الرئيسية - عام - حكاوي السرد..

حكاوي السرد..

  • بقلم: بلال عادل
  • تحرير: خلود الحبيب

تقدمة:

هي محاولة للوقوف على أسرار تلك السعادة التي أجدها في نفسي بعد قراءة عمل فني ما، بعد حضور أُمسية شعرية جميلة، أو مشاهدة فيلم درامي في ليلة شاتية، أو سماع معزوفة موسيقية رنانة. محاولة لتفسير هذه النشوة التي وجدتها في نفسي بعد الانتهاء من حرافيش نجيب محفوظ، عشتُ حياة أخرى، حياة في أحضان الحرافيش وأبنائهم وزوجاتهم وأصحابهم ومعاركهم، حياة في أزقة القاهرة وحواريها.

نعم هي محاولة لتفسير قصة مفتاح طنطورية رضوى عاشور! كيف صاغت كل هذه المعلومات التاريخية وغيرها في قالب درامي خالص أخذ مني لُبّي وعقلي؟ كيف استطاعت استخدام هذا الكم الهائل من الشخصيات العربية المؤثرة (الروائي: غسان كنفاني، رسام الكاريكاتير: ناجي العلي، …، السياسي: أبو عمار وغيرهم الكثير) في السياق الدرامي نفسه الذي لم تخرج عنه؟!.

محاولة لتفسير تلك الغُصة التي بتُ بها في حلقي لأيام بعد قراءة القوقعة -مصطفي خليفة- بعد تجربة اعتقال دامت لثلاث عشرة سنة ظلمًا!! بل كان متهمًا بأنه عضو في جماعة (الإخوان المسلمون) وهو مسيحي، وصادف ذلك أن يكون هو نفسه مخرجًا سينمائيًا؛ الشيء الذي مكّنه من صوغ الثلاث عشرة سنة في رواية!.

 عن مدى الأسى الذي لحق بي بعد قراءة (رجال في الشمس) لغسان كنفاني، وفشل محاولة النجاة من أراضي القصف والقتل والضيق، بل كيف استطاع الكاتب أن يعبر عن مأساة الشعب العربي الفلسطيني الحُر، كيف أبان عنها في فصولٍ ستة صغيرة؟ عن رحلة الخلاص الفردي في مواجهة الهزيمة بالصمت والصبر (الهروب).

في كل مرة أطرح على نفسي هذا السؤال: كيف تكَون العمل الفني في ذهن كاتبه؟ ما ظروف كتابته؟ ما دوافع الكتّاب للكتابة؟ هل أستطيع أن أكتب مثلهم؟ هل ثمة معايير للكتابة الفنية؟ …..؟ …..؟ هل للكتابة قيمة؟

ما المحرك الرئيس للكتابة عند نجيب محفوظ ورضوى عاشور وأحمد خالد توفيق وإمبرتو إيكو وجورج أورويل،…..،….؟ ما نظرتهم تجاه الإبداع الفني في الكتابة والسرد؟

ما هو الإبداع الفني في الكتابة؟ وهل له خطوات سبع كما يزعمون؟!.

 ربما لا أجيد تعريف هذا العمل الذي بين يديك، ولكن هو محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة من كلام أرباب الكتابة أنفسهم.

 تعرضتُ لكلام كتّاب وأستاذة في الأدب، أعجبتني أعمالهم الفنية؛ فطفتُ أبحث عن أسرار تلك الأعمال من خلال كلامهم هم أنفسهم، وفي هذه الرحلة لم أكن إلا كظمآن يرتوي من معين كل كاتب من هؤلاء، ليكمل رحلته بحثًا عن تلك الأسرار.

نسير في هذه الرحلة في طرق أربعة:

– بين الحكي والسرد والرواية.

– كيف تُكتب الرواية؟ (كيف يأتي الإلهام؟).

– إرهاصات الكتابة وعلاقتها بما حولها.

– لماذا نكتب؟

  • بين الحكي والسرد والرواية:

نحبُ الحكي، نستمع إليه بشغف، منصتين بإصغاء! هكذا كنتُ أشعر تجاه حكاوي جدتي المكررة الجميلة، أعرف نهاية القصة ولكني أحب أن أسمعها ثانيةً منها.

أذكرُ أيضًا إلحاح ابنة أختي عليّ لأحكي لها قصة.

أحببنا الحكي صغارا ولا نزال نحبه كبارا!.

“لأنه إذا كان ثمة جنس أدبي يبدأ في تكوين وعينا وتشكيل أسلوب إدراكنا لذواتنا والوجود منذ طفولتنا وبدء تفتح قدرتنا الذهنية= فلا شك أنه الرواية؛ إذ أنه منذ الصغر يسكننا ذلك العشق الغريب لفعل السرد، فنلح على من يحيط بنا لكي يحكي ويسرد ويقص.

أجل، فإنه لا يشد الوجدان الطفولي أكثر من أمرين اثنين: اللعب والسرد.

ولعل السرد لعب من نوع آخر، لعب بذواتنا والوجود، وتقليب لهما على أنحاء متغايرة، لعل منفذًا ينفتح أمامنا لفهم ألغازهما.”[1]

ومعنى الحكاية في اللغة:

فمن حكى الأمر: رواه وقصّه وحكى القصة وحكى مع فلان وحكى ما حدث[2]. فيتبادر للذهن هنا أن هذا الحكي ليس من شرطه أن يكون مُحكمًا منتظمًا مع غيره، بخلاف السرد.

فأما المعنى اللغوي للسرد فإنه:

يَدُلُّ عَلَى تَوَالِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ يَتَّصِلُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ.[3]

كذلك السَّرْد: صنع درع الحديد “وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ”[4]، أي تركيب حِلقها ومساميرها التي تَشُدّ شقق الدروع بعضها ببعض، فالسرد للحديد كالخياطة للثوب.

إذن فالسرد المعني به في الكتابة: هو انتظام الكتابة بصورة متتالية يتبع بعضها بعضا، بينها خط ناظم يربط بينها.

وأما المعنى اللغوي للرواية: فمن روى الرّواية: قصَّها، ويُرْوَى أنَّ: يُحكى أنّ[5].

تُعرف الرواية على أنها “نمط أدبي دائم التحول والتبُّدل، يتسِم بالقلق بحيث لا يستقر على حال”[6] وهذه سِمة واضحة في العمل نفسه، وفي تفاعل كاتبيه معه.
وهناك تعريف آخر يصف بنيتها الأساسية بالسيولة والبعد كل البعد عن القولبة “كتلة هائلة عديمة الشكل”[7] على حد قول إي إم فورستر.

ولاشك أن الرواية لها حضورها عن غيرها من الأعمال السردية في وقتنا هذا، فالمُشَاهد أن للرواية جمهورًا عريضًا من الناس، جمهورًا مختلفًا ومتباينًا.

وأشار إلى ذلك ميشال بوتور فقال: “وفي وقتنا الحاضر لا وجود لشكل أدبي يتمتع بالقوة التي تتمتع بها الرواية، إذ أننا نستطيع أن نربطَ بها بطريقة دقيقة كل الدقة حوادث حياتنا اليومية، التي لا قيمة لها في الظاهر، والأفكار، والحدس، والأحلام التي هي -ظاهريًا- أكثر ما تكون عن لغتنا اليومية”[8].

تعرفنا على الرواية شكلًا وهيئة، وعن وضعها الحالي بوصفها فنًا أدبيًا مقروءًا، لكن كيف تُكتب؟.

هل في ضوء ممارسة منهاجية وأطر أكاديمية؟ أم أنها ترجع لذات الرواي نفسها؟ وخياله؟ والعالم الذي يخلقه لنفسه؟.

دعونا نرى..

 

  •  كيف تُكتب الرواية ؟

يبدو هذا السؤال إذا ما طُرح في سياق تعليمي سؤالًا غريبًا، لأنه يفترض -ضمانةً- أن عملية الإنتاج الفني يمكن أن تُحدد لها طرائق منهجية، وهذا ما لا تقبله الرواية، لا شكلًا ولا مضمونًا؛ لأنها في أصلها استسلام لخيال الراوي. وكبح جماح الراوي بقواعد منهجية محاولة فاشلة وبعيدة كل البعد عن العمل الفني الحقيقي.

لكن السؤال (كيف تكتب الرواية) إذا طُرح من جهة استعراض تجارب كاتبيها وليس من جهة تقعيدية، يُلزمنا ذلك بمشاهدة تجارب مختلفة وخبرات متباينة للروائيين حتي نتمكن من صوغ إجابة جميلة مناسبة لموضوعنا هنا، ولا شك أن لكل روائي طريقة خاصة به في السرد ولا يقلد غيره حتي لو تأثر به؛ لأن المبدع الحق يتفاعل مع ما حوله من التجارب الفنية بطريقة  استلهامية وموُحية له، فيُصقل موهبته بصورةٍ لا تلغيها، لأنه إذا ألغاها فإنه حينئذ لا علاقة له بالإبداع، بل أنه مجرد مسود للورق كغيره، وبلا فائدة تُذكر.

إذن لكلٍ إجابته على هذا السؤال.

أحمد خالد توفيق[9] عبر عن موقفه من هذا:

“أتلقى دائمًا سؤالًا من قرائي حول: “ماذا أفعل لأكون كاتبًا”. وهو سؤال من الغرور الأحمق الممتزج بسذاجة الأطفال أن يعتقد المرء أن بوسعه تقديم إجابة عنه، والأكثر سذاجة من يتوقع أن الجواب عندك. لهذا كنت أنظر دائمًا بخفة إلى (ورش) تعليم الكتابة، ولم أشعر قط أن هذا جديّ أو مُجدِ.

 الحقيقة هي أنك إما تولد كاتبًا أو لا تولد.. هناك مزيج سيميائي عجيب من الجينات والتربة المناسبة والبيئة والقراءة المبكرة، والعقد النفسية والرغبات المحبطة، يؤدي هذا الخليط الفريد إلى أن تكون أديبًا. الضغوط النفسية المتلاحقة تجعل الكتابة علاجًا ومخرجًا، …  نجد العملية -الكتابة- معقدة مستعصية على الوصف”.

أما ماركيز[10]  فكانت هذه إجابته: بعدما حكى عن شاب نشر روايته الثانية بعد الأولى بستة أشهر حيث عبر ماركيز عن هذا بقوله:” أبديت له حيرتي لتسرعه وهو ما يزال في بداية الطريق، فرد عليّ باستهتار” أنت عليك أن تفكر قبل أن تكتب؛ لأن العالم ينتظر ما ستكتبه، أما أنا فأستطيع أن أكتب بسرعة؛ لأن قلة من الناس يقرؤنني”. عندئذ فهمت، فذلك الشاب قرر سلفًا أن يكون كاتبًا رديئًا، كما كان في الواقع، إلى أن حصل على وظيفة جيدة في مؤسسة لبيع السيارات المستعملة، ولم يعد بعدها إلى إضاعة وقته في الكتابة “[11].

والخيط الناظم بين الإجابة على سؤال (كيف تكتب الرواية؟) وفعل الكتابة نفسه يتقاطعان ويتشابكان في كلام واحد.

كما أشارت لذلك رضوى عاشور:”إن كتابة الراوية ترتبط أصلا بفعل الكتابة، فاختلاف النظرة إلى الكتابة يولد بالضرورة وظيفة مختلفة للرواية”[12].

لكل كاتب طريقته الخاصة في الكتابة، وفي بناء عالمه المتخيل الذي يصنعه لنفسه، ليخرج بعمله الفني على صورته التي يريدها. لنرى كيف كان يكتب أمبرتو إيكو؟ وكيف يأتي الإلهام؟

“عندما أُسأل في حوار ما: كيف كتبت روايتك؟ عادة ما أقطع مع هذا النوع من الأسئلة بأن أجيب: “من اليسار إلى اليمين”. أعرف أن هذا الجواب مستفز، لكنها الحقيقة.

لقد تعلمت أشياء كثيرة وأنا أكتب روايتي الأولى: منها أن “الإلهام” كلمة سيّئة، وعادة ما يستعملها بعض الكتّاب اعتباطًا لكي يلبسوا لبوس الفنانين المحترمين. وكما يقول المثل القديم: إن العبقرية لا تغطي سوى 10 في المائة من الإلهام، أما 90 في المائة المتبقية فمصدرها الجهد الفردي.

وبما أننا نتحدث عن سيرورات الإلهام، عليّ أن أعترف أن كتابة اسم الوردة لم يتطلب مني سوى سنتين، لسبب بسيط هو أنني لم أكن محتاجًا للقيام ببحث في القرون الوسطى. فإن أطروحتي لنيل الدكتوراة كان موضوعها الجماليات القروسطية.

كيف يبني أمبرتو إيكو عالمه؟

بماذا كنت أملأ وقتي أيام الاختمار الأدبي؟ كنت أفعل ذلك بجمع الوثائق وزيارة الأماكن ورسم الخرائط، وتدوين تصماميم البنايات، بل قمت بتصميم البواخر، كما حدث ذلك في رواية جزيرة اليوم السابق، والتحديق في وجوه الشخصيات أيضًا. أما بالنسبة إلى اسم الوردة، فقد قمت بإنجاز بورتريهات لكلّ راهب من الرهبان الذين كتبت عنهم. لقد كنت أقضي سنوات التحضير تلك فيما يشبه القصر المسحور، أو إن شئتم، في قصر خاص بالفنانين المعتزلين. لا أحد كان على علم بما أقوم به، بمن فيهم أفراد عائلتي. كنت أوهمهم بأنني مشغول بأشياء كثيرة، ولكن اهتمامي كان منصبًا على التقاط فكرة أو صورة أو كلمات تخصّ قصتي.

بعد صدور رواية اسم الوردة، كان أول سنياريست يقترح عليّ إخراجها للسينما هو ماركو فيريري.

لقد قال لي:”يبدو أن كتابك صمم كي نستخرج منه سيناريو، ذلك أن الحوارات كانت متناسقة بشكل جيد مع المسافات”. في البداية لم أدرك سبب ذلك. وبعدها تذكَّرت أنني قبل أن أبدأ الكتابة كنتُ قد رسمت مئات المتاهات وتصاميم لأديرة، بحيث إنني كنتُ أعرف كم من الوقت تحتاجه شخصيتان لكي تنتقلا من مكان لآخر، وهما تتبادلان الحديث.

وبهذا يكون تصميم عالمي التخييلي هو الذي أملى عليّ تحديد حجم الحوارات.

فمن أجل سرد شيء ما يجب في البداية القيام بدور مبدع بابتكار عالم، ويجب أن يكون هذا العالم من الدقّة بحيث نتحرك داخله بكل ثقة. فعندما يشير السيناريست إلى أن شخصيتين تتحدثان عن صندوق للجواهر، فإنه كان يحرص على أن يكون الصندوق مليئًا بجواهر حقيقية، حتى وإن لم يقم أحد بفتحه. فلو لم يكن الأمر كذلك لما لعبت الشخصيتان دورهما بإتقان”.[13]

إذن لكل كاتب طريقته الخاصة في الكتابة وعالمه الخاص الذي يصنعه لنفسه، ليخرج عمله الفني في أبهى صورة ممكنة، كذلك لكل كاتب إرهاصات مختلفة للكتابة وهذا ما سنعرفه في الفقرة التالية.

  • إرهاصات الكتابة وعلاقتها بما حولها:

لكل شيء ذي قيمة إرهاصات، كذلك الكتابة، تحكي رضوى عاشور[14] الحكاية من بدايتها .. حين كانت طالبة تقارن ما تكتبه بما تقرؤه من كتاب كبار …

تقول: “وكأنما سقط حجر عليّ أو داهمتني سيارة فتركتني معوقة الحركة، وجدت من المعيب أن أسمي ما أكتبه قصصًا، وأنه لا يصح ولا يجوز أن أواصل. قررت التوقف، وجاء قراري قاطعًا كمقصلة، تلح الكتابة فأقمعها، أكتب صفحات وأمزقها. أكرر على نفسي: لست كاتبة فلماذا سلوك الأغبياء؟!.

ولَّيت ظهري للكتابة وأنكرتها، وأنهمكت في الدراسة الأكاديمية. أعددت الماجستير والدكتوراه وأنجزت بعض الدراسات النقدية”.

بعد أزمة صحية ممتدة قررت بعدها العودة للكتابة، خشية مداهمة الموت لي، وانتبهت أنني في الرابعة والثلاثين من عمري”.[15]

لا شك أن للكتابة علاقة بغيرها، ماحولها وما يحيط بها، ترى رضوى عاشور أنها علاقات ثلاثة: علاقة بالواقع المحيط، وعلاقة باللغة ومن ورائها التراث الثقافي والأدبي المتجسدين فيها ومن خلالها، وعلاقة بحرفة الكتابة والخبرات المكتسبة في الورشة اليومية.

العلاقة الأولى: تبدأ بالذات والمفردات التي تخصها وتعطيها ملامحها المميزة، بالنسبة لي هي: نهر ونخلة، قبر لملك قديم ينشر حلم الخلود ويطوي أعمار آلاف المسخّرين لبنائه، وجامعة – مسجد، وصوت امرأة تغني، ووردة.

العلاقة الثانية: علاقتي باللغة العربية التي أرى فيها وطنًا يمتد من قرآن العرب إلى نداء البائع المتجول، ومن النشيد الوطني على لسان الأطفال في صباح المدرسة إلى حديث السياسي الأفاق.

العلاقة الثالثة: وفي ورشة الكتابة أرى نفسي تلميذة ينهكها ويجهدها حل المعادلات، ثم يملؤها زهو أهوج ساعة الوصول إلى حلول، تتوارى الصغيرة خلف امرأة تملؤها الثقة والفرح والاعتداد. ولكن اللحظة لا تدوم، تعود التلميذة تقضم أظافرها أمام معادلة جديدة أو

 أمام السؤال: (هل أفلحت ؟)

ثم تبقى الكتابة بعد ذلك حالة خاصة في كل مرة، مشروعًا إلى حد ما قائمًا بذاته، له دوافعه وملابساته ومقاصده.[16] 

يحكي أمبرتو إيكو [17]قصته من البداية: “لقد بدأت كتابة الرواية في طفولتي. كنت أبدأ أولًا بتحديد العنوان، وكثيرًا ما كان مستوحى من كتب المغامرات الرائجة في تلك الفترة، وكانت تشبه في أغلب الأحيان حكايات (قرصان الكاريبي). كنت أبدأ بوضع الرسوم التوضيحية، لأنتقل بعد ذلك إلى كتابة الفصل الأول، فإن كل كتاب من كتبي تلك يُعد عملًا كبيرًا لم يكتمل، وهو بذلك يُشبه سيمفونية شوبان التي ظلت ناقصة.

وعمومًا إن المحكي محكوم بالقاعدة اللاتينية التي تقول:”حدِّد الموضوع بدقة، وستنقاد لك الكلمات” أما في الشعر، فيجب قلب الحكمة والقول:”تمسك بالكلمات، وسيأتي الموضوع بعد ذلك”.

نطمح في الرواية أو في القصيدة إلى تمثيل الحياة في كامل هشاشتها. إننا نودّ تشخيص سلسلة من التناقضات من خلال الكشف عنها وإبرازها. يطلب الكتّاب المبدعون من قرائهم تبني حل ما، ولكنهم لا يقدّمون لهم صيغ جاهزة -إلا في حالات الأدب الرخيص والعاطفي الذي يتوخى تقديم مواساة تافهة-[18]

هل تأتي الكتابة هكذا اعتباطًا بلا مقدمات؟

“إن النص الإبداعي لايأتي اختيارًا بل يمليه عليك مركب من العناصر قد لا يحيط بها الكاتب تمامًا، ففي النص علاقة الكاتب بالوجود، بصفائها وتشعثها، بعمقها أو ضحالتها، بهواجسها الأكثر إلحاحًا، بتناقضاتها وتشابكاتها وتقاطعاتها”.

هكذا أجابت رضوى عاشور عن هذا السؤال وأكملت بخلاصة تجربتها في الكتابة فقالت:

“المعرفة شرط من شروط الكتابة، مجمل الخبرات المتراكمة، معرفة يحصلها الكاتب قصدًا من أجل نص بعينه. فالكتابة في تقديري فعل معلق بين التلقائية والقصدية، غير الموعى به والموعى به تمامًا، اللعب والضرورة، بساطة التعبير ومشقة البناء، ما يهبط على الكاتب إلهامًا وما يحيره ويضنيه ويبحث له عن حل، كأنه تلميذ يشقيه حل مسألة في الحساب”[19].

نعم هناك إرهاصات للكتابة ولا تأتي إعتباطًا دون مقدمات، كذلك لها علاقاتها مع غيرها وما حولها.

 لكن هل لها دوافع؟ (لماذا نكتب؟)

  • لماذا نكتب ؟

للكتّاب دوافعهم المختلفة للكتابة تتفاوت فيما بينهم، لكن لعل ما يُلمح في كلامهم أنه يدور في فلك واحد، مثلًا سنجد كلام جورج أورويل يتشابك ويتقاطع في نقاط عدة مع رضوى عاشور وغيرها.

رضوى عاشور تقول: “أحب الكتابة.. أقصد أنني أحبها بشكل يجعل السؤال (لماذا؟) يبدو غريبًا وغير مفهوم. ومع ذلك فأنا أشعر بالخوف من الموت الذي يتربص بي، و ما أعنيه ليس الموت في نهاية المطاف ولكن الموت بأقنعته العديدة في الأركان والزوايا، في البيت والشارع والمدرسة، أعني الوأد واغتيال الإمكانية.

لو سألتموني الآن هل تكتبين لكسب الآخرين لرؤيتك؟ سأجيب بلا تردد: ليس هذا جزءًا من دوافعي، أكتب لأني أحب الكتابة، وأحب الكتابة لأن الحياة تستوقفني، تدهشني، تشغلني، تستوعبني، تربكني، و تخيفني، وأنا مولعة بها”.[20]

لكن غسان كنفاني[21] كانت له إجابة أخرى:

سأل صديق (غسان كنفاني) وقد رآه يحمل سلاحًا:”يا غسان رأيتك تحمل ريشة، ثم القلم، والآن السلاح! ماذا ستحمل في المستقبل؟”.

فيجيب غسان: أي شيء أستطيع به الدفاع عن النفس! الريشة، القلم ، السلاح، كلها أدوات أدافع بها عن نفسي.[22]

ولعل هذا يُلمح بشدة في أعماله القصصية والروائية؛ كيف استخدم الأدب كوسيلة مقاومة للاحتلال، وأبان عن قضايا المقاومة وعالج كثيرًا منها.

أما جورج أورويل[23]  فله دوافعه الخاصة به -على الأقل لكتابة النثر-  يقول إنها توجد بدرجات مختلفة لدى كل كاتب، وعند كل كاتب ستكون النسب متفاوتة من وقتٍ لآخر -حسب الجو العام الذي يعيش فيه- والدوافع هي:

1) حب الذَّات الصّرف: الرَّغبة في أن تبدو ذكيًا، أن يتم الحديث عنك، أن تذكر بعد الموت، أن تنتقم من الكبار الذين وبّخوك في طفولتك .. إلخ.

2) الحماس الجماليّ: إدراك الجمال في العالم الخارجي، أو من ناحية أخرى في الكلمات وترتيبها الصحيح.

3) الحافز التاريخي: الرغبة برؤية الأشياء كما هي، لاكتشاف حقائق صحيحة، وحفظها من أجل استخدام الأجيال القادمة.

4) الهدف السياسي: باستخدام كلمة (سياسي) بأشمل معنى ممكن، الرغبة في دفع العالم في اتجاه معين.

يرى أورويل ..

من الممكن رؤية كيف أن هذه الدوافع المختلفة عليها محاربة بعضها، وكيف عليها التأرجح من شخص لآخر ومن وقت لآخر. أنا شخص ترجحُ فيه كفة الدوافع الثلاثة الأولى على كفة الحافز الرابع.[24]

وفي نفس السياق، إليك هذه الإشارة السريعة…

حصل نجيب محفوظ على ليسانس الفلسفة من جامعة القاهرة، بعدها بدأ في رسالة الماجستير -عنوانها: الجمال في الفلسفة الإسلامية- لكنه لم يكملها.

كانت لنجيب محفوظ أسئلة كونية كبرى، كعبثية الحياة، والبحث عن الحكمة من مصائر الناس وغيرها، كتب مقالات عديدة أثار فيها تلك الأسئلة، التي لم تجُبه عليها الفلسفة العربية.

فما كان منه إلا أن تحول من ضيق حيز الفلسفة إلى رحابة الأدب، يبث فيه أسئلته على لسان أبطال روايته كما ظهر ذلك واضحًا في رواياته: اللص والكلاب والسكرية وغيرهم.

 كما بين هذا الدكتور عبدالسلام الشاذلي: “ولنجيب محفوظ أسلوب في التعاطي مع الشخصيات، إذ لا يجعلها أبواقًا جوفاء تردد رأيه، ولكنه يعمد إلى تصميم صدام بين الشخصيات لتتكشّف أبعادها أمام ناظري القارئ وبحيث يتسرب رأيه في وجدان القارئ من خلال تنامي هذا الصراع الدرامي تدريجيًا”[25].

هذه من أسرار الكتابة وإرهاصاتها والرواية وما حولها وكاتبيها وعوالمهم الخاصة بهم وتجاربهم من بدايتها ودوافعهم للكتابة، علنا وفينا ما قصدناه…

…………..

المراجع:

1 – ماهية الرواية، الطيب بو عزة، 2016، عالم الأدب.

2- صيادوا الذاكرة (في النقد التطبيقي)، رضوى عاشور، 2016، الشروق.

3- لماذا أكتب، جورج أوريل، 2013، ترجمة: علي مدن، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

4- اعترافات روائي ناشئ، أمبرتو إيكو، 2014، ترجمة سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي.

5- اللغز وراء السطور، أحمد خالد توفيق، 2017، الشروق.

[1] الطيب بو عزة، ماهية الرواية، عالم الأدب.

[2]معجم، الوسيط.

[3] ابن فارس، مقاييس اللغة.

[4] سورة سبأ.

[5] معجم، اللغة العربية المعاصرة.

[6] روجر آلن، الرواية العربية، ترجمة حصة إبراهيم المنيف، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة.

[7] إي. إم. فورستر، سمات الرواية، لندن 1966.

[8] ميشال بوتور، بحوث جديدة في الرواية الجديدة، ترجمة فريد أنطونيوس، منشورات عويدات.

[9] مؤلف وروائي وطبيب مصري، يعد أول كاتب عربي في مجال أدب الرعب والأشهر في مجال أدب الشباب والفانتازيا والخيال العلمي ولقب بالعراب، يعد عمله (يوتوبيا) من أشهر أعماله.

[10] روائي وصحفي وناشر وناشط سياسي كولومبي، يعد عمله (مائة عام من العزلة) من أشهر أعماله.

[11]غابرييل غارسيا ماركيز، كيف تُكتب الرواية؟ ومقالات أخري، ترجمة صالح علماني، الأهالي..

رضوىعاشور، في النقد التطبيقي، الشروق.[12]

[13] أمبرتو إيكو، مذكرات روائي ناشئ، ترجمة سعيد بنجراد.

[14]، قاصة وروائية وناقدة أدبية وأستاذة جامعية مصرية، يعد عملها (ثلاثية غرناطة) من أشهر أعمالها الأدبية.

[15] رضوى عاشور، في النقد التطبيقي، الشروق.

[16] رضوى عاشور، في النقد التطبيقي، الشروق.

[17] فيلسوف إيطالي، وروائي وباحث في القرون الوسطى،(نالت روايته اسم الوردة شهرة واسعة).

 أمبرتو إيكو، مذكرات روائي ناشئ، ترجمة سعيد بنجراد. [18]

رضوى عاشور، في النقد التطبيقي، الشروق. [19]

[20] رضوى عاشور، في النقد التطبيقي، الشروق.

[21] روائي وقاص وصحفي فلسطيني، ويعتبرأحد أشهر الكتاب والصحافيين العرب في القرن العشرين. فقد كانت أعماله الأدبية من روايات وقصص قصيرة متجذرة في عمق الثقافة العربية والفلسطينية.

[22] رضوى عاشور، الطريق إلى الخيمة الأخرى، الشروق.

23 صحافي وروائي بريطاني، كان يشتهر بالوضوح والذكاء وخفة الدم، والتحذير من غياب العدالة الاجتماعية ومعارضة الحكم الشمولي وإيمانه بالاشتراكية الديمقراطية، (نالت روايته 1984 شهرة واسعة).

24 جورج أورويل، لماذا أكتب، ترجمة:علي مدن، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

 د.عبدالسلام الشاذلي، شخصية المثقف في الرواية الفنية العربية الحديثة، مكتبة الأسرة.[25]

راجع (أزمة التأسيس الفلسفي عند نجيب محفوظ)، محمد صُفار، الأصوليات، مدارات للأبحاث والنشر.

شارك المعرفة عبر:

تعليق واحد

  1. مقال معجب! دام الألق، والكثير من الإبداع!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *