الرئيسية - تقارير ودراسات - هل تمثالنا الغربيّ للسعادة يسبب الاكتئاب ؟

هل تمثالنا الغربيّ للسعادة يسبب الاكتئاب ؟

  • تأليف: بروك باستيان
  • ترجمة : عبدالجليل السحيمي
  • تحرير: عائشة السلمي

يُصنّف الاكتئاب باعتباره السبب الرئيسي للإعاقة في جميع أنحاء العالم ، استناداً لما نتج عنه بشكل مستمر على مدى السنوات العشرين الماضية. ومع ذلك ، تُظهر الأبحاث نمطاً مثيراً للاهتمام إلى حد ما: أن الاكتئاب أكثر انتشاراً في الثقافات الغربية مثل الولايات المتحدة وكندا وفرنسا وألمانيا ونيوزيلندا ، مقارنة بالثقافات الآسيوية مثل تايوان وكوريا واليابان والصين.

و هذا يدل على أن الاكتئاب هو وباء صحي حديث خاص بالثقافة ، ومع ذلك فإننا لا نزال نعالجه على المستوى الفردي ، باستخدام مضادات الاكتئاب والعلاج النفسي. و هذا يفترض أن العلاج يكمن في تصحيح الاختلالات البيولوجية والنفسية الفردية.

و يعرِف خبراء الصحة العامة أننا بحاجة إلى فهم سياق السلوك. فالعيش في بيئة يتوفر فيها الوجبات السريعة ، على سبيل المثال ، مساهم كبير في الأوبئة الحديثة لمرض السكري وأمراض القلب. وعلى هذه الطريقة التي يصل بها الاكتئاب إلى مستويات وبائية ، فإن التركيز الوحيد على الأفراد لم يعد له معنى.

لقد تم التحقيق فيما إذا كانت القيم الثقافية الغربية قد تلعب دوراً في  تعزيز وباء الاكتئاب لعدة سنوات. و في سلسلة من التجارب ، وجدنا أن القيمة العالية التي نعلقها على السعادة لا ترتبط فقط بزيادة مستويات الاكتئاب ، ولكن قد تكون في الواقع هي العامل الأساسي.

 

الأفكار الثقافية للسعادة

 

ليس من الصعب الدفاع عن فكرة أن السعادة هي حالة عاطفية ذات قيمة عالية في الثقافة الغربية. فعلى لوحات الإعلانات أو التلفزيون أو المجلات أو الإنترنت ، يقوم المعلنون دائماً بربط مشاريعهم بوجوه مبتسمة ومشاعر السعادة. و هذا يجعل المنتجات تبدو مرغوبة ، والمشاعر الإيجابية المرتبطة تبدو مثالية.

و وسائل التواصل الاجتماعي – أو بشكل أكثر دقة ، الطريقة التي تعلمنا استخدامها – هي أيضاً مصدر دائم للوجوه السعيدة المثالية. و هذا يخلق لدينا انطباع واضح بأن ما يعتبر معيار للنجاح هو ما إذا كنا نشعر بالسعادة أم لا.

إن تقدير مشاعر السعادة أو جعل الآخرين يشعرون بالسعادة ليس بالأمر السيء. ولكن تنشأ المشكلة عندما نؤمن أننا يجب أن نشعر دائماً بالسعادة . فهذا يجعل مشاعرنا السلبية – التي لا مفر منها وعادة ما تكون قابلة للتكيف – تبدو وكأنها تعيق هدفاً مهماً في الحياة.

و من هذا المنظور ، لن يكون الحزن هو الشعور المتوقع لديك عندما تسوء الأمور. و بدلاً من ذلك ، سيتم تفسيره كعلامة على الفشل وإشارة إلى وجود خطأ ما عاطفياً.

و لدراسة الجانب السلبي من تقدير السعادة ثقافياً ، قمنا بتطوير استبيان لقياس مدى شعور الناس بأن الآخرين يتوقعون منهم أنهم لم يمروا بحالات عاطفية سلبية مثل الاكتئاب والقلق. و أظهرت دراساتنا الأولى أن الأشخاص الذين سجلوا درجات أعلى في هذا التدبير لديهم مستويات أقل من الرفاهية.

و في دراسات المتابعة ، وجدنا أنه عندما عانى الأشخاص من مشاعر سلبية وشعروا بعدم الضغط الاجتماعي ، شعروا بانفصال اجتماعي وشعروا بمزيد من الوحدة.

و في حين أن هذه الدراسات قدمت أدلة على أن العيش في الثقافات التي تقدر السعادة ، و لا تقدّر الحزن ، فإنها ترتبط بانخفاض الشعور بالرفاهية ، و تفتقر إلى أدلة سببية واضحة على أن هذه القيم قد تلعب دوراً في تعزيز الاكتئاب.

 

هل القيم الثقافية للسعادة تسبب الإكتئاب ؟

 

بعد ذلك ، قمنا باختيار حوالي 100 مشارك حققوا نتائج القطع السريرية للاكتئاب للمشاركة في دراسة يومية لمدة شهر. و طُلب منهم إكمال دراسة استقصائية في نهاية كل يوم حول الأعراض الاكتئابية في ذلك اليوم ، وكذلك ما إذا كانوا قد شعروا بالضغوط الاجتماعية لعدم تجربة مثل هذه المشاعر.

و وجدنا أن الضغوط الاجتماعية المتصورة حتى لا تشعر بالاكتئاب تنبأت بأعراض الاكتئاب المتزايدة بشكل موثوق في اليوم التالي. ومع ذلك ، فإن هذا الضغط الاجتماعي الملحوظ لم يكن متوقعاً من قبل مشاعر الاكتئاب السابقة. و قدم هذا دليلًا على أن الأشخاص المصابين بالاكتئاب لم يكونوا يعتقدون أن الآخرين توقعوا ألا يشعروا بهذه الطريقة ، ولكن هذا الشعور بالضغط الاجتماعي ساهم في ظهور أعراض الاكتئاب.

و حاولنا بعد ذلك إعادة تهيئة البيئة الاجتماعية التي قد تكون مسؤولة عن الضغط الذي لاحظناه كميزة أساسية للاكتئاب. اذ قمنا بتزيين إحدى غرف الاختبار لدينا من خلال بعض كتب السعادة والملصقات التحفيزية. و وضعنا بعض المواد الدراسية هناك ، بالاضافة الى بعض الملاحظات اللاصقة مع التذكيرات الشخصية مثل “كن سعيدًا” وصورة للباحث مع بعض الأصدقاء يستمتعون في عطلة. و أطلقنا على هذه الغرفة “الغرفة السعيدة”.

و حين وصول المشاركين في الدراسة ، يتم توجيههم إما إلى الغرفة السعيدة – و إخبارهم أن غرفة الاختبار المعتادة كانت مشغولة لذا عليهم استخدام الغرفة التي كان يدرس بها الباحث – أو إلى غرفة مماثلة لا يوجد بها اي من أدوات سعادة.

ومن ثمّ طُلب منهم حل بعض الأحرف الناقصة ، و كان بعضها قابلاً للحل بينما البعض الآخر لم يكن قابلاً للحل. و حينما قام المشاركون بحل بعض الاحرف الناقصة (نظرًا لتخصيصها للرسوم غير القابلة للحل) ، أعرب الباحث مفاجأة وخيبة أمل ، قائلاً: “أعتقد أنكم قد حصلتم على عدد قليل آخر ولكننا سننتقل إلى المهمة التالية. “

و بعد ذلك مارس المشاركون تمرين التنفس لمدة خمس دقائق والذي تتخلله 12 نغمة. في كل نغمة ، طُلب منهم الإشارة إلى ما إذا كان تفكيرهم قد ركز على أفكار لا صلة لها بالتنفس ، وإذا كان الأمر كذلك ، فما هي تلك الافكار ، للتحقق مما إذا كانوا قد فكّروا في مهمة الأحرف الناقصة .

 

و الذي توصّلنا اليه :

 

أن المشاركين الذين عانوا من الفشل في الغرفة السعيدة كانوا أكثر عرضة بثلاث مرات للتفكير في مهمة الأحرف الناقصة – سبب فشلهم – من أولئك الذين عانوا من الفشل في الغرفة بدون أدوات السعادة. و المشاركون في الغرفة السعيدة الذين لديهم أحرف ناقصة  قابلة للحل ، و لم يفشلوا ابداً ، لم يجرؤوا على التفكير بالأحرف على الإطلاق.

ووجدنا أيضاً أنه كلما زاد عدد الأشخاص المنهمكين في مهمة الأحرف الناقصة ، زادت المشاعر السلبية التي يمرون بها نتيجة لذلك. أدى الفشل في الغرفة السعيدة إلى زيادة التفكير ، وبالتالي جعل الناس يشعرون بأنهم أسوأ. تم ربط عملية إعادة  التفكير هذه- باعتبارها ردة فعل للأحداث السلبية – بزيادة مستويات الاكتئاب على الدوام.

و من خلال إعادة بناء نوع من ثقافة السعادة الصغرى ، أظهرنا أن المرور بتجربة اخفاق سلبية في مثل هذا السياق أسوأ مما لو كنت تواجه نفس الاخفاق في بيئة لا تؤكد على قيمة السعادة.

و يشير عملنا إلى أن الثقافة الغربية تعمل على تعميم السعادة ، مما يساهم في انتشار وباء الاكتئاب. و نظراً لأن فهمنا للاكتئاب يبدأ في تجاوز عوامل المستوى الفردي ليشمل أنظمة القيم الاجتماعية والثقافية ، نحتاج إلى التساؤل عما إذا كانت القيم الثقافية تجعلنا سعداء. فنحن لسنا محصنين من هذه القيم ، و ثقافاتنا مسؤولة أحياناً عن صحتنا العقلية. و هذا ليس لتقليص مستوى قوة الأفراد ، ولكن لنأخذ على محمل الجد مجموعة متزايدة من الأدلة على أن الكثير مما نقوم به يتم تحديده في الغالب خارج إدراكنا الواعي.

شارك المعرفة عبر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *