الرئيسية / الإدارة / تشارلز هاندي: الإدارة الإنسانية

تشارلز هاندي: الإدارة الإنسانية

  • تأليف : جودفراي جولزن – Godfrey Golzen
  • ترجمة : زينب بنت فؤاد عبدالمطلب
  • تحرير : عزة المصمودي

يُعدّ تشارلز هاندي واحدا من أكثر المفكرين احتراما، إن لم يكن أفضلهم، في مجال إدارة الأعمال في عصرنا الحديث. يشهد هذا الأسبوع مقابلة تشارلز هاندي بواسطة الإف تي داينمو لمجلة نطاق الموارد البشرية.

يُعتبر تشارلز هاندي مفكر أوروبا البارز في مجال إدارة الأعمال منذ مدة طويلة، حيث أُقرَّ هذا المنصب من قبل التصنيف العالمي الأول لرجال الأعمال في كانون الثاني.

يُقارب هاندي المولود في إيرلندا الآن عامه السبعين، وهو مسؤول تنفيذي سابق في مجال النفط، انتقل للعمل الأكاديمي ويشغل عملا ثالثا كفيلسوف اجتماعي شعبي. لدى هاندي عدد قليل من المنافسين في قراءة أبجدية إدارة الأعمال أو في تنمية الخيال. ومع ذلك، على الرغم من أن رسالته ثورية في كثير من الأحيان، إلا أنه يظل الصوت المتميّز والمتحضّر لإدارة الأعمال.

كيف يرى هاندي بيئة الأعمال المضطربة اليوم؟ كما كان دائما، يتطلّع هاندي إلى ما وراء الحاضر ليُفسّر الاتجاهات الناشئة عن الاقتصاد الجديد. يقول هاندي أن أحد مزايا الاقتصاد هو ظهور تقسيم واضح بين نوعي الأعمال الذين يسميهما “فيلة” و”براغيث”.

تحدث تشارلز هاندي مع غودفري جولزن

الإف تي داينمو: أنت تستخدم مصطلح “الإدارة الإنسانية” بدلا من “إدارة الموارد البشرية”. ما الفرق بين هذين المصطلحين؟

تشارلز هاندي: ينطبق مصطلح “الموارد البشرية” على نموذج مؤسسي بات قديماً جداً بسبب سرعة ومدى التغيير في بيئة إدارة الأعمال. ينتمي هذا المصطلح إلى ما أسميه عصر الفيلة. كانت الفيلة هي البهائم المسيطرة في الاقتصاد القديم- وهي الشركات البيروقراطية الكبيرة والقوية والغنية بالأصول المادية التي يقدم العاملون لديها الولاء مقابل الأمان الوظيفي. تعتمد هذه المنظمات على القدرة على التنبؤ، الروتين، والأسواق حيث يمكن أن يهيمن المنتج الناجح على السوق على مدى سنوات. في بيئة الأعمال اليوم، تم استبدال مفهوم الهيمنة بما يسميه توم بيتيرز “ميزة النانو ثانية” قبل أن يأتي شخص آخر بمنتج أفضل أو مشابه. ولهذا السبب، لم تعد الشركات ترغب بامتلاك الأصول- وهذا يشمل العاملين لديهم لأنهم يقيدون رؤوس أموالهم ويحدّون من حركتهم. فهم يفضلون تنظيمًا أكثر مرونة مع الأفراد: أي مع بشرعوضًا عن موارد بشرية. فريق كرة القدم يُقدّم تشبيها جيدا. حيث تكون العقود مع لاعبين أفراد، وليس مع فريق.

الإف تي داينمو: كيف يمكن للمنظمات أن تعمل بشكل فعّال أكثر؟

تشارلز هاندي: أنا لست متأكدا من أنه يمكننا استخدام مصطلح “فعالية” بعد الآن. سرعة وفعالية وشفافية الاتصالات كان لها أثر فعّال في تقسيم عالم الأعمال إلى الفيلة التي ذكرتهم سابقاً وما أدعوه البراغيث. البراغيث صغيرة، خفيفة الحركة، مبدعة، لا يمكن التنبؤ بها، وقبل كل شيء هي قابلة للتكيف؛ البراغيث هم المتعاقدون، أصحاب الأعمال الحرة، والمستشارون المستقلون، والموردون المختصون الصغار. وهم البراغيث الذين يعتمد عليهم الفيلة بشكل متزايد. ما يهم هو أنه عليهم أن يتمّوا وظائفهم في الوقت المحدد من حيث التكلفة والمواصفات. فهم منفّذون للمهام بفاعلية وليس فعّالين. فالأمر لا يتعلق بفعل الأشياء بالطريقة الصحيحة، ولكن بفعل الأشياء الصحيحة التي تهم.

الإف تي داينمو: ماذا يعني ذلك بالنسبة لإدارة الأعمال؟

تشارلز هاندي: حسناً، انظر إلى صناعة الأفلام. لا يوجد استديوهات كبيرة بعد الآن، القليل من الفيلة فقط-مخرج ومنتجون ورجال الأموال الذين يحصلون على فكرة ويشكلون فريقا من البراغيث- الممثلون والتقنيون- يصنعون الفيلم، يجمعون الأموال من الموزعين ويحلون الفريق. من الأمثلة على هذا النوع من المشاريع هو أفلام وودي آلان وشركة ستيفين سبيلبرغ دريم وركس. لا تمتلك هذه الشركات استثمارات دائمة مستنزفة للأموال في الناس والمكان، هي تزدهر في الأوقات الجيدة وتهبط في الأوقات السيئة إلى الأسفل مثل بعض الأسماك في مناطق أستراليا النائية التي لا تظهر إلا عند سقوط الأمطار.

الإف تي داينمو: أنت تدّعي أن مفهوم التنظيم التقليدي لن يكون صالحاً بعد الآن. كيف سيتم التغيير؟ وماذا سيكون المفهوم الذي يتم تطويره حديثاً؟

تشارلز هاندي: أنا أؤمن أن التنظيم في المستقبل سيكون اتحاديا. النظام الاتحادي يعني ربط جهات مستقلة معا من أجل تحقيق هدف مشترك. يوجد بالفعل أمثلة على هذا في شركات مثل إيه بي بي، يونيليفر، ونايكي. هي تدير ما هو عمليا شركات مستقلة. في المنظمات الاتحادية، يوجد مركز ولكن لا توجد مقار. لا يقوم المركز بالتوجيه أو بإلقاء الأوامر بل يقوم فقط بالتنسيق. تعمل هذه الشركات على مبدأ تفريع السلطة حيث يتم دفع مهمة أخذ القرارات والمسؤولية على المستويات الدنيا من الشركة قدر الإمكان. تجمع الشركات الاتحادية أدمغتها من أنحاء العالم ليتم الاتفاق على الخطة والأهداف. فهي لا تصدر الأوامر من الأعلى.

الإف تي داينمو: كيف يغير هذا دور الموارد البشرية؟

تشارلز هاندي: سيتعين على المدراء أن يتعلموا كيفية إدارة الأفراد بدلا من “الموارد البشرية”. سيتعين عليهم تقبّل المواقف وأنماط الحياة غير الاعتيادية، كما سيتعين عليهم إعطاء الناس حرية اتخاذ القرارات وتحمّل العواقب- مثال على هذا شركة البيع بالتجزئة الأمريكية نوردستورم التي يحمل موظفوها شعار “افعل ما تراه ضرورياً”.

أكبر قضية في مجال إدارة الموارد البشرية هي حرب المواهب. المنظمات التي تصبح من نوع “أرباب العمل المختارون” ستغير خطة إدارتها. القضية الكبرى الأخرى في مجال إدارة الموارد البشرية هي تطوير الإحساس بالحماس. حيث تكتسب المزايا التنافسية في حرب المواهب من خلال جعل الناس يشعرون بالحماس تجاه عملهم. أنا لست متأكدا من أن الفيلة تفهم أن البراغيث تريد أن تكون قادرة على تغيير العالم، أو على الأقل أن تعمل لدى منظمات تحمل هذا الهدف على عاتقها.

الإف تي داينمو: كيف تؤثر الرأسمالية على المجتمع؟

تشارلز هاندي: إحدى الأثار التي تفرزها الرأسمالية هي توسيع الفجوة بين القمة والقاعدة. في بعض الشركات الأمريكية، يكسب الرئيس التنفيذي خمسمئة مرة أكثر من العامل الأقل أجراً. يخلق هذا الأمر حواجز من الحقد والفقر والتي يتعين على الرأسمالية معالجتها لأن المجتمع- وبالتالي العملاء- بدأؤوا يطالبون بهذا الأمر. انظر لما حدث لشركة شل في ألمانيا في ضوء الاحتجاجات على سياسة الشركة في نيجيريا. أعتقد أننا نتحرك نحو قاعدة جديدة أكثر تعقيدا يتحقق فيها التوازن بين الربح، الاعتبار البيئي، والمسؤولية الاجتماعية. تلك هي القوى التي ستشكل المجتمع الجديد.

هذا يتطلب من الشركات أن تفكر بعقلية جديدة؛ ولكنها ستستفيد من هذا الأمر. خذ مثلا تأثير الإنترنت. فهو يشكل تهديدا حقيقيا على المنظمات التقليدية. حيث يختفي جميع أنواع الوسطاء من الشاشة بسبب التشكيك في الدور الذي يقومون به. كيف يمكننا صنع قيمة ما عندما يتم عرض الكثير من السلع والخدمات. إحدى الطرق تكون بالانتقال إلى أسواق جديدة أو بالتفكير بالأسواق بطريقة جديدة. من الأمثلة على ذلك شركة ليفر هندوستان. حيث وجدت سوقا آسيويا مربحا لمستحضرات التجميل في أكياس تكلفتها بضعة سنات فقط وتقوم بتوزيعها من خلال تجار القرية، في حين أن عملاء الشركة غير قادرين على دفع بضعة دولارات ثمن نفس المادة موضوعة في زجاجة. يحتاج الاقتصاد الجديد إلى عقلية جديدة تشبه البراغيث. هذا هو السبب وراء قيام شركات الفيلة الكبيرة بتطوير أنشطة كأصحاب رؤوس أموال وحاضنات أعمال للحفاظ على البراغيث التي تأتي بالأفكار. يخلق نموذج النمو الجديد فرص عمل تزدهر من خلالها البراغيث وتطور مهاراتها الإدارية.

الإف تي داينمو: ما هي الأنانية المناسبة؟

تشارلز هاندي: إن الخطر الكبير في العلاقات الجديدة بين الناس والشركات هو أنه يؤدي إلى إيجاد مجتمع أناني للغاية لا يشعر فيه أي شخص بأي التزام تجاه أي شخص آخر. نحن نرى بالفعل نتائج هذا في الشوارع التي تعج بالجريمة في مدن أوروبية مزدهرة. لا أعتقد بإمكانية ازدهار الأعمال خارج النظام الأخلاقي. الأنانية، أو بأي حال من الأحوال المصلحة الشخصية، هي حالة إنسانية طبيعية، ولكن يجب أن تكون ما أسميته “أنانية مناسبة”؛ إن إدراك أن الأنانية المحضة، التي يعمل كل إنسان فيها من أجل مصلحته فقط، تؤدي لنتائج عكسية لأنها تدمر المجتمع مما يجعل التمتع بالحياة غيرممكن.

الإف تي داينمو: ما هو شعورك حيال كون بيتر دراكر فقط يسبقك في تصنيف الإف تي داينمو/ سنتوب ميديا؟

تشارلز هاندي: أنا أشعر بالريبة اتجاه شهرتي الجديدة. إذا كان هذا صحيحًا، فالسبب هو أنني أتحدث عن القضايا الكبيرة، بما في ذلك المسائل الاجتماعية والتعليمية، بدلاً من الإصلاحات الإدارية. أود أن أعتقد أنني أركّز على الأشياء التي ستكون ذات أهمية في غضون خمس إلى عشر سنوات.

رؤية حديثة: “عودة دي توكفيل”، مجلة هارفارد بيزنس ريفيو، يناير 2001
في المستقبل: الفيل والبراغيث، هتشينسون، سبتمبر 2001
تنشر الإف تي داينمو كتابات وأبحاث من كليات إدارة الأعمال الرائدة والاستشارات الإدارية.

المصدر : Charles Handy: Humane Management

شارك المعرفة عبر:

شاهد أيضاً

لماذا تخلق الرأسمالية وظائف لا قيمة لها؟

تأليف : ديفيد جرابير – David Graeber ترجمة : أمجاد الغرير تحرير : لطيفة الخريف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *