الرئيسية / فكر وثقافة / ذاكرة فونيس

ذاكرة فونيس

  • تاليف: خورخي لويس بورخيس
  • ترجمة: مصطفى هندي
  • مراجعة: راضي النماصي
  • تحرير: خلود الحبيب

 

الكاتب والقصة

خورخي لويس بورخيس (1899-1986) قاص وشاعر ومحاضر ومترجم أرجنتيني، وأحد سادة الأدب المكتوب بالإسبانية خلال القرن العشرين، شغل العقل ومتاهاته جزءًا كبيرًا ممّا كتب وحاضر. من أعماله “تاريخ كوني للخزي”، “سبع ليال”، “العمى”، “الألف”، “ذاكرة شكسبير”، “متاهات”، “كتاب المخلوقات الخيالية”. تنتمي القصة المترجمة أدناه [العنوان الأصلي بالإسبانية “Funes el memorioso” ويعني “فونيس المتذكر (أو الذَكُور)”] إلى أدب الفانتازيا الذي برع فيه أيما براعة، وقد وردت في قسم “احتيالات” من كتابه قصص. نقلت هذه القصة عن ترجمة أنثوني كيريغان الإنجليزية.

 

النص المترجم

لا زلت أتذكره، (ولا حق لي بنطق هذا الفعل المقدس، فقد تمتع به امرؤ واحد على هذه الأرض، وقد مات) ممسكًا بزهرة داكنة، ينظر إليها كما لن ينظر أحدٌ من قبل، وإن فعل ذلك طول عمره من بزوغ أول أشعة الفجر وحتى غياب آخر ضوء من الشفق. أتذكر وجهه الهندي اللامبالي، وعزلته الشديدة وراء دخان سيجارته. وأتذكر (على ما أظن) يديه الصغيرتين مثل يدي فاتل الجلود، وقدح المَتَّة([1]) الذي يحمل شعار الأوروغواي. وأذكر أنه كانت هناك حصيرة صفراء معلقة على نافذة منزله عليها منظر بحيرة واسعة. أتذكر بوضوح صوته: لقد كان ذلك الصوت البطيء الأغن لأبناء البلاد الأصليين، دون صفير الحروف الإيطالية المنتشرة هذه الأيام. لم ألتق به سوى ثلاث مرات؛ آخرها في عام 1887م، واستبشرت بخبر كتابة كل من عرفه عنه؛ وقد تكون شهادتي هي الأقصر والأقل من حيث التفاصيل بلا شك لكنني أزعم أنها الأكثر نزاهة من بين الشهادات التي قيلت عنه. ويمنعني سوء حظي بوصفي أرجنيتينيًا من الإطناب في المديح، صفة الحديث الأصيلة في الأوروغواي طالما كان المعني منها.

“ابن مدينة”، “أديب”، “مدلل”… لم يتحدث فونيس مطلقًا بهذه الكلمات المؤذية، لكنني متأكد تمامًا من أنني كنت أمثل له هذه الكوارث. كتب بيدرو لياندرو إيبوتشي أن فونيس كان بشرى بظهور الإنسان السوبر مان، ووصفه بـ”زرادشت عامّي وبدائي”. لن أناقش هذه النقطة، لكن ينبغي ألا ينسى أحد أن فونيس نشأ وتربى في فراي بينتوس، بعللهم التي يقاسونها.

أول ذكرياتي مع فونيس واضحة بجلاء. كان ذلك في أحد أصائل مارس أو فبراير من عام 1884، حيث اصطحبني والدي لقضاء الصيف في فراي بينتوس. كنت عائدًا من مزرعة سان فرانسيسكو مع ابن عمي برناردو هايدو، وكنا نغني بينما نقود الخيل جنبًا إلى جنب، ولم يكن امتطاء الخيل سبب مرحنا الوحيد. فبعد يوم حار، احتجبت السماء بسحابة رمادية ضخمة تدفعها رياح الجنوب التي تكاد تقتلع الأشجار. كنتُ خائفًا (وعلى أمل) أن تسوقنا مياه المطر الغزيرة فجأة في العراء، فكنّا في سباق مع الرياح، دخلنا إثره ممرًا عميقًا بين رصيفين مرتفعين من الآجر، وفجأة خيم الظلام على المكان. سمعت في الأعلى بعض الخطوات السريعة شبه الخفية؛ رفعت عيني فرأيت فتى يركض على طول الممشى الضيق والمتهدم كما لو كان يسير على حائط ضيق ومتهدم. أتذكر بنطاله الفضفاض وحذاءه ذي الشراك المربوط، والسجارة في فمه، كل ذلك في مواجهة العاصفة التي أصبحت في ذروتها. هتف برناردو فجأة “كم الساعة يا إيرينيو؟” فأجابنا بصوت حاد ساخر، دون تمهلٍ أو نظر في السماء “إنها الثامنة إلا أربع دقائق أيها الشاب برناردو خوان فرانسيسكو”.

كنت شارد الذهن تمامًا، ولم أفكر ولو لثانية في الحديث الذي ذكرته قبل قليل لو لم يعده ابن عمي، حيث كان يشعر باعتزاز خاص بابن بلدته، وفي نفس الوقت، لا يريد أن يُظهر استياءه من الطريقة التي حدثنا بها الفتى حين ذكر اسمه الثلاثي.

أخبرني أن اسم الفتى الذي قابلناه في الممر إيرينيو فونيس، ومعروف ببعض الصفات الغريبة، مثل جفاء الناس، ومعرفة الوقت بالضبط مثل ساعة. أضاف أن والدته، مارلا كليمنتينا فونيس، تعمل في كي الملابس، وقال بعض الناس أن والده كان طبيبًا إنجليزيًا في مجزر اللحوم المقدده ويدعى أوكونور، وقال آخرون أنه كان مروض أحصنة أو سائق عربات ثيران من مقاطعة سالتو. كان فونيس يعيش مع والدته بالقرب من ضيعة لوريليس.

في عامي 85 و 86، قضينا الصيف في مونتيفيديو، ولم أعد إلى فراي بينتوس حتى عام 87. وبطبيعة الحال، سألت عن كل من أعرفه؛ ثم ختمت بالسؤال عن “فونيس: الرجل الساعة” فعلمت بتعرضه لحادثة مروعة، إذ سقط عن ظهر حصان جامح في مزرعة سان فرانسيسكو، وأصيب بالشلل. ما زلت أتذكر إحساسي بالسحر المزعج الذي تركه ذلك الخبر: فالمرة الوحيدة التي رأيته فيها كانت بينما يسير على الجدار المرتفع عنا في جانب الطريق أثناء عودتنا على الخيل إلى المنزل من المزرعة في سان فرانسيسكو. صدمني هذا الحدث الجديد – الذي أخبرني به ابن عمي برناردو – بشدة، وكأن ذكريات الماضي كلها تتجمع أمامي لتشكل صورة من حلم مكتمل. عرفت أن فونيس لا يتحرك أبداً من سريره، وعيناه إما مثبتتان على شجرة التين في الخارج أو على خيوط شبكة العنكبوت، ويحمل إلى الشرفة حين الغسق. لقد كان شابًا معتزًا بنفسه لدرجة أنه تظاهر بأن المحنة التي حلت به كانت منحة في الحقيقة… لقد رأيته مرتين، الأولى وهو على سريره خلف قضبان النافذة الحديدية التي أبرزت بشكل فظيع حالته سجينًا نائمًا على سريره لا يستطيع الحركة؛ والثانية كان بلا حركة كذلك، لكنه مستغرق في التفكير والتأمل في ساق زهرة شيح.

في ذلك الوقت، كنت قد بدأت دراسة اللاتينية مع شعور طفيف بالزهو وإعجاب بالذات. أحضرت معي في حقيبتي كتاب “دي فيرسي”([2]) الذي كتبه لوموند، وThesaurus  لكيتشرات، و”شروح” يوليوس قيصر، بالإضافة إلى مجلد من موسوعة التاريخ الطبيعي بقلم بليني، الكتاب الذي فاق معرفتي المتواضعة في اللاتينية (ولا يزال). لا توجد أسرار في بلدة صغيرة، ولذا سرعان ما علم إيرينيو – في منزله الواقع على مشارف البلدة – بوصول تلك الكتب الأجنبية. وأرسل إليّ رسالة منمقة وعاطفية، يذكرني بلقائنا “العابر للأسف” في السابع من فبراير عام 1884، معرِّجًا بأسلوب أنيق ومختصر على “الخدمات الجليلة” التي قدمها عمي غريغوريو هايدو، المتوفّى في نفس العام “إلى بلدينا في معركة إيتوزاينجو المجيدة”، ثم استعطفني أن أعيره أحد الكتب التي أحضرتها، مع قاموس “لفهم النص بشكل كامل، حيث إنني لا أعلم شيئًا عن اللاتينية”، ووعدني بإعادة الكتب في حالة جيدة و”بسرعة”. كان خطه بديعًا مثل خطّاط، والحروف مرسومة باحترافية عالية، كما أن إملاءه مثلما أوصى أندريه بيللو، حيث حرف i بدلًا من y وحرف j بدلًا من g. خلت الرسالة مزحة في البداية، لكن ابن عمي أكد لي أنها ليست كذلك، وأن هذه إحدى “صفات إيرينو الغريبة”. ولم أعرف الوصف المناسب بين التبجح أو الجهل أو الحماقة لوصف الفكرة القائلة بأن اللغة اللاتينية الصعبة لا تحتاج إلى دراسة أكثر مما يمكن أن يقدمه قاموس؛ المهم، أرسلت إليه كتاب (Gradus ad Parnassum) لكيتشرات ومجلد بليني فقط كي يخيب ظنه.

في الرابع عشر من شباط/فبراير، تلقيت برقية عاجلة من بوينس آيرس تطلب مني العودة إلى المنزل على الفور؛ لأن والدي “ليس على ما يرام مطلقًا”. يا رب اغفر لي… كان لابد أن أحافظ على مظهري اللبق والمتماسك عند استلام برقية عاجلة، وفي نفس الوقت كنت راغبًا في الاتصال بجميع من أعرفهم في فراي بينتوس فأنا في عطلة، وهو الأمر الذي يتناقض بشدة مع الأخبار السيئة والظرف الطارئ، وفي نفس الوقت كان هناك إغراء إضفاء الطابع الدرامي الحزين على مصيبتي عن طريق التظاهر برباطة الجأش مثل رواقي – كل هذا ربما استطاع أن يصرفني عن الشعور بألم حقيقي. عندما حزمت أغراضي، أدركت أنني أفتقد Gradus ad Parnassum وكتاب بليني. كانت سفينة “ساتورن” ستبحر في صباح اليوم التالي. في ذلك المساء، توجهت إلى منزل فونيس بعد العَشاء، وفوجئت لكون المساء ليس أقل وطأة من ذلك النهار.

عندما وصلت إلى المنزل الصغير المتواضع، فتحت والدة “فونيس” الباب.

أخبرتني أن إيرينيو في الغرفة الخلفية، وأنه لا ينبغي أن أتفاجأ إذا وجدت أن الحجرة مظلمة، لأنه غالباً يقضي ساعات طوال بدون إضاءة الشمعة. مشيت عبر الفناء المغطى بالحجر المرصوف، فالممر الصغير، ثم وصلت إلى الفناء الثاني. كانت هناك كرمة عنب، وكان الظلام دامسًا حتى أنني لم أر أي شئ، ثم سمعت صوت إيرينيو فجأة. كان يتحدث باللاتينية، وصوته المنبعث من الظلام هادئ وساكن ومستلذ بلباقة واعتزاز، كأنه يقرأ خطابًا أو صلاة أو تعويذة، ودوى صدى المقاطع الرومانية في فناء المنزل، ومن شدة خوفي لم أستطع أن أميز أي جملة على ظن بأنها لا تنتهي أيضًا؛ في وقت لاحق، خلال المحادثة الطويلة التي دارت بيننا في تلك الليلة، علمت أنها كانت الفقرة الأولى من الفصل الرابع والعشرين من الكتاب السابع من موسوعة التاريخ الطبيعي لبلينوس، وموضوع هذا الفصل هو الذاكرة. كان آخر ما قاله: ut nihilnon iisdem verbis redderetur auditum.

دعاني بنفس نبرته دعاني كي أدخل. كان يدخن مستلقيًا على سريره، ولا أعتقد أنني استطعت أن أرى وجهه قبل شروق الشمس في صباح اليوم التالي؛ أعتقد أنني أتذكر توهج سيجارته. كانت غرفته تفوح برائحة رطوبة غريبة. جلست بالقرب منه وحكيت قصة البرقية ومرض والدي.

وصلت الآن إلى أصعب نقطة في قصتي. هذه القصة (ومن الجيد أن يعرف القارئ الآن) ليس لها أي مغزى سوى ذلك الحوار الذي حدث منذ نصف قرن. لن أحاول إعادة الكلمات التي قالها فونيس بالحرف، فقد أصبحت الآن غير قابلة للاسترجاع. أفضل أن ألخص كثيرًا مما أخبرني إيرينيو: الأسلوب غير المباشر الذي سأستخدمه صعب وضعيف؛ وأعلم أنني أضحي بجودة روايتي؛ يجب على القراء أن يتخيلوا الحيرة والتردد اللذين سيطرا عليّ تلك الليلة.

بدأ إيرينيو يعدد – باللاتينية والإسبانية – الحالات التاريخية المذكورة في كتاب بلينوس والتي امتلك فيها أصحابها ذاكرة خارقة: قورش – ملك الفرس – الذي كان ينادي كل جندي في جيشه باسمه. ميثراداتس، الذي حكم بالعدل في امبراطوريته ذات الاثنتين وعشرين لغة؛ سيمونيدس، مخترع فن التذكر؛ مترودوروس، الذي كان يستطيع أن يحفظ ما سمعه من أول مرة. وبصراحة كبيرة، عبر إيرينيو عن تفاجئه من اعتبار هذه الحالات مدهشة. أخبرني أنه قبل ظهر ذلك اليوم المطير الذي رماه فيه الحصان الرمادي، مر بكل حالات البشر: أعمى، أصم، مشوش، وبلا ذاكرة تقريبًا (حاولت أن أذكره بتحديده الدقيق للوقت وذاكرته القوية في حفظ الأسماء، لكنه لم يعرني انتباهه) وعاش طيلة تسعة عشر عامًا كما لو كان في حلم: ينظر دون أن يرى، ويسمع دون أن يعي، وينسى كل شيء، كل شيء تقريبًا. عندما سقط عن ظهر الحصان وفقد الوعي؛ استيقظ على واقع ثري وحادّ في تفاصيله بقدر لا يُطاق، وكذلك أقدم ذكرياته وأتفهها. في وقت لاحق، علم أنه أصيب بالشلل، تلك الحقيقة التي لم تستحوذ على الكثير من اهتمامه. لقد أوضح (أو شعر) أن شلله أقل ما يمكن أن يدفعه المرء [مقابل ما حصل عليه]، فقد أصبح ذهنه وذاكرته معصومين عن الزلل.

 خلال الوقت الذي نلمح فيه أنا وأنت ثلاثة أكواب من النبيذ على الطاولة؛ يستطيع فونيس رؤية كل عناقيد وبراعم وثمرات العنب التي تحولت إلى هذا النبيذ. كان يعرف أشكال الغيوم جنوبًا في صباح يوم الثلاثين من أبريل عام 1882، ويمكنه أن يقارنها في ذاكرته بالخيوط الرخامية على الغلاف الجلدي لكتاب لم يره إلا مرة واحدة، وبخطوط الرذاذ الذي نثره مجداف في النهر الأسود ليلة معركة كيبراتشو. ولم تكن تلك مجرد ذكريات بسيطة، بل كان كلٌ منها مصحوبًا بكافة التفاصيل من حرارة وملمس وغيره؛ وقد كان قادرًا على إعادة سرد أي حلم رآه، حتى أحلام اليقظة، إضافة إلى سرد أحداث يوم كامل مرتين أو ثلاثة دون أن يخطئ أو يتعثر على الإطلاق، لكن كل حكاية من تلك استغرقت يومًا كاملاً. قال لي: “لدي وحدي ذكريات أكثر من البشرية جمعاء منذ بدء العالم”، وقال أيضًا: “إن أحلامي في وضوحها هي ساعات يقظة بالنسبة للآخرين”. وقال: “ذاكرتي، يا سيدي، مثل مقلب القمامة”. فأشكال مثل الدائرة والمثلث قائم الزاوية والمعين كلها أشكال يمكن أن نفهمها بالكامل ونتعامل معها بكل دقة بالنسبة لنا؛ أما إيرينو فيستطيع أن يفعل نفس الشيء مع الجدائل المتناثرة لمهر صغير، ومع قطيع صغير من الماشية على سفح الجبل، وحتى النار الخافتة ورمادها الذي لا يُحصى، ويستطيع تذكر جميع تعبيرات وجه رجل ميت طيلة حياته. وليس لدي أي فكرة عن عدد النجوم التي كان يراها في السماء.

عندما أخبرني هذه الأشياء لم أشك أبدًا فيما قاله، ولا حتى في وقت لاحق. في تلك الأيام، لم تكن هناك دور سينما أو تسجيلات صوتية، ومع ذلك أجد أنه من الغريب – بل غير المنطقي – ألا يقوم أي شخص بإجراء تجربة على فونيس أو تسجيل حالته، والحقيقة هي أننا نؤجل كل ما يمكن تأجيله؛ ربما لأننا موقنون بعدم الموت، وأن كل البشر سينكشف لهم كل شيء عاجلًا أم آجلًا.

استمر صوت فونيس بالخروج من الظلام.

أخبرني أنه قام باختراع نظام ترقيم كامل بنفسه في عام 1886. وخلال أيام قليلة جدًا، كان قد تجاوز أربعة وعشرين ألف نظام. لم يقم بتدوينها بالطبع لأن أي شيء يفكر فيه، ولو مرة واحدة، يظل في ذهنه إلى الأبد. كان الدافع الأصلي له – على ما أظن – هو استياءه من أن كلمة “أبطال أوروغواي الثلاثة والثلاثين” يجب أن تتضمن عدد وثلاث كلمات بدلاً من عدد واحد وكلمة واحدة. ثم طبق هذا المبدأ المجنون على الأرقام الأخرى، فبدلاً من أن يقول سبعة آلاف وثلاثة عشر (7013)، كان يقول على سبيل المثال “ماكسيمو بيريز”؛ وبدلاً من سبعة آلاف وأربعة عشر (7014) يقول “سكة الحديد”؛ والأرقام الأخرى كانت على شاكلة كلمات مثل “لويس ميليان لافينور”، “أوليمار”، “كبريت”، “أندية”، “حوت”، “غاز”، “القدر”، “نابليون”، “أغوستين دي بيديا”، بالإضافة إلى “تسعة” بدلاً من خمسمائة (500). كان لكل كلمة – بالنسبة له – شخصية معينة مرتبطة بها، كنوع من المؤشر؛ في نهاية الأمر أصبحت العلاقة بين الكلمة والعدد الذي تدل عليه معقدة للغاية. حاولت أن أشرح لفونيس أن شغفه بالكلمات غير المترابطة كان عكس هدف نظام الترقيم تمامًا، وأخبرته أنه كي ينطق المرء “365” ، فإنه يقول “ثلاث مائة وخمسة وستون” وهذا النوع من التحليل يستحيل فصله عن “أرقام” تعني عنده “تيموثي الأسود” أو “بطانية لحم”. لم يفهمني فونيس، أو أنه لم يرغب بذلك.

في القرن السابع عشر، افترض [جون] لوك (واستنكر) فكرة لغة يكون لكل مفرد فيها – كل حجر، كل طائر، كل غصن – اسم خاص به؛ وقد فكر فونيس لوهلة باحتمال وجود لغة مماثلة، لكنه تجاهل هذه الفكرة لأنها مفرطة في التعميم والغموض. الحقيقة هي أن فونيس لم يكن يتذكر فقط كل ورقة في كل شجرة في كل مكان من الغابة، بل أيضًا يتذكر كل مرة فكر بها أو تخيلها. لقد قرر أن يختزل كل يوم من أيامه الماضية إلى حوالي سبعين ألف ذكرى، وكل ذكرى بلون محدد. لكن أثناه عن هذه الفكرة أمران: الأول إدراكه أن تلك المهمة تكاد تكون بلا نهاية، والثاني إدراكه أنها لا طائل منها، فقد انتبه إلى أنه سيموت قبل أن ينتهي حتى من تصنيف جميع ذكريات طفولته.

والمشروعان اللذان ذكرتُهما (مفردات لا نهائية لسلسلة الأعداد الطبيعية، وفهرس من نسج خياله لجميع صور ذاكرته والذي لن يفهمه غيره) سخيفان للغاية وبلا جدوى، لكنهما يكشفان عن عظمة متأتأة. إذ تتيحان لنا أن نلمح، أو نستنتج، العالم المدوخ الذي عاش فيه فونيس. يجب ألا ننسى أن فونيس كان عاجزًا تمامًا عن إدراك المثل الأفلاطونية، إذ لم يكن من الصعب عليه فقط أن يرى دخول جميع أفراد جنس الكلاب ​من جميع الأشكال والأحجام تحت كلمة “كلب”، بل كان يغضب حقًا من وصف كلب تراه في الواحدة وأربعين دقيقة ظهرًا وتنظر إليه من الجانب بنفس الكلمة التي تطلق على كلب تراه في الواحدة وخمسين دقيقة من الأمام. كان يتفاجأ في كل مرة كان ينظر إلى وجهه ويده في المرآة. كتب سويفت أن إمبراطور ليليبوت كان يمكنه أن يميز كل حركة من حركات عقرب الدقائق. أما فونيس فكان يميز أعراض التحلل البطيئة وتسوس الأسنان والإرهاق، ويرى زحف الموت والرطوبة. كان الوحيد الذي يشاهد ويفهم العالم متعدد الهيئات والأشكال الذي لا يطاق والمتغير كل لحظة. لطالما أبهرت بابل ولندن ونيويورك خيال البشرية برونقها البراق، لكن لم يشعر أي شخص في أبراجها المكتظة بالسكان أو الطرق السريعة بحرارة وضغط الواقع القاسي الذي كان يعاني منه إيرينيو ليلا ونهارا في منطقته النائية الفقيرة من أمريكا الجنوبية. كان من الصعب عليه النوم، إذ يعني عزل العقل عن العالم؛ وقد كان يتخيل كل تصدع وكل شق دقيق في الجدار حوله بينما يرقد على سريره في الظلام، بالإضافة إلى كل قالب وشق في المنازل المجاورة له. (أكرر أن أتفه جزء من ذكرياته كان واضحًا ومفصلًا أكثر من تصورنا وشعورنا بالمتعة أو العذاب البدنيين). وباتجاه الشرق، في منطقة لم يتم تقسيمها بعد إلى كتل سكنية، كانت هناك منازل جديدة، وغير مألوفة لإيرينيو، وقد تخيلها منازل سوداء متجانسة في الطول والحجم؛ ويحول رأسه إلى ذلك الاتجاه كي يستطيع النوم، و قد يتخيل نفسه مؤرجحًا ثم ميتًا في قاع النهر بفعل التيار.

تعلم الإنجليزية والفرنسية والبرتغالية واللاتينية بأقل مجهود. ومع ذلك، أظن أنه لم يكن جيدًا في إعمال العقل، فالتفكير يعني تجاهل الاختلافات والتعميم والتجريد. أما في عالم فونيس المزدحم، لم يكن هناك شيء سوى التفاصيل… سيل متجدد مستمر من التفاصيل.

دخل ضوء الفجر الساحة بوهن.

عندها رأيت الوجه الذي يخرج منه الصوت الصادر طوال الليل من الظلام. كان إيرينو في التاسعة عشر من عمره، وقد وُلد في عام 1868؛ لكن بدا لي وكأنه عتيق مثل البرونز، وأقدم من مصر، وأكبر عمرًا من كل النبوءات والأهرامات. خلت أن أي كلمة أقولها (وأي حركة أفعلها) ستبقى في ذاكرته، لذا منعني الخوف من القيام بإيماءات لا معنى لها.

توفي إيرينيو فونيس في عام 1889 بسبب الاحتقان الرئوي.

[1] – مشروب المتّة هو مشروب ساخن من فئة المنبهات يعود منشأه إلى دول أمريكا الجنوبية، وينتشر بشكل رئيسي في دول الشرق الأوسط خصوصًا سوريا ولبنان، وفي سوريا يتركز استهلاكه في منطقة جبل العرب وفي مدينة السلميّة وفي الساحل السوري، وبعض بلدات القلمون.

[2] – كتاب De viris illustribus ويعني “عن الرجال العظماء” وهو يمثل مجموعة من الأدب النموذجي الروماني القديم الذي تم إحياؤه خلال عصر النهضة الإيطالية وألهم تجميع و تأليف سلسلة من سير الرجال المتميزين ذات غرض تعليمي كبير.

شارك المعرفة عبر:

شاهد أيضاً

أيّهما أفضل: حياةٌ سَعيدةٌ، أم حياةٌ ذَاتَ مَعْنَى؟

تأليف: روي إف باوميستر ترجمة: محمد خليفة الغافري تحرير: محمد عبيدة   يردّد الآباء في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *