الفلسفة

حكمة السعادة – أهمُّ ما جاء عنها في الكتب

  • الناشر: Academy of Ideas
  • ترجمة: الجراح القويز
  • تحرير: أحمد العراك

 

السؤالُ عن ماهية الحياة الملائمة للسعادة سؤالٌ لا اتّفاقَ على إجابة محددةٍ له؛ رغمَ أخذه من عقول الفلاسفة، والشعراء، وعلماء النفسِ، وعلماء الدين مأخذًا لا يستهان به.

ولأهمّيّته؛ انتقينا بعض العناوين المفيدة عن السعادة في الكتب، وسنتحدث عنها بإيجاز.

خطة تأجيل السعادة:

يقول بليز باسكال: “نحن لا نعيش أبداً ، بل نأمل العيشَ ؛ ونتطلع -دائما- الى أن نكون سعداء ، لكن ذلك لن يحدث. “

عند اكتئاب الشخص أو عدم رضاه عن نفسه، فمن الشائع ترجيحه لافتراض- يرتضيه- تظهر فيه السعادة كنتيجة لنمط حياة معين. يرى أشخاصا يستمتعون بحياتهم فيعتقد أن حرمانه من أشياءَ يمتلكونها هو سبب تعاسته؛ يربط السعادة بالإنجازات، أو بالممتلكات ربطًا يلتمس به العذر لنفسه بأنْ لو كان ذا وظيفةٍ أفضلَ، أو منزلٍ أجملَ، أو مالٍ أوفرَ لحازَ أسباب السعادة، وأصبح ممن يَصْدُقُ نعتُهم بالسعداء.

في كتاب علم التحكم النفسي أشار ماكسويل مالتز إلى هذه الفكرة- فكرة أن المتمسكين بهذا الاعتقاد في الغالب بائسون- وعبر عنها بقوله :

“وجدت أكثرَ أسباب السخط شيوعًا عند مرضاي هو أنهم يحاولون عيش حياتهم على خطة تأجيل السعادة،  فهم لا يعيشون أو يستمتعون بالحاضر ، بل ينتظرون أحداثًا يتأملونها في المستقبل؛ تجدهم معتقدين أنهم سيكونون سعداءَ إذا تزوّجوا ،أو حصلوا على وظيفة أفضل ، أو منزل ، أو عندما تكون لديهم القدرة على إلحاق أبنائهم بالجامعة ، أو عند إكمالهم بعضَ المهام، أو تحقيقهم بعضَ الإنجازات… لذلك  يعيشون خيبةَ أملٍ دائمة. ليست هذه سعادة؛ السعادةُ عادةٌ – موقف عقلي- إذا لم تتعلم ممارستها خلال لحظتك الحاضرة فلن تكون سعيدا .

من غير الممكن جعل السعادة مشروطةً بحل بعض المشاكل؛ فالحياة عبارة عن سلسلة من المشاكل، وعندما تُحلُّ مشكلةٌ فسرعان ما تَحِلُّ محلها أخرى، إذا أردت أن تكون سعيدًا فسيتوجب عليك أن تعيش السعادة حالًا، لا أن تربطها بحدوث بعض الأشياء مستقبلا!”

السعادةُ ،والعملُ ، والنموُّ الشخصي:

 لتحقيق السعادة وسائلُ أفعلُ من التطلع إلى سراب مستقبلي. ومن تلك الوسائلِ توجيه الجهد الذي تبذله في حياتك إلى العمل الإنتاجي، والمشاركة في المشاريع ذات الهدف السامي.

لاحظَ عالمُ النفس النمساوي بيران ولف ذلك وعبر عنه بقوله :

“إذا تأملت رجلاً سعيدًا ، فستجده يصنعُ قاربًا ، يكتبُ سيمفونيةً ، يعلمُ ابنَهُ ، أو يزرعُ ويهتم بزهورِ حديقته، بل ربما تجدُهُ يبحث عن بيض الديناصورات في صحراء منغوليا… لكنّك لن تجدَهُ يبحث عن السعادة كأنها إبرةٌ في كومة قش”

مع ذلك… إذا أردنا اختيار مشروعٍ أو عمل، فيجدر التنبيه أنْ لا نجعل الاستمتاع بذلك العمل معيارنا الوحيد في اختياره، لاشكّ أن المتعة من الأهمية بمكان، غير أننا إذا أردنا تحقيق السعادة فنحن أحوج للقيام بأمور صعبة فيها نوعُ تحدٍّ؛ فالسعادةُ مرتبطةٌ بنموِّ الذات، واستخراجِ المواهب، وسبرِ غورِ الإمكانيات سبرًا نحقق به الرضا عن ذواتنا.

هذا الموضوع – العلاقة بين السعادة والعمل والنمو الشخصي- أكده العديد من عظماء المفكرين، فتجد مثلا ويليام بتلر يقول: “السعادةُ ليست فضيلةً ولا متعةً ولا شيئًا من هذا القبيل. إنّها نموُّ بسيطٌ،  فنحن سعداءُ عندما ننمو”. و لنيتشةَ أيضًا:  “السعادة هي الشعور بأن قوتك تزداد، وأن مقاومتك تنجح”. ولهاكسلي: “السعادة هي نتاج بعض الأنشطة الحياتية ولذلك لا تتحقق عند سعينا لها بذاتها”

يمكننا أن نكون سعداءَ في الفقر ، بائسين في الغنى!

موضوعٌ آخرُ بشأن السعادة… هو أن الظروف الخارجية تعيق سعادتنا – فقط- عندما نسمح لها بذلك. ربما تكون هذه الفكرة الأشهر، وهي فكرة دعت إليها الفلسفة الرواقية، على سبيل المثال، يقرر الفيلسوف إبكتيوس أنَّ” الإنسان لا ينزعج بسبب الحوادث ذاتها، بل بسبب تصوره لها”. وفي ذلك يقول عالم النفس العظيم وليام جيمس أنّ “معظم ما ندعوه شرا عائد إلى منهجنا في النظر إليه؛ لأننا في الغالب نستطيع تحويل هذا الشرّ إلى محفّزٍ لتبديل موقفِ الانهزام النفسي بموقفِ مقاومةٍ ونضالٍ؛ محفّزٌ يستحيل به وجعُ الشرِّ بهجةً، وحيث لا يجدي تجنّب الشر، فنحن نتفق على مواجهته بطريقة أخرى، كتهوين أمره وعدم تهويل تأثيره، أو تجاهل وجوده وصرف الانتباه عنه حتّى يختفي القلق… صحيح أن الحقائق لا تتغير، لكنّها لن تكون شرًّا محضًا؛ فقبل أن تصنّف الأمرَ -أشرٌّ هوَ أم خير- غيّر فكرتك في تقبّل الأمور، فذلك يحسّن تركيزك على أولوياتك”.

أما ألكسندر سولجينتسين في روايته (أرخبيل غولاغ) يحكي أنه استغربَ – عندما كان سجينًا في معسكرات العمل القسري السوفييتية – تقبُّـلَ زملائه لأسلوب الحياة هذا!، فبدل البؤس من وحشية المعاملة أصبحوا مسيطرين على ذواتهم، راضين بوضعهم! يقول ألكساندر:”…كان هناك أشخاص عاشوا حياةً مثاليةً بأذهانهم على وجهٍ لا يسمحُ لأيِّ معاناةٍ جسدية بزعزعة توازنهم الروحيّ!”

وهذا المثال يوضح أن لدينا قوة مخفية نستطيع السيطرة بها على أحوالنا البائسة، ما يقودنا إلى أنّ تنمية القدرة على التحكم في إدراكنا لظروفنا وتحقيقها هي ما يحدد سعادتنا ، وليس الأحداث الخارجية.

في النهاية… من أراد الوصفة السحرية لحياة جيدة فليضعْ قولَ ( رالف والدو) نصبَ عينه : “مقياس الصحة العقلية هو رغبتنا في تتبع الخير في كل شيء”.

المصدر: #

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق