الفلسفة

ثمانية أسئلة فلسفية جوهرية لن نجد لها حلاً

  • تأليف : جورج دفورسكي
  • ترجمة : نوضا عبد الرحمن
  • تحرير : ريمة بعث

تطرق الفلسفةُ مواضعَ لا يستطيع العلم أن يصلها، حيث يمتلك الفلاسفةُ رخصةً للتأمل في كل الأمور، بدءًا مما وراء الطبيعة، وانتهاءً بالأخلاق، مما يعني قدرتهم على تسليط الضوء على بعض الأسئلة المركزية عن الوجود.

لكن بعض الأسئلة تتجاوز بطبيعتها نطاق الفهم البشري، وستبقى دائماً عصيّةً على إدراكنا.

وسنستعرض فيما يلي ثمانية أسئلة فلسفية غامضة، قد لا نتمكن من حلها أبداً.

 

لماذا الوجود بدلاً من العدم؟

قضية وجودنا في هذا الكون معضلة – وإن كانت رتابة الحياة اليومية تجعلنا نعتبرها من المسلمّات – إلا أنَّ يقظتنا في بعض اللحظات تدفعنا للاستغراق في حالةٍ من الوعي العميق بالوجود، وتجعلنا نتساءل: ما الغاية من وجود كل ما في هذا الكون؟ وما الهدف من خضوعه لقوانين دقيقةٍ باهرةٍ؟ ولِمَ توجدُ الأشياء أصلاً؟

إننا نعيش في كونٍ يحوي عجائبَ كالمجرات الحلزونية، والشفق القطبي. وكما يقول سين كارول: “لا شيء في الفيزياء الحديثة يمكنه توضيح الهدف من خضوع كوننا لقوانينَ كهذه، بدلاً من خضوعه لقوانينَ أخرى مختلفةٍ كلياً، رغم أن علماء الفيزياء يحاولون تفسير هذه المعضلة أحياناً، وهو الخطأ الذي بإمكانهم أن يجتنبوه إن تعاملوا مع الفلاسفة على محمل الجدّ”.

أما بالنسبة للفلاسفة، فإن أفضل ما يمكن أن يقدموه بهذا الصدد هو اقتراح المبدأ الانثربولوجي، ويشير مفهوم هذا المبدأ إلى أن كوننا يبدو على ما هو عليه بفضل وجودنا كمراقبين له، لكن الحشو الكلامي الذي يحمله هذا المفهوم يجعله مرفوضاً.

 

هل كوننا حقيقي؟

هذا هو سؤال ديكارت التقليدي. والذي يدور جوهره حول التساؤل عن كيفية التحقق من أن ما نراه حولنا هو حقيقي فعلاً، وليس وهماً ضخماً صنعته قوةٌ خفية، أو كما يسميها رينيه ديكارت “شيطان الشر الافتراضي”.

وقد أُعيدَت صياغة السؤال مؤخراً وسُمِّيَ بمعضلة “دماغ في وعاء” أو “محاكاة الواقع”.

ومن المحتمل بشكل كبيرٍ أننا هنا كنتيجة لمحاكاةٍ دقيقة. والتساؤل الأعمق هنا هو عما إذا كانت القوة المنتجة لهذه المحاكاة هي أيضاً نتيجة محاكاةٍ أكبر، أو بمعنى آخر، محاكاة المحاكاة بواسطة حاسوب عملاق. إضافةً إلى هذا، قد لا نكون في حقيقة الأمر كما نظن. وعلى افتراض أن العاملين على تلك المحاكاة يتقمصون أدواراً داخلها، فقد تكون هوياتنا الحقيقية كُبِتَت مؤقتاً لزيادة واقعية التجربة.

إن هذه المعضلة الفلسفية تجبرنا على إعادة تقييم تصوراتنا عما نعنيه بلفظ “الحقيقة”.

وهنا يجادل الواقعيون عما إذا كان الكون يبدو واقعياً، كنقيضٍ لوصفه بالحلم الغامض الذي لا يخضع لأي قوانين، وحينها لن يكون لدينا أيّ خيار سوى وصفه بالحقيقي والواقعي، أو ربما كما يقول “سايفر” في فيلم “The Matrix” بعدما تناول شريحة من اللحم المزيّف: “الجهل نعمة”.

 

هل نمتلك إرادةً حرة؟

تسمى هذه المعضلة أيضاً “معضلة الحتمية”.

إننا لا نعلم على وجه اليقين ما إذا كانت أفعالنا وتصرفاتنا خاضعةً لسلسلة من الأسباب والأحداث السالفة، أو لأي تأثيرٍ خارجي، أم أننا كائناتٌ حرة تتخذ قراراتها بملء إرادتها.

وقد تجادل الفلاسفة لآلاف السنين حول هذه المعضلة، وتبعهم بعض العلماء مؤخراً، ولا يبدو أن هناك أي أمل لحل هذه المعضلة على المدى القريب.

فلو كانت قراراتنا تخضع لسلسلةٍ لا نهائيةٍ من الأسباب، فإنّ تفسير الحتمية حقيقي وبهذا فإننا لا نمتلك إرادةً حرة.

أما لو كان العكس صحيحاً، وهو ما يسمى بتفسير اللاحتمية، فإن أفعالنا هي بالضرورة عشوائية، والتي يجادل البعض في أنها هي أيضاً ليست إرادةً حرة.

وعلى النقيض من هذا، فإن الحريات (ولا أعني هنا الحريات السياسية) تنتج حالة التوافقية، وهي الفكرة القائلة بأنّ حرية الإرادة متوافقة منطقياً مع الرؤى الحتمية للكون. وقد زادت التطورات الأخيرة في علم الأعصاب من تعقيد المعضلة، حيث تظهر أن أدمغتنا تتخذُ القرارات قبل أن تعيها وتدركها.

ولكن، إذا لم نكن نمتلك بالفعل إرادةً حرة، فلماذا قمنا بتطوير الوعي بدلاً من تطوير الأدمغة الميتة؟

وتأخذنا ميكانيكا الكم إلى منحىً أكثر تعقيداً بافتراض أننا نعيش في كونٍ ذو احتمالات، ما يعني استحالة الحتمية من أيّ نوعٍ كانت.

وكما يقول ليناس فيبستاس: “يبدو الوعي مرتبطاً بشكلٍ وثيقٍ بإدراكنا لمسألة مرور الزمن، ومن المؤكد أن فكرة حتمية الماضي وثباته، ومجهولية المستقبل، تبدو ملائمةً بشكلٍ كبير، لأن المستقبل إن لم يكن حتمياً، فلن تكون هناك إرادةٌ حرة، ولا معنى لمشاركتنا في مسألة مرور الزمن”.

 

هل الإله موجود؟

ببساطة، نحن لا نعرف إن كان الإله موجوداً أم لا.

يسلك المؤمنون والملحدون الطرق الخاطئة، بينما يسلك اللاأدريون الطريق الصحيح. يتخذ اللاأدريون الحقيقيون الموقف الديكارتي حول هذه القضية، بإدراكهم للجوانب المعرفية التي تتضمنها هذه القضية، ولحدود التساؤل البشري.

إننا لا نمتلك المعرفة الكافية عن التفاصيل الدقيقة لعمل الكون حتى نطلق أي دعاوى بشأن طبيعة الواقع، وبشأن ما إذا كان هناك ذاتٌ أوليةٌ خلف الستار.

يذعن الكثير من الناس للمذهب الطبيعي القائل بأن الكون يعمل وفقاً لعمليات مستقلة، لكن هذه الفكرة لا تستبعد وجود مصممٍ كبيرٍ قام بضبط سير الأمور (وهو ما يسمى بالربوبية).

وكما ذكرنا سابقاً، قد تكون حياتنا محاكاةً يتحكم بها آلهةٌ قراصنة، أو ربما يكون الحق مع أصحاب المعرفة بوجود ذواتٍ خارقةٍ لا نستطيع إدراك حقيقتها. وقد لا تكون هذه الذوات هي بالضرورة آلهة الأديان الإبراهيمية العليمة بكل شيء والقادرة على كل شيء، ولكنها ذواتٌ خارقة (افتراضياً) على أيّةِ حال.

وأذكّر مجدداً، هذه الأسئلة ليست أسئلةً علميةً بذاتها، ولكنها تجارب فكرية أفلاطونية تجبرنا على مواجهة حدود التساؤل البشري.

هذا سؤال فلسفي بحت، فمن المتوقع أن يكون الجواب كما ذكره المؤلفين. وهذا يغني عن التأكيد على أن “أثارة” لا يلتزم تبنّي جميع وجهات النظر التي ينشرها.

اقرأ ايضاً: مَدخل إلى فهم الإله الفلسفي

هل هناك حياةٌ بعد الموت؟

لا تتفاجأ! أنا لا أقصد الحديث هنا عما إذا كان الموت سيقودنا إلى الغيوم البيضاء لعزف القيثار، أو يجعلنا نتهاوى للخلود في أعماق الجحيم. كل ما يمكننا فعله بهذا الصدد هو التخمين، لأننا لا نستطيع سؤال الموتى عما إذا كان هناك أي شيء على الجانب الآخر.

يفترض الماديون أنه لا حياة بعد الموت، لكنه مجرد افتراض يفتقر إلى الإثبات. إن نظرةً فاحصةً إلى مكائد هذا الكون (أو الأكوان المتعددة) تجعلنا نستنتج أنه ما من سببٍ يدعونا للاعتقاد بأننا لا نملك سوى محاولةٌ واحدة لما نسميه الحياة، وسواءً كان ذلك النظر بعدسات نيوتن واينشتاين التقليدية، أو بمصفاة ميكانيكا الكم، فالنتيجة واحدة.

إنه سؤال ميتافيزيقي يطرح احتمالية إعادة النظام الكوني (الذي يصفه كارل ساجان بأنه كل ما كان وكل ما يكون وكل ما سيكون) لنفسه، بطريقةٍ تجعلُ حياتنا تتكرر مراراً إلى حدٍ لا نهاية له.

وقد صاغ هانس مورافيك الأمور بأسلوبٍ أفضل – في حديثه المتعلق بتفسير ميكانيكا الكم للعوالم المتعددة – حيث يقول بأن تجاهل الكون أمرٌ مستحيل، إننا نجد أنفسنا حتماً – بطريقةٍ أو بأخرى – أحياء ومراقبين لهذا الكون.

وكما هو شأن معضلة الإله، فإن هذه القضية فكريّةٌ إلى درجةٍ عاليةٍ، لا يستطيع العلم أن يتجاوزها، بل يسلمها طوعاً للفلاسفة.

 

هل يمكننا حقاً أن نجرّب أي شيء بموضوعيةٍ تامة؟

هناك فرقٌ فعليٌ بين فهم الكون أو محاولة فهمة بموضوعية، وبين تجربته حصراً من خلال إطارٍ موضوعي. هذه هي معضلة “الكيفية”، وهي المفهوم الذي يشير إلى أن ملاحظتنا لما يحيط بنا خاضعةٌ حتماً لتفكيرنا وأحاسيسنا. كل ما علمتَه، أو لمستَه، أو رأيتَه، أو شممتَه، عالَجَته عملياتٌ إدراكيةٌ عديدة، وهذا ما يجعل تجربتك الذاتية للعالم فريدةٌ ومميزة، وكمثالٍ تقليدي، فإن إدراك اللون الأحمر قد يختلف من شخصٍ إلى آخر.

الطريقة الوحيدة التي قد تمكّنك من العلم بذلك تدور حول إمكانية مراقبتك للكون – بطريقةٍ ما – بعدسات واعيةٍ لشخصٍ آخر مثل جون مالكوفيتش – وليس بأيّ أمرٍ آخر قد نتمكن من تحقيقه في أيّ مرحلةٍ من مراحل تقدمنا العلمي والتكنولوجي.

وبطريقةٍ أخرى، يمكننا القول بأنه لا يمكننا مراقبة الكون إلا باستعمال العقل (أو آلة العقل) ، وهذا ما يسمح بتفسيره فقط بشكلٍ ذاتي.

ولكن بما أن الكون يظهر متّسِقاً وقابلاً للفهم (إلى حدٍّ ما)، فهل علينا أن نستمر في افتراض أن مزاياه الحقيقية المجرّدة غير قابلةٍ للملاحظة أو المعرفة؟

ومن الجدير بالذكر هنا، أن جزءًا كبيراً من الفلسفة البوذية يجري توقّعه بناءً على هذه الحدود الأساسية (وهو ما يسمّونه بالفراغ)، وهي مناقضةً تماماً للفلسفة الأفلاطونية.

 

ما هو أفضل نظامٍ أخلاقي؟

مبدئياً، لن نستطيع أبداً التمييز بين الأفعال “الصائبة” و”الخاطئة”. في كل حقبةٍ من حقب الزمان، سيدّعي الفلاسفة وعلماء اللاهوت والسياسيون أنهم اكتشفوا الطريقة المثلى لتقييم التصرفات البشرية وتأسيس قاعدةٍ إنسانية للسلوك الإنساني. لكن الأمر ليس بهذه السهولة.

إن الحياة فوضويةٌ ومعقدةٌ إلى حدٍ بعيد، ما يجعل من الصعب إيجاد نظامٍ أخلاقيٍّ عالميٍّ ومطلَقٍ لها.

إن القاعدة الذهبية عظيمةٌ فعلاً، وهي الفكرة القائلة بأنّ عليكَ أن تعامل الناس كما تحب أن يعاملوك، لكن هذه القاعدة تتجاهل النظرة الذاتية للأخلاق، ولا تسمح بفرض العدالة فيما يتعلق بسجن المجرمين مثلاً، بل قد يصل الأمر إلى الاحتجاج بها لتبرير الطغيان (وقد كانَ امانويل كانت أحد أبرز الناقدين لها).

إضافةً إلى ذلك، فهي (أي هذه القاعدة الذهبية) قاعدةٌ بسيطة تعتمد على التجربة بشكلٍ كبير، ولا يمكنها أن تشمل سيناريوهاتٍ أكثر تعقيداً. على سبيل المثال، هل ينبغي علينا أن نبخل بالقليل من أجلِ توفير المال؟ أيهما يمتلكُ قيمةً أخلاقيةً أكبر: الطفل البشري أم القرد مكتمل النمو؟

وكما أشار علماء الأعصاب، فإن الأخلاق ليست أمراً ثقافياً بحتاً، بل إنها أيضاً جزءٌ من علم النفس (وتعدّ معضلة العربة الأخلاقية أفضل مثالٍ على هذا).

وفي أحسن الأحوال، يمكننا أن نقول أنّ النظام الأخلاقي أمرٌ معياري، مع الاعتراف بأن تقييمنا للصواب والخطأ سيظل يتغير طوال الوقت.

 

تاريخ الفلسفة مليء بالتعرجات والانقسامات والتحولات، إلا أننا نلحظ في مجمل هذا التاريخ –بحسب فيري- تدرجًا معينًا في مسارين، الأول يتعلق بمصدر أو متعلق الحياة الطيبة، فقد كان يقع هذا المصدر خارج الإنسان، وأسمى منه، إما في تناغم الكون (بالمعنى اليوناني القديم) أو في الإله … أكمل قراءة مقال: معنى الحياة في العالم الحديث

 

ما هي الأرقام؟

إننا نستعمل الأرقام كل يوم، لكن لنَعُد خطوةً إلى الوراء ونفكر، ما هي حقيقة الأرقام؟ ولماذا نستطيع بواسطتها تفسير الكون إلى حدٍ كبير (مثل قوانين نيوتن) ؟

التراكيب الرياضية يمكن أن تتكون من أرقام، ومجموعات، ونقاط، ولكن هل هي ذوات حقيقية فعلاً، أم أنها – ببساطة – تصف العلاقات الموجودة (بالضرورة) في كل التراكيب ؟

كان أفلاطون يجادل حول كون الأرقام حقيقية فعلاً (وليس مهماً أنك لا تقدرُ على رؤيتها)، لكن أصحاب المدرسة الشكلية يصرّون على كونها مجرد أنظمةٍ شكلية (هياكل محددة للفكر التجريدي القائم على الرياضيات).

إنها مشكلةٌ وجوديةٌ بحق، حيث ستنهشنا الحيرة فيما يتعلق بالطبيعة الحقيقية للكون إن لم نستعن بهذه الأرقام التي تبدو في ظاهرها تركيباً بشرياً وهي حقيقيةٌ فعلاً.

اقرأ ايضاً: رداء الثقافة المزيف المصطنع، الظهور بمظهر المثقف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى