم بمقدمته الأساسية أن “العصر الجديد” ملائم ثقافيًا ومقاوم أيضًا، رغم أنه بإمكاننا -أيضًا- الاختلاف في مدى أثرها وإمكاناتها القصوى. وعلى الرغم من بعض الإشارات التي تخالف ذلك، فالحركة تبدو أقرب إلى الملاءمة من المقاومة، ومقاومتها -فيما يبدو- ضعيفة ومرغمة. وبينما يظهر أن أطروحة هيلز الأساسية مقنعة إلى حد ما، فإن بعض الجوانب الأخرى بحاجة إلى مراجعة أكثر تفحّصًا.

إحدى القضايا المهمة هي توصيفه لوجهات النظر التي لا تنتمي لروحانيات الحياة. فبالرغم من ندمه أحيانًا على تصوير حركة “العصر الجديد” نمطًا فردانيًا استهلاكيًا، فإن هيلز يخلّد هذا التنميط عبر حصر النقاش بين روحانيات الحياة وبين ما يسميه عادة بالإلهية المتعالية. وهو واقع برغم إقراره بوجود طيف من الاحتمالات بين الاثنين، واعترافه بأن أشد الروحانيات ذاتية تحوي تقليدًا وإذعانًا، وأن الدين التقليدي لا يخلو أبدًا من اعتبارات ذاتية.

يعارض هيلز هذين الخيارين الاثنين بمتناقضات لا تحصى. فمن ناحية الإلهية المتعالية، هناك الغيبي، العالم الآخر، الطاعة والامتثال، التقليد، الولاء، الحدود والحواجز، التراتبية الهرمية، السلطة فوق الحياة. ومن ناحية روحانيات الحياة، هناك الحاضر، العالم المادي، التفرد، التعبير الذاتي، العالم الداخلي، المساواة، السلطة ضمن الحياة.

يدعي هيلز -بإطلاق- أن روحانيات الحياة -مع اعتبار الإله الداخلي الملازم الذي ورثوا فكرته عن الرومانسيين- تنافر بشكل جوهري الإلهية المتعالية وفكرتها المتعالية عن الإله الخارجي. وبالرغم من أنه يرى تنافرًا بدائيًا أو منطقيًا بين الاتجاهين، يعترف هيلز أن الناس يؤمنون بهما معًا، متمسكين بهما بتوتر إبداعي. ولكن لماذا يكون هناك أي توتر على الإطلاق بين الإله الداخلي والإله الخارجي؟ لو كان هذا تمييزًا تحليليًا محضًا أو موضوع منطق، فإن هيلز يبدو مخاطرًا بالتزامه الذي صرح به بمؤاخذة المشاركين على كلامهم فحسب. ومع كل هذا الحديث عن فضائل الشمولية، فإن من المستغرب قليلًا -فيما يبدو- أن يكون هيلز غير قادر على التنبه إلى أن هذا الاختيار قد يكون مزدوجًا هو الآخر. لقد قللّ من أهمية الإيمان بإله متعال وملازم، وهي عقيدة معتبرة ومنتشرة في أشكال شتى بين القائلين بالألوهية المتعالية.

سيكون كل مذهب من مذاهب القائلين بالإلهية مختلفًا -بوضوح- عن الآخرين من نواحٍ كثيرة، لكن هيلز يجمل الحديث عنهم جميعًا تحت عنوان “الإلهية المتعالية” بسبب اشتراكهم جميعًا  في المتعالي الذي يُصوّر افتراضًا خارجيًا متأصلًا يقيد الحرية بحسب ادعاء المنادين بروحانيات الحياة. وبينما يدّعي هيلز بين حين وآخر أنه يقرر ادعاءات أصحاب حركة “العصر الجديد” وحسب، تاركًا القارئ مع ادعائه هذا، فإنه لا يبذل جهدًا كبيرًا للنظر -من جانب نقدي- في تلك الدعاوى. يبدو أن ما يناسب -دعوة هيلز للارتقاء عن الصور النمطية الشائعة والشخصنة هو مساءلة قابلية هذا للتطبيق على المصطلحات المفرطة في التبسيط مثل: الامتثال، الحدود، التراتبية الهرمية، الطاعة، أو عبارات كـ “الحقائق المقسّمة لأشكال عديدة من التقاليد الدينية”.

يمكن أن يتسلل الشك -بأسلوب كهذا- لأي أحد؛ خشية من أن تكون دعاوى أولئك الأشخاص قد اختلقت ببساطة. أوجز هيلز مسألة التحيز الشخصي هذه، لكنه لم يسهب بدرجة كبيرة في مناقشة تأثير المصطلحات الأساسية للمشروع ومنطلق تصوراته على تأطير البحث وتوجيهه. وفي حين أن التحيّز لا يتعارض ضرورة مع دراسة الدين -والذي يُتصور عمومًا أنه مسعى إنساني متعدد الأشكال-؛ فإن فكرة الاهتمام التام بجميع آراء المشاركين -بحاجة والحال هذه- إلى إعادة النظر فيها.

يعدّ كتاب “روحانيات الحياة” مساهمة محمودة في العديد من مجالات دراسة الأديان والثقافة، وخصوصًا في مواضيع حركة العصر الجديد والاستهلاكية والدين. فبالنظر في الجذور التاريخية لحركة العصر الجديد والاستخدام المتساهل للغة الاستهلاك، قدّم هيلز بديلًا للفكرة الشائعة المتمثلة في أن كل شيء داخل حركة العصر الجديد يمكن إدانته باعتباره استهلاكًا فردانيًّا بسيطًا. يبقى أن نشير إلى وجود عدة نقاط ضعف مفاهيمية في عرض هيلز للإيمان بالمتعالي عوضًا عن روحانيات الحياة التي تدعو إلى مزيد من الاستكشاف المفصل والمطوّل.

المصدر: Spiritualities of Life: New Age Romanticism and Consumerist Capitalism

شارك المعرفة عبر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *