التربية والتعليم

تطوُّر الفضائل

  • تأليف : دارسيا نارفيز – Darcia Narvaez
  • ترجمة : أروى بنت حمد العتيبي
  • تحرير : نادية بنت خالد بن محمد
  • مراجعة التحرير: سعيد السوادي

إنَّ فَرْطَ الأبوَّةِ و الأمومة، أو ما يُسمَّى بـ (أبوة الهليكوبتر) helicopter parenting ، أمرٌ يستنكره الجمهور؛ فمعاملةُ الأبناءِ والبناتِ -الذين ينبغي لهم أنْ يكونوا مُعتمِدين على أنفسهم- كرُضَّع، لهي خاصيةٌ عاليةُ القيمة في الولايات المتحدة الأمريكية، الأبناء لا ينبغي لهم أنْ يحتاجوا لآباء وأمهات؛ بل ينبغي لهم أنْ يستخدموا قدراتهم -فقط- لتخطِّي يومهم بنجاح، وترتبط نظرتهم للفرد الجيِّد بهذه الرؤية الفردية للأشخاص والعلاقات؛ فالأشخاص الجيِّدون يَعرِفون كيف يتصرَّفون، يقفون وحدهم مع قليلٍ من الاعتماد على الآخرين، هم يُعطَون قوانين ويتبعونها؛ أما الأشخاص السيئون فليسوا كذلك، فهم متذمِّرون وضعفاء.

وتجدر الإشارة إلى أنَّه عندما يُطبِّق أحدُهم هذا المنظور على الأطفال (babies) ليجعلهم “مستقلِّين”، فهو بذلك لا يسيء فقط فَهْم نمو الأطفال وتطوُّرهم؛ بل يخلق كذلك نتيجةً عكسية، فيُخرِج لنا طفلًا أقل ثقةً ونظامًا وقدرة!

هذا المنظورُ الآلي للأشخاص والعلاقات يتعارض ليس فقط مع ما نعرفه عن نموِّ الأطفالِ وتطوُّرِهم (بيولوجيًا الطفل يُبنَى من خلال خبراته الاجتماعية)؛ بل كذلك مع النظريات القائمة منذ وقتٍ طويل عن “الفضيلة” وتطوُّرها. مقاربة نظرية الفضيلة للأشخاص والعلاقات تُركِّز على تداخلهما؛ فالإنسان يحتاج دائمًا إلى مرشد، وهو ينمِّي ويهذِّب فضائله خلال حياته. العلاقات مهمة لأجل الفضيلة الأخلاقية؛ فيجب على الشخص أنْ يكون حذرًا بشأن العلاقات التي يخوضها وإلا حَرَّفتْ مساره وضلَّلته.

ما الذي يعنيه أنْ تكون فاضلًا؟!

الفضيلةُ هي منظورٌ شمولي للطِّيبَة goodness))، وبالنسبة للأفراد؛ فهو يشمل التفكير والشعور والحدس والسلوك المناسب لكل موقف مُحدَّد. فمعرفة مَنْ يكون الشخص -من ناحية مشاعرِه وعاداتِه وتفكيرِه وإدراكِه- أمرٌ مهم لتنسيقِ فِعْلٍ مُنسَجِمٍ داخليًا يتناسب مع حاجة الموقف.

هذه المقاربة الشاملة تتعارض مع نظرياتِ الأخلاق التي تُركِّز على فِعْلِ هذا الشيء أو ذاك، كأنْ يَفعل المرءُ واجبَه من منطلق تفكيرٍ طيِّب وإرادة طيِّبة (فلسفة أخلاق الواجب)، أو استحضارًا للعواقب قصيرة المدى (الفلسفة النفعيَّة). معظم الأنظمة الأخلاقية تهتم بالجوانب الثلاثة كلها، لكن تركِّز على أحدها.

تعريفُ الطِّيبة المطلوب بشدَّة في نظريةِ “الفضيلة” يُشير إلى أنَّ قلائل فقط منا طيِّبون بحقّ. بدلًا من ذلك، معظمنا في معظم الأوقات يتصرَّفون ضدَّ مشاعرِهم! يتصرَّفون بطريقةٍ تُضادّ تفكيرهم، أو تفوتهم -تمامًا- ملاحظة الحاجة لتصرُّفٍ أخلاقي، بصياغةٍ أخرى، مشاعرنا/عواطفنا، تفكيرنا ونزعاتنا ليست مُتناغِمَة مع بعضها؛ بل متعارِضة!

بعضُ الفلاسفةِ مُهتمّون تحديدًا بشأنِ عدم الاتساق في سلوكيات الناس؛ على سبيل المثال، قد يكون شخصٌ ما صادِقٌ بشأنِ ضرائبه، لكِنَّه غير صادقٍ في معاملاته التجاريَّة أو علاقاته الشخصيَّة.

مع هذا، بالنسبة لعلماء نفس الاجتماع الإدراكي (social-cognitive psychologists)، فإنَّ عدم الاتساق هذا ليس مفاجأة! كلُّ شخصٍ لديه أنماطٌ اعتادها للتصرُّف بطريقةٍ ما في نوعٍ معينٍ من المواقف، وبطريقةٍ مختلفة في نوعٍ آخر. صفةٌ كالصدق مثلًا لا تلتصِق بالشخص كلونِ عَيْنَيْه، بل تتفاوتُ من موقفٍ لآخر؛ على سبيلِ المثال: كونُكَ منطلقًا وجريئًا مع الأصدقاء لكِن خجولًا مع الغرباء، فالأفراد يُظهِرون نمطًا مستمرًّا ثابتًا من التصرُّفات لنوعٍ محدَّدٍ من المواقف (تفاعُل الشخصِ حسب السياق). لهذا، فقد يكون الشخص تعلَّم أنَّه يجب عليه أنْ يكونَ صادقًا بشأن الضرائب، لكن لم يتعلَّم بعد كيف يكون صادقًا مع عملائه، أو لديه أولوياتٌ أخرى غير الصدقِ بخصوص تعاملِه مع عائلته. الخبرة أيضًا تؤدِّي دورًا؛ فالشخص عندما يكون جديدًا على مجالٍ ما، سلوكه لنْ يكونَ ثابتًا ومتسقًا أثناء تعلُّمه مداخل ومخارج السلوك الأفضل. كلنا نحتاج إلى مرشدين لمساعدتنا على تعلُّم التصرُّف المناسب إزاء المواقف المختلفة والمحدَّدة، “الفضيلة” هي مسعى يجب أنْ يستمرَّ مدى الحياة!

تحرير “تطوُّر الفضائل” نُفِّذَ برعاية مشروع “النفس والدافعية والفضيلة” مدعومًا بتبرُّعٍ كريمٍ من عُهدة (تمبلتن) الدينية.

(دارسيا نارفيز) هي بروفيسورة في علم النفس في جامعة (نوتر ديم)، تضع (دارسيا) النظريات الثورية وعلم الأحياء العصبيَّة وعلم النفس الإيجابي كوسائل لبحثِ السلامة والأخلاقيات والحكمة خلال مدة حياة الإنسان بما في ذلك الطفولة المُبَكِّرَة، والطفولة وسن الرُّشد، وفي سياقاتٍ مختلفة كذلك (الدراسة، التعامل مع الأبناء..)

 

المصدر : Developing the virtues

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى