الرئيسية / تقارير ودراسات / البلدان المحطمة: كيف تفكك العالم العربي؟

البلدان المحطمة: كيف تفكك العالم العربي؟

  • تأليف : سكوت أندرسون – Scott Anderson
  • ترجمة : الخنساء التويجري
  • تحرير : خلود بنت عبدالعزيز الحبيب

– – – – – – – –

البلدان المحطمة: كيف أصبح العالم العربي جزءً متفككًا من البلدان المحطمة

  • الجزء الأول: النشأة
  • الجزء الثاني: حرب العراق
  • الجزء الثالث: الربيع العربي
  • الجزء الرابع: ظهور داعش
  • الجزء الخامس: الهجرة

هذه القصة مختلفة عن كل ما نشرناه مسبقًا، إنها أطول من قصص النيويورك تايمز المميزة في العادة، وتحتل العدد بأكمله في الطباعة، تُعد هذه القصة نتاج تقارير استمرت ما يقارب ثمانية عشر شهرًا، وتنقل الكارثة التي فككت العالم العربي منذ ثلاثة عشر عامًا بعد غزو العراق حتى أدت لظهور داعش وأزمة اللجوء العالمية، هذه الكارثة ذات جغرافية واسعة وناتجة عن عدة أسباب ولكن عواقبها – الحرب والتشكيك العالمي – تبدو مألوفة لنا جميعًا، قصة سكوت أندرسون تعطي القارئ شعورً عميقًا كيف أن كل شيء مكشوفًا، من خلال عيون ست شخصيات في مصر وليبيا وسوريا والعراق وكردستان العراقية، ويصاحب نص أندرسون عشرة ملفات صورية انشأها المصور پاولو پيليقرين مشتقة من رحلاته الممتدة في المنطقة لأكثر من أربعة عشر عامًا كتجربة تاريخية للواقع الافتراضي تجسد للمشاهد قوات القتال العراقية أثناء معركة استرجاع الفلوجة.

لم يسبق لنا أن نستنزف طاقة واهتمام عاليان على قصة منفردة، بل وأن نطلب من قُرّاؤنا أن يقوموا بذلك أيضًا، مما يعكس اقتناعنا التام أنها أحد أوضح وأقوى التفسيرات الإنسانية التي ستقرأها بشأن الأحداث الخاطئة التي حصلت في المنطقة.

– جاك سيلڤيرستين، رئيس التحرير

مقدمة

قبل الارتحال إلى شمال العراق، بدّل الطبيب آزار ميرخان ملابسه الغربية ليرتدي كعضو مقاتل في أحد العصابات الكردية: سترة صوفية قصيرة وسروال فضفاض وحزام واسع، لم يتجاهل كذلك احضار أدوات معينة كسكين قتال أخفاها في حزامه بعناية، ومنظار القناص وسلاح محشي .٤٥ وأحضر تقديرًا لحساسية الأوضاع بندقية هجوم م-٤ وجعلها بقربه في الكرسي الخلفي ومشابك إضافية في موضع الأقدام، فيصف الدكتور الأمر مستهجنًا “إنه لحي مريع”

وجهتنا في ذلك اليوم في مايو ٢٠١٥ كانت لمكان جسّد أعظم حزن لآزار، ومازال يطارده، ففي العام الماضي ارتكب مسلحو داعش جرائم قتل في شمال العراق متخلصين من الجيش العراقي الذي يفوقهم حجمًا ولاحقًا توجهوا للأكراد، استطاع آزار أن يتنبأ تحديدًا أين ستكون ضربة قتلة داعش، وأن عشرات الالاف من الدنيين يقفون عاجزين في مواجهتهم ولكنه لم يجد أحدًا ليذيع تحذيراته لهم، وكنتيجة ليأسه حمّل سيارته بالأسلحة وركض للموقع، ولكنه ما لبث أن وصل حتى علِم أنه كان متأخرًا لساعات، يقول آزار “كان واضحًا جدًا، لكن لم يرغب أحد الاستماع” في ذلك اليوم كنا عائدين حيث هُزم أشهر مقاتلي الكُرد في شمال العراق وارسالهم جويًا للخارج، بينما فشل الطبيب في تجنّب المأساة الهائلة، ولكنه استمر لشهور أخرى في مقاتلة داعش في ذلك المكان.

آزار معالج لأمراض المسالك البولية، ولكن حتى بدون قوة النار وملابس المقاتل، الرجل ذو الواحد والأربعين عامًا ينضح بهالة الصياد، فهو يتمشى بسرعة فضولية لا يظهر منها إلا صوت خافت، وفي المحادثة فهو يثني ذقنه ويحدق بجفنين ثقيلين كما لو أنه يتحرّى وجوده سلاح أسفله، ومع أنفه البارز وتسريحة شعره فهو يبدو كجوني كاش في شبابه.

تكمّل الأسلحة فلسفة الدكتور الشخصية كما ظهر في أحد أفلامه المفضلة “الجيد والسيء والقبيح”، التي ظهر فيها إلي والاتش متفاجئًا أثناء استحمامه باقتحام شخصٍ ما يحاول قتله، ولكن بدلًا من إصابة والاتش مباشرةً قام القاتل المفترض بمناجاة نفسه انتصارًا مما مكّن والاتش للقضاء عليه أولًا.

اقتبس آزار من الفيلم “عندما يتوجب عليك الإطلاق، أطلق؛ لا تتحدث” ثم أكمل “هكذا نحن الأكراد حاليًا، لا نملك وقتًا للحديث ولكن للإطلاق” يُعد آزار واحدًا من الستة شخصيات التي أُرُّخت حياتهم في هذه الصفحات، الستة من مختلف المناطق والمدن والقبائل والعوائل، ولكنهم متوحدون في تجربة أزمة تفكك مع ملايين ممن ينتمون أو يعيشون في الشرق الأوسط الذين تغيرت حياتهم كليًا بسبب الاضطرابات التي بدأت عام ٢٠٠٣ مع الغزو الأمريكي للعراق، تبعتها مباشرة سلسلة ثورات وانتفاضات عُرفت مجتمعةً بمسمى الربيع العربي لدى الغرب، وتستمر اليوم بتعرضها لهجوم التنظيم الداعشي، والهجمات الإرهابية والفشل الدولي.

لكل فرد من هؤلاء الستة تبلورت الاضطرابات بسبب حدث فريد ومعين، فآزار ميرخان كان الحدث عندما كان في طريقه إلى سنجار عندما رأى أن اسوء مخاوفه أصبحت حقيقة لا مفر منها، وليلى سويف في مصر عندما ترك شاب مظاهرات الاحتجاج ليعانقها وتصورت أنها تعلم بنجاح الثورة، ومجدي المنقوش في ليبيا فيكمن الحدث بالنشوة المفاجئة والحرية التي استشعرها لأول مرة في حياته أثناء مروره بأراضي قيد نزاعٍ تؤدي للموت، وخلود الزايدي في العراق فكانت كلمات وعيد من صديق سابق أعلمتها أن كل شيء عملت لأجله قد تلاشى، ومجد إبراهيم في سوريا فكانت اللحظة الفارقة عندما رأى محققًا يعبث بهاتفه مفتشًا عن من خلفه فأيقن أن إعدامه لن يلبث طويلًا، وواكاز حسن في العراق، شاب لم يُعر اهتمامًا في السياسة ولا الدين كان الحدث الذي غيّره عندما ظهر مسلحو داعش في قريته وقدموا له خيارًا.

وبحجم تفاوت تلك اللحظات لكل من اولئك الستة، فإنهم عبروا طريقهم إلى مكان ليس له خط رجعة، وكحال الملايين ممن تدمرت حياتهم، فإن هذه التغيرات تضمنت أوطانهم والشرق الأوسط الأعظم والعالم الذي لا مفر منه بأكمله.

لا يجري التاريخ أبدًا بطريقة يمكننا التنبؤ بها بل هو دائما نتيجة حوادث ووقائع أقرب لأن تكون عشوائية، فتكون الأهمية بالمصير ـ أو عادةً النزاع – فقط بعد فوات الأوان، ولكن حتى باعتبار طبيعة تقلّب التاريخ فإن ذلك الحدث الذي يُعد الرئيسي لوجود الربيع العربي كان أوضح من أن يكون عشوائيًا أو غير متوقع، وهو انتحار بائع الفاكهة الخضرة التونسي الفقير حرقًا احتجاجًا ضد تسلّط الحكومة ومصادرتها لعربته، وبحلول وفاة محمد بوعزيزي متأثرًا بجروحه الرابع من يناير ٢٠١١ تغيرت المطالبات بالإصلاح الاقتصادي التي قام بها المحتجون في شوارع تونس إلى ثورة تصبو لإسقاط الرئيس القوي زين العابدين بن علي بعد ثلاثة وعشرون سنة من الحكم، بعدها بأيام توسعت هذه المظاهرات حجمًا وإصرارًا وتجاوزت الحدود التونسية، ففي نهاية يناير انطلقت المظاهرات ضد الحكومات في الجزائر ومصر وعمان والمغرب وكانت هذه فقط البداية، وبعد عشرة أشهر من وفاة بوعزيزي في نوفمبر، سقطت أربع من أعرق ديكتاتوريات الشرق الأوسط وخضعت نصف الحكومات الأخرى للضغط والخوف ووعدت بالإصلاحات للشعب، بينما انتشرت كالنار في الهشيم المظاهرات – المسالمة والعنيفة – في العالم العربي من موريتانيا إلى البحرين.

بصفتي كاتبًا ذا تجربة طويلة في الشرق الأوسط استقبلت الاضطرابات في الربيع العربي في بدايتها، في الواقع كنت مؤمنًا أنهم كانوا متأخرين للغاية، ففي بدايات ١٩٧٠ سافرت عبر المنطقة شابًا مع والدي وقد كانت الرحلة التي جذبتني للإسلام وجعلتني محبًا للصحراء، وكذلك الشرق الأوسط كان الموقع الذي انطلقت فيه للصحافة لأول مرة، ففي صيف ١٩٨٣ سافرت إلى مدينة بيروت متأملًا لإيجاد فرصة عمل مراسل صحفي، وبعدها بسنوات اندمجت مع مجموعة من الجنود الإسرائيليين المسؤولين عن شن المداهمات والغارات في الصفة الغربية؛ وقضيت جلسة عشاء برفقة جنود الجانجويد في دارفور؛ وقابلت عائلات الانتحاريين، وفي النهاية قضيت خمسة أعوام مبتعدًا عن الصحافة كي أكتب كتابًا يستعرض النشأة التاريخية للشرق الأوسط الحديث.

أثناء رحلاتي المهنية خلال عدة عقود لم أجد أي منطقة تنافس العالم العربي بركوده التام، عندما نشر معمر القذافي تسجيلًا يتضمن طول مدة حكمه الديكتاتوري لليبيا، التي امتدت إلى اثنين وأربعون عامًا لم يكن ذلك غريبًا أو مختلفًا في بقية المناطق، ففي عام ٢٠١١ لم يعاصر أي مواطن مصري يبلغ عمره أصغر من واحد وأربعين عامًا ـمما يشكل ٧٥ بالمائة من السكان- إلا رئيسان لدولته، وعلى نفس القارب فالمواطنون السوريون البالغون العمر ذاته قد عاشوا حياتهم بأكملها تحت حكم سلالة الأسد الأب وابنه، وبجانب الركود السياسي في عدد من الدول العربية فكذلك معظم القابضين على القوة الاقتصادية كانوا من الأقليات أو العائلات الأرستقراطية؛ أما بالنسبة للبقية جميعهم فكان الطريق للاستقرار المادي هو الشحذ خلف وظيفة في قطاع ضخم تغلب عليه الأساليب البيروقراطية والوكالات الحكومية التي تحترف تطبيق المحسوبيات ـ الواسطة – وتصدير الفساد، في حين أن الدول النفطية ذات الكثافة السكانية المنخفضة كالكويت وليبيا تكسب مبالغ طائلة من بيع النفط الذي أدى لازدهار اقتصادي نوعًا ما، ولكن الأمر كان مختلفًا للدول اللي تعاني من الكثافة السكانية على صعيد وعلى الصعد الآخر فقر حاد في الموارد كمصر وسوريا حيث تكمن قسوة الفقر والبطالة – إضافة للانفجار السكاني المستمر – مما أدى إلى تفاقم الأزمات.

كنت مطمئنًا لتركيز غضب الناس في بدايات الربيع العربي، فقد كانت ثقافة الشكوى التي كانت تُعرَّف بشكلٍ ما أنها مناشدات الناس لحاجاتهم، ثم أصبحت اعتراضاتهم على الظلم الذي يتعرضون له أحد أهم المميزات البارزة والمهلكة في العالم العربي التي شعرت بها منذ وقت طويل، فلطالما كانوا معترضين على الصهيونية والغرب والامبريالية، ولأجيال، برَع طغاة المنطقة في توجيه الخيبة والإحباط العام لـ”الأعداء” الخارجيين بدلًا من حكمهم الفاسد، ولكن مع الربيع العربي لم يعد ذلك التلاعب البدائي ذا فائدة أو أثر بل على العكس ولأول مرة في نطاق واسع فإن الشعوب في الشرق الأوسط وجّهوا حقنهم على تلك الأنظمة بذاتها.

لاحقًا بات الأمر كارثة فادحة كليًا، ففي صيف ٢٠١٢ تعرضت دولتين من اللاتي تحررن – ليبيا واليمن – لفوضى سياسية وتجزؤ لأحزاب متفرقة في حين تحوّل الأزمة السورية لحرب أهلية ضد حكومة بشار الأسد، وفي الصيف التابع في مصر، أطاح الجيش المصري بأول قيادة ديموقراطية للدولة مما أدى لانقلاب اخر قام به الشباب المصري الذي طالب قبل عامين بحكومة ديموقراطية في الشوارع. أما البقعة الوحيدة المشرقة في دول الربيع العربي كانت تونس حيث بدأ الربيع، لكن رغم ذلك كانت الهجمات الإرهابية والتناحر السياسي تهديد مستمر للحكومة الهشة هناك، وفي خضم كل هذه الفوضى فإن بقايا أسامة بن لادن القديمة والقاعدة جددت عقدها مع الحياة وأنعشت الحرب في العراق بإنتاجها فرعًا يفوقها في القتل والإجرام تحت مسمى الدولة الإسلامية أو داعش.

لماذا تبدلت الأحوال؟ كيف لحركة بدأت واعدة أن ينحرف مسارها لتصبح كارثة مريعة؟

طبيعة الربيع العربي المبعثرة جعلت الحصول على إجابة واحدة صعبًا، فبعض الدول تغيرت جذريًا بينما الدول المجاورة بل التي على مرأى البصر منها لم تتغير مطلقًا، وكذلك التفاوت الاقتصادي بين الدول الغنية (ليبيا) وشديدة الفقر (اليمن)، وعلى جانب اخر انفجار بعض الدول ذات ديكتاتورية محمودة نوعًا ما (تونس) مع دول بالغة الوحشية (سوريا)، ويؤخذ على نفس التقدير من التفاوت السياسي والاقتصادي حتى في الدول اللي بقيت مستقرة.

ولكنه مازال هناك نمط ظاهر، وهو الإضراب، فبينما كانت معظم الاثنان وعشرون دولة التي تشكل العالم العربي متأثرة بإضراب الربيع العربي إلى حدٍ ما إلا أن أكثر ست دول متأثرة كانت جميعها جمهوريات أو ممالك ـ مصر والعراق وليبيا وسوريا وتونس واليمن – ومن بين تلك الست فالدول الثلاث سوريا والعراق وليبيا اللاتي تعرضن لتفكك شامل خلق شكًا أنها لن تتوحد مجددًا ولن تبقى دولًا عاملة، كانوا أعضاءً في القائمة الصغيرة التي تضم مدن عربية انشأتها القوى الإمبريالية الغربية في بدايات القرن العشرين، وفي كل مدينة من تلك المدن لم يأخذ التفكير بالحدة الوطنية أو الانقسامات الطائفية أو القبلية حيزًا يُذكر من التفكير أو المبالاة، فبكل تأكيد تلك الانقسامات الداخلية تتواجد في عدة جمهوريات في المنطقة، والحال ذاته في الممالك، ولكن لا يمكن إنكار أن العاملين المتوافقين – افتقاد الإحساس الوطني الفعلي يدعمه نموذج لحكومة تتبنى مبدأ التنظيم التقليدي للمجتمع – تركا العراق وسوريا وليبيا بلا حصن للنجاة من طغيان عواصف التغيير.

في الحقيقة، جميع هؤلاء الستة المؤرخين أعلاه ينتمون لـ “الدول الاصطناعية” وكل قصصهم الفردية متأصلة في القصة الأكبر لِما أصبحت عليه هذه الدول، بدأ الأمر في نهاية الحرب العالمية الأولى عندما تنازعت دولتان منتصرتان من التحالف فيما بينهما وهما بريطانيا وفرنسا على بلدان الإمبراطورية العثمانية المهزومة كغنائم حرب، ففي بلاد ما بين النهرين وحّد البريطانيون ثلاث محافظات مستقلة وأطلقوا عليها العراق، في أقصى جنوب هذه المحافظات كان الشيعة العرب هم المسيطرون، بينما السنة كانوا يتمركزون في المنتصف والاكراد في أقصى الشمال، وفي غرب العراق تتواجد القوى الأوربية حيث قامت بالعكس ففرقت أراضي “سوريا العظيمة” الشاسعة إلى اجزاء أصغر حتى تسهل السيطرة عليها، والوقوع تحت الحكم الفرنسي كان أصغر عجز أصاب سوريا ـ خاصةً سوريا هذا اليوم – والمقاطعة الساحلية في لبنان، ذلك بينما كان البريطانيون يأخذون فلسطين وشرق الأردن، قطعة من جنوب سوريا باتت جزءً من إسرائيل والأردن، ومع انضمام متأخرًا للعبة في عام ١٩٣٤ وحّدت إيطاليا الثلاث مناطق الشمال أفريقية التي انتزعتها من العثمانيين في عام ١٩١٢ لتشكّل مستعمرة ليبيا.

تبنّت القوى الأوربية نهج فرّق واغزُ، الذي سبق أن مارسته اثناء استعمار أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى مجددًا للمحافظة على سيادة هذه المناطق العنيدة، وتألف ذلك من تمكين طائفية محلية أو أقلية دينية للعمل في إدارة محلية كمسؤولين مما يجعلهم على ثقة أن تلك الأقلية لن تتمرد ابدًا ضد مشرفيهم الأجانب خشية التورط مع الأغلبية المقموعة.

كانت هذه المرحلة الأكثر علانية لاستراتيجية فرّق واغزُ الأوربية، وعموما فإنه تحت هذه الطائفية والانقسامات الإقليمية في هذه “الدول” يندرج نسيج معقد للغاية من القبائل وتفرعاتها والعشائر التي تُعدّ مصدر الهوية والولاء الرئيسي للسكان منذ زمن طويل، كما فعل الجيش الأمريكي والمستوطنين البيض ضد العشائر الهندية في غزو أمريكا الغربية، فإن البريطانيون والفرنسيون والإيطاليون أثبتوا براعتهم في تأجيج المجموعات ضد بعضها البعض بتقديم المغريات كالأكل والأسلحة والمادة بغرض دفع طرف لقتال الاخر، ولكن في أمريكا الغربية شتان عظيم فالمستوطنين بقوا والنظام القبلي قد تدمر تماما، بينما في العالم العربي ذهب الاوربيون ولكن بقيت الانقسامات الطائفية والقبلية التي نمّوها.

في ضوء ذلك، انتحار محمد بوعزيزي في ٢٠١١ بدَا دافعًا أصغر للربيع العربي من أوج التوتر والتناقضات التي كانت تغلي تحت سطح المجتمع العربي لفترة طويلة، في الواقع، يشير السكان في كل جانب من العالم العربي إلى حدث مختلف، واقعة حدثت قبل ثماني سنوات من وفاة بوعزيزي واللحظة التي بدأ فيها التفكك وهي الغزو الأمريكي للعراق، يشير العديد لصورة مفردة تجسد تلك الاضطرابات تلك التي وقعت في ظهيرة التاسع من أبريل ٢٠٠٣ في ساحة الفردوس بوسط بغداد عندما تم سحب تمثال الديكتاتور العراقي صدام حسين على الأرض بمساعدة ونش ومدرعة أمريكية م٨٨.

في حين أنه يتم استحضار هذه الصورة باستياء في العالم العربي – كانت الرمزية لهذا التدخل الغربي الأخير في منطقتهم أمرًا لا مفر منه – ففي ذات الوقت حفزت شيئًا أكثر دقة، فللمرة الأولى في حياتهم رأى السوريون والليبيون وبقية العرب ما رآه العراقيون وهو أن شخصية يبدو عليها الثبات كصدام حسين قد يتم تنحيتها جانبًا، وأن العجز السياسي والاجتماعي الذي جمع أراضيهم الجماعية لوقتٍ طويل قابل لأن يكُسر، لم يكن واضحًا نوعًا ما أن أولئك الرجال الأقوياء قد بذلوا مجهودًا لتوحيد دولهم وفي غيابهم فإن القوى القبلية والطائفية القديمة آن اوانها لتتمركز، وأقل وضوحًا حتى كيفية قيام هذه القوى بجذب وتصدي أمريكا بإضرار قوتها ومكانتها في المنطقة إلى درجة لا يمكن تداركها.

على الأقل هناك رجل واحد رأى ذلك بوضوح، فحتى جزء كبير من ٢٠٠٢ فرضت إدارة بوش الأساس لغزو العراق باتهام صدام حسين بالانضمام إلى برنامج أسلحة دمار شامل، وربطه بصورة غير مباشرة بهجمات ١١ سبتمبر، وفي أكتوبر ٢٠٠٢ قبل ستة أشهر من ساحة الفردوس، أجريت مقابلة طويلة مع معمر القذافي وسألته من سيستفيد فعلا إذا وقع الغزو العراقي، ولدى الديكتاتور الليبي عادة أن يمثل التأمل قبل إجابة اسئلتي ولكن جوابه لهذا السؤال خاصةً كان فوريًا، فأجاب “بن لادن، لا يوجد شك بذلك والعراق قد تنتهي بكونها نقطة انطلاق للقاعدة؛ لأنه في حالة انهيار حكومة صدام ستتحول العراق إلى فوضى ولو حدث ذلك فسيعتبر الوقوف ضد الامريكان جهادًا”.

بدايةً في أبريل ٢٠١٥، باشرت مع المصوّر پاولو پيليقرين العمل على سلسلة مستمرة من الرحلات في الشرق الأوسط، منفردين وأيضا كفريق يتكون من مصور وكاتب، تضمن ذلك تغطيتنا لعدة صراعات في المنطقة خلال العشرين سنة السابقة وأملنا من مجموعة الرحلات هذه هو فهم واستيعاب ما يسمى بالربيع العربي وعواقبه المظلمة عموما، وبقي الحال متدهورًا طوال ٢٠١٥ حتى ٢٠١٦ وقد توسعت رحلاتنا إلى الجزر التي استقبلت عبء اللاجئين من العراق وسوريا في اليونان؛ حيث كان غرب العراق في واجهة الحرب الضروس ضد داعش.

لقد استعرضنا نتائج مشروع الست عشرة شهرًا من خلال ست روايات منفردة، والتي تعتبر جزءً من تاريخ أكبر بهدف توفير مكانًا للعالم العربي في التمرد.

الحسبة تنقسم إلى خمسة أجزاء متسلسلة زمنيًا بالتناوب بين شخصياتنا الرئيسية، وبجانب تقديم هؤلاء الأفراد فالجزء الأول يركز على ثلاثة عوامل تاريخية تُعد حاسمة لاستيعاب الأزمة الحالية، عدم الاستقرار الكامن في دول الشرق الأوسط المصطنعة؛ واضطراب وضع الحكومات العربية المتحالفة مع الولايات المتحدة باضطرارها لاتباع سياسات ترفضها شعوبهم بشدة، والتورط الأمريكي في تقسيم العراق قبل خمسة وعشرون عامًا حدثًا بالكاد لوحِظ في اوانه وحتى الآن خلق تساؤلات مشككة في مشروعية الدولة القومية العربية الحديثة، أما الجزء الثاني فيركز بشكل رئيسي على الغزو الأمريكي للعراق، وآثاره بتأسيس ثورات الربيع العربي اليوم، وفي الجزء الثالث وبعد سرد سريع فنحن نتابع النتائج المتفجرة للثورات بمجرد وقوعها في مصر وليبيا وسوريا، وبعده الجزء الرابع الذي يغطي ظهور داعش وأحيرًا الجزء الخامس متتبعًا الهجرة من المنطقة، فنحن في الوقت الحاضر نعاصر أعظم خطر أقلق العالم.

حاولت نقل قصة إنسانية يتشاركها أبطال وبصيص من الأمل ولكن في النهاية فإن ما يلي هو تحذير هام، فإن المأساة والعنف في الشرق الأوسط نزعت مليون مواطن سوري وعراقي من أراضيهم وأرسلتهم فيضانات لأوروبا هربًا من الحروب في أوطانهم والهجمات الإرهابية في دكا وباريس وما خلفهم، ومع نفوذ قضية داعش الذي تسبب به قتلة جماعيين في سان بيرناردينو واورلاندو فإن قضية الهجرة أصبحت مرتبطة مع الإرهاب في عقول العديد من الأميركيين، مما يشكل بروز نقطة سياسية رئيسية في الانتخابات الرئاسية القادمة، بمعنى أنه من الملائم اعتبار أن لأزمة العالم العربي جذورها المتأصلة في الحرب العالمية الأولى، فحرب كتلك كانت مجرد أزمة إقليمية قد أتت بلمح البصر وعلى نطاق واسع رغم افتقارها لأي سبب منطقي ولكنها تركت أثرًا في بقعة من هذا العالم.

الجزء الأول: النشأة ١٩٧٢ – ٢٠٠٣

حضرت ليلى سويف أول تجمع سياسي في حياتها عندما كانت تبلغ ستة عشر عاما فقط، كان ذلك في ١٩٧٢ حيث كان المحتجون طلبة يطالبون بمطالبهم المعتادة؛ عالم أكثر عدالة وحرية تعبير أكبر ولكنهم طالبوا بشيء اخر أكثر تعلقًا بالعالم العربي وأن يقوم الرئيس المصري أنور السادات بشن حرب ضد إسرائيل لاسترجاع جزيرة سيناء، التي احتلها العدو في حرب الأيام الست خلال حرب ١٩٦٧، من هذه التجربة أيقنت ليلى بقوة الاعتراض المدني، فالسادات قد شن حربه في السنة التالية من تلك الاعتراضات، لكن مما لم تضعه ليلى في الاعتبار هو أنه بمجرد مرور ساعتين من انضمامها للاحتجاجات في ميدان التحرير في القاهرة قام كل من والديها بالنزول للميدان بحثًا عنها ثم سحبها إجبارًا للمنزل، فتقول “من ذلك الموقف علمت أن هزيمة دولة أسهل من هزيمة والداي”.

ولدت ليلى في حياة وفرت لها امتيازًا وحرية فكرية، فوالداها كانا أساتذة في الكلية واختها أهداف يوسف تعد من أشهر الروائيين المعاصرين في مصر، انجذبت ليلى للسياسة اليسارية في عمر مبكر، وبينما كانت تدرس الرياضيات في جامعة القاهرة في منتصف ١٩٧٠ قابلت زوجها المستقبلي أحمد سيف الذي كان أصلا قائدًا لخلية طلابية سرية تدعو للثورة.

في ذلك الوقت مصر كانت تعد العاصمة السياسية للشرق الأوسط لوقت طويل، ومهد حركات وأفكار الثورة، وفي العصر الحديث يُرجع بالفضل لكل ذلك لرجل واحد وهو جمال عبد الناصر.

عودةً إلى ١٩٤٠ كانت مصر ومع أغلبية دول الشرق الأوسط تثير قلقًا لا يكاد يذكر للعالم، فقد كانت في قبضة القوى الأوروبية التي احتلت المنطقة منذ عقود ولكن طرأ تغير في نهاية الحرب العالمية الثانية مع اكتشاف حقول نطفية واسعة في المنطقة، وبجانبه انهيار كل من الامبراطوريتين المحتلة بريطانيا وفرنسا، وزاد تسارع التغير عندما أطاح ناصر وحركته الضباط الأحرار التي تتكون من ضباط الجيش الصغار بالحاكم الغربي الطيب في ١٩٥٢.

مناصرة “الاشتراكية العربية” والوحدة العربية جعلت ناصر وبسرعة كبيرة رمزًا مثيرًا في العالم العربي، والمتحدث عن أشخاص طالت عليهم سيادة الأجانب ونخبة ممن تعلموا في الخارج، وبحجم شعبية هذا الرجل القوي فقد كانت لديه معارضاته ضد الاستعمار والامبريالية وأسوء مثال للتعدي الغربي الطويل للمنطقة، إسرائيل.

نجاح ناصر ألهم الكثير من ولاة العهد العرب، خاصة في البلدان المصطنعة في الشرق الأوسط التي تشكلت على يد القوى الأوروبية، ففي ١٩٦٨استولى ضباط الجيش الذين تبنوا الفلسفة البعثية “البعث” وهو شكل شبه اشتراكي للوحدة العربية على السلطة في العراق وسوريا، وانضم لهم في السنة التالية الملازم الليبي معمر القذافي مع نظريته المحيرة “النظرية العالمية الثالثة”، والتي تقمع الديموقراطية التقليدية بغرض تفويض الحكم إلى “اللجان الشعبية”، في كل هذه الدول الثلاث تم تنحية الملوك والبرلمانات الموالية للغرب جانبًا كما حصل في مصر.

ولكن تمتع ناصر بميزة لم يملكها بقية زملائه المستبدين في المنطقة، فمع الشعور بالهوية الوطنية الذي استمر لآلاف السنين، لم تبدو مصر أبدًا أنها تواجه خطر الانقسام بسبب تمركز القبائل والعشائر أو الطائفية فلم تكن هذه التهديدات تتواجد إلى الحد الذي كانت عليه سوريا والعراق، في الوقت ذاته فإن التقليد الطويل لليبرالية النسبية في مصر أدى لظهور مشهد سياسي عنيف يوجّه الموقف المعادي من الشيوعيين العلمانيين إلى الإسلاميين الأصوليين.

تعد قدرة ناصر على وضع نقطة وصل بين هذان القسمان جزءً من العبقرية التي يتحلى بها، قام بذلك من خلال تعزيز التشبث بالفخر القومي المصري وتوجيه كراهية مشتركة نحو الغرب، والأثار التي بقيت لما يقارب سبعين سنة من الحكم البريطاني الجائر، ولذلك حتى عندما أثارت تحركات ناصر نحو مضاعفة العلمانية قلق الإسلاميون المحافظون فهم لازالوا يرونه كبطل لتأميمه (أي خاضعة لملكية الدولة المصرية) الشركات الغربية، وانتصاره ضد كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل في أزمة السويس عام ١٩٥٦، والحال ذاته لليبراليين المدنيين كعائلة سويف التي ازدرت حكم الناصر القمعي -كان ديكتاتوريًا عسكريًا في النهاية- أيضا مجدته لقيادته في حركة عدم الانحياز الدولية لتخليصه مصر بفخر من التهديدات والاغراءات التي تقدمها الولايات المتحدة، بغرض توريطها وإدخالها قسرًا في الحرب الباردة، وأصبحت هذه الوسيلة التي يطبقها ناصر وخلفه أنور السادات لإحكام السلطة وإخضاع الشعب، بالتلاعب يمينًا وشمالًا بكلا الطرفين على حِدا وتوحيدهما بالتركيز على عدو خارجي، أدت هذه الحبكات الحذرة إلى منعطفات سياسية غريبة كثيرة، منها مسيرة الاحتجاج الأولى لليلى سويف.

بعد العمل على اليسارية السياسية الذي جمعهم معًا خلال دراستهما في جامعة القاهرة، تزوجا أحمد وليلى في ١٩٧٨ وفي نفس العام انقلب المشهد السياسي المصري رأسا على عقب، في سبتمبر وقع السادات اتفاقية كامب ديفيد التي أدت -مع تدخل امريكي- إلى معاهدة سلام مع إسرائيل، ذلك القرار المفاجئ رمى مصر لتكون جزءً من المعسكرات الامريكية العميلة ،وعزلها من بقية دول العالم العربي، وما يعد الأسوأ للسادات هو أن ما يراه الغرب شجاعةً منه كان المصريون يرونه فعلًا خائنًا وعار ألحقه للوطن، وكانت هذه بالتأكيد وجهة نظر ليلى وأحمد، ومما عقب المعاهدة حتى عام ١٩٧٩، هو بدء بعض أعضاء خلية أحمد السرية بشراء الأسلحة من السوق السوداء وبدأوا معاهدة الاحتجاجات المسلحة ضد الحكومة، بالرغم من هذا فإن هذه الخطط لم ترى الضوء، بدلًا من ذلك تولّت عصابة من المتآمرين الإسلاميين الوصول إلى السادات وإطلاق النار عليه وقتله في استعراضٍ عسكري في القاهرة عام ١٩٨١.

بعد ذلك بشهر ولدت ليلى أول طفلٍ لها ولأحمد وكان صبيًا أسموه علاء، وباتت حياتهم مرتعًا للتدخلات السياسة وغيرها، وبحلول ١٩٨٣ ثم ٢٨ كانت ليلى تحاول أن توازن بين تربية طفلها ومنصبها الجديد كأستاذة للرياضيات في جامعة القاهرة، ولكن حياتها الطبيعية قد انهدمت عندما أمر خليفة السادات حسني مبارك باتخاذ إجراءات أمنية مشددة، وكان أحمد وزملاؤه من الخلية السرية ممن سقطوا وتم القبض عليهم خلال تنفيذ الأمر وتعرض أحمد لتعذيب شديد حتى أجبر على توقيع اعتراف كامل من ثم أطلق سراحه لينتظر حكمه، وعندما صدر الحكم في عام ١٩٨٤ كان يتضمن الاسوأ حيث أدين أحمد لحيازته أسلحة بشكل غير قانوني وعليه فإنه محكوم بقضاء خمس سنوات في السجن.

في ذلك الوقت كانت ليلى في فرنسا بعد قبولها لمنحة دراسية حتى تستكمل دراستها للرياضيات، ولكن بعد صدور حكم أحمد عادت مباشرةً إلى القاهرة مع علاء، وبفضل ثغرة غريبة في القانون المصري، فإن الأحكام المتعلقة بالجرائم الأمنية كالتي تورط بها أحمد بات يتعين على الرئيس اعتمادها، وهي عملية بطبيعة الحال أخذت شهورًا عدة وخلالها فإن للمدعى الحق بأن يخرج بكفالة مما اعتبره الزوجين خيارًا مغريًا.

“كان علينا أن نقرر” هذا ما قالته لي ليلى التي تبلغ الآن الستين من العمر، واستكملت حديثها “هل يجب عليه أن يسلّم نفسه ويحبس في السجن لمدة خمس سنوات أو نبحث عن وسيلة لنخرجه من الدولة أو نختبئ؟” هزت كتيفها بلامبالاة لتقول “اخترنا الاختباء”.

لعدة شهور، عاش الزوجان كهاربين مع طفلهما البالغ من العمر ثلاث سنوات، رغم إدراكهم في النهاية أنها محاولات عقيمة، “لم يكن يخطط لمغادرة الدولة” هذا ما قالته ليلى وتكمل “ولم يكن يستطيع البقاء مختبئًا للأبد لذلك قرر أنه من الأسهل أن يُحبس خمس سنوات وسلّم نفسه” ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن الأمر كان أسهل لليلى أيضا، لأنها حملت أثناء فترة هروب أحمد القصيرة، وتركها لتعتني بطفلٍ اخر، كانت فتاة وسماها الاثنان منى بينما كان أحمد يمضي عقوبته في السجن.

خاض أحمد خلال سجنه تجربة جعلته يدرك شيئًا، باستكمال الوفاق الدولي مع الولايات المتحدة وإسرائيل التي بدأها السادات، فإن مبارك أيضا بطبيعة الحال ورّث طبع الاستسلام في نظر العديد من المواطنين، ذلك أنه لم يعد قادرًا على تعزيز التماسك الوطني باستخدام حجة العدو الخارجي القديمة – ففي النهاية مصر تعد عميلة هؤلاء الأعداء المفترضين- بل أن مبارك ابتكر نظامًا ذا معايير مدروسة بدقة ليوظف معارضيه من اليسارية العلمانية والإسلامية المتشددة ضد بعضهم البعض، أحمد المرمي بالسجن مع كلا الطرفين قد رأى كيف نجحت استراتيجيات النظام عندما بلغ الأمر أبسط حقوق الإنسان، ما سيخبره لاحقًا لجو ستورك في برنامج حقوق الإنسان، “سيقول الشيوعيون سرًا بينهم: لا يهم اذا تعرض الإسلاميون للتعذيب، بينما سيقول الإسلاميون: لِما لا يعذب الشيوعيون؟”

دفع ذلك أحمد ليستنفذ جهوده في دراسة القانون في زنزانته عازمًا على الإصلاح القضائي في الدولة، وخلال شهر من إطلاق سراحه عام ١٩٨٩ قُبل أحمد في نقابة المحامين المصرية.

وضع ذلك السجين السياسي السابق وزوجته في تقاطع طرق، ليلى الأستاذة في جامعة القاهرة وأحمد الذي بات محاميًا، توفرت لدى الزوجين الفرصة ليحصلوا على الهدوء والطمأنينة لوجودهم بين نخبة كايرن، ولكن بدلًا من ذلك ومع ثمن شخصي غالٍ قررا في النهاية الانغماس أكثر في الاضطرابات المستمرة في مصر، على أمل إنهاء الانقسامات التي وظفتها الحكومة لتنجو وتبقى أطول.

مصراته المدينة التي رأت الازدهار يومًا وتبعد ١٢٠ ميلًا عن العاصمة الليبية طرابلس، كانت تعد محطة رئيسية تعبر منها التجارة سابقًا للصحراء ونقطة توقف قوافل الجمال المحمّلة بالذهب والعبيد من جنوب صحراء أفريقيا ليتم تصديرها عبد البحر المتوسط، منذ ذلك الحين كانت مصراته أحد المراكز التجارية الرئيسية في ليبيا، ويعد سكانها عاملين خاصة ذوي العقلية الرأسمالية، وتعد عشيرة المنقوش من أبرزهم إلى درجة أن اسم العائلة أصبح اسمًا لأحد أقدم الأحياء في المدينة، وفي ذلك الحي في ٤ يوليو عام ١٩٨٦ استقبل كل من عمر وفطية الموظفان الحكوميان في بلدية مصراته ميلاد أصغر أبنائهم الستة، ولد أسموه مجدي.

في الوقت اللي ولد فيه مجدي، كان معمر القذافي حاكم ليبيا لمدة ١٧ عامًا، كان في منظور الغرب شقيًا مثيرًا للمشاكل بعدما تآمر مع زملائه العساكر وأسقط الملك الليبي الساقط في عام ١٩٦٩ – القذافي كان يبلغ ٢٧ في ذلك الوقت- كان ملازم الفيلق ذا صيت وشهرة بين أبناء بلده بعد سنوات من الانقلاب، ومفتاح شعبيته كان مضاهاته لجمال عبد الناصر في مصر المجاورة، مثلما فعل ناصر فإن القذافي عزز الفخر العربي بتأميم مصالح الشركات الغربية ويتضمنها صناعة النفط في ليبيا، بجانب المعارضة الكاملة للكيان الإسرائيلي، وبنثر الثروة في الانحاء وفر القذافي الإمكانية لعائلة المنقوش ليعيشوا حياة طبقة الوسطى اليسيرة .

إضافة لكل ذلك، قلّ تشابه حكم القذافي بشكل كبير لديكتاتورية مصر “الناعمة” وأصبح أقرب للآخرين المتأثرين بنموذج ناصر: الأنظمة البعثية لصدام حسين في العراق وحافظ الأسد في سوريا، كان التشابه لافتًا للنظر في كل هذه الثلاث دول فقد طوّر الديكتاتوريون وسائلهم لاكتساب أحزاب شخصية محترفة – وجوههم على واجهة الملصقات واللوحات والطوابع- وتحالفوا من شعار “العداء للإمبريالية” في الدول العربية، كذلك عززت مواقفهم بتعميق الروابط مع الاتحاد السوفيتي، وبناءً على العقيدة البعثية التي تتجسد بكونها “الاشتراكية العربية” ونظرية القذافي العالمية الثالثة، انطلقت البلدان الثلاث بإنجاز مشاريع الأشغال العامة الطموحة بشكل رائع، كبناء المستشفيات والمدارس والكليات في أراضيها الشاسعة وتمويل تلك المؤسسات بإيرادات النفط (في ليبيا والعراق) أو عن طريق رعاية الاتحاد السوفيتي (في سوريا)، في نفس الوقت أنشأت الولايات هياكل حكومة ضخمة مبالغ بها، وأصبحت الوزارات والوكالات ركائز الاقتصاد الأساسية بسرعة، وبات أكثر من نصف القوى العاملة الليبية – ووالدا مجدي المنقوش من بينهم- في سلم الرواتب الحكومية، وتتشابه الأوضاع مع عراق صدام حسين، “الجميع كان مرتبطًا بالدولة بشكلٍ ما” يفسّر مجي الأمر “في مسكنهم وأعمالهم، كان الخروج من كل ذلك مستحيلًا”

ومع خطابهم الثوري جميعًا إلا أن ديكتاتوري ليبيا والعراق وسوريا لازالوا مدركين لكون دولهم في الأصل مصطنعة، مما يعني أن ولاء الرعايا مرتبط بالعشيرة أو على نطاق أشمل فبالجماعات العرقية أو الطوائف الدينية بدلًا من الدولة، وحتى يحافظوا على ولائهم فلابد من العطاء والترهيب في آن واحد، في كل الدول الثلاث تحالف القادة تحالفات مقننة ومدروسة مع العديد من القبائل والعشائر، فلتبقى داعمًا للديكتاتور وستهيمن قبيلتك على وزارة ما وتجاوزات تجارية مربحة، أما إن كنت عدوًا فسترمى بلا أي محاصيل، كما عزز ذوي القوى علاقاتهم من خلال الطائفية والانقسامات الدينية، ففي العراق رغم أن معظم ذوي السلطة من البعثيين مثل صدام حسين كانوا من الأقلية السنية إلا أنه رشّ الأكراد والشيعة عن طريق إدارته حتى يلمّع صورته، وفي سوريا حافظ الأسد التي يغلب عليها السنييّن بينما تحكمها الأقلية العلوية اللي زاد حكمها من خلال تحالف فعلي مع المجتمع المسيحي في البلاد مقدمين حصة مؤقتة لأقلية كبيرة.

كان لبناء التحالف هذا بُعد جغرافي مميز في ليبيا، بعيدًا عن المنافسة التاريخية التي وقعت بين المناطق الرئيسية طرابلس وبرقة حيث لطالما كانت تتجمع المستوطنات البشرية الليبية على طول ساحل البحر المتوسط، ومما تطور تزامنًا مع الألفية كانت بالأساس سلسلة من مدن مستقلة عارضت الحكم المركزي، فنتيجة لذلك وبينما لم يكن القذافي قلقًا حول الطائفية الدينية فعليًا كل الليبيين هم من السنّة- إلا أنه وجب عليه التفكير بوسيلة يستخلص بها عددًا وافيًا من المصراتيين والبنغاليين ليوحد الجميع داخل دائرة حكمه بهدوء.

ولو لم تعمل الاغراءات والمصافحات فهناك دائما الترهيب، خلقت كل من ليبيا والعراق وسوريا أجهزة أمنية تعد من الأكثر وحشية في العالم، فتعمل قوات الأمن المحلية أو المخابرات مع الإفلات من التجريم، كل هذه الثلاث ديكتاتوريات أعدت اعداءً للدولة سواء حقيقيين أو وهميين ليكونوا المُلام الأول لأي خطر يحيط بهم في أبراجهم المحصنة، فيتلقوا العقاب بعد محاكمات ومزيفة أو الاعدام مباشرة، وقد تجاوز القمع الأفراد وبلغ في مراتٍ عديدة القبائل والطوائف، ومن أشهر الوقائع كانت حملة الأنفال التي قام بها صدام حسين ضد الأقلية الكردية المضطربة في عام ١٩٨٨ ، وقبل أن ينتهي الأمر كان قد وصل عدد القتلى الأكراد من ٥٠٠٠٠ إلى ١٠٠٠٠٠، وعلى مدار هذه العامين أُرسل مئات الآلاف بعيدًا عن قراهم التي تم هدمها وتدميرها قسرًا.

تملك الدولة ذاكرة طويلة جدًا، بجانب نشأة مجدي المنقوش في مصراته، في ١٩٧٥ أنضم اثنان من أقارب والدته كلاهما ضباط جيش متوسطين إلى محاولة انقلاب فاشلة ضد القذافي، ورغم أن كلاهما تم إعدامه إلا أن ذلك لم يطهر اسم العائلة من الوصمة التي لحقته (وبطبيعة الحال حيث قوة القبلية في ليبيا فقد كانت والدة مجدي من عشيرة المنقوش أيضًا)

“لم يكن الأمر وكأننا نتعرض للاضطهاد بسبب ما حدث بصورة مباشرة” يفسر مجدي الذي يبلغ الثلاثين من العمر الآن “ولكنه كان أمرًا يعلق عليه المسؤولون دائما ‘اوه، أنت تنتمي للمنقوش’ بمعنى أن الحكومة تراقبك؛ لأنك لم تكن جديرًا بالثقة بشكل كافي”

وفي كل الثلاث مدن لابد من تواجد مجموعة لتكون كبش الفداء الذي ليس جديرًا بالثقة، والتي دائما يُستعمل ضدها الترهيب: الأصوليون الإسلاميون، في سوريا والعراق بمجرد أن تعرّف نفسك كسني أو شيعي فإنه كافً لأن تكون مشبوهًا للدولة، وفي كل الدول الثلاث فالمخابرات لديها تعليمات مختصرة خاصة لاستقصاء رجال الدين المحافظين والمحرضين الدينيين، لم تكن هذه الحملات تقاوم بدهاء، ففي فبراير ١٩٨٢ استولت مجموعة من الأصوليين السنة في سوريا تحت شعار الأخوة المسلمين على مدينة حماة، ولكن حاط حافظ الأسد المكان بقوات برية ودبابات ومدفعيات مما أدى لمجزرة حماة التي امتدت ثلاثة أسابيع قتل فيها ما بين ١٠٠٠٠ حتى ٤٠٠٠٠ ضحية من السكان.

ولكن غالبًا ما يأخذ الانحراف الديناميكي محلًا لدى الديكتاتوريين الأقوياء – وهنا، أيضا، حصل تشابهات عظيمة بين القذافي وحسين والأسد، وجزءً منه يكون نابعًا مما يمكن أن يُدعى “متلازمة الامبراطور العاري” حيث لا يكون الحاكم متصلا بالواقع بسبب بقاءه الطويل والمستمر مع المتصالحين أو بسبب التأصل البوليسي للدولة، وكلما زاد قمع قوات الأمن يؤدي ذلك لظهور معارضات حقيقية وحاسمة تحت الأرض مما يصعب غاية الديكتاتور باستدراك معلومات اعدائه الحقيقيين؛ فيقود كل ذلك لتعميق حالة جنون العظمة التي لا تشبعها إلا مزيدًا من القمع، في عام ١٩٩٠ أنتجت هذه الدورة تناقضًا غريبًا في العراق وسوريا وليبيا: كلما روّج القادة ثقافة تقدير الأبطال ووضعوهم رمزًا لدولهم ومن هم أمثالهم، تزامن ذلك مع زيادة عزلتهم، وفي حالة مجدي المنفوش الذي رغم أنه يعيش في بلد كان مجموع سكانه أقل من سكان خمسة أحياء في نيويورك، إلا أنه لم يلمح القذافي ولو مرة خلال الخمسة وعشرون عامًا التي عاشها، وبنفس العدد تقريبًا كانت المرات التي نطق بها اسم الديكتاتور و يذمه في العلن، “ستفعل ذلك فقط أمام العائلة أو أكثر الأصدقاء ثقةً” يكمل مجدي مفسرًا “إذا كنت محاطًا بالأشخاص وأردت أن تنتقده، قُل ‘صديقنا’ “.

كان هناك مفهوم اخر ملفت للانتباه بالنسبة للملصقات والجداريات والفسيفساء، التي تحمل صور الديكتاتوريتين التي ترى في كل مكان في كل من ليبيا والعراق وسوريا، ففي أغلبها يكون إطار الصور التي تتضمن الرجال الأقوياء يُظهر حدود البلد، ربما تم تصميم هذا التكامل ليعبر عن رسالة بسيطة –”أنا القائد لهذه الدولة” – وقد يكون أيضا أن ديكتاتوري الدولة المصطنعة يوجه رسالة تحمل طموحًا وعطاءٍ أكثر يقول فيها –” أنا الدولة؛ وإن رحلت فالدولة ترحل أيضًا.” بالطبع، فربما يكون هذا أكثر ما يتمناه بعض أبناء عشيرة المنقوش سرًا – احتفلوا بما فيه الكفاية عندما حصلوا على حي يحمل اسمهم، وساءت سمعتهم بما فيه الكفاية لتكون وصمة أبدية-

في بدايات ١٩٧٥، حيث ليلى سويف في جامعة القاهرة تواصل الحراك للتغيير كان حسو ميرخان يعمل بصفته الملازم الرئيسي لمصطفى البرزاني الأمير الأسطوري للحرب الوحشية ضد الأكراد العراقيين في نزاع بين عصابات والحكومة البعثية في بغداد، ولأكثر من عام خاض المقاتلون الأكراد المعروفين باسم البيشمركة والذين تجاوز عددهم الجيش العراقي حربًا وصلت إلى طريق مسدود، ومن أهم ما تعلق بنجاح الأكراد هو التمويل المستمر من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بتزويدهم بالأسلحة بالإضافة إلى مستشارين عسكريين إيرانيين، وخلال ذلك شنت إيران حربها ضد العراق برعاية الولايات المتحدة، ولكن عندما أبرم كل من شاه إيران وصدام حسين معاهدة سلام مفاجئة في أوائل مارس أمر وزير الخارجية هنري كيسنجر بقطع فوري للمساعدات للأكراد، ليواجه الأكراد وحدهم هجوم عراقي مدمر، ونقل البارزاني جويًا إلى ولاية فريجينا الشمالية ليقضي أيامه الأخيرة في منزل آمن تحت حماية وكالة الاستخبارات المركزية، بينما بقي الالاف من مقاتلي البيشمركة ليلقوا حتفهم بما فيهم حسو ميرخان، ومع حصار جنود صدام حسين، أرسل الجنرال عائلته في حركة مستعجلة فوق الجبال لاجئًا لإيران وفي محطة خلال طريقهم أنجبت زوجته ابنًا اخر.

“وُقعت المعاهدة في السادس من مارس” يفسر ازار ميرخان البالغ من العمر الواحد والأربعين ويكمل “وأنا وُلدت في السابع من ذلك الشهر، ولدتني والدتي في الطريق على الحدود بين العراق وإيران” قال ذلك بابتسامة تخللها الحزن “ولذلك لطالما كانت عائلتي تدعوني ‘الطفل المحظوظ’ حظ كردي”

في الواقع، إنه لمن الصعب أن تجد أشخاصًا لا يملكون حظًا كالأكراد، يمرون عبر الجبال ويبلغون أربع دول -العراق وإيران وسوريا وتركيا- كما أنهم بعزلة ثقافية دائمة عن جيرانهم كما أنهم يناضلون باستمرار ليتمكنوا من الاستقلال عن الدول التي يسكنونها، وحكومات تلك الدول تتعمد ممارسة الترهيب وعدم الثقة بالمقاومين الأكراد بجانب سحق المحاولات من أجل الاستقلال بالتناوب، هذه الحكومات سبق وأن وظفت الأكراد بشكل دوري -سواء أتباعهم أو جيران أتباعهم- كأدوات مقاتلة في الوكالة للهجوم أو ازعاج اعدائهم المؤقتين في المنطقة، أما تاريخيًا، فحين تنتهي الخلافات وقد كان للأكراد دورًا هامًا بها، فإنهم يُهجرون لاحقًا كما حدث في عام ١٩٧٥ “الخيانة العظمى”.

رغم أن عدد الثورات والحروب للاستقلال التي نشبت في جميع انحاء كردستان خلال القرن الماضي ليس قابلاً للعد، إلا أن السيرة الذاتية لقائد حسو ميرخان وهو مصطفى البرزاني تستعرض بعض المعايير، بحلول وقت وفاته في عام ١٩٧٩ فإن البرزاني البالغ من العمر ٧٥ لم يكتفي بشنّه حربًا ضد تركيا وإيران لمرتين والحكومة المركزية في العراق لأربع مرات بل صرف ما تبقى من طاقته ليستكمل حربه ضد العثمانيين والبريطانيين ومجموعة من المنافسين الأكراد، يؤدي ضرب قائمة البرزاني برقم أربعة -الأكراد في سوريا والعراق وإيران وتركيا الذين يملكون فرقهم الخاصة لتحارب من اجل الاستقلال- إلى ما هو مذهل بعض الشيء.

على الرغم من مخاوف هذه الحكومات من مواجهة “كردستان الكبرى” يومًا ما، إلا أن الاختلاف بين الأكراد في كل من هذه الأربع بلدان أصبح منافسًا لتشابههم، ولكن لديهم شيء واحد مشترك وهو قاعدة حربية عريقة لدى الأكراد في شمال العراق أنه لا توجد عائلة أشهر في بيشمركة – والتي تترجم حرفيًا “الأشخاص الذين يتحدون الموت”- من الميرخان.

باتباع والدهم الدكتور ازار ميرخان وأربعة من اخوانه التسعة خضوا لتدريب بيشمركة؛ واليوم أخ منهم وهو اراز أصبح قائدًا على الخطوط الأمامية في بيشمركة، ولكن العائلة دفعت ثمنًا غاليًا لكونهم برتبة المحاربين، فأولًا رب الأسرة حسو قُتل في معركة في ١٩٨٣ لاحقًا واجه علي أحد أكبر اخوه ازار ذات النهاية في ١٩٩٤.

ولكن لم تكن فقط حكومات المنطقة التي قمعت الأكراد تاريخيًا، في الحقيقة، بعض الدول ألحقت بؤسًا بأكراد شمال العراق أكبر من الولايات المتحدة، فبعد دورهم في الخيانة العظمى في عام ١٩٧٥، سيكون الأمريكان مساهمين للمرة الثانية في معاناة الأكراد – وأضخم هذه المرة عن طريق الصمت- فقط بعد ١٠ سنوات.

خلال ذلك، الحليف الرئيسي للولايات المتحدة في المنطقة شاه إيران سقط وحلّ مكانه الحكومة الأصولية الشيعية المعادية التابعة لآية الله خميني، وبحثًا عن شريك جديد في المنطقة وجدت واشنطن صدام حسين، وبينما يشن الديكتاتور العراقي الحرب ضد الخميني الإيراني ومع تصدير الولايات المتحدة السري للأسلحة لجيشه السفلي، بحلول عام ١٩٨٨ بات حسين جزءً لا يتجزأ من إدارة ريغان السياسية الواقعية في المنطقة التي ببساطة أخذت بالجانب الاخر عندما شن حسين حملة الأنفال القاتلة ضد الأكراد، وبلغ الأمر مستوى جديد منخفض في شهر مارس من ذلك العام، عندما سممت القوات العراقية البلدة الكردية حلبجة بالغاز مما أدى لمقتل حوالي ٥٠٠٠ شخص، وعلى الرغم من توافر الأدلة القطعية بتورط حسين بهذه الجريمة الفظيعة -حلبجة ستأخذ حيزًا بارزًا في محاكمته عام ٢٠٠٦ لكونه أحد جرائمه ضد الإنسانية- إلا أن مسؤولو إدارة ريغان وجهوا التهمة لإيران.

الذي أنهى أخيرًا التنظيم الأمريكي مع صدام حسين كان قرار المستبد العراقي لغزو الكويت المجاورة عام ١٩٩٠، مستفزًا بذلك ليس فقط القوى الغربية ولكن حتى معظم جيرانه العرب، وبشكل معاكس أدى هذا الحدث تقريبًا لمذبحة أخرى للأكراد في العراق، مما سيؤدي لاحقًا لتحريرهم، وبروز اللحظة الحاسمة حينما تدخلت الولايات المتحدة نحو الانقسامات الطائفية والعرقية في العراق.

أثناء مواجهة عداء حسين نظّم الرئيس جورج بوش تحالف عسكري دولي -عملية عاصفة الصحراء- التي هزمت الجيش العراقي في الكويت بسرعة ثم اقتحمت العراق نفسها بعد ذلك، ومع ظهور حكومة حسين على حافة الانهيار شجع بوش العراقيين على التمرد، كلا الفئتين المقموعة في العراق -الشيعة في الجنوب والأكراد في الشمال- استجابت لذلك بلا هوان لتواجه انسحابًا مفاجئًا من الولايات المتحدة، لأنه تم استنتاج أن عزل حسين قد يؤدي إلى هيمنة إيران التي ماتزال معادية، فأمرت إدارة بوش القوات الأمريكية بالتراجع بينما أعاد الجيش العراقي تجميع صفوفه وشن هجومًا مضادًا حادًا.

وليتجنبوا وقوع مجزرة جماعية للمتمردين الذين دعموهم انضمت الولايات المتحدة إلى حلفائها في انشاء نطاق معزول ومحمي في كردستان، بالإضافة إلى مناطق حظر الطيران في شمال وجنوب العراق، بينما تاركين صدام حسين في بغداد الذي وبشكل مؤكد مستعد للانتقام في أقرب فرصة، في حين توصلت إدارة بوش إلى حقيقة أنها عاجزة عن مساعدة الشيعة المعزولين جغرافيًا في الجنوب -الذين سرعان ما عانوا من مذابحهم التي تتبنى مفهوم مذبحة الأنفال- ولحماية الأكراد أجبروا حسين لينسحب عسكريًا من كردستان متقدمين بذلك خطوة للأمام، وفي يوليو في عام ١٩٩٢ تأسست حكومة إقليم كردستان وهو اتحاد مستقل بين المحافظات الكردية الثلاث في العراق.

من الواضح اعتبرت إدارة بوش هذا الاجراء الكردي كحل مؤقت سيتم انهاؤه بمجرد سقوط الطاغية في بغداد وتجاوز الخطر، بينما رءاه الأكراد الذين طالت معاناتهم في العراق بشكل مختلف تمامًا، فلأول مرة منذ ١٩١٩ تحرروا نير بغداد، وباتت لديهم دولتهم في كل شيء عدا الاسم، نتج الاسم حكومة إقليم كردستان عن أول تفكك للحدود الاستعمارية التي احتلت المنطقة قبل ٧٥ عام، التفكيك الحقيقي لأحد دول الشرق الأوسط المصطنعة، وفي السنوات القادمة، سيترك عشرات الالاف من أفراد الشتات الكردي العراقي عن منفاهم ليعودوا إلى وطنهم القديم في ١٩٩٤ ومن ضمنهم الطالب الجامعي البالغ من العمر تسعة عشر عامًا ازار ميرخان الذي قضى تقريبًا كل حياته كلاجئ في إيران.

كانت حمص مكانًا مبهجًا كافيًا قبل تدميرنا، مدينة يبلغ عدد سكانها حوالي ٨٠٠٠٠٠ في المناطق الداخلية من الوادي المركزي في سوريا، ولكنها قريبة بما فيه الكفاية من سفوح منطقة الجبال الساحلية لتجنب أسوأ ارتفاع للحرارة في الصيف، لم تكن مكانا يسكنه السياح لفترة طويلة رغم أن حمص تعود قديمًا إلى العصور الإغريقية والرومانية وقليل الذي حُفظ من الماضي، وغالبا ما تكون وجهة السياح إلى كراك دي شيفالييه القلعة الصليبية المشهور التي تبعد ٣٠ ميلًا من الغرب، كان هناك سوق مُكتشف مثير للاهتمام في البلدة القديمة ومسجد قديم غير أنه لا يبدو ملحوظًا، ولكن عموما بدَت حمص كمدينة حديثة كأي من مدن سوريا الأخرى، تهيمن على وسط المدينة مجموعة من المباني الحكومية مبللة ومتهالكة وتحيطها احياء سكنية تبلغ خمسة وستة طوابق؛ ويمكن رؤية المنازل غير المزدحمة والمجمعة في المناطق النائية وتتواجد مصادر الأسلحة التي تقدِّم للكثير من ضواحي الشرق الأوسط موقع بنائي مستمر أو مؤخرًا مهجور.

وحتى سقوطها تميزت حمص بكونها أكثر مدينة حافلة بالتنوع الديني في دولة تعد من أكثر الدول المختلطة دينيًا في العالم العربي، في سوريا يبلغ عدد المسلمين السنة العرب ٧٠٪ والعلويين ١٢٪ -أحد فروع شيعة الإسلام- ونسبة متساوية تقريبًا من الأكراد السنة ويشكل المسيحيون وعدد من طوائف دينية صغيرة الأقلية، في تقاطع الطرق الجغرافية في سوريا، عكست حمص هذا الالتقاء السكاني مع أفق لا ينفرد بالمآذن الإسلامية بل حتى الكنائس الكاثوليكية وقباب الكنائس المسيحية الأرثوذكسية.

أعطى ذلك حمص وجودًا عالميًا لا توجد ببساطة في أي مكان اخر -لدرجة أنه في ١٩٩٧ الإبراهيميين وهما زوجين سنيين لم يترددا في وضع طفلهما الأول مجد البالغ من العمر خمس سنوات في مدرسة كاثوليكية خاصة- ونتيجة لذلك نشأ مجد ومعظم أصدقائه مسيحيين ويعلم عن المسيح والكتاب المقدس أكثر مما يعلمه عن النبي محمد والقران، ولم يبدو ذلك مزعجًا لأبويه على الإطلاق، فرغم نشأتهم كمسلمين إلا أنهم كانوا بالاسم فقط، فوالداته نادرًا ما كانت تتكلف عناء ارتداء الحجاب في الأماكن العامة ووالده كان يسحب نفسه للمسجد فقط أثناء الجنازات.

كانت هذه الليبرالية العلمانية تتوافق إلى حد كبير مع سوريا الجديدة التي أراد حافظ الأسد تشكيلها بممارسة حكمه الديكتاتوري الذي صمد حتى ٣٠ عاما ومما شجعها بدون شك انتمائه للأقلية الدينية العلوية، وبعد وفاته في سنة ٢٠٠٠ أصبحت السلطة السياسية بيد ابنه اللطيف والخجول اجتماعيًا بشار طبيب العيون المتدرب في لندن، حصل بشار على السلطة بشكل افتراضي -كان ولي عهد الأسد الأب ابنه الأكبر باسل ولكنه لقي حتفه في حادث سيارة عام ١٩٩٤- ولكن بشار الذي كان يستعرض وجهًا أفضل وأكثر حداثة للبعثية أمام العالم الخارجي، أثبت أيضا مهارته في مواكبة التيارات المتعصبة السياسية في لشرق الأوسط، بينما كان يعلن عهده باسترجاع مرتفعات الجولان المحتلة من إسرائيل منذ حرب الأيام الستة، حافظ الأسد على الهدوء المضطرب مع تل أبيب حتى أنه أقام مفاوضات سرية سعيًا للتسوية، ومن خلال إضعاف القبضة السورية على لبنان تدريجيا – احتلت القوات أجزاء من البلاد منذ ١٩٧٦ وكانت دمشق ممن أيدوا بشدة ميليشيا حزب الله اللبنانية- فإن الأسد الأصغر كانت ملفتًا لنظر الغرب بشكل متزايد.

وللشاب مجد إبراهيم حتى بلوغه، بدَا أنه يعي إلى أن مستقبل أمته يكمن في الغرب، وكحال أبناء الطبقة المتوسطة في حمص ارتدى ملابس الغرب وسمع أغاني الغرب وشاهد مقاطع الغرب ولكن منح مجد نافذة فريدة ليطّلع على العالم الخارجي، اشتغل والده المهندس الكهربائي في أحد أفضل الفنادق في حمص، وهو فندق السفير ومجد – الذي كان مفتونًا بالفندق وصخب المسافرين المستمر – خلق اعذارًا ليزوره ويقضي يومه به، بالنسبة لمجد كان فندق السفير مكانًا للطمأنينة ليذكره أنه ليس مهما الانحرافات البسيطة التي سلكتها السياسة السورية خلال مشوارها، فهو سيبقى قادرًا على العيش في الحديث والعلماني الذي ولد فيه دائمًا.

الجزء الثاني: حرب العراق ٢٠٠٣ ٢٠١١

بصفتها ثاني أصغر طفلة بين ستة منهم – ثلاثة أولاد وثلاث بنات – وابنة لأخصائي أشعة في مستشفى وزوجة عاطلة فإن خلود الزايدي حظيت بطفولة الطبقة المتوسطة المريحة، ولكنها وكمعظم الفتيات الاخريات في الكوت وهي مدينة إقليمية منخفضة الحال مجموع سكانها حوالي ٤٠٠ ألف تقريبًا، وتقع على بعد مائة ميل أسفل نهر دجلة في بغداد فإن خلود عاشت حياة حافلة ورائعة حيث تذهب للمدرسة كل يوم وحين تنتهي فإنها تعود إلى المنزل وتساعد في أعماله، ويعقب ذلك المزيد من الأعمال الدراسية، أما إلى غير المدرسة فإنها لا ترتاد إلا للنزهات العائلية العرضية أو التسوق في البقالة بغرض معاونة والدتها وشقيقاتها الأكبر ولكن حينما كانت تبلغ ٢٣ غادرت مسقط رأسها لمرة واحدة فقط في رحلة يوم واحد إلى بغداد برفقة والدها.

مع كل هذا، يُزهر الطموح في أكثر الأماكن جفافًا، فقد كانت خلود عازمة على تجاوز الحدود الكوتية وبذلت كل جهودها في سبيل ذلك بتركيزها على المنفذ الوحيد وهو التعليم العالي كما كان علي الزايدي مصرًا على أن جميع أبنائه بما فيهم بناته الثلاث أصحاب شهادات علمية ولو كان مستقبلهن المنتظر غامضًا.

تفسر خلود الأمر بقولها “كان والدي متطورًا للغاية بصور عديدة، ولكن مع ذلك فبرأيه لم يكن الغرض من الدراسة الجامعية متعلقًا ببناء حياتي المهنية، بل كانت الفكرة “ادرسي بجد واحصلي على شهادتك ثم اعثري على زوج” كان هذا النظام العراقي” حصلت خلود على درجة علمية في تخصص الأدب الإنجليزي في جامعة محلية، وكانت التوقعات أنها ستدرس اللغة الإنجليزية في مدرسة محلية لبضع سنوات ثم تتزوج وتكوّن أسرة ولكن لم تكن هذه خطط خلود التي رغم كفاءتها في اللغة الإنجليزية إلا أنها ذهبت إلى بغداد بحثًا عن عمل كمترجمة فورية في أحدى الشركات الأجنبية في العراق.

تبددت هذه الخطة بمجرد أن غزا الأميركيون العراق في الثلاثة أشهر قبيل تخرجها، ففي بكرة الصباح للثالث من أبريل ٢٠٠٣ بلغ القتال الكوت، وطوقت الوحدات المتقدمة التابعة لقوة المشاة البحرية الأولى المدينة وفي سويعات أصبحت المعاقل العراقية تتدمر واحدًا تلو الآخر، وتدعم القوى الجوية الدبابات والمدفعية البرية، سمعت خلود التي كانت تبلغ ٢٣ عامًا عن هذه المعركة التي تدمر مسقط رأسها لكنها لم ترى شيئًا بعينها لأن الأمر ببساطة كان “لم يُسمح للنساء بالخروج من المنازل”.

قبل الغزو تنبأ نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني بأن الأمريكيين “سيُستقبلون كمحررين” في العراق، وقد وقع ذلك في شوارع الموت في ٤ أبريل عندما كان الشباب والأطفال يقدمون صواني حلوى والشاي الساخن للجنود، ولاحظت خلود عندما سُمح لها بالخروج هي ونساء الكوت أخيرًا ذلك المشهد من موقع سري، تقول “كان الأمريكيون مرتاحون وودودون ولكن صُدمت بضخامة أحجامهم التي رأيتها وأيضا كل أسلحتهم ودباباتهم، لم يبدو أي شيء في محله، كأن غرباءً قاموا بغزونا”

وأثناء ذلك كانت حرب أخرى مستمرة يفتعلها أتباع حكومة صدام حسين البعثية – التي صنفتها إدارة بوش “القوات المعادية للعراق” نسبة إلى الأورويلية – شعرت قوات التحالف القليلة التي ظلّت في الكوت في ذلك الربيع وبداية الصيف بأمان كافٍ للاختلاط والتسكع في المدينة بدون ارتداء الدروع الواقية، وللقيام بدوريات بدون شاحنات محمية أعاد هؤلاء الجنود لهذه المدينة شيئا قريبًا من الحياة الطبيعية، فقد فتحت الجامعة بعد انقطاع شهرين فقط مما أتاح لخلود حصولها على درجة البكالوريوس في شهر أغسطس وأصبح العمل الحقيقي الآن هو إعادة بناء اقتصاد الأمة المنهار، وتشكيل الحكومة وسعيًا لهذا المبتغى تكوّن جيش صغير من المهندسين والمحاسبين والمستشارين الأجانب إلى العراق تحت رعاية قوى التحالف المؤقتة التابعة لقيادة إدارة الولايات المتحدة، التي ستتنحى بمجرد الانتهاء من تشكيل حكومة عراقية جديدة.

أحد الذين قدموا لذلك التحالف كان محامية من اوكلاهوما تبلغ الثلاثة والثلاثون واسمها فيرن هولاند كما أنه مستشارة حقوق الإنسان في قوى التحالف المؤقتة، قدمت هولاند في صيف ٢٠٠٣ موجزًا خاصًا يشمل تطوير مشاريع تمكن المرأة في قلب جنوب العراق الشيعي، وفي سبتمبر ٢٠٠٣ أرسلتها تلك المهمة إلى الكوت حيث وقع أول لقاء جمع بينها وبين خلود.

تقول خلود “سأتذكر دائما أول مرة رأيت فيرن بها، أحضرت معها مجموعة منا نحن النسوة سويًا لتحدثنا عن العمل الذي تريد فعله في العراق، كانت وبشكل مفاجئ شابة -كان سهلًا أن أنسى ذلك لشخصيتها القوية- وشعرها الأشقر المشع وجوهرها الودود والمتقبل، لم أقابل امرأة مثلها أبدًا ولا أعتقد أي منا ممن كن في الغرفة قد فعلت”

ما أخبرت به هولاند تلك النسوة في قاعة اللقاء في الكوت لم يكن أقل غرابة من مظهرها، فقد قالت أنها تؤيد إسقاط صدام حسين، وأنه ثم هناك عراق جديدة حيث تسود الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان، بل وأن تلك العراق الجديدة لن تصمد إلا إن لعب كل شخص دوره ولم تكن نسوة الكوت استثناءً.

بالنسبة لخلود فإن ما قيل قد مسّ أعمق ما فيها، بل كانت تلك اللحظة تحمل كل ما انتظرته طوال حياتها، وبدون أن تضيع أي وقت باشرت في التطوع في مشاريع هولاند لحقوق المرأة، وتقول “فكرت في تلك الأزمات من قبل ولكن تحت حكم صدام حسين لم تكن تلك إلا محض خيالات، أما الآن فأنا أرى مستقبلًا لنفسي”.

ربما كانت هولاند مترددة نتيجة لتجاربها السابقة في العمل في المجتمعات المحافظة والتي يهيمن عليها الذكور في أفريقيا وأخذت في عين الاعتبار شكها أن الأمر لن يكون إلا مسألة وقت -وربما وقت قصير للغاية- قبل أن ترسم قوى العادات والتقاليد حدودًا لمعارضة عملها، ولذلك وجب عليها أن تسرع في تغيير الحركة، بجانب وعيها أن كونها غريبة فإن دورها لابد أن يكون محدودًا؛ فالمطلوب هو تحرّك نساء محليات مؤثرات لقيادة هذا الجهد، نساء مثل خلود الزايدي.

في الشهر التالي اختارت هولاند خلود لتكون ممثلة في مؤتمر القيادات النسائية الوطنية، الذي عقدته قوى التحالف المؤقتة، وتلقت يوما خلود خبرًا مفصليًا: تم اختيارها لتصبح جزء من وفد نسائي سيسافر قريبًا إلى واشنطن للمساهمة في صياغة الدستور العراقي الجديد، عندما انتشر الخبر في المؤتمر أثار ذلك ردود أفعال عنيفة، تقول خلود “اعترضت الكثير من النساء لأني كنت جدًا صغيرة، حتى أنا اعتقدت أنهم على حق، ولكن فيرن أصرّت وأخبرت النساء الاخريات “خلود تمثل شباب العراق، ستذهب” كانت أكبر مؤيد لي”.

في نوفمبر ٢٠٠٣ حيث كانت موعد الرحلة إلى واشنطن التقت الطالبة الخريجة حديثًا وتبلغ ثلاثة وعشرين عامًا بمجموعة من أبرز الشخصيات بما فيهم جورج ووكر بوش وبمجرد عودتها تعينت رسميًا لتكون مساعد مدير المكتب الإعلامي لقوى التحالف المؤقتة في الكوت، كان طريقًا طويلًا لشابة لم تكن لتتوقعه قبل عام واحد، المستقبل الذي يتجاوز حجمه العثور على شركة أجنبية للعمل كمترجمة فورية تقول خلود “كان وقتًا مثيرًا للغاية لأنك تستشعر تغيّر كل شيء بسرعة فائقة”.

حسن وقاص أنقذته عيناه التي رأت الكثير من الاعتيادية في عدة مواضع، يظهر هذا الرجل البالغ من العمر اثنان وعشرون عامًا غير ملحوظ ووجهًا اضافيًا بين الجموع – لكن عيناه شديدة الظلام والاعتقال تلك التي تجعلك تظن أنه يضع المسكرة تحمل نظرة الحزن التي تعكس بطريقة ما العالم الصعب الذي رآه فيهما.

في عمر الثمانية أعوام في ٢٠٠٣ بدا وقاص وكأنه يتنعم بحياة طبيعية للغاية بل أنها حيوية حتى، كان الأصغر بين خمسة أطفال لأب موظف بنكي وزوجته، قضى طفولته المجتمع الزراعي الغافل في الدور ويبعد نهر دجلة ١٥ ميل فقط عن تكريت حيث مسقط رأس صدام حسين، ويتذكر “كل شيء كان جيدًا للغاية، وسهل”.

تغير ذلك مع الغزو الأمريكي، فلطالما كانت تكريت وضواحيها مصدر أمن للحكم البعثي بطبيعة أن أصول صدام حسين كانت هناك، إلا أنها كانت هدفًا رئيسيًا مبكرًا للغزاة والمدينة نفسها كانت هدفًا للقصف الجوي الشديد وبحلول منتصف أبريل ٢٠٠٣، احتلت قوى التحالف سلسلة مباني القصر المشيدة التي انشأها حسين على طول ساحل تكريت، وبدأ شن الغارات عبر المحافظات المحيطة بالنهر للبحث عن المسؤولين البعثيين الهاربين، ونتج عن الغارة التي انطلقت في ١٥ مايو على منطقة دور القبض على ٣٠ مشتبه به من البعثيين -رقم مذهل لكونهم أقلية- إلا أن المدينة حصلت على جائزة أكبر في منتصف ديسمبر ٢٠٠٣ وهي اكتشاف القوات الأمريكية لـ”ثقب العنكبوت” على حافة شمال دور وانتشلت حسين شخصيًا.

كان الأوضاع غامضة ليفهم وقاص الصغير كل هذا ووفقا لما قاله، فإن عائلته – السنية وكحال معظم عائلات منطقة تكريت -لم تكن متدينة بشكل خاص ولا سياسية بأي شكل، ويتذكر سماعه لشيء عن سوء معاملة السجناء العراقيين في سجن تحت إدارة الولايات المتحدة – إشارة واضحة لفضيحة أبو غريب- تبع ذلك تفتيش جنود أمريكيون لمنزل عائلته، لكنهم كانوا محترمين للغاية ومر المشهد بدون أي حادثة.

يقول وقاص “أعلم أن الاخرين واجهوا مشاكلًا مع الأمريكيين، ولكن لم كذلك الأمر بالنسبة لعائلتي، فنحن لم نتأثر على الإطلاق”

ما اعتبرته عائلة حسن سببًا لإلقاء اللوم على الغزاة بشكل عام على الأقل، هو تدهور الاقتصاد العراقي الذي لحق الحادثة، ونتج خسارة والد وقاص لوظيفته في مصرف الرافدين، مما دفع الأب ليستخدم مدخراته ويفتح متجر صغير للحلوى في شارع الدور الرئيسي حتى يدعم اسرته الصغيرة، يقول “نعم هكذا، كانت حياتنا أسهل بكثير قبل قدوم الأميركيين” ويكمل “حتى لو لم يكن خطأً مباشرًا منهم، فإنه الوقت حيث أصبح كل شيء أكثر صعوبة”.

مع دخولها العالم الجديد الذي فتحته لها فيرن هولاند لم تكن خلود مدركة بعد أن بذور كارثة التدخل الأمريكي قد زُرعت بالفعل.

وضع البينتاغون في خططهم للحرب ضد العراق مخططات شاملة ذات تفاصيل واضحة بالمنشآت الاستراتيجية، والوزارات الحكومية التي سيتم احتلالها وحراستها، ولكن بدا أن الجيش الأمريكي لم يأخذ في عين الاعتبار ترسانات الأسلحة والذخائر التي وزعها صدام حسين، ففي بلدة تلو الأخرى، سرقت هذه المخازن بانتظام واحيانًا يقع ذلك تحت أنظار جنود التحالف الذين لم يتدخلوا.

سرعان ما ضاعفت قوات الاحتلال هذا الخطأ، في حركة تُعتبر إلى حد ما كارثية، وكانت استبعاد الجيش العراقي أحد الإجراءات الأولى التي اتخذها مسؤول قوى التحالف المؤقتة بول بريمر ونتيجة لذلك تم فصل مئات الالاف من الرجال -رجال تدربوا عسكريًا واستخدموا الأسلحة- من وظائفهم بحلول عام ٢٠٠٣.

ربما كان المخطط الذي سبق هذا الاجراء مباشرةً أشد تأثيرًا وضررًا، بناءً على شروط قوى التحالف المؤقتة فبموجب الأمر رقم ١ فُصل كبار أعضاء حزب البعث من مناصبهم الحكومية، وخضعوا لحظر العمالة العامة مدى الحياة، بجانب ذلك خضع جميع موظفي المستوى الأعلى في جميع المؤسسات العراقية لتحقيقات تخص الانتماءات البعثية وكما أوضح النقاد فإن عشرات الالاف من المهنيين العراقيين غير السياسيين -كان من ضمنهم والد خلود الاخصائي علي الزايدي- قد اجبروا على الانضمام إلى الحزب في التسعينيات كجزء من “حملة تجنيد” أقامها صدام حسين؛ رغم ذلك تعرض هؤلاء المعلمون والأطباء والمهندسون لخطر حرمانهم من حقوقهم.

بلغ امتداد آثار الأمر الأول إلى ما وراء البعثيين المفصولين، ففي العراق وكحال معظم دول الشرق الأوسط، تعمل الجهات الحكومية على نظام رعاية مُحسّن حيث يكون عمل الموظف بدءً من كبار الموظفين حتى إلى جالب المرطبات للزوار مرتبطًا برئيسه؛ وقد لا يكون من الغريب أن يسلّم هذا الرئيس -والذي هو عضو في حزب البعث في عهد صدام حسين- الوظائف إلى أفراد عائلته أو قبيلته، الحطب الذي وضعه ٨٥٠٠٠ من البعثيين ثم أحرقتهم نارهم بعدما طردوا وواجهوا وداهم الفقر العشائر والقبائل بأكملها مباشرة.

كان ملفتًا للنظر أن رغم ثقل هذه الأخطاء إلا أن الاحتلال العراقي لم ينفجر بسرعة، ووقع ما كان متوقعًا حدوثه في أغسطس ٢٠٠٣ عندما دمرت شاحنة مفخخة مقر الولايات المتحدة في بغداد وأسفرت بذلك عن مقتل ٢٢ بما فيهم الممثل الخاص للأمم المتحدة في العراق سيرجيو فييرا دي ميلو، أدى ذلك إلى تصاعد الهجوم ضد قوات التحالف، وبحلول بداية عام ٢٠٠٤ بات مسؤولو قوات التحالف المؤقتة يشعرون بحقن شديد ضد مبادرتهم مما أشعر فيرن هولاند بقلق جعلها تكتب رسالة بريد الكتروني إلى صديق اخر في نهاية يناير: “نحن نفعل ما يمكننا القيام به رغم الوقت القصير الذي تبقى لنا، إنه سباق مرعب، أتمنى لنا وللعراقيين الحظ.”

في الثامن من مارس عام ٢٠٠٤ وُقِّع الدستور المؤقت الجديد للعراق، ويعود فضل تحقيق هدف الحصول على ٢٥ بالمائة من المقاعد البرلمانية المقبلة للنساء إلى جماعات خلف الكواليس التي تتبع فيرن هولاند.

في ظهيرة ذلك اليوم، كان ثلاثة موظفين مدنيين من قوات التحالف المؤقتة في سيارة دايو مسافرين على الخط السريع للمحافظة عندما ظهرت شاحنة تابعة للشرطة العراقية، وأخذت جانبًا لتباشر بإطلاق نار اوتوماتيكيًا، تم ارسال السيارة لتحدهم في الطريق السريع قبل أن يتمكنوا من الهروب وتسلق بعد ذلك رجال شاحنة الشرطة خارجًا لإنهاء ضحاياهم بالبنادق، قُتل كل من كان داخل تلك الدايو وتم اعتبارهم كأول مدنيي قوات التحالف المؤقتة قُتلوا في العراق بما فيهم السائق والهدف المقصود للهجوم فيرن هولاند.

انتشر الخوف والقلق في أوساط قوات التحالف المؤقتة المنتشرة في أنحاء العراق بعد مقتل فيرن هولاند، وتقول خلود الزايدي “كنا جميعًا نعيش حالة من الصدمة بالطبع، ولكن أعتقد أننا كنا بانتظار المعنى مما وقع أيضا، إذا كان هجومًا على فيرن بالتحديد أو أن الأمر سيأخذ مجرًا أشمل”

ظهرت الإجابة بسرعة كبيرة، فتزامنًا مع التمرد السني في وسط العراق خلال أوائل عام ٢٠٠٤ طالب مقتدى الصدر وهو رجل الدين الشيعي المتطرف في بغداد بخروج جميع قوات التحالف من البلاد، وفي بداية أبريل أطلق الصدر ميليشياته باسم جيش المهدي في سبيل الضغط على قوات التحالف لتنسحب، وقام بذلك من خلال سلسلة هجمات منسقة ومدروسة ضد جيشهم ومنشآتهم، وفي الخامس من أبريل أتى دور الكوت عندما هاجم ما يقارب ٢٠٠ رجل من جيش المهدي مبانِ قوات التحالف المؤقتة.

قضت خلود ساعات من الحصار داخل مكتب قوات التحالف المؤقتة الإعلامية حيث تقوم قوات التحالف المسؤولة عن حراسة المبانِ بإطلاق ناري متبادل، وانتهى ذلك عندما أخبر مشرفٌ في قوات التحالف المؤقتة خلود “إن لم تكوني خائفة، فعليك الرحيل”

تمكنت خلود من الخروج برفقة اثنان من الموظفين المحليين عن طريق الهروب من الأزقة الجانبية السفلية، وبينما كانت تبتعد عن مبان قوات التحالف المؤقتة وبقيت مختبئة كانت ميليشيات المهدي تسيطر على الكوت بحثًا عن أي قائد تابع لقوات التحالف المؤقتة تركه الموظفين خلفهم، حتى بعد استعادة القوات الأمريكية للمدينة إلا أن خلود بقيت خائفة إلى الحد الذي منعها من مغادرة منزلها لمدة أسبوعين.

أدت الانتفاضة المهدية إلى تصاعد للأحداث في العراق فزادت الميليشيات السنية والشيعية هجماتها ضد قوات التحالف بشكل كبير مشرًا إلى بداية الحرب الحقيقية في العراق، رغم ذلك أكملت قوات التحالف المؤقتة برنامجهم لترك العراق تحت سيطرة حكومة مركزية جديدة، في مايو، بدأت انسحابات المدنيين الأجانب المتأصلين في الكوت وخلال شهرين أصبحت كل أسس قوات التحالف المؤقتة المحلية تعمل تحت حكم حكومة بغداد الجديدة.

لبعض الوقت كان ذلك مهدئًا للهيجان العاطفي في مسقط رأس خلود، مما مكّنها لتتعهد باستمراريتها في مبادرات حقوق المرأة التي بدأتها معلمتها المقتولة، ففي ذلك الخريف ساهمت في تأسيس منظمة غير حكومي صغيرة تدعى البتول أو -العذراء- وكانت أهدافها بسيطة، فتوضح خلود “تحتوي الكوت على أقلية مسيحية، لذلك فقد كانت استدعاء النساء المسيحيات والمسلمات سويًا للعمل على مشاريع مهمة للمجتمعين، وعلى وجه الخصوص تعليم النساء بكيفية المطالبة بحقوقهن وإقناعهن أنه ليس واجبًا عليهن طاعة ما يقوله الرجال دائمًا”.

لكن في ظل الطائفية المتأصلة التي بلغت كل انحاء العراق، كانت الميليشيات السنية والشيعية على حدٍ سواء ترى للمجتمع المسيحي على أنه كافر داخلي؛ بينما بدأ المسيحيون المرعوبون بشد الرحال للهجرة بأعداد هائلة، وكان نزوحهم مما سيؤدي لاحقًا لخفض وجودهم في العراق أكثر من ثلثين، ومن جهة أخرى فإن المصدر الوحيد الممكن لمسعى حقوقي مثل البتول كان المحتلين الأجانب مما خوّل المسلحين لينددوا بالمنظمة كجهة تخدم العدو، فبدأت التهديدات مجهولة المصدر تنهال على خلود على الفور بسبب مواصلتها العمل في “القضايا الأمريكية” وتصاعدت التهديدات حتى وصل التنديد بالاسم في صحيفة محلية.

تسببت تلك الذكرى لخلود التي تبلغ السادسة والثلاثين من العمر حاليًا بأن خاملة كردة فعل، فتقول “بإمكاني أن أرى حجم سذاجتي الآن، لم أستجد ذلك الوضع وتلك التهديدات كما ينبغي، لكن كل ما شعرت به أنني فقط أعمل على فرص تمنح النساء حياةً أفضل، فكيف أُهَدّد؟

في أكتوبر عام ٢٠٠٤ انهال طلق النار على مكتب البتول في الكوت، وبدون مقاومة استأجرت خلود مكتبًا اخرًا ليتعرض للنهب هو الآخر، في يناير من ذلك العام وأثناء حضورها ندوة تدريبية لحقوق الإنسان في عمان في العاصمة المجاورة الأردن، وصلها تهديد إن استأنفتِ عملها في الكوت ستقتل، بقيت خلود في الأردن قرابة ثلاثة أشهر ولكن في ابريل ٢٠٠٥ -وبعد عام من وفاة فيرن هولاند وتصاعد قتال الحروب الطائفية في العراق – عادت خلود في النهاية إلى مسقط رأسها.

أدركت خلود الآن أن قرارها كان محفوفًا بالمخاطر، تقول خلود “كان من الصعب جدًا بالنسبة لي أن أتخلى عن هذا الحلم الذي سعيت له في العراق” مستحضرةً بحديثها أن هولاند أخبرتها “التغيير يتطلب الشجاعة، وأحيانًا يجب عليك المحاولة بكل ما تملكين من قوة، حسنًا لم أكن أريد الموت ولكن فيرن توفيت، وأعتقد أنني أؤمن أن بتمسكنا بالأمل ربما ستتحسن الأمور”، ذهبت خلود إلى مركز الشرطة المحلي بعد فترة قصيرة من عودتها للكوت لتقدم بلاغًا حول مكتبها المنهوب ولكن كل ما تلقته كانت سوء المعاملة فقط، وقد تعرضت لموقف محرج عندما التقت بأحد زملائها القدامى في منظمة البتول وسألتها حول ما كانت تفعله هناك قائلةً لها “الجميع يعلن أنك تعملين في السفارة الأمريكية” وقد استدعت تلك الاتهامات الأحقاد ضد خلود لدى الميليشيات المحلية فتقول “جعلني ذلك أرى اخيرًا أنه لم تبقى لدي أي فرصة في العراق، وأن أي محاولة أخرى ستؤدي إلى قتلي حتمآ”

بينما كانت خلود تخطط للهروب من العراق في عام ٢٠٠٥، كانت ليلى سويف تثير الاعتراضات ضد ديتاتورية حسني مبارك.

بحلول ذلك الوقت كانا ليلى وزوجها أحمد سيف قد أصبحنا الزوجين المعارضين سياسيًا الأكثر شهرةً في مصر لأكثر من عقد، ويعملان على إزعاج حكومة مبارك، فأحمد أصبح محامي حقوق الإنسان الأكثر بروزًا في البلاد منذ إطلاق سراحه من السجن عام ١٩٨٩ وبات بطلًا مجموعات معينة متهمة في قضايا تحمل دوافع سياسية بلغت أساتذة الجامعات اليساريين والأصوليين الإسلاميين – وفي دولة مازالت المثلية الجنسية ممنوعة قانونيا – وأعضاءً من مجتمع المثليين في القاهرة، عندما قابلته أول مرة كان ذلك في الخريف وكان أحمد متورطًا في أكثر قضاياه تعقيدًا في مسيرته، مدافعًا عن مجموعة رجال تم اتهامهم بالتواطؤ في مقتل ٣١ شخص أثناء حادثة تفجير فندق في شبه جزيرة سيناء عام ٢٠٠٤.

وبالنسبة لليلى، فحتى اثناء عملها كأستاذة الرياضيات في جامعة القاهرة إلا أنها حصلت على سمعة تصفها كأحد قادة الشارع الذي لا يهزمون في القاهرة والمحركة لعدد لا يحصى من الاحتجاجات ضد الحكومة، ويعد وعيها البالغ بأن كونها أحد أفراد الطبقة المهنية القاهرية فإنها تتمتع بحرية المعارضة التي سُلبت من الطبقات الفقيرة والعاملة في مصر تحديدًا، تقول ليلى “عبر التاريخ منحنا درجةً من الحصانة – إلى حد لم تكن قوات الأمن لتجرؤ قوات على العبث معنا لعدم معرفتهم لتسلسل السلطة الذي يمكننا الاتصال به- ولكن هذا أيضًا يعني وقوع مسؤولية علينا لنكون صوت اولئك الذين اُصمتوا قسرًا، وكوني امرأة فقد ساعد ذلك لأن في هذه الثقافة المرأة لا تؤخذ على محمل الجد، فكان بإمكاني فعل ما لا يقدر عليه الرجال.

ولكنها كانت واعية تمامًا أن نشاطها – وتسامح الحكومة العميق ناحيته – يليق تمامًا مع استراتيجية فرّقهم واحكامهم التي طبّقها حسني مبارك منذ قيادة السلطة في عام ١٩٨١، لطالما كانت الحكومات المصرية قادرة على تحقيق السلطة في السابق وكسب الحزبين عن طريق استخدام الورقة الرابحة كمعاداة الغرب وإسرائيل، ولكن أنور السادات قد بدد دور هذه الورقة عندما عقد الصلح مع إسرائيل وأصبح ممن تدفع لهم أمريكا، فأصبحت الاستراتيجية الجديدة هي السماح بالمعارضة السياسة في مساحة واسعة للطبقة المتعلمة وهم قلة في المدن المتحضرة، بينما يقابلها استجابة سريعة لسحق أي تزايد لنفوذ الكثير من الإسلاميين ـ لأنهم أكثر خطرًا-.

حسب تقدير ليلى، فإن ما أضعف هذه الاستراتيجية اخيرًا كان انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الثانية ضد إسرائيل في سبتمبر عام ٢٠٠٠ بسبب اعتقاد الأغلبية من المصريين بمختلف الاتجاهات السياسية أن حكومتهم قد باعت فلسطين ببند معاهدة السلام لعام ١٩٧٩، فأصبح مبارك عاجزًا عن التصدي للمظاهرات المؤيدة للفلسطينيين حتى لا يُنظر إليه على أنه انهزام للأمريكيين، فتفسّر ليلى “لأول مرة، بدأنا التنظيم علنًا وصراحةً بدون أخذ أي اذن من الحكومة وبدون أن نغطي أنفسنا تحت أي حزب سياسي شرعي مزعوم، وما قد تفعله الحومة بشأن ذلك؟ نتج عن ذلك نمط – أنت لن تنتظر أي اذن، ولن تتوجه لأي حزب سياسي كي يدرجك تحت مظلته، أنت فقط تنظم- مارسناه مرات عديدة بعد ما حدث.

في وقت وجيز باتت الاحتجاجات في الشارع صفة ثابتة للحياة المصرية، وأضحى أقوى من وجهة نظر الحكومة؛ لأن الغضب الناتج عن الحالة الفلسطينية دفع مختلف الجماعات المعارضة سياسيًا إلى السير والعمل معًا.

مع هذه الديناميكية الجديدة من ناحية، إلا أن اخر ما كان حسني مبارك في حاجة إليه هو تذكير آخر للشعب المصري بولائه لواشنطن ، ولكن تبع ذلك قرار الولايات المتحدة لغزو العراق.

وفي مقابل هذه الفطنة الكافية لكي يعارض الشعب هذا الغزو في العلن ونتيجة الانخراط في دبلوماسية رفيعة المستوى لتجنب المواجهة بات حسني مبارك عاجزًا عن النجاة من انهياراته، وفي نظر عدد الكثير من المصريين فبعد ثلاثة وعشرون عامًا من كسب الجانب الأمريكي، اتضح أن الديكتاتور لا يعد أكثر من دمية لإظهار الاستقلالية في الوقت الحاضر، ولم تبرز هذه النظرة إلا مع استمرار الحرب في العراق وتزايد عدد الجثث يوميًا، منذ ٢٠٠٢ حتى بدايات ٢٠٠٥ أخذت بعض مظاهرات مكافحة الحرب في العالم العربي مكانًا في شوارع القاهرة، وكانت ليلى سويف تقريبًا في الصفوف الأولي لمعظمهم، وتقول “بالطبع، على المستوى العلني كان ذلك للاحتجاج ضد ما يحدث في العراق ولكن في الوقت ذاته يعكس فشل مبارك.”

في الوقت ذاته، قدّم الديكتاتور أفضال قليلة مع سلسلة مبادرات أثرت في المعارضة، ففي فبراير ٢٠٠٥ هيأ ابنه جمال ليكون خليفته، وأعاد كتابة الدستور وبينما يسمح ظاهريًا بالانتخابات الرئاسية المباشرة كان يتلاعب في النظام ليجعل الهيمنة بيد حزبه السياسي دائمًا، في الانتخابات الرئاسية في سبتمبر ذلك العام فاز مبارك بقيادة خامسة لمدة ستة سنوات تقريبًا بكسب ٨٩٪ من الأصوات، وبعد القبض على أيمن نور الذي يعد المنافس الوحيد له، تعرض لضغط كبير داخليًا وخارجيًا دفعه لتقليل التدخل في الانتخابات البرلمانية التي أقيمت في نوفمبر ٢٠٠٥ فقط ليرى الأخوة المسلمين -وهو حرب إسلامي مازال محظورًا رسميًا- يملكون ٢٠ بالمائة من المقاعد.

بحلول أواخر ٢٠٠٥ وبعد قضاء ستة أسابيع ترحالًا في مصر، بات واضحًا احتقار الجميع للحكومة في كل مكان، ومعظم هذه الكراهية كانت نتيجة للركود الاقتصادي في البلاد، بجانب الفساد الذي سمح لأقلية من السياسيين والجنرالات أن يصبحوا اغنياء بمزايا، -تم الإبلاغ عن محفظة عائلة مبارك لوحدها بإدارة المليارات- ولكنه أيضا كان عنصرًا قويًا لمعاداة الأمريكيين وأشار إلى مفارقة شاسعة، في الوقت نفسه مانت مصر من أكثر الحلفاء الموثوقين في العالم العربي لواشنطن ويعود ذلك الى استمرارية التأقلم مع إسرائيل، فعلى ما يفوق العشرات من المقابلات مع المصريين من كل حزب سياسي وديني تقريبًا إلا أني فشلت بلقاء فرد واحد مؤيدًا التسوية السلمية الإسرائيلية، أو يرى الإعانات الأمريكية لحكومة مبارك التي تبلغ ٢ مليار تقريبًا في السنة كأي شيء عدا مصدرًا للعار القومي، وكما أخبري نائب رئيس جماعة الإخوان المسلمين عصام العريان “السياسة الوحيدة في مصر الآن هي سياسة الشارع، ولكي يعمل أي شخص من الأمريكيين فعليه أن يكتب رسالة موته سياسيًا”.

كان في تلك الاثناء حيث الغضب والهيجان عندما أظهر أبناء ليلى سويف وأحمد سيف الذي لم يبدوا اهتمامًا مسبقًا في الأنشطة بالابتداء في قلب السياسة، وأول من صنع التطور كان ابنهم علاء وهو مدون مصري معروف، كان ذلك عندما رافق ليلى في احتجاج مايو من عام ٢٠٠٥

تقول ليلى “أصبح مهتمًا للغاية بصحافة المواطنين، ولذلك فمع محاصرة أحداث الشارع للدستور، وإدارة مبارك للانتخابات مجددًا، بدأ النزول لتغطية الاحتجابات -ليس ليشارك بها ولكن ليغطيها.

ولكن الاحتجاج في الخامس والعشرين من مايو كان مسألة مختلفة للغاية، فكان الكمين حيث استأجرت الحكومة قطاع الطرق أو البلطجية ينتظرنا فقاموا بضرب المتظاهرين بقبضاتهم وأسلحة خشبية، وربما كان استكشاف المحتجين المعروفين كان ضمن مهامهم فسريعًا ما سقط هؤلاء الهمج على ليلى.

تقول ليلى “حسنًا، كان ذلك شيئًا جديدًا بالنسبة لهم أن يلكموا سيدة في منتصف العمر، وبمجرد أن رأى ابني ذلك قفز لمساعدتي” ولسوء حظه تعرض علاء للضرب هو أيضا، فتكمل “كُسرت بعض أصابعه، لذلك توجهنا للمستشفى ولاحقًا فقط أدركنا أننا كنا المحظوظين فبعد مغادرتنا بدأ البلطجية بسحب ملابس النساء وبضربهم بملابسهم الداخلية، وكان مما كرروه لاحقًا كثيرا لإذلالهن، ولكن هناك حيث بدأ الأمر وعلاء بدأ ينضم للاحتجاجات، وانضمت الفتيات لاحقًا – دخلت منى مع حركة استقلال القضاة، ولاحقًا كانت سناء هي الثورة- ولكن بالنسبة إلى علاء، بدأ الأمر في ٢٠٠٥”.

ليلى سويف امرأة قاسية وليست عاطفية، ولو كانت تحمل أي فخر – أو، في ضوء ما سيحدث، ندم- حول اهتمام أبنائها بالأنشطة لكنها لم تصرح بذلك، فتقول “لم أحاول أبدًا ثنيهم، حتى ولو أردت -وقد شعرت بذلك أحيانًا- إلا أني لم أفعل، ففعل ذلك لا فائدة ترجى منه، فهم لن يستمعوا إليك عمومًا وستكون مجرد نزاعات” .

كان ذلك الوقت تقريبًا عندما انضم مجدي المنقوش إلى المتفرجين على الرصيف في مسقط رأسه مصراته يرى مشهدًا لا يوصف.

على طول شارع طرابلس، أحد شوارع المدينة الرئيسية، كانت البلدية على رافعة تنزع ملصقات معمر القذافي المعلقة على كل عمود.

كان ذلك جزءً من محاولة قام بها الديكتاتور الليبي ليضع وجهًا لطيفًا وطيبًا لحكومته، بينما ظاهريًا يبدو الأمر موجًا للشعب الليبي ولكن في طياته كان يسعى للانتباه الغربي.

في أيام سبقت غزو العراق، تواجدت أحاديث داخل دائرة الرئيس جورج ووكر بوش أنه بمجرد الاستغناء عن صدام حسين سيكون القذافي المزعج هو التالي، بمجرد أن الغزو العراقي في ٢٠٠٣ باشر الديكتاتور الليبي بالإصلاح مع الأمريكيين وعرض تسوية على دور بلاده في تفجير طائرة بان أم ١٠٣ في عام ١٩٨٨ فوق لوكربي في اسكتلندا -مع تجنب الاعتراف الصريح بالذنب، وافقت الحكومة الليبية على تخصيص ٢.٧ مليار دولار كتعويضات لعائلات الـ٢٧٠ ضحية – وبدأ بهدوء تام بتجريد برنامج جديد في منطقته للأسلحة الكيميائية والبيولوجية والنووية، وبهدوء أكبر شارك عملاء المخابرات الليبية الملفات مع نظرائهم الأمريكيين بما يخص عناصر القاعدة المشتبه بهم، وبقية الإسلاميين الأصوليين المتواجدين في المنطقة، ففي الشأن الداخلي كان خلق الوهم بالحرية السياسية على الأقل هدفًا، فكانت إزالة بعض من عشرات الالاف من الملصقات واللوحات الإعلانية التي تحمل صورة “الزعيم” التي غلفت المنطقة أحد المتطلبات لبلوغ ذلك الهدف.

ولم يطل الأمر ليتبادر إلى ذهن القذافي أنه من الأفضل تغيير المساواة بالكامل، ففي عام ٢٠٠٦ استرجعت الولايات المتحدة علاقاتها الدبلوماسية مع حكومته بأكملها؛ بينما أرسلت ردًا بالتخلي رسميًا عن برنامج الأسلحة المبتكر الليبي، رغم المستنقع العميق للأزمة العراقية ومن المؤكد أن عدم حدوث أي حملة صليبية أمريكية كبيرة ضد الطغاة الآخرين في المنطقة كانت أحد العوامل التي ساهمت بذلك، يقول مجدي “كان أشبه بمسرح، لم يتغير شيء فعليًا وبعد بضعة أشهر لا أعتقد أن أحدًا قد يتذكره.”

ولكن لم يحل ذلك عندما عدّت الرافعة طريق طرابلس في مصراته بعد، حيث لا يزال مجدي يراقب المشهد عندما خرج رجل مسن من زقاق قريب.

للحظة طويلة، حدّق الرجل المسن في الفك المعروض أمامه بدهشة لِما يرى أمامه، فاندفع إلى أحد هذه الملصقات المهملة ليخلع حذائه -مستحضرًا كل الشتائم الشائعة في العالم العربي- وبدأ يضرب بها أشباه القذافي وسط سيل من اللعنات.

حتى أتاه عامل بلدية ليسأله عما كان يفعله، فسأله الرجل المسن “رحل اللقيط أخيرًا، صحيح؟ هل كان هناك انقلاب؟” وعندما أخذه العامل وجعله مستقيمًا، تلعثم المسن محاولًا شرح سلوكه -أنه كان مريضًا للغاية مؤخرًا مما أدى لتعرضه لنوبات جنون- ثم سارع بالابتعاد.

لم تفر خلود من العراق لوحدها، عبرت الأردن عائدة مع أختها الأكبر منها سحر، وانضم إليهم في عمان بعد بضعة أشهر والدهم وأختهم الكبرى تيميم، واختار اخوة خلود الثلاثة البقاء في العراق مع والدتهم عزيزة، وفي صيف عام ٢٠٠٧ كانت خلود قلقة تحديدًا على أخيها الأصغر وسام، تقول “كانت الحرب في أسوأ حالاتها، والشباب كانوا يؤخذون من الشوارع، كنت أتصل على وسام طوال الوقت وأخبره أنه لا مستقبل له في العراق لذلك يجب أن يغادرها ولكن كان طيب القلب للغاية وقال إن عليه البقاء لرعاية والدتنا.”

في أحد مساءات سبتمبر، وبينما يتمشى وسام وصديق له في أحد شوارع الكوت قتلهما شخص يحمل بندقية بالرصاص، تقول خلود بوداعة “كان يبلغ الخامسة والعشرين، يقول البعض أنه قُتل بسبب العمل الذي كنت أقوم به، ولكنني أتمنى أن هذا خاطئ”.

بعد بضعة أشهر من مقتل وسام، واجهت خلود أزمة جديدة فقد رفضت العمل لمنظمة غير حكومية ومطالبات رجل أعمال أردني فاسد ذو منصب يتطلع للرشوة، وقد كان الشخص الخاطئ للمرور به لأنه بعد فترة وجيزة؛ أمرت بمغادرة الأردن لتواجه الموت المحدق إذا أجبرت على الرجوع إلى العراق، فالتفت خلود إلى مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين لإعادة توطين طارئة في بلد ثالث.

من بين الاحتمالات غير الممكنة لإعادة التوطين كانت الولايات المتحدة، ففي ٢٠٠٨ مازالت القوات الأمريكية متورطة في حرب أهلية عراقية، وإدارة بوش لديها القيود الصارمة في محلٍ ما (رغم تخفيفها مؤخرًا) على عدد العراقيين الذين سيتم منحهم اللجوء؛ ولإدخال كل أولئك الذين فروا من البلاد -وكان هناك ما يقارب نصف مليون عراقي مهاجر في الأردن لوحدها- قد ينقض وجهة نظره بحجة أن الوضع في النهاية قد تحوّل إلى حرب، وفي ضوء الخطر المحدق بخلود وضعت المفوضية السامية للأمم المتحدة خلود في برنامجها الخاص المعني لأكثر اللاجئين ضعفًا، وبالنسبة لمن في المجمع كان لدى الأمريكيين بقعة متاحة، في يوليو عام ٢٠٠٨ استقلت خلود طائرة متوجهةً إلى سان فرانسيسكو.

من الصعب تخيل تحول أبلغ مما حصل لخلود، فمن الشقة الضيقة والمزدحمة التي كانت تشاركها مع والدها وشقيقتيها في عمان إلى غرفة نوم واحدة لطيفة في سان فرانسيسكو، تعقب خلود على حياتها الجديدة “حصلت على الحرية لأذهب إلى أي وجهة أو مكان أريده ولا أقلق حيال أن شيء سيء قد يحصل لي، ولا أقصد الحرب فقط، ولكن حتى في عواقب أن تتنقل امرأة وحدها في العراق -ربما حدث ذلك في بغداد ولكن لم يحصل ابدًا في الكوت، لذلك في بعض الأيام سأستقل الحافلة أو المترو لساعات، كان شيئًا لم أتخيله مسبقًا ابدًا.”

كانت مسيرتها المهنية تتحسن بشكل كبير أيضًا، درست خلود اللغة الإنجليزية في العراق لأنها بدت مجالًا قد يقدم لها أعظم فرصة للحرية كفتاة شابة في المستقبل، ولكن في الولايات المتحدة كان الفرص منقطعة النظير، تقول “بعد سنة واحدة، سأحصل على بطاقتي الخضراء وبعدها أتمكن من تقديم طلب لمنح دراسة في أي مكان أريده، أصبحت طموحة للغاية.”

ولكن مصدر القلق الذي مازال يرافقها كان انقسام عائلتها في العراق والأردن، بينما كانت مدركة أن الذين بقوا في الكوت لن يغادروها إلا أن خلود كانت يائسة من إطلاق سراح والدها وشقيقتيها من وجودهم المنسي في عمان وقريبًا بعد البحث في سان فرانسيسكو، بدأت بأعمالهم الورقية لتمكنهم من الانضمام إليها.

بعد ثلاثة أشهر حصلت خلود على أخبار جيدة وسيئة، تمت الموافقة على لجوء شقيقتيها ولكن تم رفض والدهم، بقيت الشقيقتين في الأردن استأنفت الأسرة القرار، ولكن رُفض علي الزايدي مجددًا.

خلال فبراير ٢٠٠٩، بعد سبعة أشهر من وصول خلود إلى سان فرانسيسكو، مازال العمل على طلب لجوء والدهم بلا تقدم، فأتى قرارها المصيري عندها: ستعود إلى الأردن وستعمل على قضية هناك.

تقول خلود “أصدقائي في سان فرانسيسكو لم يتمكنوا من فهم الأمر، لماذا، بينما تحظين بحياة جديدة هنا قد تفكرين بالعودة مرة أخرى؟” توقفت لمهلة تفكر، كأنها تواجه صعوبة لتحصل على إجابة “ولكن كيف أشرح ثقافتي لهم؟ في العراق، العائلة هي الأهم، لا يمكنك الابتعاد عنها أبدًا، فكيف يمكنني أنا وشقيقتيّ أن نستمتع بحياتنا الرائعة في أمريكا بينما نترك والدنا خلفنا؟ لن اتمكن من التعايش مع هذا العار، لذلك عدت.”

في عمان بحثت خلود عن كل زاوية خطرت على بالها لتتمكن من إخراج والدها بلا ملل، لم تقدم عريضة طلب اللجوء في الولايات المتحدة فقط ولكن بلغت حتى نصف دول اوروبا، ولكن بدون نتيجة.

والاسوأ أن خلود أوقعت نفسها في معمعة قانونية فقد حُذرت قبل مغادرتها سان فرانسيسكو أن بناء على قانون الهجرة الأمريكي يجب على اللاجئين الذين ينتظرون الإقامة الدائمة للبطاقة الخضراء ألا يغادروا البلاد لمدة تزيد عن ستة أشهر، وبسبب العودة -والبقاء- في الأردن فقدت خلود تصنيف لجوئها، والآن بجانب الجزء الاخر من عائلتها الذي أخرجتها من العراق، باتت خلود عاجزة لم تتمكن من العودة إلى وطنها أو البلد الثالث، بل رهينة للبلد -الأردن- التي هددت بقاءها.

 

ملف: الأردن وسوريا ٢٠٠٨

الغزو الأمريكي للعراق أثار قلقًا داخليًا لبشار الأسد، فعلاقات الديكتاتور السوري قد تحسنت مؤخرًا مع صدام حسين المتقلب والخطير، ولا شك أنه كان قلقًا من أن يكون التالي على القائمة الأمريكية، ولكن وكحال معمر القذافي في ليبيا ففي أواخر عام ٢٠٠٠ بات الأسد متأكدًا أنه ما من شيء ليخشاه من الولايات المتحدة العدائية.

وهذه الثقة لا تترجم على أنها الحرية السياسية الأعظم للشعب السوري، فلم تتغير أيام والده وعاش رعايا الأسد في خوف دائم من عملاء الأمن الداخلي وشبكة البلطجية المصرح بها حكوميًا أو الشبيحة، كان انتشار جهاز التجسس هذا -أو على الأقل الخوف منه- متفشيًا إلى حد أن السياسة لم تكن موضوعًا دارجًا في البيوت السورية وكأنها ليست موجودة.

يقول مجد إبراهيم “لا أستطيع تذكر أبي يقول أي شيء عن النظام، سواءً جيد أم سيء، ولا أتذكر أي من أقاربي أو جيراني يتحدون أيضا عندما يتعلق الأمر بالدولة، بل أقصى من يبلغه الانتقاد ربما شرطي المرور في الزاوية، أنت فقط لم تتحدث عن هذه الأمور مع أي شخص.”

بسبب تربية مجد الليبرالية، صُدم بعد مغادرته مدرسته الكاثوليكية في نهاية الصيف التاسع وانتقل إلى مدرسة ثانوية حكومية، فكثيرًا ما كانت تبعده طرقه الحديثة والعلمانية عن زملاءه ذوي العقلية الإسلامية، في حين أن التعليم كان كارثيًا فإن المدرسة الثانوية كانت وقتًا سيئًا للكثير، وأشرقت حياة مجد عندما تخرج رسميًا في صيف ٢٠١٠، بينما فشل بأخذ درجات عالية في الامتحان الوطني الذي قد يمكنه من أخذ أحد المهن “العليا” -كالهندسة أو الطب- ولكنه أدّى جيدًا ليدخل جامعة البعث في حمص ذلك الخريف ليتخصص في إدارة الفنادق.

كان ذلك بلا شك أفضل لمجد عموما، امتلك الشاب الوسيم والودّي كاريزما طبيعية ساعدته بتطوير علاقة سريعة مع أي شخص تقريبًا، بالإضافة إلى فضول ملح حول العالم الأكبر خارج حمص، ومع شهادته في يده تطلّع إلى مستقبل باهر في أحد الفنادق الفخمة في دمشق -يقول “جسّدوا أحد أفضل صور التطور لتحصل على حياة جيدة”.

ولكن كانت هناك سمة أخرى لمسقط رأس مجد لعلها لم تتبادر إلى ذهنه في حياته القصيرة: تقريبًا في كل الطرق كانت حمص ملتقى طرق سوريا، فهي تقع بالقرب من منتصف الطريق السريع بين أكبر مدينتين في الدولة، دمشق وحلب، وكانت حمص المنطقة الشرقية للطريق السريع الذي يربط سوريا داخليًا بمحفظاتها الساحلية، ومازالت بذات الأهمية حيث أنها المركز الرئيسي لغاز المنطقة -الصناعة النفطية- ومن المنطقي تماما تبعًا إلى أن خطوط الأنابيب المؤدية من حقول الزيت والغاز الطبيعي في الصحاري الشرقية أن تعبر مباشرة من خلال المدينة في طريقهم إلى الساحل، وبطبيعة أن كل هذا قادر على تحقيق ازدهار مدينة حمص، فأيضًا يعني أن في حالة الحرب ستكون هدفًا يسعى إليه كل الأطراف للسيطرة عليه بشراسة.

بينما باشر مجد دراسته في جامعة البعث، كانت الحرب تبعد بضعة شهور فقط.

الجزء الثالث: الربيع العربي ٢٠١١٢٠١٤

لطالما كانت ليلى فردًا مشاركًا في السياسة المصرية، ولوقتٍ طويل مما يجعلها مدركة لحقيقة كل الأقاويل حول خطط الاحتجاج في ميدان التحرير ٢٥ يناير عام ٢٠١١ فكما أخبرها أحد الناشطين الشباب “لن تكون مظاهرة، بل ثورة” فقد فهمت حماس ذلك الشاب، وقبلها ببضعة أيام أجبرت احتجاجات الشارع بعدما ضحّى بائع الخضروات والفواكه بنفسه في تونس الرئيس التونسي لفترة طويلة زين العابدين على التنحي من السلطة، رغم أن الاحتجاجات في كل العالم العربي كانت تذهب في مهب الريح إلا أن هذه مصر، توقعت ليلى المؤتمرات الصحفية واجتماعات لجنة التضامن وربما بعض الإصلاحات الورقية ولكن بالتأكيد ليس تمردًا، حتى أنها مزحت بشأن الأمر، وبينما كانت تحضر مؤتمرًا تعليميًا قبل المظاهرة بيوم واحد وعندما سألها أحد المنظمين إن كانت ستعود في اليوم التالي أخبرته “حسنًا، غدًا لدينا ثورة، ولكن إن انتهت الثورة مبكرًا إذن سأكون هنا”.

في اليوم التالي، وما أن اقتربت ليلى من ميدان التحرير حتى لاحظت أمرًا مختلفًا عما سبق من الاحتجاجات المصرية العريقة في الماضي، بل وحتى الآن اعتبر مجتمع الناشطين في القاهرة أن نجاح الاحتجاج يكون من خلال استقطاب المئات من المتظاهرين بينما في ميدان التحرير في يناير بلغ عدد الجموع مالا يقل عن ١٥٠٠٠ شخص، وسرعان ما سمعت ليلى عن الالاف الآخرين الذين توجهوا لمناطق تجمع متفرقة أنحاء القاهرة وفي مدن ومحافظات أخرى في مصر، في التحرير وكل مكان اخر في أنحاء مصر تنحت قوات الأمن ببساطة بينما تلك الحشود التي تنادي بالإصلاح تفتتح المطالبات بسقوط مبارك.

استمرت الاحتجاجات حتى اليومين التاليين، وفي ٢٨ يناير توصلت ليلى إلى أنه أصبح لديهم ثورة على عاتقهم فعلا، وفي ذلك الصباح سافرت هي وبعض أصدقائها إلى حي إمبابة في شمال غرب القاهرة للانضمام إلى مجموعة تخطط للقيام بمسيرة في التحرير، ولكن كان بانتظارهم حائطًا من جنود مكافحة الشغب يطلقون غاز مسيل للدموع أينما ذهبوا.

تشرح ليلى الأمر: “كان خطأً شديد الغباء، فهذه أزقة صغيرة حيث يبقى بها الناس الذين يسكنون الشارع، وكان ذلك سقوط إمبابة، وأصبحت حرب قائمة بين القوات والسكان الذين لم يكونوا ليتحركوا على الإطلاق بل يهاجموا القوات ويحرقوا مراكز الشرطة، أو يتوفوا محاولين فعلها.”

استمرت حرب إمبابة حتى وقت متأخر من الظهيرة، وقررت ليلى التي انفصلت عن اصدقائها السير في المدينة لوحدها، فكانت رحلة غريبة لها عندما رأت الشوارع المهجورة والنار المشتعلة في مع ارتفاع الغسق: السيارات والحواجز واحتراق مراكز الشرطة وأصوات إطلاق النار من المباني التي في الأرجاء، بعضها فردية وبعضها متتالية من البنادق، وبينما حل ظل ظهرت ليلى اخيرًا في شارع رمسيس وهو من شوارع القاهرة الرئيسية.

تستحضر ليلى الموقف: “وفجأة ظهر الحشد الهائل من المتظاهرين مهرولين نحو شارع رمسيس، فقد اخترقوا حدود الشرطة وكانوا متوجهين إلى ميدان التحرير، ورآني أحد الشباب واقفة هناك فأتى واحتضني -كان من الواضح أنه رآني سابقًا في التحرير- وقال: “أخبرتك أنه ستكون لدينا ثورة” وكانت تلك اللحظة عندما أيقنت بصحة الأمر، وأننا سننتصر”

وخلال الأسبوع التالي احتجم عدد المتظاهرين واشتد أزرهم ولكن في الوقت ذاته زاد القمع في رد الحكومة، فتزايد إطلاق الغاز المسيل للدموع من الشرطة والجنود حتى الذخيرة الأخيرة، في الأول من فبراير خرج مبارك غير آبه على المذياع ليتعهد بعدم مغادرة مصر – “سأموت على ترابها” – وفي اليوم التالي ظهرت المشاهد الغريبة التي سميت بمعركة الإبل، عندما قام هاجم بلطجية الدول التي تحت رعايته المتظاهرين في ميدان التحرير بالخيول والجمال حاملين السياط.

في اليوم التالي اقتحم عساكر الشرطة مركز أحمد سيف القانوني وتم أخذه مع العشرات للاستجواب في المخابرات العسكرية، واستجوبه مختلف الضباط لمدة يومين ولكن كان لديه سبب ليتذكر أحد هذه الاستجوابات على وجه الخصوص، كان في صباح الخامس من فبراير عندما عبر رئيس المخابرات العسكرية الجنرال المحايد عبدالفتاح السيسي أمام أحمد وبقية السجناء متوجًا إلى عملٍ آخر، وفي محاضرة مرتجلة حذّر السيسي الحضور المنصت بوجوب احترام مبارك وقادة الجيش المصري، وأنه بمجرد إطلاق سراحهم يجب أن يعودوا لمنازلهم ونسيان ميدان التحرير، عندها كسر أحمد الصمت المحترم وأجاب أن مبارك كان فاسدًا فتغيرت تعابير الجنرال متعالية سريعًا، يستحضر أحمد الموقف بعد سنوات لصحيفة القارديان “أصبح غاضبًا حتى أن أصابت الحمرة وجهه، كان يتصرف كما لو أن كل مواطن سيقبل وجهة نظره ولن يعترض أحد علنًا، ولكن عندما فعلها أحدهم صُدم”

بعدما تم إطلاق سراحه في ذلك اليوم. توقف أحمد لدى منزله ليبدل ثيابه ثم عاد مباشرةً إلى ميدان الحرير

لاحقًا اتضح أن النظام كان يفقد السيطرة، فقد وصلت بلاغات لوحدات من الجيش ترفض إطلاق النار على المتظاهرين في كل أنحاء مصر، ونقلت كاميرات التلفاز صور لجنود يحضنون المحتجين ويشاركونهم السجائر في ميدان التحرير.

في ١١ فبراير دقّت ساعة خروج مبارك أخيرًا، فبعد تقديم استقالته، استقل الرئيس وعائلته طائرة للمغادرة إلى مسكنهم الفخم في منتجع مدينة البحر الأحمر في شرم الشيخ، وعلى هذه الأخبار احتفلت مصر بأكملها، ولم تحفل أرض كميدان التحرير في للقاهرة.

ولكن تخلل القلق تلك الفرحة بين حفنة صغيرة من المصريين خاصة بعدما تم الإعلان أن مجموعة من كبار الضباط العساكر من المجلس الأعلى للقوات أو المجلس الأعلى للقوات المسلحة سيخدمون كحكومة مؤقتة حتى يُعقد موعد الانتخابات، وكانت ليلى سويف ممن أثار ذلك قلقهم.

تقول ليلى “في اواخر أيام مبارك، بينما كان بإمكاننا رؤية ما هو قادم كنت وبعض المستقلين نحاول التحدث مع مختلف الجهات السياسية ‘خذ السلطة، لا تنتظر الأذن، خذها الآن قبل أن يتدخل الجيش’ وما قاله الجميع ‘نعم بالتأكيد إنها فكرة جيدة، سنرتب اجتماع للتحدث بشأنه خلال يومان’ هزّت ليلى رأسها وضحكت بمرارة ‘ولكن ربما كان المطلب مبالغ به ولعلنا لم نتمكن من تحقيق الغاية، فالناس كانوا بحاجة إلى أن يشعروا بفوزهم، وليس نحن السياسيون، بل كل هؤلاء الملايين الذين نزلوا إلى الشارع، كانوا بحاجة إلى وقت ليشعروا أنهم منتصرين’ تنهدت ليلى وسكتت للحظة حتى قالت “لا أعلم، حتى هذا اليوم ما زلت لا أعلم، ولكن أعتقد أن تلك كانت لحظتنا الحاسمة، وقد خسرناها.”

 

بحلول ٢٠١١ كان مجدي يكمل ثالث واخر سنة له في أكاديمية القوات الجوية الدولية في مجمّع متهالك حيث جنوب غرب مصراته، ويأمل الحصول على شهادة في هندسة الاتصالات، فلم يكن يناسبه أن يكون جنديًا – رقيق القلب ولطيف – ولكن الأكاديمية كانت خيارًا سهلًا لمجدي لكونها تتيح له قضاء وقت في منزل عائلته بنمط منظّم الذي على بُعد بضعة أميال فقط والتسكع مع أصدقائه المدنيين، تابع مجدي واصدقائه الطلاب أخبار الاضطرابات في تونس ومصر بدهشة ولكن لم يربط أي منهم ذلك الشغب بوضعهم في ليبيا، كان تصوراتهم أقصر من أن يمتد الأمر حتى هناك، لاحقا في مساء سبت التاسع من فبراير سمع الطلاب سلسلة أصوات فرقعة قادمة من المدينة، في بادئ الأمر ظنوا أنها ربما تكون ألعاب نارية ولكن الأصوات باتت أقرب حتى أدرك الطلبة أنه إطلاق نار، وسرعان ما تلقوا أمرًا بالتجمع القبو حيث تم اعلامهم أن جميع الاجازات تم الغاؤها كذلك، وأبراج المراقبة التي جرب العادة أن تكون فارغة أو يحرسها شخص ينازع الملل قد امتلأت بفرق من الجنود وجبال من الأسلحة..

يستعيد مجدي الأمر “في تلك اللحظة علمنا أن شيء كبير وقع، لأن ما حدث كان أمرًا لم نرَ مثله من قبل، ولكن لم يكن أي أحد ليخبرنا بما يحدث.”

تطلّع مجدي إلى تفسير عند عودتهم للفصول في صباح اليوم التالي ولكن المنسّقين المدنيين لم يظهروا أصلًا، فقضى يومه بأكمله برفقة صديقه المقرّب في الأكاديمية جلال الدريسي وهو طالب يبلغ الثلاثة والعشرين من بنغازي، ومقارنةً بالخجول مجدي كان جلال جريء ومقدام ومستعد دائما لإطلاق المزحات أو تجهيز المقالب، ولكن ما اشترك به الاثنان كان الانجذاب نحو العلوم والابتكار -كان جلال يدرس التسليح الجوي- وخلال الدراسة للسنتين والنصف السابقة أصبحا مقربان، وعادةً ما يقضي جلال اجازاته في منزل عائلته المنقوش في مصراته، وقوبلت هذه الضيافة عندما قضى مجدي جزءً من صيف ٢٠٠٩ مع عائلة الدريسي في بنغازي، عموما، حاول الشباب في الأكاديمية التي غزتها الأجواء الغريبة حيث لا أخبار متداولة أن يعرفوا ما يحدث.

استمر إطلاق النار خلف الجدران في اليومين التاليين على فترات وأحيانا يقترب الصوت، وعندما يتراجع؛ تكون التبديلات متبوعة بصمت لمدة طويلة.

ظهر بيان موضح في النهاية يوم ٢٢ فبراير عندما ظهر العقيد معمر القذافي في ثوبه الزيتوني مخاطبًا الأمة، في خطابً عُرف لاحقا بـ زنقه زنقه، حيث ألقى الديكتاتور باللوم على الاضطرابات الاجتماعية ثم مدده عبر ليبيا بطولها واصفًا إياهم بالمتآمرين الأجانب و”الفئران” وتعهّد بتطهير “شبر شبر، بيت بيت، دار دار، زنقه زنقه، فرد فرد”

بمجرد أن القذافي انتهى من خطابه حتى تصاعد إطلاق النار، فيقول مجدي “بدا الأمر وكأن قوات الامن كانت بانتظار أوامر توجههم، وبعد الخطاب انطلقوا لكل مكان” .

بقي الطلاب محجورين؛ فقد كانوا محاصرين بالعناصر خارج جدران المجمّع حيث منعتهم تلك الحيطان التي احتفظت بهم في الداخل من معرفة نوايا أولئك الجنود غير الموثوق بهم تماما، ومع مرور واشتعال معارك الأسلحة التي لا تُرى أخذ الطلبة في ثكناتهم يتساءلون بشأن مصائرهم، حيث كان الشأن الوحيد الذي يستطيع كل من مجدي المنقوش وجلال الدريسي الحديث بشأنه، يقول مجدي “كنا نجلس معًا لساعات وتستوقفنا أصغر التفاصيل واستنتاج نصل إليه، ما المعنى؟ هل يعني أي شيء؟ ولكن ننجرف بعيدًا أحيانًا فنضطر لتتوقف ونستبدل الأحاديث بكرة القدم أو الفتيات، أو أي شيء ليشتتنا”

انتهت غربتهم المنسية في ليلة ٢٥ فبراير عندما ظهر فجأة جنود لواء فرقة ٣٢ في القاعدة معلنين أن قدومهم من طرابلس كان “لإنقاذ” الطلبة، وقد أمر القائد الطلبة بجمع اغراضهم والانطلاق إلى نقطة تجمع على حافة المجمّع حيث كانت الحافلات تنتظر.

شخص ما من الفرقة ٣٢ المنقذة قد ارتكب خطأً تنظيميًا، فقد أرسلت حافلتان فقط لنقل الـ٥٨٠ طالب مما جعل المركبة ممتلئة حتى تكاد تنفجر، فقد كان الطلبة المكتظين يجلسون أينما تتواجد مساحة في جيوب الفرقة والسيارات المدرعة، لاحقًا تم نقلهم ليلًا في رحلة طويلة إلى طرابلس.

وبجانب “إنقاذهم” من مصراته إلا أن النظام لم يبد وكأنه على معرفة بما يجب فعله مع هذه الشحنة الشابة التي وصلتهم، فتم نقل الطلبة إلى مبنى شاغر لمدرسة ثانوية عسكرية يقع في الضواحي الجنوبية للمدينة، فعُيّن الطلبة في القاعات والفصول الدراسية الفارغة ولكن منعوا من المغادرة أو التواصل مع عائلتهم ونفذت التعليمات من خلال جنود مسلحين على البوابات.

ولكن حدود المدرسة الثانوية في طرابلس كانت اتفاقية نفاذ جيدة بالنظر إلى أكاديمية القوات الجوية، وتدريجيًا علم الطلبة شيئا من مرافقيهم عن الصراع الواقع في دولتهم، وعلى الرغم من أن العصابات الإجرامية والمرتزقة الأجانب ممن وظفهم أعداء ليبيا الغرب كانوا خلف إشعال الاضطرابات إلا أنه قيل أن مجموعات ضالة من السكان انضمت وساهمت في نشرها، وفي بداية مارس احتدت الجريمة التي اوجدها الأجانب في مصراته وبنغازي وكلا المدينتين باتت ساحات للمعارك الضاربة.

ومع عرض هذه الرواية، لم يُفَاجَئ مجدي تماما عندما ظهرت طائرات حربية تابعة للتحالف الغربي في منتصف مارس في طرابلس لتقصف المنشآت الحكومية مما كان تأكيدًا على أن الدولة أصبحت تُهاجم من الخلف، بشكل طبيعي أقلق الوضع كل من مجدي وجلال حول مساقط رؤوسهم وتساءلوا ما إن تم اغواء أي من اصدقائهم للانضمام إلى صفوف الخونة، يقول مجدي “تكلمنا حول الأمر كثيرًا، اوه كان خالد دائمًا متهورًا، اراهن على أنه انضم إليهم”

تدريجيًا بدا الطلبة وكأنهم كسبوا ثقة النظام بشكل كافي ليتم نقل مجموعة كبيرة إلى قاعدة الجيش في منتصف أبريل لمباشرة التدريبات على أنظمة توجيه الصواريخ، إلا أن لم يتم اختيار أي من مجدي أو جلال لهذه المهمة واستمر بقائهم في المدرسة الثانوية على أي حال، حتى أتى يوم من بدايات مايو ولاقى مجدي أحد معارفه القدامى في الثكنة ويدعى محمد الذي كان في ذلك الوقت ضابط مخابرات عسكرية وأراد أن يتحدث مع مجدي حول مصراته، تحدث الاثنان لبعض الوقت مع أسئلة محمد عن مواقع مختلفة في المدينة وما إن كان الطالب الشاب قد يكون على معرفة بـ”القادة المدنيون” للمدينة، لم يتوقع مجدي أبعادًا لهذه المحادثة حتى تم استدعائه بعد بضعة أيام في الظهيرة إلى المقر.

هناك، أبلغ أحد الضباط مجدي أنه تم اختياره لينضم إلى الطلاب الذين يتلقون تدريبات توجيه الصواريخ؛ وأن الجيب الذي سينقله إلى القاعدة سيغادر حالًا، فأسرع مجدي بالرحيل ولم يسعفه الوقت ليودع جلال.

ولكن سائق الجيب لم يأخذه لقاعدة الجيش بل عوضًا عن ذلك اتبع طريق طرابلس الدائري إلى الطريق الساحلي ثم تحول شرقًا.

في مقتبل المساء، وصلوا إلى الدافنية اخر بلدة قبل مصراته حيث تسيطر حدود الحكومة، وهناك اقتيد مجدي إلى مزرعة صغيرة حيث قيل له أن احدًا ما يريد محادثته على الهاتف، كان ذلك محمد ضابط المخابرات العسكرية.

كما أوضح محمد أن طالب القوات الجوية تم اختياره لتنفيذ “مهمة وطنية خاصة”: كان عليه أن ينزلق إلى مصراته ويجد أي من القادة المتمردين وأماكن عيشهم، وبمجرد أن يعرف ذلك سيمرر المعلومات إلى ضابط اتصال سري تم اخفاؤه داخل مصراته، وهو رجل يدعى أيوب وللتواصل معه أُعطي مجدي هاتف الثريا الفضائية ورقم للاتصال.

بعدما سمع مجدي كل هذا تبادر إلى ذهنه فكرتان، الأولى كانت بشأن أصدقائه في المنطقة: منذ أن سمع عن حجم النزاع في مصراته افترض أن بعضهم سينضمون للطرف الآخر، فإن تولّى المهمة فإنه وباحتمال كبير قد يتسبب بمقتلهم.

أما الفكرة الأخرى كانت حول حديثه مع جلال مؤخرًا، فقد استيقظ صديقه في أحد الأيام منزعجًا مفسرًا ذلك بأنه حظي بحلم مزعج حيث استغرق الأمر وقتًا ليعرف مجدي التفاصيل، واخيرًا صرّح جلال “حلمت أنه تم ارسالنا إلى القتال في مصراته، ومن ثم قُتلت.”

ولكن سرعان ما تجاوز مجدي كل الترددات، وفي تواجده في وعاء السمكة الذهبية طرابلس سمع فقط ما أراده النظام أن يسمعه، وإن لم يصدقه كاملًا فإنه على الأقل صدّق بشكل كافي يدفعه ليساهم بهزيمة الأجانب واتباعهم الذين يدمرون ليبيا حتى ولو كانوا أشخاصًا يعرفهم، وربما المغزى الأكبر أنه أراد لكل هذا الصراع أن يبلغ نهايته فقد تم عزله لمدة ثلاثة أشهر عن عائلته والعالم الخارجي مما جعله ببساطة يبتغي حدوث شيء ما -أي شيء-، ولذلك فقد وافق.

في الصباح الباكر من اليوم التالي ودّع مجدي أصحابه في المزرعة وتوجه وحيدًا إلى منطقة الصراع حيث تبعد مصراته ١٠ أميال شرقًا، واضعًا في الجيب الأيمن الأمامي لبنطاله بطاقة هويته العسكرية، وإن اوقفوه المتمردون فإن هذه البطاقة بحد ذاتها لن تسبب له المشاكل غالبًا؛ وذلك لأن عددًا لا يحصى من الجنود قد اتخذوا موقفًا معاديًا ضد الحكومة، وحقيقة أن مجدي من مصراته ستساهم بتأكيد أن مغزى ظهوره كان العودة إلى دياره لا أكثر، أما الهاتف اللاسلكي الذي كان في جيبه الأيسر فهو أمر اخر تمامًا، فمع قطع الاتصال بالإنترنت والهاتف المحمول أصبحت الثريا الوسيلة العملية للتواصل لعملاء النظام في الميدان، وإن اكتشف المتمردون جهاز مجدي -من المؤكد أنه سيتم ايجاده بأبسط تفتيش- فإنهم سيستنتجون أنه أتى لمصراته كجاسوس، وفي ظل هذه الظروف فإن اعدامًا مختصرًا كان على الأغلب أرحم نتيجة يأملها.

وبمجرد أن عبر تعالى صوت إطلاق النار حيث وقعت قعقعة غير منتظمة نتيجة لانفجارات المدفعية البعيدة، ولكن بين الرياح الخفيفة وتضاريس التلة الدائرية في الجرف الساحلي لمصراته كان مستحيلًا بالنسبة لمجدي أن يحدد مدى قرب أي منها أو حتى اتجاهها، حاول أن يستحضر في عقله شيئا مما درسه في التدريب التأسيسي ذلك أن أكثر الأصوات المقلقة في الحرب ليست طلقات الأسلحة بل ذلك الصوت المفرقع الناعم كتحطيم الأصابع، كان ذلك الصوت الذي أصدره الهواء بعدما اخترقته رصاصة لم تسمعها إلا عندما عبرت بالقرب من رأسك.

ذاكرة مجدي يغلب عليها الغموض بشأن تلك الرحلة، فهو لا يتذكر كم استمرت ولكن يقدّر أنه مشى لمدة ثلاث ساعات تقريبًا ولكن ربما تكون أقصر أو أضعاف المدة، فلم تتبادر إلا لحظة واحدة في ذهنه وهي أنه في منتصف طريقه عبر منطقة الصراع امتلئ بشعور من الفرح لم يسبق له مثيل.

يقول مجدي “لا يمكنني حقًا وصفه، ولم أشعر بشيء مشابه منذ لحظتها، ولكنني كنت فقط سعيدًا جدًا وفي سلامٍ كامل مع كل شيء” صمت لبعض الوقت ليستحضر تفسيرًا، ويكمل “أعتقد أنه بسبب وقوفي في المكان الوحيد الذي خرجت به من ظل الآخرين، لم أخن أصدقائي بعد ولم أخن بلدي بعد -هذا ما ينتظرنا- مما يعني أن طالما بقيت هناك فإني حر.

مثل مجدي المنقوش في ليبيا، مجد إبراهيم كان مجرد مراقب عن بعد للاضطرابات العارمة في المنطقة، فالديكتاتورية السورية لم تحاول إخفاء الثورات في تونس ومصر عن شعبها، في الواقع كانوا يتحدثون عنها بحرية مع عجرفة صريحة، ويصرح الرئيس بشار الأسد في صحيفة وول ستريت جورنال في ٣١ يناير “نواجه ظروفًا تعد أكثر صعوبة من غالية الدول العربية ولكن بالرغم من ذلك فإن سوريا مستقلة، ما لسبب إذن؟ ذلك لأنه عليك أن تكون على صلة وثيقة بمعتقدات الشعب.”

بفترة قصيرة بعد المقابلة، صمت الإعلام السوري المسيّس حول الموضوع بأكمله، ومن المؤكد أنه لم يذكر خروج المتظاهرين لشوارع درعا في جنوب سوريا في أوائل مارس احتجاجًا على اعتقال وبلاغات التعذيب لمجموعة طلبة ثانوية بسبب كتابتهم عبارات معارضة للحكومة على الجدران، يقول مجد “سمعت عما وقع في درعا عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، فيس بوك ويوتيوب.”

كانت نفس المواقع التي عرف منها مجد باحتجاج تضامني سُمّيَ بيوم الكرامة وقد قُرر وقوعه أمام مسجد خالد بن الوليد في وسط مدينة حمص في ١٨ مارس، بقي مجد بعيدًا عن هذا التجمع استجابةً لتحذيرات والديه ولكن مما سمعه من أصدقائه أن المئات من المتظاهرين ظهروا ويراقبهم عدد مساوٍ تقريبًا من عناصر الشرطة وأفراد امن الدولة، كانت قصة صادمة للطالب الجامعي البالغ من العمر ١٨ عامًا؛ ببساطة لم تشهد حمص لها مثيل ابدًا.

وكانت تلك المظاهرة صغيرة مقارنةً بالتي تبعتها في الأسبوع التالي، فهذه المرة بلغ عدد المحتجين بالآلاف حيث نجح مجد الذي تصوّر أنه من الآمن العبور وسط هذه الحشود لعددها الكبير بالاقتراب كفايةً ليستمع إلى مطالبهم: كالإصلاح السياسي، وحقوق مدنية أكثر، وإلغاء مرسوم حالة الطوارئ الذي استمر في سوريا طوال الـ٤٨ عامًا السابقة.

في ٣٠ من مارس القى الأسد خطابًا للبرلمان السوري حيث نقلته على الهواء مباشرةً القنوات التلفزيونية والإذاعية الحكومية، بينما امتدت الاحتجاجات إلى عدة مدن سوريا فإنها مازالت سلمية بشكل كبير فقد كانت مطالبات المعترضون قائمة على تغيير النظام وليس إسقاطه، ونتيجة لذلك -باعتبار أن النظام تعلم شيئًا من الانهيارات التي حدثت مؤخرًا مع الحكومتين التونسية والمصرية والفوضى العارمة في ليبيا- توقع الكثير أن الأسد أن يستجيب للتحسين.

كانت التوقعات أيضا مبنية على شخصية الأسد، ففي الاحدى عشر عامًا التي حكم بها الدولة منذ وفاة والده تبنّى اخصائي العيون المتواضع العديد من محاولات الإصلاح، ومع زوجته النشيطة والفعّالة التي وُلدت في بريطانيا أسماء، صنع صورة لطيفة وحديثة للحكم السوري، وخلف كل هذا القمع المُزيّن، قليلة الاشياء التي تغيرت فعلا، فالأمن السري لسوريا مازال في كل مكان، و”السيطرة العميقة” -الطبقة التي لطالما حكمت البلاد من البيروقراطيين ورموز الجيش- مازالت بأيدي الأقلية العلوية نوعًا ما، ومع الأقلية المسيحية في سوريا كان العلويين قلقون من أن أي تجاوب مع المحتجين قد يؤدي إلى ثورة سنية ومعها نهايتهم.

بعد تقديم وعود مبهمة حول الإصلاح المستقبلي استخدم الأسد عوضًا عن ذلك خطابه البرلماني ليتهم مثيري الشغب في الشوارع أن “العدو الإسرائيلي” خلفهم، وليصدر تحذيرًا صارمًا فقد أعلن “وأد الفتنة واجبٌ وطنيٌ وأخلاقيٌ وشرعيّ وكل من يستطيع أن يساهم في وأدها ولا يفعل، فهو جزءٌ منها….وبالتالي فلا مكان لمن يقف في الوسط” وتوافقًا مع التقليد الذي بدأ في عهد والده فقد قاطع أعضاء البرلمان خطاب الأسد مرارًا وتكرارًا واقفين ويصرخون بحبهم وامتنانهم للرئيس.

يتذكر مجدي أن نوعًا من الصمت الغريب حلّ على حمص بعد توجيه الأسد، رغم استمرار بعض الاحتجاجات المتفرقة حول المدينة حيث تراقبها كتائب قوات الامن المدججة بالسلاح، ولكن بدا الأمر كما لو أن لا أحد واثقًا تمام الثقة بشأن ما سيفعله تاليًا -كلا الجانبان خائفان، ولعله من أن تواجه الدولة حربًا مفتوحة أسوأ من ليبيا.

انتهى الفصل فجأة في ١٧ من أبريل ٢٠١١، ذلك المساء وبناءً على ما أصدرته قناة الجزيرة فإن مجموعة صغيرة من المتظاهرين يبلغ مجموعهم تقريبًا ٤٠ تقوم بالاحتجاج خارج مسجد في حمص عندما توقفت عدة سيارات حولهم وخرج عدد من الرجال من السيارات – على احتمال أنهم ضباط شرطة مرتدين الزي المدني المحلي أو أعضاء من الشبيحة العلويين الكبار- وباشروا بإطلاق النار على ٢٥ محتج على الأقل من مسافة قريبة.

كان ذلك الحدث كالبنزين عندما يُلقى على النار، ففي تلك الليلة تجمّع عشرات الالاف من المتظاهرين في ميدان برج الساعة في وسط المدينة وهذه المرة ظهر رجال الشرطة والشبيحة على السطوح والادوار العليا من المباني المحيطة ليصيبهم بالرصاص، يقول مجد “تغير كل شيء عندها، فقد كانت من قبل احتجاجات أما في ١٧ أبريل فهي انتفاضة.”

وبينما كان المحتجون يُقتلون يوميًا تقريبًا، فإن جنازاتهم باتت نقاط تجمع لعدد أكبر من المحتجين في الشوارع في اليوم التالي؛ ويكون الرد الوحشي دائما من قوات الامن على هذه التجمعات بأن يضاعفوا أعداد الشهداء، لضمان حشود أكبر -وقتل أكثر- في الجنائز القادمة، وفي أوائل مايو تصاعدت دورة العنف بسرعة فائقة عندما أتى الجيش السوري إلى حمص في مجموعات مسببين إغلاق المدينة كليًا.

يستحضر مجد الأمر بالإشارة إلى الجهاز الكبير للمخابرات والشرطة المرتدية للزي الموحد المهيمنة بشكل تقليدي في المدن السورية “لم يثق أحد في قوات الامن المحلية، ولكن الجميع أعجبهم قدوم الجنود حتى أنا لاعتقادنا أنهم آتين لحماية الناس وإيقاف القتل، وحصل ذلك فعلا فعلى الرغم من امتلاكهم الدبابات وكل شيء إلا أنهم لم يستعملوها وسرعان ما انتهى القتل”

بعد مدة قصيرة سحب النظام الجزء الاضخم من قواته العسكرية من حمص بغرض ارساله إلى أماكن أخرى واستكمال عمليات “التهدئة” -ومع عدم قدرة الجيش على تحقيق النظام انطلقت المخابرات في توزيع أسلحة أثقل للشبيحة شبه الرسميين، مما أدى لسقوط المدينة بسرعة في سفك الدماء، حيث حجزت القوات الشبه رسمية على الطرق حول حمص وقادت المداهمات داخل الاحياء التي يسيطر عليها المتمردون حاليًا، واستمر القتال طوال الصيف مع سعي من فئات مسلحة مؤيدة ومعادية للنظام للسيطرة على أجزاء أكثر من المدينة.

ثم أخذت الأمور منحنيات أكثر وحشية، ففي هذه المدينة التي تعد الأكثر اختلاطًا دينيًا في سوريا أصبح الناس يموتون فجأة بدون أي سبب يذكر عدا انتمائهم الديني، في أوائل نوفمبر من ٢٠١١ وبناءً على رواية غير مؤكدة من رويترز فقد أوقف رجال مسلحون حافلة وقتلوا تسعة ركاب علويين، في اليوم التالي بالقرب من حاجز الطريق قادت القوات الأمنية السورية احدى عشرة عاملًا إلى الإعدام ربما ردًا عل ما حصل، وطوال هذه الفترة كانت واضحًا استهداف حملة إرهابية تقوم بالاختطاف والاغتيال للطبقة المهنية في المدينة، مما أدى إلى أن يختبئ أو يفر الكثير منهم.

كانت الأوضاع الأمنية اثناء القتال متفاوتة حيث أن بعض المناطق باتت أرضا لنيران المعركة بينما الأخرى مازالت المتاجر مفتوحة والمقاهي ممتلئة، وطوال هذه الفترة كان مجد إبراهيم يكمل دراسته في إدارة الفنادق في جامعة البعث، وبقي حي الوعر الذي يسكنه من أقل الاحياء تأثرًا بالعنف الذي وقع، ومن خلال اطلاعه على تقارير الأخبار حول حرائق معينة كان قادرًا على بلوغ الحرم الجامعي في رحلة تستغرقه ميلين، في فبراير من ٢٠١٢ أصبح القتال عشوائيا حتى اضطرت الجامعة أن تعلن اغلاقها مؤقتًا، وفي الوقت ذاته بدأت الاشاعات تدور حول حمص أن الجيش السوري سيعود بقوة، وهذه المرة للقضاء على التمرد كليًا.

يفسر مجد الأمر “كان ذلك عندما قرر والديّ إرسالي إلى دمشق، فمع اغلاق الجامعة وتفاقم القتال لمراحل أسوأ شعروا بأنه لم يكن هناك أي داع لكي أبقى – وبات الوضع خطرًا على الشباب خاصةً- غادر مجد للعاصمة السورية في أوائل فبراير، وعبر من خلال خط للجيش لا تكاد أن تُرى له نهاية محملًا بالشاحنات والدبابات وقطع المدفعيات المركونة على كتف الطريق السريع حول حدود حمص، وفي اليوم التالي دخل الجيش السوري.

أول روح حية رآها مجدي المنقوش بمجرد وصوله إلى ضواحي مصراته الغربية كانت لصبيّ تقريبا يبغ ٨ أو ٩ من العمر ويلعب في التراب، حيث كل البيوت حوله كانت مهجورة أو مهدومة، بعدها لاحظ وقوف سيارة في ظل جدار مزرعة.

سأل مجدي الصبي “هل والدك هنا؟ هل ستأخذني إليه؟”

بعدها التقى والد الصبي في المزرعة حيث كان رجلًا في الثلاثين قد ملأه الشك والاستنكار حول ظهور هذا الغريب المشبوه من أرض الصراع، بينما بقي مجدي يكرر قصة تخفيه: أنه هرب من النظام ويسعى للوصول إلى عائلته، ومما ساعده في هذه الحيلة كان لقب عائلته فالجميع في مصراته يعلم عن عشيرة المنقوش، اطمئن الرجل وعرض على مجدي توصيلة للمدينة.

بقدر ما سمع حول النزاع في مدينته إلا أن مجدي لم يكن مستعدًا للواقع، فمنذ أواخر فبراير ٢٠١١ زادت قوات الحكومة الحصار على مصراته والسكان باتوا معتمدين تمامًا على أي طعام أو إمدادات صحية يمكن إحضارها من البحر بينما كان الجيش يمطر عليهم بالقذائف والجنود يقاتلون المتمردين زنقه زنقه، وفردًا فردًا كما وعد القذافي، هدأ الحصار إلى حد ما مع مجيء ضربات التحالف الغربي الجوية في أواخر مارس، ولكن الدمار قد غطى المدينة من كل جهة يكاد مجدي يراها فالمباني تفجرت بقذائف الدبابات أو أحرقتها النيران، بل بلغ الدمار حدًا لم يتكمن مجدي في بعض الأماكن من تسمية بعض الشوارع أو التقاطع الذي كانوا يمرون به.

أنزل رجل المزرعة مجدي في منزل عائلته، يتذكر مجدي الموقف “مجرد ما أن دخلت من الباب الأمامي كانت أختي أول شخص رأيته، ثم زوجة أخي وأطفالها، كان ثلاثة أشهر ظننت أني لن أراهم مجددًا ابدًا” قالها بينما يحاول كبح دموعه.

قضى مجدي بقية ذلك اليوم في لمّ شمل عائلته وقد عَلِم أنه بعدما اشتد مرض والده ذهب هو ووالدته على متن سفينة اخلاء طبي إلى تونس، كما بلغه أن قائمة “الخونة” الداخليين للنظام لم تتضمن فقط الأصدقاء القدامى بل امتدت لعائلته؛ ففي الحقيقة كان أخوه الأكبر محمد يخفي مجموعة هاربة من طياري طائرات الهليكوبتر التابعة للقوات الجوية في منزله لعدة أسابيع، بدا وكأن الجميع انضم للثورة وأصبح ملتزمًا بها الآن، فبعد كل شيء مصراته عانت لترى النهاية.

في لحظة ما خلال هذا الاجتماع العائلي استأذن مجدي ليذهب إلى غرفة نومه القديمة بعض الوقت، وهناك أخرج الثريا من جيبه وخبأه على رف خلف مجموعة فرش، يقول “لم أكن واثقًا مما سأفعله بعد، ولكن علي أن اخبئ ذلك الهاتف عمومًا”

وبحلول الأسبوع التالي كان الولد المصراتي العائد يتجول في مدينته المدمرة، ويلتقي بأصدقائه وتصله اخبار أولئك الذين أصيبوا أو قتلوا في المعركة، وخلال ذلك أدرك أنه كل ما أُخبر به وصدّقه عن الحرب كان كذبة، فلم يكن هناك مجرمون ولا مرتزقة أجانب -على الأقل ليس بين المتمردين- كل ما كان هناك هم أشخاص مثل عائلته، يائسين لآخر رمق للتخلص من الديكتاتورية.

لكن هذا الاستنتاج وضع مجدي في نقطة حساسة، حيث أنه من المؤكد أن وسيطه المخابراتي أيوب يعلم بوصوله إلى مصراته ويتوقع منه تقريرًا، استقبل مجدي مؤقتًا فكرة التخلي عن الثريا وتجاوز الأمر كما لو أنه لم يحدث شيء، ولكن فكّر بعدها بالعواقب التي ستقع بها عائلته إن انتصر النظام في النهاية، أو إن كشف المتمردون خلية التجسس التابعة للنظام في المدينة وشُهِّر باسمه؟

بمواجهة هذه الاحتمالات أتى طالب القوات الجوية بخطة أكثر ذكاءً -وخطورة-، في منتصف مايو قدّم نفسه إلى المجلس العسكري للمتمردين المحليين وصرّح بكل شيء، وكما يعلم مجدي فإن كونه جاسوس محتمل ويلقي بذاته أمام رحمة العدو في وقت الحرب ليس رهانًا جيدًا -الوسيلة الملائمة غالبًا للمتمردين هي أن يسجنوه أو يعدموه- ولكن قام بتقديم عرضه الجريء رغم هذه النتيجة الواردة.

في الصباح التالي تواصل مجدي مع وسيطه للنظام أيوب اخيرًا، واتفقا للقاء بعد يومين في مبنى سكني فارغ في وسط المدينة، وفي ذلك اللقاء داهمت مجموعة من جنود التمرد بالأسلحة وسرعان ما كبّلوا كلا الرجلين على الأرض، وُضع كل من مجدي وأيوب في سيارات مختلفة للنقل إلى السجن، وما إن أعلن المجلس العسكري للمتمردين القبض على “جاسوسين للنظام” في مصراته، كان مجدي في منزل عائلته.

رغم أن الأزمة قد تلاشت تمامًا على نحو مثالي، إلا أنه كان هناك عرضة بوجود عملاء آخرين من النظام على دراية بمهمة مجدي، مما يجعل تنقله بالمدينة خطيرًا، فاقتنص الفرصة لينزل إلى تونس لزيارة والديه.

بالنسبة لمجدي البالغ ٢٤ عامًا فالنقيض في تونس – حديثة ومسالمة- كان أشبه برحلة أخرى إلى الحيرة، يقول “كانت هادئة ومريحة جدًا مما جعلني أقضي وقتًا لأصدق أنها حقيقية.”

كان ممكنًا بقاء مجدي في تونس ببساطة؛ بل إن ذلك ما أراده والداه بالتأكيد، ولكن بعد بضعة أسابيع أصبح قلقًا وبات يشعر أن دوره في حرب بلاده لم يكتمل، فيقول “أعتقد أن جزءً من شعوري كان الانتقام، فقد كنت مع الجيش ولكنهم كذبوا وتلاعبوا بي وبالتأكيد أن الحرب لم تنته بعدك فالناس تقاتل وتموت حتى الآن، أخبرت والدي أني لا أملك خيرًا وسأذهب للمنزل.”

بعد عودته إلى مصراته أصبح مجدي مباشرةً نشيطًا مع ميليشيا متمردة محلية تدعى بلواء ذي قار في مسيرة لمعقل القذافي في طرابلس، وقبل أن يأخذ موقعه هناك كانت قوات الحكومة في العاصمة قد انسحبت وتراجع الديكتاتور وأتباعه المتبقين إلى الساحل في مدينة سرت حيث موطن قبيلة القذافي، وهناك بينما هم محاطون وخلفهم البحر كانت حركتهم اليائسة الأخيرة، ولمدة شهر تولّت وحدة مجدي امتداد الطريق السريع لمدينة سرت بقصف معاقل النظام والاشتباك في معارك نارية من حين لآخر كلما حاول الجنود المحاصرون الخروج، وذات الحال في أي مكان اخر في الحرب الليبية -بل في معظم الحروب في الحقيقة- فالقتال في سرت كان مسألة غير منظمة بشكل غريب، فتشتد الاحداث للحظات لاحقًا تليها انقطاعات مضجرة طويلة ، وبالنسبة لمجدي فقد بدا له هذا الإيقاع وكأنه سيستمر إلى أجل غير مسمى.

عوضًا عما توقعه فإن الأمر انتهى فجأة في ٢٠ أكتوبر ٢٠١١، ففي صباح ذلك اليوم نشبت حرب نارية عنيفة في الجزء الغربي من سرت، تخللها سلسلة هجمات جوية من طائرات التحالف الغربية الحربية؛ ورأى مجدي من موضعه على الطريق السريع ارتفاع أعمدة مريعة من النيران والغبار من انفجار القنابل حول المدينة، وحول الساعة الثانية مساءً وقع هجوم مسلح أصغر اخر من الضواحي الغربية، حيث استمرت ٢٠ دقيقة قبل أن يحل الصمت تمامًا، في بادئ الأمر اعتقد مجدي ورفاقه أن رجال القذافي استسلموا لكن سرعان ما أتت اخبار أفضل وهي القبض على الديكتاتور وقتله، يستحضر مجدي اللحظة “ابتهجنا جميعًا واحتضنا بعضها، لأننا علمنا أن بذلك بلغت الحرب النهاية، فبعد كل ذلك القتل -واثنا واربعون عامًا من حكم القذافي- ليبيا تحظى بيوم جديد أخيرًا.”

ومع نهاية القتال، عاد مجدي إلى مصراته وانتقل إلى ميليشيا تتناسب أكثر مع شخصيته اللطيفة: طاقم اسعاف ينقل أخطر جرحى الحرب إصابةً من مستشفيات مصراته إلى المطار ليتلقوا علاجًا متقدمًا في الخارج، فاستمتع كثيرًا في هذا العمل الذي أشعره بوجود الشفاء بعد كثرة الموت والدمار، ووهبه تفاؤلًا بالمستقبل.

وفي يوم من شهر ديسمبر في مطار مصراته استقبل مجدي زائرًا حيث كان سامح الدريسي الأخ الأكبر لصديقه جلال، وقد سافر الخمسمائة ميلًا من بنغازي ليطلب معروفًا، فبالرغم من انتهاء الثورة الليبية منذ شهرين إلا أن اخر مرة سمع أحد ما من أفراد عائلة الدريسي من جلال كان في مايو، حيث كانت مكالمة هاتفية قصيرة من المدرسة الثانوية الطرابلسية عندما حجزت القوات الجوية الطلبة، ووقع ذلك بعد أيام من مغادرة مجدي إلى مصراته لمهمة التجسس.

بتغيير مساره مرة أخرى انطلق مجدي نحو البحث عن صديقه المفقود بإصرار أشبه بالهوس، فقضى أسابيع في عودته إلى طرابلس حيث متتبعًا لبعض زملائهم السابقين في الأكاديمية ومن خلالهم تمكن من جمع جزء على الأقل من الاحجية، في مايو ٢٠١١ اختير جلال ليكون ضمن مجموعة تتكون من حوالي ٥٠ طالب في المدرسة الثانوية في طرابلس ممن اخبروا أنه سيتم ارسالهم لمساعدة قوات الخط الأمامي أثناء تقدمهم ضد المتمردين بمصراته وسيكون دورهم التحقق من الفخاخ القديمة وحراسة خطوط الاتصالات والإمداد، ولكن بدلًا من ذلك تم استخدام الطلبة ليكونوا طُعمًا هناك، فقد اُخرجوا إلى ساحة مفتوحة ليطلق عليهم ويقصفون بينما تموضع جنود النظام الأكثر تمرسًا في الخلف ليراقبوا مصدر اطلاق العدو للنار، وبينما يتساقط الطلبة واحدًا تلو الاخر في هذه المهمة الانتحارية، استطاع جلال واثنان من أصدقائه الوصول إلى مزرعة بعيدة حيث توسلوا مزارع مسن أن يأخذهم جنوبًا بعيدًا عن ساحة المعركة؛ لكن ما حصل أن المزارع قد غدر بالطلبة وأوصلهم إلى قوات الامن الداخلي والتي بدورها أعادتهم مباشرةً إلى الجيش، وبعد جولة من الضرب تم إعادة الثلاثة إلى فرقة الانتحار.

وهناك اخر ما بلغته القصة، وبعد فترة وجيزة حاول شركاء جلال الهروب للمرة الثانية -ونجحت- بينما نُقل جلال إلى جهة مختلفة من المقدمة.

دفع ذلك مجدي لينطلق نحو بحث جديد واخيرًا وجد زميلًا سابقًا ليكمل القصة، في أحد أيام شهر يونيو أُقيلت مجموعة صغيرة من الطلبة -جلال وآخرون ممن استطاعوا النجاة طوال تلك الفترة- على مدى طريق مزرعة على الضواحي الجنوبية لمصراته حيث قادهم ضابط واستدعى الطلبة لتقرير الحالة، في ذات اللحظة فجر صاروخ من طائرة حربية غربية تابعة للتحالف طائرة بدون طيار لم تُرى سيارة الضابط، فقتلته ومعظم الطلبة الذين كانوا بالقرب مباشرةً، عندما سقط الصاروخ كان جلال يجلس تحت شجرة تبعد حوالي خمسين ياردة، لكن هناك حيث أصابته قطعة منحرفة من شظايا الصاروخ وقد مزقت قمة رأسه، دفن رفاق جلال الناجون دماغه المنسكب تحت الشجرة بينما وضعوا جثته في شاحنة مع الموتى لينقلوه إلى مقبرة مجهولة.

يقول مجدي “بالطبع تذكرت حلمه، نعم، كلنا ذهبنا إلى مصراته للقتال لكنه من مات”.

لمعظم الناس كان ذلك يعني نهاية البحث، ولكن ليس بالنسبة لمجدي، فمع تذكره للوقت الذي قضاه مع عائلة جلال في بنغازي والضيافة التي استقبلوه بها، عزم أمره ليجد جسد صديقه لعله يستطيع إعادته لهم، وبعد طرق أبواب لا تعد ولا تحصى لموظفي الحكومة الثورية الجديدة فقد تم توجيهه أخيرًا إلى مقبرة طرابلس حيث جمُع الخونة – الموالين لنظام القذافي – ودُفنوا.

كان امتداد الأرض منفرًا وممتلئًا بالقمامة وتقطعه المئات من القبور، ومر مجدي عبر القبور صفًا تلو الآخر منهجيًا ولكن لم يكن اسم جلال مذكورًا، في النهاية وصل إلى زاوية بعيدة من المقبرة حيث رأى قبرًا قد عُلِّم عليه “مجهول”، مما أثار رهبةً لمجدي لكونه يعلم بجرح جلال المريع في الرأس فقد يجعل تحديد الهوية مستحيلًا -لكن لاحقًا لاحظ ثلاثة قبور أخرى عُلمت بـ”مجهول” كذلك، في عودته إلى مكتب المقبرة سأل عن الصور الملتقطة للجثث المجهولة الهوية قبل الدفن: صور الأربعة كانت مشوهة لدرجة فظيعة تمنع معرفتهم.

ومازال مجدي مقتنعًا أن جلال كان واحدًا من هؤلاء الأربعة، وأوصل الخبر إلى عائلة الدريسي وبعد عدة أشهر سافر إلى بنغازي ليعبر عن امتنانه لهم شخصيًا. يقول “كان لقاءً عاطفيًا للغاية، واعتذرت لهم لعدم قدرتي على الانتباه على جلال، لكن” توقف حزنًا للحظة، ثم استجمع نفسه مكملًا “إن الأمر كذلك، جلال في أحد تلك القبور، هذا مؤكد”.

قضى مجد ثلاثة أشهر في دمشق بينما نشبت معارك الشارع في مسقط رأسه، وعلى الرغم من أن الجو في العاصمة كان هادئًا -مقلق إلى حد ما- إلا أنه كان حريصًا ليعود إلى عائلته ودراسته، وأخيرًا في مايو ٢٠١٢ هدأ الوضع في حمص بما فيه الكفاية لتفتح الجامعة أبوابها من جديد.

حافظ مجد على التواصل المستمر مع والديه وأصدقائه أثناء مكوثه في دمشق، لذلك فهو على دراية أن القتال في حمص تمركز في حي بابا عمر جنوب المدينة، وبلغه أن الدمار كان واسعًا لكنه لم يكن مستعدًا للواقع فيقول “عبرنا خلاله في اليوم الذي عدت به، ببساطة قد تلاشى، كل شيء قد تلاشى حرفيًا وأتذكر تفكيري -أحاول أن أجد جانبًا إيجابيًا، أتعرف؟ – أنه على الجميع المجيء ليرى كل ذلك، فإن رأى الناس بابا عمر الآن سيكون درسًا لهم، لأنهم حينها سيفهمون أن الحرب مريعة”. وسرعان ما اتضحت سطحية هذه الفكرة؛ ففي غضون أسابيع من عودة مجد بدأت معركة حمص بجدية مجددًا، وهذه المرة كان النظام يستهدف المتمردين في حي الخالدية، ولأن مدفعية الجيش الرئيسية تقع على أرض مجاورة لمنطقة الوعر مما يعني إن أن القذائف كانت تمر مباشرة على مبنى إبراهيم السكني طوال الوقت.

يقول مجد “عندما تعبر فوقنا يبدو وكأن الهواء قد تبدد، لا أجد طريقة أخرى لوصف الامر، ولكنك تشعر بها في رئتيك فقد كان من الصعب التنفس لمدة نصف دقيقة بعد عبورها، كأن الاوكسجين انقضى”

توسع القتال في حمص خلال صيف عام ٢٠١٢ ومع انتهاج الجيش السوري استهداف الاحياء التي يقودها المتمردون واحدًا تلو الاخر، فإن هجمات القوى البرية دُعمت بالدبابات والمدفع والهليكوبتر الحربي، ومع كل ذلك بقي حي الطبقة المتوسطة واعر يتمتع بهدوء نسبي كالواحة في الصحراء القاحلة، ورأى مجد أن ذلك نتيجة الاختلاف والتنوع في واعر؛ فهي تحتضن السكان من السنة والعلويين والمسيحيين، ولم تكن أي ميليشيا متمردة قادرة على أخذ السلطة -وإن لم تتواجد الميليشيات أصلًا فلن يكون هناك داع لجذب غضب الجيش السوري المفرط.

بحلول خريف عام ٢٠١٢ بدأت الأوضاع تتغير ولاحظ مجدي في شوارع واعر أن الشباب الذين يحملون الأسلحة باتوا أكثر فأكثر ومنهم من ارتدوا الشارات وأكثرها شيوعًا كانت تلك التابعة للجيش السوري الحر، ولاحظت الميلشيات بدورها مجد، فمع بلوغه سن العشرين المثالي للقتال أصبح الضغط يتنامى خلال مغامراته اليومية للجامعة نتيجة لترصد المسلحين لمعرفة انتمائه أو السخرية منه لكونه ليس “منضمًا”.

استجابةً للضغط المتزايد في واعر بدأت عائلة الإبراهيم باستئجار “دار إيواء” -اجراء أمني أخذه معظم سكان المدينة الاثرياء- وحتى الآن، فرّت العديد من العائلات من حمص وبقيت شققهم المؤثثة فارغة في مختلف نواحي المدينة، وبالاتصال مع عائلة غادرت إلى دمشق رتب والد مجد استئجار شقتهم التي تقع في حي معزول ليلجأ إليها كلما حدثت مشكلة في الوعر، في البداية، لجأت العائلة إلى دار ايوائهم من حين لآخر فقط، لكن بحلول أوائل عام ٢٠١٣ زادت رحلاتهم بإيقاع متكرر يصل إلى مرتين أو ثلاث في الأسبوع، وكان أعظم همهم سلامة ابنهم الأكبر من أيدي الميليشيات.

يشرح مجد “كان معظمهم مجرد شباب من الحي الذين تمكنوا من وضع أيديهم على السلاح، وأنا أعرف الكثير منهم -كبرت معهم- ولذلك فإن الأمور بخير، ولكن كُثر ممن أتوا من الخارج وكانوا قساة، فالكثير منهم كانوا ناجين من المعارك في بابا عمر والخالدية، كانوا يشتبهون بالجميع وأنت لن تعلم أبدًا ما هم مقبلين على فعله.”

ويُضاف عنصر آخر إلى هذا المزيج ليثير القلق فيكون أن الكثير من المقاتلين يتعاطون المخدرات، وتسري العادة بأخذ منشط يسمى كابتاجون ليبقيهم واعين ومتأهبين لأيام ويبطله دواء لمقاومة القلق يسمى زولام فيخدرهم.

من بين كل الجماعات المسلحة المختلفة التي نشأت في الوعر -والكثير كانوا أكثر بقليل من لجان دفاع عن النفس مقتصرة على الحي- أثار الجيش الحر بصورة خاصة ازدراءً في مجد، وبينما كان الكثير في دوائر السياسة الخارجية الأمريكية يصرحون برؤية تقدم علماني إن تلقى الدعم سيقود سوريا للديموقراطية، رآهم مجد مجرد حفنة من الانتهازيين والجبناء.

يقول “كان الشباب في الجماعات الإسلامية يملكون بعض المعتقدات والانضباط على الأقل، لكن معظم أفراد الجيش السوري الحر في الوعر كانوا مجرد شباب يريدون السير في الانحاء حاملين السلاح وإخافة الناس، والمضحك في الأمر أنهم هم من يسهل إخافتهم فإذا قدمت جماعة أخرى لمنطقتهم فإنهم يلتفون وينضمون إلى تلك الجماعة” .

ذات يوم قابل مجد أحد قادة الجيش السوري الحر ممن يعرفهم جيدًا يجلس مكتئبًا وبدون سيجارته، وقد عهده مجد مدخنًا شرهًا فسأله لماذا لم يكن يدخن، فأوضح له شاب الميليشيا أنه لم يعد تابعًا للجيش السوري الحر لأن جماعة إسلامية استولت على وحدته وأقرّت بحُرم التدخين.

في تنقيبه لمعرفة مصير أفضل أصدقائه تعثّر مجدي فوق مأساةٍ أخذت بُعدًا أعظم، فكل جانب في الثورة الليبية بدا وكأنه يصفّي طلبة القوات الجوية واحدًا تلو الاخر، كما في مسألة جلال فإن قوات القذافي استعملت بعضهم ليكونوا طعمًا ضد المتمردين، لكنهم أعدموا الآخرين أيضًا لمحاولتهم الذهاب لبيوتهم ببساطة، وفي المقابل وبعد قتل المتمردين للعديد من الطلبة في ساحة المعركة، فقد أعدموا عددًا لا يحصى منهم باعتبارهم “موالين للنظام” في غمرة النصر، في أوائل عام ٢٠١٢ عدد كبير من الطلبة الناجين من سفك الدماء المشترك تم حجزهم في السجون الثورية، بينما كثيرون غيرهم يعيشون في الخفاء، ومن بين زملائه الذين كانوا ٥٨٠ طالبًا في أكاديمية مصراته للقوات الجوية يقدّر مجدي أن عدد القتلى منهم بلغ ما بين ١٥٠ إلى ٢٠٠ في الحرب وعقبها مباشرةً.

يقول “كنا مجرد طلبة، هذا كل ما كنا عليه، كلا الجانبين استخدمونا، وكلاهما ذبحونا”.

على الرغم من كل ذلك إلا أن مجدي كان متفائلًا للغاية بمستقبل ليبيا بعد الثورة في البداية؛ فالدولة لديها النفط والأذكياء وبعد اثنان وأربعون عامًا من حكم العقيد معمر القذافي فهناك الإرادة لحياة أفضل أيضًا، من وجهة نظره فإن أول اجراء خاطئ كان عندما أعلنت الحكمة المؤقتة في طرابلس، المجلس الوطني الانتقالي أنها ستدفع معاشات لكل الذين قاتلوا ضد نظام القذافي، ففي غضون أسابيع شهد عدد “الثوار” -الذي وحسب أكثر التقديرات سخاءً قُدّر بحوالي عشرون ألفًا- ارتفاعًا ليقارب مئتان وخمسون ألفًا، والاسوأ أن سياق التعويض الذي قبلته الحكومات الغربية المتحالفة مع المجلس الانتقالي خلق حافزًا لجماعات مسلحة جديدة ليس فقط لتتجسد ولكن لتبقى مستقلة عن أي قيادة مركزية، فذلك أفضل للمطالبة بقطعتهم الخاصة من فطيرة التعويض، وفعلا ففي أواخر عام ٢٠١٢ بدأت الميليشيات الليبية -بعضها مكونة من محاربين حقيقيين في الثورة واخرى لا تتجاوز كونها عصابات قبلية أو إجرامية- في تجزئة المدينة لأجزاء متنافسة ومما مكّنهم على فعلها كان تمويل الحكومة المركزية ذاتها التي كانوا يضعفونها، واتضح التخبط بشكل مؤلم لإدارة أوباما عندما هُوجم المجمّع الأمريكي الدبلوماسي في بنغازي في سبتمبر ٢٠١٢ مما أدي لمقتل السفير جون كريستوفر ستيفن وثلاثة آخرون، ولكن بالنسبة لمجدي فقد أُصيب بخيبة الأمل الأخيرة بشكل شخصي، ففي خريف ٢٠١٢ حصل على “دبلوم” من أكاديمية القوات الجوية تُقر أنه أكمل جميع المتطلبات بنجاح ليحصل على درجة في هندسة الاتصالات.

يقول “لم أكمل أي شيء، فلم تكن هناك فصول لمدة سنة ونصف وبالتالي هذه الورقة لا معنى لها إطلاقًا، ولكن هذه كانت ليبيا الجديدة: كل شيء كان عبارة عن أكاذيب وفساد، وربما شعرت بذلك أكثر بسبب ما مررت به، فقد قُتل كل أصدقائي في الأكاديمية، ولكني عجزت عن تقبل الأمر فحسب، كان الأمر مثل هيا خذ الورقة، ليس بالضرورة أن يعرف أحد فقط قُل أنك مهندس، ربما شعر بها الاخرون بطريقة مختلفة أو فكروا بها من منطلق سياسي، ولكن عندما استلمت درجة الدبلوم أدركت أن الثورة الليبية غُدر بها وليبيا كانت دولة فاشلة”.

واجه مجدي خيارًا صارمًا: بإمكانه استخدام شهادته الوهمية ليحصل على وظيفة حكومية أو يمكنه بدء كل شيء مجددًا، في السنة التالية التحق بجامعة مصراته ليدرس الهندسة، وفي فترة قصيرة من عودته للدراسة انخرط مجدي أيضًا مع جماعة بيئية مقرها في طرابلس وتسمى شجرة العشاق، حيث ألهمه عملهم ليقدم المساعدة في إطلاق فرع اخر في مصراته، ومع قلة المال والامدادات قام مجدي ومتطوعون آخرون بزراعة الزهور والشجيرات على مدى العديد من القطاعات المتوسطة القاحلة في المدينة وسعى لزيادة الوعي حول أهمية الحفاظ على المناطق النباتية القليلة جدًا التي تمتلكها ليبيا، يقول “الصحراء تمتد في الكثير من الأماكن في ليبيا والوسيلة الوحيدة لإيقافها هي الأشجار”

لكن لعل مجدي امتلك دافعًا شخصيًا أكثر للعمل، فقد لاحظ أحد أكثر الظواهر غرابة بين الجنود السابقين في كل مكان وهي الرغبة في العزلة، ليبقوا خارجًا في الطبيعة وعندما زرته في مصراته كان مجدي متحمسًا ليطلعني على الغابة التي كان هو وأصدقائه يرعونها للحفاظ على البيئة، في الصباح الباكر خرجنا من مصراته إلى الحقول الزراعية والقرى الصغيرة في ضواحيها الجنوبية.

أثبتت “غابة” مجدي أنها أكثر نوعًا ما من مجرد صفوف قليلة من أشجار الصنوبر الضام بجانب طريق زراعي، ومع نفايات نثرها المتنزهين عديمو الاهتمام لكنه مع ذلك كان فخورًا بها للغاية، ومتجاوزًا القمامة كان يتجول بين الأشجار ويتنفس رائحة الصنوبر بعمق مع ابتسامة محفوفة بالرضا.

بالنسبة إلى ليلى سويف، فإن أخبار ٢٨ مايو من عام ٢٠١٢ بلغت حدًا من السوء لا يمكن تصور ما قد يفوقه، ففي تلك الظهيرة أعلنت لجنة الانتخابات الوطنية في مصر أسماء الرجلين المرشحين للمنافسة ليكون أحدهما أول رئيس منتخب ديموقراطيًا في التاريخ المصري، كان هناك ثلاثة عشر مرشحًا والوحيد الذي كان تقدمه ملحوظًا كان محمد مرسي، القائد لجماعة الإخوان المسلمين ذلك الحزب الذي وحّد بشكل كاف المصوتين المسلمين ليشكلوا جبهة تصويتية ذات معنى، وضده كانت ليلى مستعدة لتدعم أي من الآخرين – باستثناء واحد وهو أحمد شفيق رئيس وزراء حسني مبارك السابق، في تلك الظهيرة تم الإعلان أن المتنافسين في الجولة الأخيرة هما مرسي وشفيق.

سألت ليلى دون أن تتوقع جوابًا “إذن ماذا سنفعل؟ كان مرسي مرفوضًا تمامًا، لكن الآن إما هو أو شفيق، ولذلك فنحن عالقون، حسنًا، لن يكون شفيق أبدًا -لأن ذلك يعني العودة إلى عهد مبارك- فبتالي…”

بهذه الطريقة وحدها، وجدت النسوية القوية واليسارية ليلى سويف نفسها تدعم انتخاب رجل يدعم عودة مصر إلى القيم الإسلامية التقليدية، ذُهل الكثير من المصريين الاخرين بالاختبار الذي أُعطي لهم؛ في جولة يونيو بالكاد تأهل مرسي بأعجوبةٍ بحصوله على ٥١.٧ بالمائة في التصويت.

وعد مرسي في خطابه الافتتاحي في ٣٠ يونيو أن “في مصر الجديدة سيكون الرئيس موظفًا وخادمًا للشعب” ولكن لعل الأدق خادمًا للدولة العميقة، فقبل أيام فقط من تولّي الرئيس الجديد المنصب، قام المجلس الأعلى للقوات المسلحة ذلك المجلس العسكري الذي حكم مصر منذ سقوط مبارك بنقل معظم السلطات الرئاسية للجيش، وتبع ذلك مرسوم أصدرته المحكمة الدستورية العليا ينص على الاحتفاظ بعهد مبارك مما نقض برلمانًا حاضنًا للإخوان المسلمين والأحزاب السياسية الإسلامية الأخرى ليسيطروا عليه، وفي اليوم الذي استلم به منصبه كان مرسي بالكاد أكثر من رئيس صوري، مجرد صورة عامة لديموقراطية متهالكة.

حاول مرسي بقوة استعادة السلطة التي سُلبت من منصبه متجاهلًا مرسوم المحكمة الدستورية العليا، فأمر بإعادة البرلمان الملغي الذي يسيطر عليه الإسلاميون، والأكثر جرأة كان طرده لقيادة العسكرية العليا التي تضمنت وزير الدفاع القوي وحلّ مكانه رجل مرسي الخاص عبد الفتاح السيسي، ذلك الجنرال الذي حاضر أحمد سيف خلال احتجازه في ٢٠١١.

لكن بعد ذلك بالغ مرسي – بشكلٍ سيء- ففي أكتوبر ٢٠١٢ حاول توسيع السلطة الرئاسية بمرسوم ما، وقد كانت حركة نبهت كل من الدولة العميقة والمعارضة العلمانية التي تزايد قلقها بالفعل من الأسلمة الزاحفة، وسرعان ما انساق مرسي نحو أحد أكثر المسائل إثارة للجدل في عهده، لكن الضرر قد وقع؛ وفي جولة جديدة من الاعتراضات عبر مصر استنكر الناس الرئيس لمحاولته أن يصبح “فرعون” الجديدة أو “آية الله”.

وهنا كان الانفتاح الذي كانت الدولة العميقة تنتظره على ما يبدو، الفرصة لإعادة فتح الانقسام التقليدي الموجود بين خصميها الإسلامي والعلماني، حيث أنه ولمدة عقود كان الجنرالات المصريون يعارضون الإسلاميين -الإخوان المسلمين بشكل خاص- باعتبارهم أكبر تهديد للدولة العلمانية الحديثة وعيّنوا أنفسهم بشكل طبيعي أوصياءً ضدهم، وحُطّمت هذه الاستراتيجية اثناء الأيام الثورية مع تحول الإسلاميون والتقدميون في آن واحد ضد الجنرالات، لكن أحمد سيف رأى كم من السهل إيحاؤها، ففي اجتماع نظمته منظمة العفو الدولة مع نشطاء حقوق الانسان في العام السابق عندما كانت مصر لاتزال تحت حكم جنرالات المجلس الأعلى للقوات المسلحة عبّر الحضور واحدًا تلو الاخر عن قلقهم حول احتمال فوز إسلامي في الانتخابات، وكما ذكر سكوت لونج أحد النشطاء الذين تواجدوا في الاجتماع في مدونته الشخصية عن صفع عذب الحديث البسيط أحمد سيف لطاولة المؤتمر بيديه وقوله “لن أقبل أن تخبرني الحكومة الأمريكية أو منظمة العفو الدولي أو أي فرد أن عليّ تحمّل ديكتاتورية عسكرية مقابل تجنب استيلاء الإسلاميين، لن أقبل خيارات خاطئة كهذه.”

الآن، ومع وصول مرسي للرئاسة ذلك “الخيار الخاطئ” كان يتحول إلى واقع.

تقول ليلى “كان واضحًا للغاية ما تقوم به الدولة، أولًا منع كل شيء يحاول مرسي فعله فلا يُنجز شيئًا، وسيكون ‘رئيسًا فاشلًا’ وثانيًا تغذية المخاوف حوله، كان من السهل القيام بذلك بسبب الدعوة ضد الإخوان المسلمين –‘بأنهم ارهابيين’ – تعود إلى خمسون عامًا” وتحمل الضجة نوعًا من الواقعية: ففي التسعينات شكلت بعض فئات الإخوان المسلمين تحالفًا مع جماعات إرهابية.

بحلول ربيع عام ٢٠١٣ أصبح استقطاب مصر يتزايد بين أتباع مرسي من الإخوان المسلمين وتقريبا كل البقية، وعلى العكس هناك العديد من المتظاهرين الشباب الذين غطوا الشوارع في ٢٠١١ ليطالبوا بالديموقراطية أصبحوا أنفسهم ينادون بإسقاط مرسي، وأشد من ذلك كان تطلّعهم لمؤسسة الدولة الوحيدة القادرة على تنفيذ ذلك: الجيش المصري.

لم تكن هذه مجرد حالة فقدان ذاكرة وطنية، فأحد أكثر الجوانب إثارة للفضول في المجتمع المصري كان التقديس الأزلي للجيش، بل كان تقليدًا غُرس في الطلبة المصريين منذ أن كانوا في المدرسة الابتدائية، ونتيجةً لذلك اعتبر الكثير من المصريين أن الجيش على أنه بشكلٍ ما لا يعد من صور الديكتاتورية التي وُجدت في عهد مبارك، بغض الظر عن أن الجيش في الحقيقة كان مستفيدًا بصورة رئيسية من هذا النظام الفاسد -الجيش المصري الذي امتلك مباني الشركات ومؤسسات الهندسة وحتى مصانع المعكرونة- ومما ذكره أولئك الكثر الذين نزلوا للشوارع اعتراضًا على مرسي في ٢٠١٣ هو أن الجيش قد أدى دورًا مهمًا في إسقاط مبارك منذ عامين، فإن كان الأوصياء للدولة حاولي الإطاحة بديكتاتور واحد، فما المانع من تكرار ذلك؟

تقول ليلى “بإمكانك رؤية ما كان على وشك أن يقع، صحيحٌ أن مرسي كان كارثة ووجب رحيله، ولكن استدعاء الجيش كان أسوأ، لكن الكثير مما أعرفهم وحتى من كانوا في ميدان التحرير كان هذا مرادهم”

في ٣٠ يونيو عام ٢٠١٣ كانت الذكرى الأولى لتدشين مرسي، حيث دُشنت مظاهرات ضخمة في كل أنحاء مصر ومطالبات المعترضين برحيله، قوبلوا بمظاهرة مضادة قام بها الاخوان المسلمين الداعمين لمرسي في الشوارع، ومن بين هذين الحشدين العظيمين تواجدت مجموعة صغيرة غير مرئية تحمل توجهًا ثالثًا، ومنهم كان ليلى سويف وابنتها منى.

تقول منى ضاحكةً بألم “تجمّعنا في زاوية واحدة قريبة لميدان التحرير، وهتفنا ‘لا مرسي ولا الجيش’ وبينما يعبر الناس ويرمقوننا باستنكار كما لو كنا مجانين جميعًا، ومتأكدة أننا بدونا وكأننا كذلك”.

كان في تلك المرحلة الحاسمة عندما كان وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي حتى الآن يُعد موظفًا لطيفًا، وأخيرًا خرج من الظلال في واحد من يوليو، حيث وجّه الجنرال إنذارًا أخيرًا للرجل اللي عيّنه فأعطى مرسي ٤٨ ساعةً “لتلبية مطالب الشعب” أن الجيش سيتدخل لاستعادة الحكم، ورفض الرئيس هذا التهديد مشيرًا إلى كونه رئيس الدولة المنتخب.

تقول ليلى “ارتكب مرسي خطأين جسيمان، أولًا اعتقاده أن الجيش لن يتحرك ضده دون موافقة الأمريكان، لم يعي أن الجنرالات لم يعودوا مهتمين بالأمريكان، ثانيًا أنه وثق بالسيسي”.

تحقيقًا لكلمته أسقط السيسي في الثالث من يوليو الحكومة المصرية وقام بإلغاء الدستور أيضًا، كما أنه اعتقل مرسي وقادة الإخوان المسلمين الآخرين وأغلق أربع محطات، وفي غضون أيام أعلن تشكيله لحكومة “انتقالية” مؤقتة، وتتكون من ضباط الجيش وعناصر من عهد مبارك، لكن كل المصريين أدركوا أن السلطة الحقيقية بين يديّ السيسي.

شهدت شوارع مصر انكشاف وجه النظام الجديد عاريًا فبعد أيام من استلام السيسي للسلطة، اشتدت الصدامات بين مؤيديه ومعارضيه من داعمي الرئيس المخلوع حتى العنف، ومع الشرطة والجيش الذين باتوا واضحين بشأن ولائهم، ففي الثامن من يوليو أطلقت قوات الامن النار على الموالين لمرسي المجتمعين في وسط القاهرة حيث بلغ عدد القتلى على الأقل ٥١ قتيلًا، تلك الحادثة مهدت الشارع لِما هو أسوأ، وفي ظهيرة الرابع عشر من أغسطس تحركت قوات الامن داخل ميدان رابعة في القاهرة مع أوامر تشمل تشتيت الالاف من مؤيدي مرسي الصامدين في مرابطتهم لذلك المكان طوال الشهر الماضي، ووفقًا لأكثر التقارير مصداقية، قُتل على الأقل ٨٠٠ وربما ١٠٠٠ محتج في تلك المجزرة، في محاكاة ساخرة مريعة لثورة ٢٠١١، المئات نزلوا لشوارع القاهرة في الأيام التالية ليثني على أفعال الجيش.

بالنسبة لليلى سويف فقد كان هناك وقع اخر وشخصي أكثر لاختلاف النظام المصري الجديد عن كل ما سبقه.

ثقب علاء ابن ليلى التمييز المشبوه لكونه وقع معتقلًا لكل الحكومات المصرية الثلاث التي سبقت السيسي: حكومات مبارك والمجلس الأعلى للقوات المسلحة ومرسي، ففي ٢٠٠٦ قضى ٤٥ يوم في السجن لانضمامه لمظاهرة تدعو إلى استقلالية قضائية أكبر، وخلال إدارة المجلس الأعلى للقوات المسلحة قضى شهران محتجزًا بتهمة “التحريض على العنف”، أما في عهد مرسي فقد حظي بوضعٍ أفضل، فالقضاة المنصبّون منذ عهد مبارك قد كرهوا الرئيس الجديد؛ ورُفضت تهمته في عام ٢٠١٣ “التحريض على العنف” بإجراءات موجزة، بينما أدت ادانته بتهمة إحراق الممتلكات عمدًا إلى حبسه لمدة عام مع وقف التنفيذ.

ونظرًا لهذا السجل المليء فلعلها كانت مسألة وقت قبل أن يلتقط النظام المصري الجديد علاء، وقع ذلك في ٢٨ نوفمبر عام ٢٠١٣ عندما تم اعتقاله بتهمة التحريض على العنف و-في لمسة اورويلية جميلة- احتجاجه على قانون منع الاحتجاج الصادر قبل أربعة أيام فقط، وبوضع هذه الملاحظة التي تحمل فكاهة سوداء جانبًا، ففي ظل حكم السيسي كانت الأمور تأخذ منحنى مختلف تمامًا عن وضعها في السابق بالنسبة لابن ليلى.

واحدة من أكثر الملامح غرابةً في الحرب الأهلية السورية كانت العقود الرهيبة لوقف ضمني لإطلاق النار أو التحالفات المؤقتة المقامة غالبًا بين ميليشيات مختلفة مع النظام أو حتى مع مجرد قائد جيش محلي، فهؤلاء بإمكانهم اتخاذ أي جانب يمكن تصوره -مثلًا الإسلاميون المتطرفون متحدون مع عصابة شبيحة العلوية- ويثيرون تساؤلًا مريعًا لأي شخص يحاول اقتحام ساحة المعركة، مما يعني أنه ليس من الضروري أن يكون أحد ما على ما يبدو عليه أنه كذلك، ذلك أن الموت وارد قدومه من أي طرف، ولكن هذا النمط من الصفقات السرية ساعد لفترة طويلة أيضًا في حماية منطقة واعر من نهج حرق الأراضي الذي كان يمارسه نظام الأسد في كل مكان اخر في حمص، لأن في أي وقت من تجوال بعض الميليشيات المتمردة الضخمة في الحي فإنهم كانوا على الأقل عرضة لاتفاق سري مع الدولة.

انتهت تلك الديناميكية في أوائل مايو عام ٢٠١٣ في خطى كارثية غير مدروسة، فقد عاد الجيش السوري الحر أدراجه إلى حي بابا عمر المدمر، وهناك حيث واجهوا الحصار والإبادة، أما أولئك الذين استطاعوا الهروب من نطاق النظام الذي توجهوا لحي واعر وتمكنوا من أخذ السيطرة كاملة تقريبًا على الحصار، وبالطبع سرعان ما أطلقت مدفعية الجيش السوري القذائف التي بدأت تمطر على حي مجد، وبينما كان مستوى القصف لا يشبه ما أسقط حي بابا عمر أو الخالدية إلا أنه كان كافيًا لتبقى عائلة الابراهيم في شقتهم في الدور الرابع يحاولون بلا توقف تخمين مكمن السلامة.

يفسّر مجد “أنت لن تعي ابدًا ما يجب عليك فعله، هل هنا أفضل أم في الملجأ؟ وإن كان أكثر أمانًا هناك، فهل يمكنك تصوّر حجم الخطر إن حاولت الوصول إليه؟

بحجم ما يبدو تصرفًا غريبًا، إلا أن السبب الوحيد لبقاء عائلة الابراهيم في حمص على الرغم ما بلغته من سوء غير مسبوق للأحوال كان قدوم اختبارات مجد النهائية على الأبواب، وإصرارهم على أن ينتهي لم يكن نوعًا من التقدير لقيمة التعليم العالي؛ بل لأنه وبناءً على القانون السوري، تم اعفاء طلبة الجامعات من التجنيد مما يعني أن بقاء مجد في المدرسة يحميه من أن يتم التقاطه، وقرر والداه أنه حالما ينهي امتحاناته في نهاية يوليو سيعيدان النظر في الحالة ويحسما قرارهما بعدها.

تلك المقامرة أدت نوعًا ما إلى كارثة، فبعد ظهيرة الخامس من يوليو حيث كان مجد يتحدث مع أصدقائه في أحد شوارع منطقة واعر عندما توقفت عربة محطة بيضاء وقفز منها ثلاثة مقاتلين حاملين للكلاشينكوفات وقاموا بسحب مجد إلى داخل السيارة وعصبوا عيناه وقادوا به إلى قاعدتهم القريبة.

يقول مجد “اعتقدت أنها مزحة في بادئ الأمر، ولكنهم يعرفون اسمي وعمري وتخصصي الجامعي وأرادوني شخصيًا دون سواي”.

خلال البضع ساعات التالية أصر خاطفو مجد ليعترف بكونه جاسوسًا للنظام، بعدما مقابلتهم لكل احتجاج بالبراءة بالركلات واللكمات، وأخيرًا أُجبر على الوقوع على ركبته حيث وضع أحد رجال الجيش السوري الحر سكينًا على عنقه، والأخر وجّه الكلاشينكوف على رأسه.

يقول مجد بلطف “حسنًا هذه الطريقة النموذجية التي يُعدمون بها، لذلك أدركت أن ذلك على وشك أن يحدث لي فقد أرادوا قتلي بشدة”.

في بداية اجراءات إعدامه، فكّر كبير المحققين بالنظر إلى هاتف مجد الخلوي ومع كل رقم هاتفي وصورة وقف عندها كان يطالب مجد بالكشف عن هوية “المتحكم به”، بينما استمر الشاب البالغ ٢٠ عامًا بالدفاع عن براءته مستحضرًا بذلك المزيد من الركلات والمزيد من اللكمات لنفسه، إلى أن استوقفت المحقق صورة ما تظهر شابًا على وجه الخصوص.

فسأل “لماذا تملك صورة هذا الشخص؟”

أجابه مجد “لأنه صديقي المقرب”

التفت قائد الجيش السوري الحر ببطء لأسيره “سنتصل به”

غادر القائد الغرفة وبقي مجد لمدة طويلة على ركبتيه بينما السكينة على عنقه والسلاح على رأسه، وبدون أن يعرف مجد، كان صديقه المقرب أحد معارف قائد الجيش السوري الحر وقد أتى إلى القاعدة ليؤكد لرجل الميليشيا أن مجد ليس جاسوسًا للنظام، عَلِم مجد بالأمر فقط عندما عاد القائد إلى غرفة التحقيق وأخبره أنه سيتم إطلاق سراحه.

يقول مجد “إذن فقد أنقذت تلك الصورة حياتي”

خلال طريق ارجاعه إلى واعر، بدأ قائد الجيش السوري الحر باستعراض سلسلة طويلة من الأسباب التي تفسّر وجوب انسحاب مجد من الجامعة وحمل السلاح ضد النظام، بينما أخبره مجد أنه سيفكر بالأمر.

عندما وصل إلى النقطة التي أُخذ منها سابقًا في ذلك اليوم، كان والداه واصدقاءه في انتظاره وفي الصباح التالي للسادس من يوليو غادرت عائلة الإبراهيم إلى الملجأ ولم يعودوا أبدًا إلى حي واعر حيث عاش مجد طوال حياته، كان عيد ميلاده الواحد والعشرون.

منذ عودتها من سان فرانسيسكو في عام ٢٠٠٩، حيث تقطعت بخلود السبل في الأردن، وبحلول عام ٢٠١٤ كانت تعيش في شقة صغيرة في حي الطبقة العاملة في عمان الشرقية مع والدها واختيها تعميم وسحر، كان مكانًا كئيبًا مكون من ثلاثة طوابق بلا مصاعد ومطل على طريق تجاري مغبر، ولكن وجود قطة الاختين ميستري (غموض) والسلحفاة الصغيرة شايني (مشرقة) التي أُنقذت من الشارع لطّف الأجواء قليلًا.

قبل مغادرة الولايات المتحدة في عام ٢٠٠٨ عملت خلود لفترة وجيزة لمنظمة إنسانية يابانية تدعى كوكيو ناكي كودوموتاتشي (أطفال بلا حدود) وانضمت مجددًا للوكالة بمجرد عودتها لعمان في السنة التالية، حيث كانت مهمتها الأساسية مساعدة بعض من أعداد لا تحصى من الأطفال العراقيين الذين فرت عائلاتهم إلى الأردن هربًا من الحرب على التأقلم، حيث تأثر الكثير من مشرفو المنظمة بتواصل خلود مع الأطفال إلى درجة أنهم عيّنوا أختيها، وفي وقت نفسه تقريبًا وجد علي الزايدي أخصائي الأشعة المتقاعد ورب العائلة عملًا في أرصفة التحميل لمصنع زبادي في الحدود الصناعية لعمان، وفي ٢٠١٤ كانت العائلة أقل فقرًا.

واجه عمل خلود في منظمة أطفال بلا حدود انتقالًا مع ذلك، فبعدما قلّت حدة الحرب في العراق انخفض عدد اللاجئين العراقيين في الأردن جذريًا من جموع النصف مليون، إلا أنه سرعان ما تم استبدالهم بلاجئين جدد من الحرب في سوريا -كانوا قلة في البداية لكن مع حلول نهاية عام ٢٠١٤ تجاوزت أعدادهم ٦٠٠٠٠٠ نسمة.

بطرق معينة وجدت خلود أن الأطفال السوريين كانوا مختلفين تماما عن نظرائهم العراقيين، فتقول “كان العراقيون مسالمون للغاية ومن السهل التعامل معهم لكونهم منهكون أصلًا من الحرب، بينما الأطفال السوريون -الذكور- يملكون فكرة ‘يجب علينا العودة إلى سوريا لنقاتل’ فهم يسمعون ذلك باستمرار من ابائهم –‘ستكون جندي وتعود لسوريا’- ولذلك بدوا كالمتمردين الصغار وليسوا الأطفال الصغار، ويتمحور الأمر بأكمله حول الوطن وافتقاده وحاجتهم للعودة والانتقام مما حدث.” بينما على النقيض كانت الفتيات، حيث امتلكن صفاتٍ متشابهة فيما بينهن، “في كل من العراق وسوريا تُعَلّم الفتيات على الاحتفاظ بكل شيء بداخلهن، وأنه لن يُسمع إليهن، مما خلق صعوبة في الوصول إليهن، لذلك مشاكلهن كانت أعمق”

لم تتخل خلود عن مسعاها لإخراج عائلتها من المنطقة واستمرت لسنوات عديدة بتقديم عرائض للولايات المتحدة لتفتح ملف قضيتهم، ولكن كل هذه الجهود لم تؤد إلى أي نتيجة، بحلول عام ٢٠١٤ كانت تحمل أملًا بصورة خاصة ببريطانيا؛ فقد عملت في الأردن كمترجمة فورية لشركة أفلام بريطانية ومع خطابات الدعم من زملائها السابقين، تسبب ذلك بأن تتطلع خلود إلى انتباه تأييدي من السلطات هناك إليها، فقد أدركت مؤخرًا حجم الحصار الوحشي الذي باتت تقاسيه، عموما، كانت الطريقة الوحيدة تقريبًا للفوز باللجوء في بريطانيا -أو أي بلد اخر لهذه المسألة- هي أن تقدم التماسها شخصيًا، ولتقوم بذلك احتاجت خلود لاستخراج تأشيرة بريطانية ولتحصل عليها كان لابد من امتلاكها إقامة قانونية في الأردن، تقول “وذلك مستحيل، تقدم الأردن الإقامة فقد للاجئين الأغنياء والذين بالتأكيد لا يواجهون مشكلة في إعادة التوطين في أوروبا على أي حال” .

وحتى الآن، في أبريل عام ٢٠١٤ لم تستسلم خلود تمامًا، فقد امتلكت إرادة لا تهتز مطلقًا، وعلى مدى عدة أيام من المحادثة بدت عازمة على وضع أفضل وجه لوضعها، باتت مهتمة أكثر بالحديث عن خططها الأخيرة بدلًا من خيبات الماضي، تصدّع هذا المظهر الشجاع فقط لمرة واحدة، وكانت أثناء نقاش حول المستقبل الذي تصوّرته للأطفال اللاجئين الذي تعاملت معهم.

قالت “بقيت مع كل هذا لأني أردت أن يحظى هؤلاء الأطفال بحياة أفضل مني، لكن حقيقةً أعتقد أن حياتهم ستضيع مثلما ضاعت حياتي، رغم أني أحاول ألا أفكر بهذه الطريقة لكن حقًا، لنكن صريحين: هذا مستقبلهم، بالنسبة لي تلك التسع سنوات ضاعت، فأنا واختاي نملك أحلامًا ونحن متعلمات ونريد أن ندرس ونحصل على وظائف، لكن في الأردن لا يمكننا العمل قانونيًا ولا يمكننا العيش فبقينا حيث وقفنا في أماكننا هذا كل ما في الأمر، نحن نكبر وجميعنا في الثلاثينات، لكن مازلنا لا نستطيع الزواج أو نصنع عائلات، لأنه بعدها لن نخرج من هنا أبدًا.”

أعادت خلود جلستها وأخذت تتنفس الصعداء “أنا آسفة، أحاول دائما ألا أشفق على نفسي أو ألقي اللوم على أي أحد على هذا الحال، لكنني أتمنى حقًا لو أن الأمريكان فكروا أكثر بما كانوا يفعلونه قبل غزو العراق، فهناك حيث بدأ كل هذا، ولولاه سنكون طبيعيين”.

لكن بالنسبة لخلود وأختيها كان الوضع على وشك أن يزداد سوءً حتى، ففي خريف عام ٢٠١٤ قالت خلود أن منظمة أطفال بلا حدود واجهت بعض المشاكل مع الحكومة الأردنية، حيث أصرّت الأخيرة أن يكون لكل أعضاء طاقم المنظمة الأجنبي تصاريح عمل قانونية، بينما قالت المنظمة أن عمل الأخوات كان مثاليًا، إلا أن كل جهودها لإبقائهن باتت عبثًا؛ وفي ذلك الشهر ديسمبر فُصلت كل اخوات الزايدي الثلاث من وظيفتهن في نفس اليوم.

في ٢٧ أكتوبر من عام ٢٠١٤ صعدت ليلى سويف وابنتها الكبرى منى الصف القصير من الخطوات المؤدية إلى المدخل الرئيسي لمبنى المحكمة العليا المصرية حتى وقفت بجانب أحد الأعمدة الحجرية وجلست بجانبه، وأخرجت من حقيبة ظهرها لافتة صغيرة بالورق المقوى كُتب عليها اعلان تكثيف اضرابهما الجزئي عن الطعام هي وابنتها الذي بدأوه في سبتمبر للاحتجاج على الظلم الذي اُرتكب بحق عائلتهم، وستبقان هناك لمدة ٤٨ دون طعام أو شراب.

تفسّر ليلى “ليست الفكرة أن نقتل أنفسنا، لكن لنشدّ الانتباه لِما كان يفعله نظام السيسي، كان السلاح الوحيد الذي بقي لنا” وبالنسبة لتأثيره فقد كانت على حق “أظهر عدة أشخاص دعمهم لموقفنا -أحيانا بطريقة مخفية تمامًا”

بالإضافة إلى هذه التجربة، وقع ما زادها ألمًا حيث كانت لحظة اختفاء عائلة ليلى، وأمام عينيها حرفيًا.

كانت الإشارة الأولى إلى أن نظام السيسي امتلك رؤية أضعف من أسلافه للمعارضين لحكمه عندما اُعتقل علاء في أواخر نوفمبر عام ٢٠١٣، وبدلًا من إطلاق سراحه بكفالة لانتظار المحاكمة، فقد اُحتجز ومعارضوه الأربع والعشرين للأربعة أشهر القادمة، وفي تكتيك صُمم ليحطم إرادته على ما يبدو، أُطلق سراح علاء كفالة في مارس من عام ٢٠١٤ ليتم اعتقاله مجددًا لثلاثة أشهر أخرى.

إن كان المصريون العاديون قلقون من القمع المتعمق في بلادهم -في أقل من عام منذ استيلاء السيسي على السلطة، كان هناك بالفعل سجناء سياسيون في السجون المصرية أكثر مما كان طوال حكم مبارك- وقدموا أدلة ضعيفة على ذلك، في الانتخابات الرئاسية في مايو، فاز السيسي المتقاعد رسميًا من الجيش الآن بأكثر من ٩٦ بالمائة من التصويت، وبينما لم يكن هذا انعكاسًا صحيحًا تمامًا لشعبيته بالتأكيد -بين تلك الأحزاب السياسية التي حُظرت والتي قاطعت الانتخابات واجه السيسي معارضةً رمزيةً فقط- حتى خصمًا متوقدًا مثل ليلى سويف أدركت أن الجنرال السابق لديه دعم واسع النطاق، حتى أنها رأته من خلال الكثير من أصدقائها وزملاء الجامعة.

تقول “كانت لديهم فكرة ‘حسنًا لعله قاس قليلًا، لكنه أنقذنا من الإسلاميين’، هذا كل ما اهتموا بشأنه وكل ما رأوه”.

حتى هذه اللحظة كانت ابنة ليلى الصغرى سناء البالغة ٢٠ عامًا تتجنب التقليد العائلي في مطاردة القانون، في ٢١ يونيو عام ٢٠١٤ تغير ذلك، فتزايد الغضب نتيجة للمعاملة التي يتلقاها أخاها وبقية سجناء مصر السياسيين، انضمت سناء لمظاهرة حقوق الإنسان في القاهرة وخلال دقائق تم اعتقالها بنفس تهمة أخها: انتهاك قانون الاحتجاج.

حتى تحت تضييق نظام السيسي، كان أصحاب الطبقة العليا في القاهرة مثل سناء يتمتعون بمستوى من الحصانة -الأعداء الرئيسيين للدولة في النهاية هم الطبقة العاملة التي تتبع جماعة الإخوان المسلمين، حيث يتم استقصائهم بلا رحمة- لكن عندما أُحضرت أمام القاضي خطَت الطالبة الجامعية خطوة جريئة، فعلى الرغم من إيحاءات القاضي لتبقى صامتة أصرّت سناء على أنها كانت المنظمة الرئيسية للمظاهرة ورفضت التوقيع على بيانها حتى يُضاف ذلك، تقول ليلى “لم تكن لتسمح لهم أن يكرروا فعلهم المعتاد بأن يتركوا نشطاء الطبقة العليا أحرارًا وسحق الأقل مستوى منهم” واحتُجِزَت سناء مثل أخيها الأكبر بانتظار محاكمتها.

معنى ذلك بالنسبة إلى محامي حقوق الإنسان الأشهر في مصر أحمد سيف أن قائمة العملاء المستمرة أُضيف إليها الآن اثنين من أطفاله، وفي مؤتمر صحفي في يناير الماضي أخذ السجين السياسي السابق الميكروفون ليوجه رسالةً لابنه المسجون حاليًا علاء، قائلًا “عذرًا ابني وعذرًا لهذا الجيل، كنا نحلم ونطمح أن نورثكم مجتمع ديموقراطي يحافظ على كرامة الإنسان، لكن للأسف ورثتك الزنازين التي دخلتها.” (وعدّد السجون التي قيّدته سابقًا بينما تفعل المثل الآن بابنه علاء) وبحلول يونيو تلك الرسالة المؤلمة باتت تنطبق على ابنته الصغرى.

في فترة قصيرة أخذت الأمور منحنى أكثر إيلامًا لعائلة ليلى سويف، فبعد بقاء أحمد بحالة صحية ضعيفة لفترة طويلة مما دفعه ليرتب إجراء عميلة قلب مفتوح في نهاية شهر أغسطس؛ إذا به يسقط منهارًا في السادس عشر من أغسطس ويدخل في غيبوبة، وفقط بعد ضغط شديد قام به المصريين المؤثرين ومنظمات حقوق الإنسان منح نظام السيسي إجازة ما بعد الظهيرة لكل من علاء وسناء لزيارة والدهم قبل وفاته.

تقول ليلى “وكان ذلك أسوأ يومٍ شهدته، بل ربما سيكون الأسوأ في حياتي، كانت سناء محتجزة في مركز الشرطة مما أتاح لنا رؤيتها وإخبارها بما يجري لكن علاء لم تكن لديه أدنى فكرة، فقد أتى للمشفى حاملًا أزهارًا معه لوالده أحمد، فاضطررت لأخذه جانبًا حتى أخبره أن والده كان في غيبوبة، فقال ‘إذن فلن يدرك حتى أني هنا’ ورمى الزهور”

في اليوم التالي بعد زيارته للمشفى أضرب علاء عن الطعام في زنزانته، وسناء توقفت عن الأكل كذلك في الثامن والعشرين من أغسطس حيث كانت جنازة والدها، وبعد أسبوع أعلنتا كل من ليلى ومنى عن إضرابهما الجزئي وامتناعهما عن كل الطعام عدا السوائل المضادة للجفاف.

في ظل وفاة أحمد ونشوز العائلة آمن العديد من المشاهدين أن المحاكم ستظهر تساهلًا مع علاء وسناء إلا أن اعتقادهم كان خاطئا، ففي ٢٦ أكتوبر عام ٢٠١٤ حُكم على سناء بالسجن ثلاث سنوات لانتهاكها قانون الاحتجاج، وفي اليوم التالي ظهرتا ليلى ومنى في قاعة المحكمة ليضربا إضرابًا مكثفًا مجددًا عن الطعام، وقد اعدّت ليلى نفسها لمزيد من الاخبار السيئة عندما ذهب علاء لمحاكمته في الشهر التالي حيث استحضرت شيئًا قاله زوجها سابقًا.

تقول “لأن أحمد قضى الكثير من وقته في قاعات المحكمة وعَلِم معاني أشياء ً بحد ذاتها، كان مصيبًا للغاية في تنبؤاته، فقبل موته وبينما كان لايزال يمثل علاء أخبرني ‘كوني مستعدة، لأنهم سيعطونه خمس سنوات.’ ”

بينما بدأت ليلى إضرابها عن الطعام وخلود وأختيها يخسرن وظائفهم ومجدي المنقوش قد عاد للمدرسة، وجد مجد إبراهيم لنفسه لحظة استراحة -رغم قصرها، إلا أن أخذت وقتًا طويلًا لتأتِ.

مع الحصار المتسلسل لحمص كانت أحياء هذه المدينة تُطحن وتُعدم بصورة مستمرة غير معهودة، بل حتى ملجأ عائلة الإبراهيم لم يعد آمنًا ببلوغ أوائل عام ٢٠١٤، في شهر مارس من ذلك العام انتقلت العائلة مجددًا وهذه المرة إلى أكراما الجديدة، وهو حي كان قد نجا من أسوأ جرائم العنف، وهناك انتظروا مع الجميع، شيء ما، أو أي شيء ليتغير.

ذلك التغير أتى أخيرًا في مايو، عندما وافق أخر متمردي حمص على اتفاقية وقف إطلاق النار وممر آمن عبر المدينة، فانتهى حصار الثلاثة أعوام لحمص التي كانت يومًا ما مزدهرة وعالمية باتت الآن تُعرف بستالينغراد سوريا (سُميت أحد أهم المعارك المدمرة التي وقعت في الحرب العالمية الثانية بذلك لوقوعها في مدينة ستالينغراد) مع مساحات شاسعة للأحياء المتهالكة ولا يُسكن بها، بل الرعب التام يكمن بما واجهه سكان هذه المدينة حيث تضوّر بعضهم جوعًا حتى الموت في بيئة تلتهمها الحرب، وآخرون نجوا بأكلهم الأوراق والأعشاب الضارة.

لكن حتى ولو حلّ بعضًا من السلام على شوارع حمص المدمرة فقد استمرت الحرب في أماكن أخرى من سوريا، وبشكل ما آذت جميع المواطنين بشكل سيء، سمع مجد إبراهيم عن أسماء العديد من الميليشيات الجديدة التي باتت تنافس تلك الكمية الهائلة الموجودة مسبقًا، حيث كان من المستحيل تتبعهم جميعًا، ولكن برزت جماعة تميزت بالجرأة والقسوة أكثر من غيرها، الدولة الإسلامية في العراق والشام، داعش.

كانت تفرعًا أشد تطرفًا أكثر من تنظيم القاعدة حتى، حيث جذب الوافدون جدد الكثير من متطرفين إسلاميين من أنحاء العالم، في سوريا، أذعنت الجماعة عن حضورها بسلسة من الهجمات المفاجئة والوحشية في حلب والمدن الصحراوية في الشرق، لم تقاتل فقط الجيش السوري ولكن حتى الميليشيات المنافسة باعتبارها “مرتدة”، ولكن أكثر ما لفت انتباه مجد إبراهيم كانت سمعة الجماعة، التي تضمنت القسوة التي لا تتخللها رحمة تزيل كل مقاومة قد يحملها إنسان بأكثر الوسائل رعبًا.

فقط بعد شهر من نهاية حصار حمص، معظم ما تبقى من العالم كان قد سمع بداعش، وعندما عصفت خارج الصحراء السورية لتقتحم محولةً الشرق الأوسط لساحة معركة مجددًا.

 

الجزء الرابع: بروز الدولة الإسلامية في العراق والشام ٢٠١٤٢٠١٥

لطالما كافح وقاص حسن في المدرسة، يقول “كلما شعرت أني أحاول الدراسة، أفشل” وعلى الأقل لعل بعض من صراعاته كانت نتيجة لضعف السمع لديه – فهو يتحدث بصوتً عالٍ وواهن قليلًا، وغالبًا ما يطلب من الآخرين تكرار ما قالوه- لكنه كان من النادر أن يواجه الأطفال حول تكريت شيئًا من هذا القبيل، وببساطة تقبل حقيقة أنه لن يكون قادرًا أبدًا على مواكبة زملائه، وبعد إجباره على إعادة سنة في المدرسة، قرر وقاص الانسحاب.

في الوقت الذي كان فيه وقاص مراهقًا انضم إلى فيلق يتضمن شُبّانًا عراقيين ليسوا ذي مهارة جُمعوا في وظائف بنائية بأجر يومي مثل: سحب الأحجار وقطع الحديد وخلط الأسمنت، وعندما لا يتواجد عمل بنائي يقوم أحيانًا بالمساعدة في محل الحلويات الذي فتحه والده موظف البنك المتقاعد في قريته خارج تكريت في الدور، لكنها كانت معيشةً غثيثة ومملة للغاية.

كانت هناك وسيلة واحدة ليخرج وقاص من هناك، وفي تناقض عجيب تعتمد على أخيه الأكبر محمد، الجسر ما بينه وبين الوظيفة، تم تعيين محمد كضابط استخبارات لقوات الأمن المحلية، حيث كانت هذه الوظيفة التي لا تتطلب جهدًا بالغًا واعدة بحق لعائلة حسن بأكملها بإعطائهم ثقافة المحسوبيات التي عززها صدام حسين في العراق واكتمل ازدهارها حتى بعد زواله، مما يفسر تأمل وقاص أنه يومًا ما سيحظى بمنصب له ولأخوته الثلاثة في قوات الأمن عن طريق محمد الذي سيصنع طريقًا يسمح له باستعمال نفوذه، لكن في يونيو من عام ٢٠١٤ وقعت سلسلة من الأحداث الهجومية كانت على وشك تحطيم معقل السنة في العراق، وتطرفًا سيغيرون به مصير عامل البناء البالغ من العمر تسعة عشر عامًا في الدور.

في أوائل ذلك العام سلب متمردو تنظيم داعش السيطرة على منطقة تقاطع الطرق الحرج لمدينة الفلوجة في محافظة الأنبار في العراق، بعدها انتشروا للاستيلاء على عدد من المدن والمناطق القريبة حولهم، في حينها عرف وقاص شيئًا قليلًا حول هذه الجماعة، عدا عن سعيها لنشر الخلافة الإسلامية في العراق وسوريا، وخلال أشهر متتالية رأى وقاص وغيره من معظم شباب تكريت المقاطع المفصلة للتجنيد التي أنتجها تنظيم داعش ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تضمنت المقاطع مقاتلين أو “فرسان” كما لقبهم التنظيم، مرتدين بحذر زيًا رسميًا موحدًا مع أقنعة تزلج سوداء، بينما كانوا يحصدون انتصاراتهم عبر المدن التي يحتلونها رافعين الأعلام السوداء العظيمة لترفرف على تويوتا اللاند كروزر الجديدة خاصتهم، وقد ظهرت مقاطع أخرى من ذلك الوقت أظهر الجانب الأشد ظلامًا من تنظيم داعش – عمليات الإعدام والصلب- ولكن زعم وقاص أنه لم يرى تلك المقاطع أبدًا، وفي كل حادثة بدت الخلافة الناشئة بعيدة عن الهدوء الاقتصادي والجو الناعس في مدينة الدور.

بحلول يونيو لم تعُد بعيدة، ففي السادس من ذلك الشهر اقتحمت فرقة من مقاتلي تنظيم داعش الضواحي الغربية لأكبر مدينة في شمال العراق الموصل، حيث تبعد ١٤٠ ميلًا فقط من الطريق السريع رقم ١ من تكريت، وبالرغم من أن التقديرات تفترض مشاركة ١٥٠٠ مقاتل من تنظيم داعش في الهجوم على الموصل -وفي بعض الحسابات كان الرقم أقل بكثير- فإنه خلال يومين وضعوا عشرات الالاف من الجيش العراقي وقوات الامن في مدينة يسكنها مليوني نسمة في حالة من الذعر، وبحلول التاسع من يونيو كان الطريق السريع حول تكريت مسرحًا يهتز تحت تدافع الالاف من جنود الجيش العراقي الفارّين بزيّهم الموحد حتى بحثًا عن الأمان في بغداد، على بعد ١٠٠ ميل نحو الجنوب، لكن تنظيم داعش لم ينته بعد، فبعد الموصل تقدّموا بسرعة إلى بيجي مدينة تكرير النفط وتبعد ٤٠ ميلًا شمالًا نحو تكريت، وفي ١١ من يونيو كانوا قد وصلوا إلى تكريت بالفعل.

مثلما وقع في كل من الموصل وبيجي، فعليًا لم يقدم الجيش العراقي شيئًا في سبيل المقاومة في تكريت، فمع اختلاف الوحدات إلا أنهم بدوا متنافسين على من أسرعهم هروبًا وكم من الأسلحة بإمكانهم تركها خلفهم، لكن إن فر الجيش من المنطقة قلة من السكان قاموا بذلك، وممن بقي كان وقاص وأخيه محمد.

عُلّم هجوم داعش في يونيو عام ٢٠١٤ أحد أكثر الإنجازات العسكرية المذهلة في التاريخ الحديث: في أقل من أسبوع، بعثرت قوى التنظيم التي تتضمن ٥٠٠٠ مقاتلًا تقريبًا وبتسليحٍ هيّن جيشًا حديثًا ومجهزًا بل يفوقهم حجمًا بعشرين ضعفًا، بجانب استيلائهم على أسلحة ومعدات عسكرية تبلغ قيمتها مليارات الدولارات والآن يسيطرون على المراكز السكانية التي يصل مجموعها ما يقارب خمسة ملايين نسمة، وباعتبار أن الانهيار المريع الذي عاشه الجيش العراقي كان بلا شك نتيجة للكثير من الإخفاقات – فبكل تأكيد لعب كل من الفساد وانعام الأهلية دورًا رئيسيًا- فأيضا يُنسب الكثير منه للتاريخ الحديث.

تحت حُكم رئيس الوزراء نوري كمال المالكي الذي امتد ثماني سنوات سيطرت الأغلبية الشيعية في العراق تقريبا على كل جوانب الحكومة الوطنية، بما فيها الجيش وللسيادة بأولويتهم الحديثة على السنة، بالنسبة إلى العديد من المقيمين في معقل السنة -من ضمنها بيجي وتكريت- أنتجت هذه القيادة القاسية شعورًا عميقًا بالازدراء لكل من الحكومة المركزية وجيشها حيث نُظر إليهم كمحتلين، وبالطبع كان الجيش الذي تسيطر الشيعة عليه واعيًا تماما لازدراء المحليين له واتخذوا حذرهم بدورهم، إلى درجة أنه في أول إشارة لوقوع مشكلة – حيث كان قلة من الجهاديين السنة يقصدون المدينة متعهدين بالانتقام- انسحب الجنود ببساطة خوفًا من الانتفاضة الجماعية ضدهم.

لم يكن هذا خوفًا بلا تفسير تمامًا لأن تنظيم داعش أيقظ بذكاء خلايا نائمة في هذه المدن منذ البداية، سواءً لإطلاق الهجمات عند وصول الحرب أو لتجنيد أعضاء جدد لذلك السبب، ومن بينهم هؤلاء الجدد كان وقاص حسن.

حسب ما أورده وقاص، فقد انضم لتنظيم داعش في العاشر من يونيو في عام ٢٠١٤ بمجرد ما أصبح التنظيم نشيطًا في منطقة تكريت ولكن قبل بدء هجماتها الجادة بيوم واحد، وحسب ادعائه، كان مجنِّدهُ الرئيسي أخوه البالغ من العمر ٢٦ عامًا، والذي تم تدريبه في أمريكا وضابط الاستخبارات في الحكومة العراقية محمد، يؤكد وقاص “لم يكن ذلك لأجل الدين، ولم يكن الأمر كما لو أن لدي رابطة عاطفية مع الجماعة -في تلك المرحلة، لم أكن أدرك بالضبط ما الذي كانوا يقاتلون لأجله- لكن لأن محمد قال إنه يجب علينا الانضمام.”

ما لم يحسب وقاص حسابه كان أمر المال، فبحلول صيف عام ٢٠١٤ باتت الأموال تتدفق على تنظيم داعش من سيطرته على حقول النفط لشرق سوريا مما يمكنهم من تقديم راتب يصل إلى ٤٠٠ دولار إلى جنود غير مدربين شهريًا للتجنيد -أكثر بكثير مما يمكن لفتى غير موهوب في التاسعة عشر من عمره مثل وقاص كسبه من خلال عمله في البناء- وبالطبع بعد حصولهم على مصفاة النفط في بيجي وقف التنظيم ليُحوّل الحنفية المالية إلى نبع ماء.

ساعد كل من محمد ووقاص تنظيم داعش في الاستيلاء على تكريت في السادس من يونيو بصفتهما عضوين متعهدين في التنظيم، أدّى الأخوين أيضا دورًا داعمًا -على الأقل- في أشد الأعمال وحشيةً ورعبًا أثناء حرب التنظيم الخاطفة في يونيو. (استعمل المحرر مصطلح Blitzkrieg ليصف ما تبدو عليه الحرب التي خاضها التنظيم وقيامه بتفريق وتشتيت الجيش وعلى جانب اخر استغلال الغضب المحلي، وهو مصطلح ألماني يصف التكتيك المذكور)

توجد قاعدة تدريب ضخمة للجيش العراقي في شمال تكريت ومازالت تُعرف باسمها الأمريكي: كامب سبايكر (ذاكرة المخيم) حيث الآلاف من الطلبة كانوا تحت التدريب عندما وصل تنظيم داعش، ومن تصرف الجنود العراقيين في الأماكن الأخرى، كان فرار وحدات الجيش النظامي والقيادة العسكرية العليا المحصنة في القاعدة من المبنى بمجرد سماعهم بانطلاق داعش متنبأً به تاركين الطلبة خلفهم متقطعةً بهم السبل، قال وقاص أنه ساعد في جمع الطلبة ولكن أصرّ أنه لم تكن له أي علاقة بما حصل بعدها لاحقًا.

بعد فصل المتدربين بناء على طوائفهم – السنة على جانب والشيعة على الآخر – سيّر مسلحو التنظيم المئات من الطلبة الشيعيين لأماكن مختلفة حول تكريت ليُطلقوا عليهم بالآلات، وصّور مصورو التنظيم تلك المجازر الجماعية بإتقان لينشروها على الإنترنت، في العادة تُنكر الجيوش والجماعات التنظيمية جرائمهم في الحرب أو على الأقل يسعون إلى تقليلها، لكن لم يكن الأمر ذاته بالنسبة إلى تنظيم داعش؛ فعندما قدّر المراقبون عدد القتلى من الطلبة لأول مرة بحوالي ٨٠٠ في ذلك اليوم في تكريت خرج متحدثو داعش ليتفاخروا بقتلهم أكثر مما ذُكر في الواقع. (العدد النهائي للقتلى بقي مجهولًا لكن حتى الآن التقديرات تتفاوت إلى ١٧٠٠.)

بعد مذبحة ذاكرة المخيم وقّع وقاص مع تنظيم داعش بعقد تجنيد لمدة سنة – بالنسبة لمنظمة إرهابية لديها بيروقراطية رسمية مفاجئة- حيث عبر على الطريق السريع ١ مع مجموعة كبيرة من زملائه المجندين إلى مجمّع تتابع لتنظيم داعش خارج الموصل، وهناك تعلّم المهارات المبدئية كبقية الجنود في أي مكان اخر: دروس إدارة العقبات تحطيم وإطلاق النار من مختلف الأسلحة وتعليمات تكتيكية للحفاظ على تماسك الفرقة في ساحة المعركة، لكن لاحقًا أخذت تدريباته منحنًا أكثر قسوةً.

في أحد صباحات أواخر يونيو، استدعى قائد أعلى وقاص من ثكنته حيث اتبع الفتى البالغ ١٩ من عمره قائده إلى الحقل في حدود المجمّع، وبعد لحظات قصيرة انضم إليهم رجلان اخران أحدهما مقاتل في التنظيم ومدني بدا في الثلاثين من عمره، كان المدني معصوب العينين ومربط الأيدي خلف ظهره ويبكي، حيث أجبر مقاتل التنظيم الرجل الباكي ليسقط على ركبتيه بعنف بينما مدّ القائد لوقاص مسدسًا، وأدرك فتى البناء في الدور في الأمس ما يُراد منه الآن.

يقول وقاص “لقد أروني كيفية فعلها، توجّه السلاح للأسفل وأيضًا لا تطلق مباشرةً في منتصف رأسه بل تبتعد قليلًا وتطلق على جانب واحد”

في ميدان مجمّع التدريب، أدى وقاص واجبه بأول إعدام في مسيرته، وخلال بضعة أسابيع لاحقة تم استدعاؤه للحقل خمس مرات ليقتل خمسة رجال معصوبي الأعين ومربطي الأيدي مجددًا، يقول “لم أكن أعرف عنهم أي شيء، لكن أتصور أن أعمارهم قد بلغت من ٣٥ إلى ٧٠ عامًا، وبعد الشخص الأول كان هناك فقط شخص واحد بكى أما البقية فلا أظن أنهم كانوا على داريه بما يحدث فعلًا”.

استحضر وقاص كل ذلك – حتى حركاته الجسدية ليظهر كيفية إتمام عملية القتل- بدون أي مشاعر يمكن التماسها، لكن لاحقًا بدا وكأنه يدرك متأخرًا برودة دمه الشديدة أثناء سرده، فهزّ كتفيه كما لو أن الأمر لم يكن بإرادته.

يقول “شعرت بالذنب أثناء القيام بذلك، لكن لم أملك خيارًا، فبمجرد وصولنا إلى الموصل لم تكن هناك وسيلة للخروج -ومع تنظيم داعش إن لم تطع سيقتلونك-”

أثناء القيادة عبر الصحراء أخبرني آزارميرخان عن وفاة والده الجنرال حسو ميرخان محارب البيشمركة الذي ساعد بقيادة الانتفاضة الكردية في ١٩٧٤ ضد الحكومة العراقية والذي لاحقًا أخذ عائلته للمنفى في إيران، يقول آزار عندما بدأت الحرب الإيرانية العراقية بعد ذلك بست سنوات رأى نظام الخميني فجأة فائدة للمنفيين الأكراد العراقيين بينهم، وسمح لحسو أن يستأنف دوره القيادي في بيشمركة وما إن عبرت غاراته الحدود قُبض عليه معهم في أبريل من عام ١٩٨٣ حيث قُتل في كمين في شمال العراق.

يقول آزار “في الحقيقة لا أتذكره جديًا لأني كنت في الثامنة من عمري فقط عندما توفي، وأكثر ما أتذكره كان قدوم قادة بيشمركة بشكل مستمر إلى منزلنا للتشاور مع والدي”.

لحوالي ثلاثين عامًا، ظلّت بقايا حسو مفقودة في مكان ما في جبال كردستان، لكن قبل بضعة سنوات بدأ آزار وأخوته بالسؤال عنها لمدة أشهر ومع الحديث مع سكان القرى، والناجين من شركاء حسو وجدوا عظامه أخيرًا في قاع وادً بعيد.

يقول آزار “أخذناها وعدنا بها إلى قريتنا، حيث أُقيمت له جنازة بطل، حتى البرزاني كان متواجدًا – مسعود البرزاني رئيس حكومة إقليم كردستان-.

إحساس الطبيب بالخسارة الشخصية كان أكثر وضوحًا عندما تحدث عن وفاة شقيقه علي، الأخ الثاني بين أخوة عائلة ميرخان الأربعة عشر وأول من اتبع طريق حسو بالانضمام إلى قيادة بيشمركة، يقول آزار “عندما قُتل علي لم تكن واقعة مأساوية للعائلة فقط، لكن لكل كردستان، فقط كان بطبيعته قائدًا لرجال كردستان – يمتلك كاريزما ومتألقًا- وأيضا فقد كان أخي، لكني أؤمن أننا سنكون في مكان مختلف تمامًا الآن لو أنه بقي على قيد الحياة، الكثير والكثير ممن عرفوه قالوا ذلك”.

أخبرني آزار هذه القصص على مشغل الأقراص الموصوف في المقدمة، ربما بغرض تفسير السبب وراء وجهتنا حيث كانت قرية صغيرة في العراق تسمى غندي سيبا والتي مازالت تطارده كالشبح، فقد كان بإجازة إلى أجل غير محدد من المشفى الذي يعمل به في عاصمة حكومة إقليم كردستان أربيل، ليكرس كل طاقاته بمواجهة الأزمة التي نتجت عن غزو تنظيم داعش، فواجباته التي اتضح أن جزءً كبيرًا منها كان من تحديده هو شخصيًا تتكون من جولة دورية للخطوط الأمامية لبيشمركة وتقديم المشورة للقادة، وبدا الجميع في حكومة إقليم كردستان عارفًا لاسم ميرخان، حيث كانت أحد أسعد العواقب أن حاملي اللقب أصبحوا قادرين على توقع الاحترام والتمييز لهم فورًا.

ما إن تحدثنا بات واضحًا أن مهمة آزار التي عيّن نفسه لإنجازها أخذت منحنى بعيدًا عن مواجهة تهديد تنظيم داعش، فقد رأى أن وضع حكومة إقليم كردستان حاليًا يقدم فرصة ثمينة ولا مثيل لها لإنشاء دولة كردية حقيقية، وليبلغ مراده لم يقتصر هدفه على هزيمة تنظيم داعش فحسب بل أيضًا غربلة أرض أعداء الأكراد التاريخيين أولئك العرب مرةً وللأبد، يقول “أقسموا أن يدمرونا على مدى مئة وأربعة عشر عامًا، فمتى سنُطبّق كلمتهم عليهم؟” بالنسبة إليه فالأوان هو الآن، وحسب وجهة نظره والتي ليست محصورة بين قلة في حكومة إقليم كردستان، والخطوة الأولى نحو ذلك هي تفريق الأثر المتبقي للدولة العراقية -بل أن آزار كان فخورًا بعدم إجادته للغة العربية وأنه لم يطأ بغداد إلا مرة واحدة- وبعدها تفكيك إرث الاندماج القسري للعرب والأكراد الذي بدأه صدام حسين.

جزء من حدة الطبيب كان ناتجًا عن اعتزازه بأصله الكردي الذي لطالما أجبره على مواجهة المخاطر من حوله، ومما ضاعف شعوره كانت تلك المأساة التي شهدها في غندي سيبا في الثالث من أغسطس في عام ٢٠١٤.

لمدة ٢٢ عامًا وبعد إنشائها في عام ١٩٩٢ كانت حكومة إقليم كردستان مصدرًا للاستقرار والسلام في المنطقة، حيث كانت روابطها ببغداد نظرية أكثر من أي وقت مضى، حتى أتى التدخل الأمريكي في العراق وكُشف ذلك الوضع المعفي بشكل أقرب للتعرية أثناء ذلك، حيث أخذت حكومة إقليم كردستان جانب الغزاة علنًا بتزويدهم بقواعد ومطارات خلفية لدعمهم في القتال؛ كما يهوى المسؤولون المحليون استحضار عدم مقتل أي جندي تابع لحكومة الإقليم في التحالف أثناء حرب العراق، واستمر ذلك الهدوء خلال التفكك العراقي المتواصل بعد الانسحاب الأمريكي، بل وأصبحت حكومة الإقليم أكثر ترددًا مما سبق بشأن تقديم الولاء لبغداد ولو بكلمة، وللمواطنين الجيدين في حكومة الإقليم كان يتضح باستمرار أن مقاطعتهم الجبلية وجدت طريقًا بشكل ما للهرب من الحصارات التي تحيط بها وأن أيام العائلات المحاربة مثل ميرخان تكاد تصبح من الماضي، لكن سرعان ما تلاشت هذه الفكرة الخيالية بتقدم تنظيم داعش الحاد إلى وسط العراق في يونيو من عام ٢٠١٤.

يفسّر آزار “لم أثق أبدًا بالعرب ولكن بحجم ما يبدو الأمر غريبًا، إلا أنني وثقت بتنظيم داعش، لطالما كذب العرب في الماضي –‘اوه، لا حاجة لأن تخشونا أيها الأكراد’ – ثم يهاجموننا، لكن تنظيم داعش كان واضحًا للغاية بشأن ما سيفعلونه، فقد أرادوا إرجاع هذا الجزء من العالم إلى الخلافة، وإبادة كل شخص لم يكن من نوعهم -المسيحيون والأكراد والشيعة- وكانوا صريحين بذلك، وبعد هجوم يونيو كنت متأكدًا أننا سنكون وجهتهم التالية.” وحدد الطبيب المكان الذي سيهاجمون منه أولًا فيكمل “أي أحمق يرى الخريطة سيدرك، سيكون الضحايا الإيزيديين، أي سنجار.”

الإيزيديون هم أقلية دينية كردية لطالما وصفها تنظيم داعش بـ “عبدة الشيطان” وتعهدوا بإقصائها، حيث يقع معقلهم في جبل سنجار في الركن الشمالي الغربي في أقصى العراق وخارج إقليم كردستان الرسمي، مما وضع الإقليم أمام الخطر مباشرةً، وما هو أكثر -وهذا ما أوضحه الاطلاع على الخريطة- مع استيلاء داعش على الموصل في يونيو ذلك العام، صُغِّرت الأرض التي تربط بين حكومة إقليم كردستان والأكراد الإيزيديون في سنجار لتصبح طريقًا زراعيًا منفردًا.

في الأيام والأسابيع التي تبعت هجوم يونيو استعمل آزار اسم عائلته ليفرض الاجتماعات داخل دائرته من رفاقه المدنيين والعسكريين، وفي كل منها حذّر من اقتراب هجوم داعش، ويستحضر الأمر “لم ينصتوا بجدية وجميعهم قالوا ‘لا، حربهم ضد الشيعة في بغداد، ما الذي سيحضرهم إلينا؟”

في الأول من أغسطس من عام ٢٠١٤، هاجم مقاتلو داعش محطة معزولة تابعة لبيشمركة في بلدة زومار التي تبعد فقط عشرة أميالًا عن اخر طريق في سنجار، وعندما استمر تجاهل الحكومة لكل ما يحصل، جمع آزار ميرخان في خطوة يائسة خمسة أو ستة من أصدقائه في بيشمركة ومعًا ركضوا إلى الغرب.

يقول آزار “وهذا ما أمكننا الوصول إليه، هنا بالضبط”

كنا لانزال واقفين على كتف الطريق في غندي سيبا فقط بضعة أميال غربًا عن نهر دجلة ولاتزال حوالي ٤٠ ميلًا عن مدينة سنجار، يقول آزار “كان الوقت ليلًا ولحظتها بدأنا نرى أتباع بيشمركة الفارين من سنجار وخلفهم اللاجئين الإيزيديين، كان من المستحيل الاستمرار بالمضي لازدحام الطريق بالحشود التي تحاول الهرب، فأنشأنا مركزًا للدفاع هنا وجمعنا بعض من أتباع بيشمركة ليبقوا معنا ولكن كان هذا أقصى ما بلغناه.” بعدها أشعل سيجارته ونفث الدخان في الهواء. “كان يوما واحدًا ولكننا تأخرنا للغاية.”

في ذلك اليوم في سنجار – الثالث من أغسطس – بدأ تنظيم داعش تنفيذ عمليات الإعدام، بل مذابح لعلها سلبت حيوات خمسة الاف يزيدي على الأقل، وفوق ذلك كان يجمعون الالاف من الفتيات والنساء لاستخدامهن كجاريات، وعشرات الالاف من الإيزيديين كانوا يتسلقون خاصرة جبل سنجار فارّين وقد جن جنونهم من القتلة، وما حصل آزار ميرخان عليه من كل هذا لم تكن سوى تلك الوجوه التي صبغتها الفاجعة والروايات المؤلمة لهؤلاء الناجين بعد فرارهم إلى غندي سيبا.

لكن أخذ آزار وقت قصيرًا ليدرك بقية الأمر، ناهيك عن المأساة التي ظهرت للعيان في سنجار وأشغلته، بدأ تنظيم داعش هجوما ثانيًا وهذه المرة استهدف عاصمة حكومة إقليم كردستان إربيل، مما أعاد الطبيب ركضًا من غندي سيبا إلى الجنوب حيث ساحة المعركة.

بمجرد وقوع الحرب، كان أخ آزار الأكبر آراز البالغ من العمر ٤٤ عامًا نائب قائد قوات بيشمركة في القسم الممتد إلى حدود حكومة إقليم كردستان، وهو القطاع السادس الذي كان في وجه المدفع عندما دخل تنظيم داعش بهجوم جديد، ذهب آزار مباشرةً للمعركة بجانب أخيه – لكن ليس آراز وحده- فمعظم أخوة آزار الآخرين انتقلوا منذ فترة طويلة خارج الشتات الكردي وأصبحوا دكاترة ومهندسين في الولايات المتحدة وأوروبا، لكن وليكونوا لائقين بسمعة عائلة ميرخان عاد الكثير منهم مسرعين إلى حكومة إقليم كردستان وقد تركوا أعمالهم ومهنتهم الطبية جانبًا ليحملوا بدلًا عنها السلاح، وفي فترةٍ ما من ذلك الصيف كان خمسة من الأخوة ميرخان بالإضافة إلى أحد ابن اخوة آزار يقاتلون متراصين في قاعدة إطلاق النار حيث القطاع السادس.

يمزح آزار “من الجيد أن تنظيم داعش لم يرم هاون علينا، فوالدتنا ستنزعج بالتأكيد”

ولكن شيئًا ما حدث في المعركة غّير آزار، فبعد عبوره ١٥ ميلًا من أربيل توقف تقدّم التنظيم وعاد أدراجه نتيجة لهجوم البيشمركة المضاد، وأثناء تلك الهجمة المرتدة في العشرين من أغسطس مزقت رصاصة قناص التنظيم ذراع آزار الأيمن، وبعد عدة أسابيع أثار الأمر قلقًا أنه قد يضطر إلى بترها بأكملها، لكن العملية الجراحية والعلاج الطبيعي ساعداه ليتمكن من استعمالها مجددًا.

يقول آزار بينما يجعد يداه بلطف “المهم هو أني أصبحت قادرًا على إطلاق النار مجددًا الآن، ليس مثل السابق ولكن بشكل كبير”

عاشت عائلة إبراهيم في أمان نسبي أثناء عيشهم في بيتهم الجديد في وسط حمص، مع تزييف وقف إطلاق النار على المدينة في مايو ذلك العام وانتقال معظم القتالات إلى الضواحي، وبالرغم من أن الأمر لم يكن متوقعًا إلا أن وقف إطلاق النار أدى لإعادة فتح فندق السفير حيث عَمِل والد مجد هناك؛ في بدايات شهر سبتمبر توظف مجد في الاستقبال في الفندق، يقول مجد “مع وقف إطلاق النار، تحسن كل شيء، لن أقول عاد للطبيعي لأن الكثير من المدينة قد تدمّر لحظتها لكن بإمكانك رؤية انبثاق الحياة مجددًا”.

إحساسه بعودة الهدوء تلاشى في صباح اليوم الأول من أكتوبر في عام ٢٠١٤، عندما كان مجد في العمل عندما تلقى اتصالًا هاتفيًا مُرَوَّعًا من والدته تخبره بوقوع انفجار في مدرسة عكرمة المخزومي حيث يدرس بها أخ مجد الأصغر البالغ ١١ عامًا علي، مع تقارير عن عدة إصابات.

سارعت والدته بالتوجه موقع الانفجار مباشرةً بينما لم يتمكن مجد من مغادرة عمله لمدة تسعين دقيقة، وما إن وصل إلى المدرسة أخيرًا ورأى ما رآه إلا وقد لفظت بهجة مجد الدائمة أنفاسها الأخيرة وحلّ الظلام محلها في أعماقه، وغزا الحزن والضياع عيناه.

يقول “لم أتخيل أبدًا في حياتي شيئًا كالذي رأيته فقد كان أشبه بالكابوس، بل أسوأ كابوس، غطّت الدماء واشلاء الأطفال كل المكان، يحيطون بك وأنت تخطو فوقهم – فلا يوقفك إلا أجزاء من أجسادهم-” أغمض عيناه بألم غير قادر على التحكم بأنفاسه “لن أتمكن أبدًا من نسيان ذلك المشهد.”

عندما عرف مجد بتفاصيل ما حدث أدرك إلى أي حد كانت هذه الهجمات وحشية، فما إن بدأ الإباء والمنقذين بالتجمع داخل مدرسة عكرمة المخزومي لتخليص الأطفال من الانفجار الأول الذي كان من خلال سيارة مفخخة ،إلا وقد حاول مفجر انتحاري الدخول إلى ساحة المدرسة لقتل المزيد وعندما حاصره الحراس فجّر نفسه أمام البوابة الأمامية، وعندما وصلت أم مجد لموقع الانفجار وجدت علي مختبئًا مع مجموعة من زملاءه المرتعبين خلف المدرسة.

الانفجار المزدوج على مدرسة عكرمة المخزومي قتلت على الأقل ٤٥ فردًا و٤١ منهم كانوا من أطفال المدرسة، حيث كان تذكيرًا اخرًا – كما لو أن سكان حمص احتاجوا إليه – أن في سوريا الجديدة لا أحد آمن، ولا مكان خارج نطاق القتل، وبعد الحادثة بقيت عائلة الإبراهيم مثل الأغلبية العظمى في عكرمة الجديدة داخل بيوتهم لا يرون الشمس خرج عتبة منازلهم إلا للضرورة.

بعد رحلتنا إلى غندي سيبا في مايو في عام ٢٠١٥ أخذني آزار ميرخان إلى جبهة كوير مخمور، حيث كان الموقع الذي تعرّض به لإطلاق النار سابقًا من قناص تنظيم داعش، ومغامرًا بتجوله في قاعدة إطلاق نار بيشمركة حيث الخطوط الأمامية، بعدها تسلّق المتراس ليوجه مناظيره نحو قريةٍ ما، ربما كانت على بُعد ٧٠٠ أو ٨٠٠ ياردة أسفل التل حيث لايزال كل شيء هناك، عدا وجود علمان تنظيم داعش المميزان بالأبيض والأسود يرفران في نسيم الضوء.

أطلق أحد الجنود نداءً تحذيريًا: تم رصد قناص تابع للتنظيم في القرية قبل ساعة، وفي موضعه الحالي جعل آزار هدفًا سهلًا حيث رمقه الطبيب بغضب ثم عاد إلى مناظيره.

قاعدة إطلاق النار تتكون من سلسلة حواجز وحيطان بُنيت على عجل على خط التلال تبعُد حوالي ثلاثة أميال من نهر دجلة، مع سيطرة تنظيم داعش على الأراضي المنخفضة أسفلهم، في الوقت الذي قضاه آزار هناك نجا عدة مرات من هجمات التنظيم.

“أولًا، يرسلون مفجريهم الانتحاريين في مدرعات همڤيس وإن لم تقض عليها بمجرد اقترابها للتل -ولابد أن تضربها مباشرةً- فإنها ستنفجر تاركةً ثقوب ضخمة في الجدران، لأنها ببساطة تسبب انفجارات هائلة، وأثناء التشوش نتيجة لذلك يرسلون جندًا من المشاة وخلفهم القناصون، كل ذلك يحدث بسرعة فائقة: يكون كل شيء هادئًا وفي غمضة عين يصبحون في كل مكان، والشيء المهم أن تبقى هادئًا لكي تحدد أهدافك لأنك إن فُزعت فستنتهي، وهذه مشكلة الجيش العراقي: هم دائما مذعورين”.

لم يبد الذعر وكأن له مساحة في مشاعر آزار، فيقول “أحب مقاتلة تنظيم داعش، فهم أذكياء للغاية، كان الأمر أشبه باللعبة.”

ربما ليس مٌفاجئًا بالنسبة لشعب متعهدين حتى النخاع بترسيخ وطنهم، بل إن أكراد حكومة إقليم كردستان يرونه أمرًا لا يُحتمل أن يستوطن تنظيم داعش أي من مناطقهم، وبحجم ما يتكبد جيش الولايات المتحدة من إصابات لاسترجاع موتى معاركهم، فإن البيشمركة على استعداد لتكبد خسائر أعظم في سبيل استرداد الأرض الكردية بسرعة.

في معسكر دجلة الأسود حيث مركز قيادة القاعدة الخلفية للقطاع السادس وقائد القطاع العام سيروان برزاني الذي يشير إلى الخريطة الضخمة لواجهة الحرب ومُعلّم عليها بالألوان على حائط مكتبه ويضرب الإحصائيات الملحوظة تحديدًا، يقول “عندما وصلت لأول مرة، كانت داعش هناك على بُعد ثلاثة كيلومتر من أسفل الطريق، والآن قمنا بإبعادهم ليكونوا على بُعد ثلاثة وعشرين من ناحية الغرب وأربعة وثلاثين نحو الجنوب، وفي قطاعي استعدنا ١١٠٠ كيلومتر مربع، وحتى الآن بقي لنا ٢١٤ كيلومتر مربع لاسترجاعهم.

بحلول مايو من عام ٢٠١٥ قال برزاني أن ما يقارب ١٢٠ عضو من بيشمركة لقوا حتفهم في القطاع السادس عندما وقع هجوم تنظيم داعش الأعظم، وفي نفس الوقت قام قادة بيشمركة بتمييز مثير للاهتمام بين تحديد الأماكن التي سيبذلون كل جهودهم لحمايتها والأماكن التي سيتجاهلونها، فمثلًا القرية التي يسيطر عليها التنظيم وينظر إليها آزار من خلال مناظره أغلب سكانها من العرب وليس الأكراد.

يفسّر “فحتى بالرغم من أنها ضمن منطقة حكومة إقليم كردستان، إلا أنها لا تستحق خسارة رجل من أجلها حتى نكون مستعدين لإطلاق هجوم أكبر”.

لكن عندما اقترب ذلك الهجوم كان الأمر متعلقًا بسياسة الجغرافيا العالمية ومع نتائج القرارات التي اُتخذت في واشنطن وبروكسل وبغداد، ففي ضوء السلوك البائس للجيش العراقي في الماضي -وغياب أي نية لإحضار أعداد هائلة من القوات الغربية إلى الساحة- صدرت مطالبات من السياسيين الأمريكيين والأوروبيين ومستشاري السياسة الخارجية، بتفويض القوى القتالية في المنطقة إلى الجهة التي أثبتت حماستها لقيادة حملة تدمير داعش بيشمركة، ولم يكن واضحًا إن كانت هذه الفكرة قد نوقشت بجدية مع الأكراد أم لا.

يقول سيروان برزاني “كما تعلم أتى الأمريكيون إلى هنا وأرادوا التحدث بشأن استرداد الموصل، فهل هم سيفعلونها بقواتهم الأمريكية؟ لا، أو سيفعلونها مع الجيش العراقي؟ لا لأنهم عديمي فائدة، إذن فلنقم باستخدام الأكراد ليفعلوها، كانت هذه استراتيجيتهم، ولكن ما حاجة بالموصل؟ فهي ليست كردستانية؛ بل عراقية، ولِما يجب علينا خسارة المزيد من الرجال لأجل العراق؟”

ومما يزيد ذلك الاعتراض بجانب كره الأكراد الاعتيادي للنظام في العراق كان ما تسبب به انهيار الجيش العراقي لحكومة إقليم كردستان، فنتيجة لفرار العراقيين تاركين ورائهم الأسلحة الضخمة والمركبات التي قدمتها أمريكا لهم إلى تنظيم داعش -في معظم الحالات لم يكونوا بوعيهم الكافي ليدمروها حتى- مما أدى إلى تحويل قواهم من قوى عصابات إلى أحد أفضل الجيوش المسلحة في المنطقة، ودفع الأكراد الثمن لذلك.

بحلول مايو من عام ٢٠١٥ كان الأمريكيون مستمرون بمحاولاتهم لإقامة اتفاق يمكن العمل عليه، بينما تحسنت سرعة الاستجابة للغارات الجوية ضد أهداف تنظيم داعش بشكل كبير بسبب نشر الجند الجوي لفرق المراقبة الجوية الأمريكية في حكومة إقليم كردستان، لكن في المقابل كانت الجهود المبذولة للوصول إلى تراضٍ بين بيشمركة والجيش العراقي تؤدي نتائجها ببطء شديد، ومباشرة بجوار معسكر دجلة الأسود للبرزاني في كوير تواجدت قاعدة أصغر حيث يتلقى الجنود العراقيين تدريبًا أمريكيًا، يقول برزاني “دعوت كثيرًا لليوم الذي لا أضطر فيه إلى رؤية ذلك أكثر” مشيرًا للعلم العراقي الذي يرفرف فوق القاعدة المجاورة.

لكن كشف معسكر دجلة الأسود شيئًا اخر حول حكومة إقليم كردستان، وهو وجود جانب من المجتمع حيث يحاول أغلب المسؤولين سواءً كانوا مدنيين أو عساكر التقليل منهم أو يتجنبوا الحديث عنهم، فطوال مدة وجود حكومة الإقليم – في الحقيقة قبل ذلك بكثير- مُزقت الأرض بين معسكرين مختلفين، بل نزاع أدى لبدء حرب أهلية في التسعينيات، وعلى السطح طَفَتْ بقايا المبارزة السياسية بين الحزبين، الأول الحزب الديموقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني لكردستان، لكن في الواقع كانت منافسة بين تجمُّعين قبليين ضخمين وهما البرزاني والطالباني، حيث يسيطر كل من البرزانيون وحلفاؤهم القبليون – وقبيلة ميرخان منهم – على شمال الإقليم كليًا، وفعليًا كل أعضاء الحزب الديموقراطي الكردستاني من جنوب حكومة الإقليم الذي يسيطر عليه الطالبانيون وحلفاؤهم في الجهة الأخرى.

طُبقت الطبيعة الإقطاعية هذا الترتيب في معسكر دجلة الأسود، فكل البيشمركة في المعسكر ومن يسكنون حتى على بُعد ٧٥ ميلًا من القطاع السادس هم من البارزاني ودلالتهم تكمن بأوشحة حمراء وبيضاء ترمز للقبيلة، بينما في قطاعات الطالباني في جنوب حكومة إقليم كردستان فأوشحة البيشمركة هناك ملونة بالأسود والأبيض.

بالتالي فإن سيروان البارزاني هو “القائد” للقطاع السادس مع أنه الأقل فطنةً عسكرية في قسمه – قبل الحرب كان المالك الثري جدًا لشركة مزودة بخدمات الهاتف الخلوي- ونظرًا لحقيقة أنه ابن اخ رئيس حكومة الإقليم الكردستاني مسعود البارزاني، الذي هو بذاته ابنًا لأمير الحرب الأسطوري مصطفى البارزاني، فإن ذلك يفسر صراحة سيروان التي لا تبدو حكيمة مع صحفي أجنبي؛ وبصفته من البارزاني أبًا عن جد، فهو بعيد عن كونه مبتغى يُسعى إليه لكن من أقل المذكورين في واجهة سياسيو الإقليم الكردستاني.

سبّب هذا الانقسام المستمر عواقب مأساوية، ففي الأيام الأولى لتقدم تنظيم داعش داخل حكومة إقليم كردستان كانت استجابة البيشمركة هشة للغاية، وبحجم رغبتهم بإلقاء اللوم على تخاذل الجيش العراقي ولكن في الحقيقة مما ضاعف الأزمة بشكل كبير كان وجود اثنين من البيشمركة والتنسيق بينهما أقل مما يجب، فانتهز التنظيم الفرصة ليوشك على الاستيلاء على العاصمة أربيل ومن ثم بدء إبادة الإيزيديين.

مرة تلو الأخرى في حكومة إقليم كردستان استشعرت إحساس الذنب، بل وحتى العار عندما يتمحور الحديث حول مصير الإيزيديين، ولم أشعر بذلك القدر إلا عندما كان آزار ميرخان يتحدث عنهم، ولعل جزءً من تأثيره كان مرتبطًا بمحاولته السابقة لمساعدتهم أثناء أزمتهم الحرجة قبل أن يرى أن الأوان قد فات بلا عودة، ولكن على مستوى فلسفي فقد شعر أن الأكراد قد خانوا تاريخهم.

يفسّر الأمر “يمكنك قولها بطرق عديدة أن الإيزيديين كانوا الأكراد الأنقياء وأن اليزيدية كانت الديانة التي يؤمن بها كل الأكراد، فلم يدخلوا في جدل السنة والشيعة وحتى مع تغير الجميع، إلا أنهم بقوا يحملون إيمانهم الحقيقي”

وأثناء جولته حول جبهات القتال قضى آزار وقتًا طويلًا في معسكرات النازحين الإيزيديين في شمال حكومة إقليم كردستان، حيث كان في الغالب يعمل مع دكتورة كردية وسويدية الأصل تُدعى نيمّام غفوري، وهذه المعسكرات – بعضها تُديرها جمعيات خيرية صغيرة مستقلة وأخرى عن طريق منظمات إغاثة دولية ضخمة- حيث تُعد منزلًا لعشرات الالاف من الإيزيديين الذين نجوا من تقدم التنظيم الداعشي في أغسطس عام ٢٠١٤، لكن عندما زرتهم في مايو عام ٢٠١٥ كان قد انضمت إليهم حفنات أخرى من الذين فرّوا مؤخرًا أو كانوا أسرى لدى التنظيم، وبالرغم من كمية المقابلات التي أُجريت لناجي الحروب والفظائع في كل بقعة من هذا العالم إلا أنني وجدت شيئًا فريدًا يثير الرعب مشتركًا بين قصص هؤلاء العائدين، فأخذ الأمر مني وقتًا لاستنتج أن ذلك نتيجة لِما بقي بدون ذكر أو قول، والحاجة الماسة لاستكمال الأحجية الفاسدة التي قد تعرضوا لها.

مارس تنظيم داعش الاغتصاب والاستعباد الجنسي كسلاح حربي لتدمير بنية المجتمع اليزيدي، والآن بعد عودة بعض من الفتيات والنساء اللاتي تعرضن لذلك لم يأذن لهن عُرف الشرف اليزيدي المحافظ بالحديث عما واجهن، فقد قابلت فتاة في العاشرة من عمرها في شركة غفوري حيث دفعت عائلتها ألف وخمسمائة دولار -مدخراتهم بأكملها- ليشتروا حُريتها في الأسبوع السابق، وقالت الفتاة أن مالكوها في تنظيم داعش جعلوها تقوم بتنظيف وغسل ملابسهم ولم يلمسوها ابدًا وكانت هذه القصة التي أصرّت عائلتها على تصديقها، ومن ثم قابلت فتاتين مراهقتين هربتا من التنظيم بعد شهرٍ واحد مع قريبتهما التي اعتقدت أنها والدتهما -بدَت في الخامسة والأربعون من العمر تقريبًا، لكن الشقاء قد غزا ملامحها: خدود غارقة وأسنان معدومة وشعر رمادي- التي بقيت محبوسة لثماني أشهر، إلا أن هذه المرأة لم تكن والدتهما؛ بل اختهما الكبرى وتبلغ أربعة وعشرون فقط، وحسبما روَت أنها قد ادعت الصمم الذي يعتبره أفراد التنظيم مرضًا نفسيًا مما نجّاها من التحرش الجنسي، وكما فسّرت غفوري فمهمتها حاليًا هي الاقتراب من أي باب للفتاة البالغة عشرة سنوات والتي تبلغ أربعة وعشرين سنة لوحدهما، وبعد اكتساب ثقتهما ستفحصهما جسديًا، وإن كُن قد تعرضن للاغتصاب فستبلغ عائلاتهما أنهن يعانين من أحد أنواع العدوى التي ستضطرها إلى عزلهما في مشفى -بدون زوّار- لمدة أسبوع.

تُفسّر “بعد التأكد سيؤخذن إلى أربيل، ويحصلن على إعادة تشكيل – في الواقع مجرد عملية بسيطة – بعدها ستعود عذريتهن، وسيُعاد استقبالهن ويتزوجن يومًا ما، بالطبع سيعني ذلك أنهن لن يستطعن التحدث عما حدث لهن أبدًا، وسيبقينه داخلهن للأبد لكن هذا ما سيؤدي إلى نهاية سعيدة في الوقت الحالي”.

قوّى الاستماع لمثل هذه الشهادات اعتقاد آزار ميرخان بشأن ما يجب فعله ليبلغ الأكراد الأمان يومًا ما، ومن وجهة نظره فإن تنظيم داعش يُعد الأحدث في سلسلة الأعداء العرب المتعصبين لا أكثر، فيقول “لو كانت هذه المرة الأولى فربما يمكنك التعقيب ‘اوه، مجرد مجموعة مريعة من الإرهابيين’ لكن على العكس، فهذا ما كان يحدث خلال تاريخنا بأكمله، وأكاد أقسم أنه بمجرد استعادتنا لسنجار سنذهب إلى هناك وسنجد أن العرب قد وقفوا إلى جانب التنظيم، حسنًا البعض منّا في المعسكرات لكن الكثير مازالوا هناك، لذلك أقول أن عدونا ليس التنظيم فقط؛ بل كل العرب”

ملف: كردستان العراقية ٢٠١٥

في بداية يونيو عام ٢٠١٥، اقترب العام الأول لعمل وقاص مع تنظيم داعش لنهايته، حيث أعاد تقييم حياته، فمنذ إكماله لتدريبه في مجمّع التنظيم بالقرب من الموصل في الصيف السابق، قضى ستة أشهر في مسقط رأسه الدور – بينما كانت مهمته الأساسية في نقطة تفتيش لتنظيم داعش- قبل أن يُرسل لمقاتلة مقاومي الجيش العراقي في مجمّع تصفية النفط في بيجي، ومع احتداد الحرب امتلك وقاص الخيار معاشرة التنظيم لكنه بدلًا من ذلك قرر العودة إلى العالم المدني.

لعل جزءً من دوافعه كان متعلقًا بالحالة الاقتصادية للتنظيم الذي باتت نهاية سلطته واضحة، مما أدى لتأخر دفعة رواتب وقاص، لكن على الأغلب ارتبط أكثر برغبته بالحفاظ على ذاته، لأنه وبالتأكيد رغم البطء فالمَد يوشك أن ينقلب ضد التنظيم.

كان ذلك جليًا لوقاص ليفكر من أين يمكنه البدء من جديد، ففي أبريل دعمت الغارات الجوية الأمريكية الجيش العراقي ليستعيد تكريت، وفي يونيو ذاك كانوا أشد قربًا لبيجي، بينما لاتزال الموصل والبلدات التي يسيطر عليها تنظيم داعش في محافظة الأنبار متروكة، لكن استكمال حياة أي مقاتل سابق للتنظيم في أي من هذه الأماكن كان مستحيلًا: فهو سيثير امتعاض رفاقه السابقين، وفي عداد الموتى ما إن يستولي الجيش العراقي.

في النهاية اتخذ وقاص وجهةً مختلفةً للغاية: كركوك المدينة العراقية التي يسيطر عليها الأكراد.

وكما في الموصل وبيجي وتكريت، تشتت الجيش العراقي وهرب من كركوك قبل هجوم تنظيم داعش بسنة كاملة، لكن الاختلاف أن هناك حيث انتهت التشابهات، ففي التسابق نحو ملء الفراغات التي تركها العراقيون وصل الالاف من جنود بيشمركة إلى كركوك قبل اقتراب التنظيم واستطاعوا وقف تقدمهم نحوها ومنذ ذلك الحين باتت المدينة تحت السيطرة الكردية بالفعل، لكن مدينة الانصهار كانت قد اكتظت أيضًا باللاجئين من السنة والشيعة معًا مما جعلها مخبًأ طبيعيا لكل من المقاتلين النشطاء والسابقين، وبالرغم من أن كركوك كانت على بُعد ستين ميلًا من بيجي إلا أن المدينتين فُصلتا من خلال الخط شديد التحصين الذي يحميه جيش بيشمركة، مما يعني أن وصول وقاص إلى مدينة النجاة يتطلب السفر إلى “طريق الفئران” التابع لتنظيم داعش. (استعمل الصحفي مصطلح Ratline وهو مصطلح عائد لهروب النازيين والفاشيين من أوروبا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية).

في ذات الشهر الذي حسم به وقاص قراره بمغادرة تنظيم داعش حصل مجد أخيرًا على درجة البكالوريوس في إدارة الفنادق من جامعة البعث، واختلطت البركة في هذا الإنجاز: أصبح مؤهلا للتجنيد، فقبل الحرب كان من الطبيعي أن يتلقى الطالب الذكر رسالة استدعاء بعد أربعة أو خمسة أشهر من تخرجه، لكن بحلول عام ٢٠١٥ ونتيجة لاستنزاف الجيش السوري بعد الانقسامات وخسائر القتال قلّت الفترة الفارقة بين التخرج والاستدعاء لتكون خلال شهر أو شهرين أو حتى مجرد بضعة أسابيع، ولم تعُد هناك فرصة للتلاعب بالنظام فما أن يخرج إشعار الاستدعاء سيقصد الجيش منزلك ويأخذك بعيدًا، يقول مجد “فكان الأمر هكذا، علمت أن الجيش سيقصدني خلال وقت قصير جدًا.”

فقط بعد بضعة أيام من تخرجه أعطى والدا مجد ابنهما الأكبر ٣٠٠٠ دولا -كل ما تبقى من مدخراتهم- وأخبراه أن يغادر البلاد تمامًا.

يقول “لم يُعد الأمر متعلقًا بالوطنية أو الدفاع عن البلد بالنسبة إليهم، بل ببقائي على قيد الحياة” أتبع ذلك بابتسامة باهتة فأكمل “بالإضافة إلى أنني سأكون جنديًا كارثيًا.”

في الواحد والعشرون من شهر يونيو، اصطحب والد مجه ابنه إلى دمشق، وبعدها بيومين أخذ طائرة لتوصله إلى تركيا، وبجانب الثلاثة الاف دولار جمع مجد أي ما يمكن حمله في حقيبته الصغيرة.

على أمل البقاء قريبًا من منزله على الأقل، انطلق مجد نحو البحث عن عمل في تركيا، وعندما لم يصل إلى أي نتيجة لم يجد خيارًا اخر سوى الانضمام إلى حاملة مهاجرين يتفاوض عليها مئات الالاف من المهاجرين من رجال دولته في ذلك الصيف، تاليًا توجّه إلى غرب تركيا حيث ساحل إيجه وسعيًا لبلوغ أوروبا، وخلال هذه الرحلة صادف صديقًا قديمًا من حمص لم يره منذ سنوات يُدعى أمجد الذي بدوره كان يرتحل برفقة لاجئ اخر يُدعى عمار، فأصبح ذلك الثلاثي فريقًا للسفر، وهكذا تشارك هؤلاء الثلاثة نفس الطوافة المكتظة بالأنفاس التي عبرت شاطئ أحد المهربين بالقرب من بودروم تلك المدينة التركية الحافلة بالمنتجعات في ٢٧ يوليو إلى جزيرة يونانية على بُعد عدة أميال.

وهناك حيث واجه مجد وصديقاه صبرًا محفوفًا بالألم، كانت كوس تكاد تغرق من اكتظاظها بعشرات الالاف من المهاجرين المحتلمين والسلطة على الجانب الاخر تستغرق مدة تصل إلى عشرة أيام لمجرد استخراج أوراق التسجيل التي تسمح لهم بالدخول، في ذلك الصيف لم يعد طريق الهجرة عبر أوروبا الشرقية مضيافًا على نحو واضح بل والعديد من الحكومات هددت أنها ستغله تمامًا، في النهاية تلقى مجد ورفيقيه أوراقهم في وقت متأخر من بعد ظهير الرابع من أغسطس مما أعطاهم وقتًا كافيًا للانضمام إلى العبارة الليلة إلى بر اليونان ليباشروا بعدها بحثهم عن مكان اخر في أوروبا للجوء.

الجزء الخامس: الهجرة ٢٠١٥٢٠١٦

في الثامن عشر من شهر يونيو عام ٢٠١٥، وأول يوم من شهر رمضان ودّع وقاص رفاقه من تنظيم داعش وانطلق بعدها على خط هروبه من التنظيم عائدًا إلى حياته المدنية، وفي سبيل بلوغ كركوك التي تبعد ستون ميلًا فقط من شمال شرق بيجي توجب على وقاص السفر أولًا غربًا عبر العراق وسوريا اللتين تحكمهما داعش وبعد ذلك إلى الشمال نحو تركيا، وقبل الرجوع إلى الإقليم الذي يسيطر عليه الأكراد في العراق – تقريبًا دائرة كاملة تضم ما يتجاوز خمسمائة ميلًا- ولكن أكبر عقبة من الممكن أن يتعرض إليها في هذا المسار المعروف كانت الحدود التركية المدججة بالسلاح.

منذ اكتساب تنظيم داعش القوة في شرق سوريا في أوائل عام ٢٠١٤ وُجهت اتهامات أن نجاحهم كان معتمدًا على تساهل تركيا في حراسة حدودها مما يعني عبور المقاتلين الإسلاميين من كل أنحاء العالم ذهابًا وإيابًا، وفي أواخر عام ٢٠١٥ وجهت الحكومة الروسية هذه التهمة علنًا لتظهر الإدارة التركية للرئيس رجب طيب أردوغان وتنكرها كليًا رغم دعم الأدلة للموقف الروسي، حيث زعم أحد عشر مقاتلًا من أصل ما يقارب ٢٤ من مقاتلي التنظيم الأسرى الذين قابلتهم لهذا التقرير أنهم عبروا من خلال تركيا في فترة ما أثناء خدمتهم التنظيم، وذكر كل هؤلاء الأحد عشر تقريبًا لي أنهم قابلوا جنودًا أو شرطة أتراك أثناء عبورهم الحدود التركية السورية وكانوا ببساطة يلوحون لهم، وبدون شك كانت هذه تجربة وقاص.

يقول وقاص “الرجل الذي كان يقودنا ذهب لنقطة تفتيش تركية وتحدث مع الحراس لبضعة دقائق، ربما دفع لهم لا أعلم، لكن في النهاية عبرنا.”

كما لو أنه هناك أي فرصة أن حراس الحدود التركية لم يدركوا انتماء أولئك الذين تركوهم يعبرون، هزّ وقاص رأسه مؤيدًا “بالطبع هم يعلمون، كنا جميعًا شبابًا والرجل الذي عبر بنا كان من داعش، فلطالما عبر من هناك وهم على علم بذلك.”

من تركيا، عبر وقاص بالسر إلى منطقة حكومة الإقليم الكردستاني وفي بداية يوليو في عام ٢٠١٥ وبعد أسبوعين من تركه لتنظيم داعش وصل إلى كركوك مستعدًا لبدايةٍ جديدة، وسرعان ما انضم إليه متقاعد اخر من التنظيم، ولم يكن سوى شقيقه محمد.

في بادئ الأمر كان كما لو أن الأخوين اتخذوا خيارًا صائبًا، انتقلوا في كركوك إلى شقة صغيرة في حي مليء بمقاتلين سابقين لتنظيم داعش يحاولون التهرب من أي ملاحظة، وخلال أسبوع وجد كلا الأخوين عملًا في موقع بناء قريب، وفي تلك المرحلة لو حلم وقاص بالمستقبل فهو ينوي ببساطة البقاء في كركوك ويجني من المال ما يستطيع بعدها يعود إلى منزله عندما تسمح الأوضاع ويفتح متجره الصغير.

بحجم ما كان ذلك الحلم أشبه بالسهل الممتنع، فقد تلاشى في ظهيرة السابع من سبتمبر في عام ٢٠١٥ عندما سحبت سيارة سوداء وقاص في أحد شوارع كركوك، وأنزل الرجل في المقعد الأمامي والي كان شرطيًا سريًا نافذته وسأل الشاب المتبصرة عيناه عن بطاقة هويته.

في ظهيرة ٢٣ نوفمبر عام ٢٠١٥ قمت بزيارة مجد إبراهيم في شقته العلية في ضواحي درسدن التي قدمتها إليه وكالة التأمين الاجتماعي المحلية، وشاركه في المسكن صديقه من حمص أمجد بجانب ستة اخرين من طالبي اللجوء بانتظار الإجابة على التماسهم للحصول على الإقامة ليأسسوا طريقهم قانونيًا كما يفرض النظام الألماني، وخلال كل ذلك سببت الوجبات الغذائية قلقًا جديدًا، فعيّن اثنان هنديّان من سكان الغرفة أنفسهما كسادة المطبخ، ويفسر مجد “طعامهم أفضل من طعامنا بكثير، لذلك هما يقدمان لنا قائمة المشتريات ونحن نذهب للسوق لإحضارها، لكنهما يقومان بمعظم أعمال الطبخ”.

من اليونان، سافر الأصدقاء السوريون على متن ناقلة المهاجرين عبر شرق أوروبا ووصلوا إلى جنوب ألمانيا في منتصف أغسطس، وعزم مجد أمره أن يُكمل إلى السويد لوحده عندما سمع أن الحصول على اللجوء هناك أسهل، لكن تحطمت كل هذه الخطط عندما سحبت الشرطة الأصدقاء من قطار كان متوجهًا إلى الشمال، وبعدما تنقلوا بين مراكز احتجاز المهاجرين أُرسلوا في نهاية المطاف إلى درسدن في منتصف سبتمبر.

أن يجد اللاجئون القادمون من حمص أنفسهم في درسدن كان أمرًا في منتهى التناقض، فالمدينة اشتهرت بتدمير حلفائها لها بشكل رهيب في الحرب العالمية الثانية، وتُعد أيضا مركز الحركة المتنامية لمعاداة الهجرة التي توسعت في أنحاء ألمانيا خلال العام الفائت، فقد نظّم القوميون اليمينيون مظاهرات ضخمة في المدينة في ليالي يوم الاثنين، عندما زرت مجد، كان قد مر أسبوع منذ وقوع الهجمات الإرهابية في باريس التي قتلت ١٣٠ شخصًا، حيث كان الحنق ضد اللاجئين -خاصةً من الدول الإسلامية- يزداد كالوباء.

أخبرني مجد “وقعت بعض الحوادث في الأسبوع الماضي، والكثير منا تجنّب الذهاب إلى وسط المدينة في الوقت الحالي.”

من المؤكد أنهم لن يقصدوا المدينة في مساء ذلك الاثنين حيث تشرع خطابات معاداة المهاجرين التي تبدأ مباشرةً في السابعة في ثياتيربلاتز في دردسن.

تحدث مجد مرارًا وتكرارًا عن نواياه بالعودة إلى سوريا؛ مما يُفسر سبب طلبه بعدم ظهور وجهه في صورته، وقد سألته في تلك الظهيرة ما إن كان يستطيع تصور وقت حيث تكون الوحيد محتملة، مما دعاه لأن يفكر لوقتٍ طويل “خلال عشرة سنوات على الأقل، لدينا مقولة في سوريا ‘الدم بالدم’ والآن يريد الجميع الانتقام لِما حدث لهم في السنوات الماضية، مما يعني استمرارية الأمر، الدم سيجلب المزيد من الدم، ولا أظن أن الأمر سينتهي حتى يتوفى كل شخص حمل سلاحًا في هذه الحرب، حتى تسارع القتل فسيأخذ الأمر على الأقل عشر سنوات”.

صدفةً كنت مع مجد في اليوم التالي بينما كان عائدًا إلى شقته المشتركة عندما وجد خطابًا ينتظره أرسله المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين يعلمه باكتمال فحص الخلفية وعدم وجود أي مشاكل قد تسبب عائقًا: كانت هذه العقبة الرئيسية الأخيرة التي تقف بينه وبين حصله على الإقامة التي ستسمح له بالبقاء في ألمانيا للثلاث سنوات القادمة قانونيًا، وضع مجد الخطاب جانبًا ومشى حيث أحد نوافذ غرفة النوم وجلس ليقضي وقتًا طويلًا محدقًا في الشارع.

بحلول نهاية عام ٢٠١٥ تبادرت إلى خلود خطة أقرب لليائسة، فبعد سنوات من طلبات اللجوء التي بقيت بدون نتائج، باتت لا ترى مستقبلًا لعائلتها في الأردن، طوال فصلا الصيف والخريف تابعت قصص مئات الالاف من المهاجرين المتأملين بالنجاة، وقد توجهوا لأوروبا عن طريق تركيا -وأكثر خطورة أحيانًا، من ليبيا- على متن قوارب نفخ رديئة، بحلول ديسمبر تبدلت أحوال القصص بسرعة؛ فوضعت الحكومات الأوروبية قيودًا لا تعد ولا تحصى على المهاجرين، ومع قدوم فصل الشتاء أصبح العبور بحرًا طريقًا تحفه المخاطر، كما فسرت خلود الأمر لوالدها وأختيها ذلك إن أرادوا تغيير أوضاعهم، فعليهم الإسراع بذلك

منع ضعف صحة علي الزايدي الأب من مواجهة صعوبات الرحلة فقُرر أن سحر ستجلس معه في عمان، بينما تهاجر الأختان خلود وتعميم إلى أوروبا، في الرابع من ديسمبر استقلوا طائرة إلى إسطنبول ومن هناك اتبعتا حاملة مهاجرين بالية على الساحل التركي ستعبر إلى أزمير، وبعد إجراء الترتيبات القائمة على دفع ألفين يورو لمهرب ليؤخذن على متن قرابه، انتظرتا الأختان حتى اتاهن الاستدعاء أخيرًا في ليلة ١١ ديسمبر.

بقين في الطريق ساعة ونصف حتى وصلوا إلى الساحل، بينما تسللتا خلود وتعميم إلى الشاطئ في الظلام ليصعدا على متن قارب مطاطي يحمل ما يفوق طاقته من الأشخاص -عدّت خلود ما لا يقل عن ٣٠ راكبًا بدلًا من أن يكونوا ثماني أو عشرة أشخاص كما صُمم له- والتي توجهت بعد ذلك إلى الجزيرة اليونانية ساموس بعد رحلة استغرقت ثلاث ساعات.

نتيجة لازدحام القارب وإثقاله بالركاب تعطّل المحرك الخارجي ما إن احتدت الأمواج عليه، لكن الخطر الأكبر قد وقع عندما بلغوا بر الأمان في ليلة قاتم قمرها، حيث أضاع الرُبّان الطريق الصحيح إلى شاطئ ساموس واصطدم القارب بصخرة بارزة؛ مما أدى لانفجار أحد الطوافات الهوائية، فألقت خلود نظرة سريعة على تعميم لتستعدا للقفز في الماء مع الركاب الذين غرق قاربهم – لحسن الحظ كانوا مرتدين سترات النجاة- بينما بدت أختها الكبرى وكأنها شُلّت نتيجة للخوف الشديد.

تستحضر خلود الموقف “صرخت أُناديها لكي تقفز لأن الأمواج كانت عالية وستدفعنا للاصطدام بالصخور، لكنها لم تستطع التحرك، وبينما كنت أراها توشك على الموت فكرت أننا بلغنا مبلغًا بعيدًا معًا، فوجب علينا أن توحّد مصائرنا”.

قفزت خلود لتقترب من أختها تعميم ممسكةً إياها وبشكل ما تمكنت من الابتعاد عن القارب الغارق إلى الصخور، وما إن وصلتا حتى اعترضتهن موجة أخرى أدت لتعرض ساق تعميم لأذى بالغ السوء نتيجة لسقوطها، ولكنهما على الأقل في البر الآن، وفي الظلام ساعدت خلود أختها العرجاء على صعود التل لينضما إلى بقية المهاجرين الباحثين عن ملجأ.

في الأسبوعين التاليين أصبحت مسألة السفر والانتظار للأختين من العراق مشوشة ومتوترة، وعِبَرْ من قسوة انعدام المبالاة بالممارسات الرسمية واللطف الذي قد يُغيّر حياة الغرباء، بعدما سجلت الاختان لدى السلطات اليونانية في ساموس سُمح لهن بالركوب على متن سفينة ناقلة للبر اليوناني وأثينا حيث احتواهم صديق لصديقٍ يعرفنه، ومع استمرار تغيُّر الأوضاع في حدود أوروبا الشرقية – والتي لا تبشر بالخير أبدًا للألاف من المهاجرين الذين لا يزالون يشقون طريقهم نحو الشمال- بينما تحركت الاختان بسرعة، وبحلول ٢٢ من ديسمبر ومرورًا بالكثير من الحافلات والقطارات والسفر على أقدامهن، وصلتا خلود وتعميم أخيرًا إلى جنوب ألمانيا بعدما عبور خمسة حدود أوروبية.

وهناك يبدو أن حظهن لم يكتمل، فتم اعتقالهن بعد فترة وجيزة من تجاوزهما إلى الحدود الألمانية واُحتجزن في الحبس حتى الظلام، ليتم إعادتهن بعدها إلى النمسا وتلقوا إرشادات بالتوجه إلى مركز مخصص للاجئين في كلاغنفورت ، حيث كان ذلك المخيم مكتظًا ومنعتا الأختين من الدخول، فلم تجدا الأختان خلود وتعميم مكانًا للجوء إليه واضطرتا للبقاء معًا على أبواب المخيم – بعدها، بدأت تثلج.

أُنقذتا الأختين باستخدام وسائل التواصل الاجتماعية بعدما نشرت خلود إشعارًا لوضعها على فيس بوك، فاستعانت مجموعة نشطاء دولية صغيرة بالبحث عن شخص ما في منطقة كلاغنفورت يمكنه مساعدة الأختين، وسرعان ما وصلتهن المساعدة على هيئة عضو أخضر محلي في البرلمان حيث أخذ كل من خلود وتعميم إلى مقهى ليأكلهن ويدفأن، وفي المقهى أرسل السياسي رسالة عاجلة يلتمس بها وجود عائلة محلية لاحتواء الأختين مؤقتًا؛ وخلال ساعة تلقى جوابًا بثماني عروض، ومن المقهى ذهبتا الأختان الزايدي إلى منزل إليزابيث وإريك إيديلسبرنر.

أرسلت خلود بريدًا لصديق في بريطانيا في اليوم التالي الموافق لليلة الميلاد “اليوم هو اليوم الأول ونشعر براحة وهدوء، فالعائلة لطيفة للغاية وقدموا لنا غرفتنا الخاصة كما أن لديهم كلبًا رائعًا أحببته”.

في ديسمبر من عام ٢٠١٥ اُحتُجز وقاص حسين للاشتباه به بتهمة الإرهاب في مركز شرطة صغير سابق على حدود قرية تبعُد حوالي عشرة أميال من كركوك، ومع ما يقارب ٤٠ إرهابي مشتبه به قضى وقاص البالغ من العمر ٢١ عامًا كل ساعات يقظته راكعًا في غرفة صغيرة ونتنة في السجن السري الذي تديره قوات امن حكومة إقليم كردستان، أسايش، وفي الظروف النادرة التي يُنقل بها إلى غرفة جماعية كان يُقاد إلى هناك معصوب مكبل الأيدي ومعصوب العينين، فمضت ثلاثة أشهر منذ أخذه من شوارع كركوك دون أي فكرة عن موقعه.

اعترف وقاص بعد اعتقاله بماضيه كمقاتل تابع للتنظيم الداعشي بسرعة وقدم تفاصيل خدمته بما فيها عمليات الإعدام الست التي قام بها في الموصل، وكان من المستحيل معرفةً إن كان هذا الاعتراف ناتجًا عن إجبار بالتعذيب – أصر وقاص في محادثته معي في السجن على أن محققي الأسايش لم يسيئوا معاملته على الإطلاق ولكن حتى السجناء المعذبون تعمدوا قول الأمر ذاته عندما وقف سُجَّانهم فوق رؤوسهم، وعلى مدار المقابلتين الطويلة اللاتي أجريناها ناقض الشاب نفسه من حين لآخر وربما كان ذلك نتيجة لمحاولته تعيير ما قد يود السائل والخاطف سماعه، ولكن بدت بعض أقواله صريحة في لُبِّها ولعل ذلك كان جزئيًا نتيجةً لإحساسه بتأنيب الضمير على الأقل.

أخبرني “ارتكبت ذنوبًا وجب علي الاعتراف بها لهم قبل الله.”

بعد فترة قصيرة من احتجازه بلغ وقاص عن أخيه محمد أيضا، واستغرقت أسايش شهرًا بتتبعه، وعندما قُبض عليه احتجزوه في سجن مختلف في كركوك، فلم يكن هناك تواصل بين الأخوين منذ الاعتقال لكن تأمل وقاص أن أخيه محمد يقوم بتنظيف سجله من الأخطاء هو الاخر، فهدفه الرئيسي الآن حسب قوله كان التكفير عن ذنوبه من خلال مساعدة السلطات بتحديد أي من زملائه السابقين في التنظيم على قيد الحياة حتى الآن، يقول “إن حصلت على فرصة للقيام بذلك مجددًا فلن أنضم أبدًا إلى داعش، فقد رأيت الأفعال السيئة التي قاموا بها وأعلم الآن أنهم ليسوا مسلمون حقيقيون”

وعلى الرغم من تغيُّر القلب جذريًا، إلا أن الشاب البالغ من العمر ٢١ عامًا بدا مستوضحًا لِما سيؤول إليه مستقبله، بقول “لا أملك أوهامًا ولا أمل، ومؤمن أني سأقضي بقية حياتي في السجن”

لكن وقاص اعتمد هذا الاعتقاد بناءً على حقيقة أن محققي حكومة الإقليم الكردستاني قد قبضوا عليه وبقي في الحجز الكردي، ومما أوضحه لي أحد ضباط أسايش الكبار في السجن السري أن قد خُطط لوقاص مستقبلًا قاتمًا.

منذ أحداث يونيو عام ٢٠١٤ -عندما فر الجيش العراقي من كركوك قبل هجوم التنظيم وسرعة الأكراد لسد الفجوة- باتت المدينة فعليًا خاضعة لسيطرة مشتركة بين العراقيين والأكراد، لكن تواجد هذا التعاون أكبر على الورق بينما لم تكن السلطات الكردية على وجه التحديد تملك إيمانًا كبيرًا بنظائرها العراقيين، ولم يمتلكوا سببًا كافيًا للعمل معهم فيما يخص الشأن الأمني، بينما لم يكن هذا الانقسام ظاهرًا أكثر من المسائل المتعلقة بالتنظيم.

يُفسّر ضابط أسايش “لذلك لم نخبر العراقيين بشأن الشباب الموجودون هنا، فإن فعلنا سيطالبون بتسليمهم إليهم بسبب أن معظم جرائمهم قد ارتكبوها في الأراضي العراقية، فإما سيقتلونهم مباشرةً، أو سيقدم أي منهم ذي علاقة قوية بقيادة تنظيم داعش رشوةً للخروج، لا يمكننا الثقة بالعراقيين إطلاقًا.” وفي ضوء ذلك فخطة أسايش هي الإبقاء على وقاص في الظلام واستخدامه للقبض على قتلة التنظيم الاخرين والذين قد عمل معهم في ذلك النطاق، وما أن تنتهي فائدته لأسايش -وقد لا يحصل ذلك إلا بعد استرجاع الموصل حيث يكون من المتوقع أن يستسلم مقاتلي التنظيم هناك- سيتم تسليم وقاص للسلطات العراقية، وفي تلك اللحظة سيكون مستقبله محتوم القِصَر.

يكمل ضابط أسايش “يظن أن حياته في مأمن لأنه لدينا فهو على بيِّنة أننا لا نُعدِم، لكن في العراق يقومون بذلك وسيعلقه العراقيون في محاكمهم ويحكموا عليه بالموت، بعدها سيُنقل إلى السجن ليُشنق.”

عندما سألته إن كانت هناك أي فرصة أن يُظهر القاضي تساهلًا في قضية وقاص بسبب مساعدته في كشف مقاتلي التنظيم الاخرين هزّ الضابط رأسه بسرعة، أن يحصل على صفقة تحمي حياته؟ فكر الضابط مرة أخرى ليهز بعدها رأسه معترضًا بقوة أكبر.

يقول “لو أنه من كبار داعش قد يكون ذلك ممكنًا، لكنه نكرة وفقير، فلا فرصة لذلك”.

في يناير عام ٢٠١٦، نجح علاء ابن ليلى بتهريب رسالة مفتوحة إلى صحيفة الجارديان من زنزانته في مصر، ذكر فيها “مرّت شهور منذ أن كتبت خطابًا وأكثر من سنة منذ أن كتبت مقالةً، لا أملك شيئًا لأقوله: لا أمال ولا أحلام ولا مخاوف ولا تحذيرات ولا رؤى، فلا شيء ولا شيء على الإطلاق، أحاول تذكر شعور أن يبدو الغد حافلًا بالاحتمالات، وأن كلماتي تحمل قوةً مؤثرة (ولو قليلًا) لِما سيكون عليه الغد، أعجز حقًا عن تذكر كل ذلك”.

في تلك الأثناء كان علاء على وشك إكمال عامه الأول من حكم الخمسة سنوات، وكما تنبأ والده الراحل كان ثمن الحديث غاليًا للغاية، وأحد أكثر المفارقات المروعة التي واجهها علاء -مع الالاف من السجناء السياسيين الاخرين في مصر اليوم- أن الطريقة القديمة لاستعطاف القاهرة في قضايا حقوق الإنسان لم تعد تؤثر، ففي عهد مبارك كان واردًا تسريح سجين مصري سياسي في حال ضغطت الحكومة الأمريكية وجماعات النشطاء الغربية لتحقيق ذلك، وإن تعلّم الجنرال السيسي أي درس من سقوط مبارك فهو ألا يُرى على أنه كلب للغرب، فتطبيقات الضغط الغربي باتت قليلة التأثير وقد تقود لنتائج عكسية.

تقول ليلى “ولكن بالطبع، لا يمكنك البقاء صامتًا بشأن ذلك لأنه ذلك بالضبط ما يريدونه فيجب عليك الاستمرار مهما بدا الأمر ميؤوسًا منه.”

مما لا شك به أن عناد نظام السيسي لحقوق الإنسان تضاعف مع واقع الاقتصاد الجديد، فاليوم انخفض الدعم الأمريكي السنوي لمصر ليصبح أقل من ١.٣ مليار دولار بعدما بلغ أكثر من ٢ مليار دولار في عهد مبارك، بينما دعمت المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى الحكومة المصرية بما يُقدّر حوالي ٣٠ مليار دولار منذ أن استولى السيسي على السلطة وبإعطاء السعوديين سجلاتهم الخاصة بمثل هذه الأمور فلا يبدو أنهم يُفضّلون مضايقة دولتهم العميلة بشأن قضايا مثل السجناء السياسة أو الرأي، فالحقيقة البسيطة أن الغرب عموما والولايات المتحدة بشكل خاص أصبح لها أثر أقل على الدولة المصرية أكثر من أي وقت مضى منذ بداية السبعينيات.

تستمد ليلى أملًا يائسًا من تدهور الاقتصاد المصري مؤخرًا، فتصدق أن من الممكن أن يؤدي تسارع الهبوط وعمقه إلى تلاشي كل بقايا الثقة في النظام الحالي، وتقول “لا يزال السيسي يتلقى دعمًا لكنه مستمر بالانخفاض فالأوضاع حاليًا ليس مستقرة حقًا” في مارس من عام ٢٠١٦ ظهرت إشارات ضئيلة في القاهرة أو من أنحاء مصر بقدوم حركة منشقة جدية في الطريق، تقول “لا لن تحدث اليوم ولن تكون مثل ثورة التحرير، أُقدِّر أنها ستأخذ ١٨ شهرًا فإما سيكون انقلابا داخليا -حيث يضع الجنرالات السيسي جانبًا ليحضروا شخصًا أكثر اعتدالًا- أو سنأتيهم في موجة جديدة تحمل احتجاجات ضخمة، وإن حدث ذلك لن تكون مثل عام ٢٠١١ بل هذه المرة ستكون أكثر عنفًا”.

أظهر نظام السيسي علامات تعبر عن قلقهم، أما القضية الثانية ضد علاء والتي كانت انتقاده لنظام العدالة في صفحته على الفيس بوك أصبحت في المحاكم حاليًا ليواجه احتمالية حكم اخر بالحبس بما يصل ستة أشهر إلى ثلاثة سنوات، وحتى إن أسقطت المحكمة تلك التهمة فستكون ليلى في الرابعة والستين من عمرها عند تسريح ابنها.

وما إن أصبحت القرية العربية على مرأى الطريق أمامنا حتى أوقف آزار ميرخان السيارة بسرعة وأقسم تحت أنفاسه باللغة الكردية، كان مكانًا فقيرًا ورثًا: مجموعة متراصة لبيوت وجدران من الطين على اليسار بينما على اليمين حوالي أربعة أو خمسة بيوت زراعية أعلى التل، حيث كانت آخر مجموعة لفتت انتباه الطبيب.

حدّق آزار وقد أظلمت عيناه على تلك المنازل الزراعية للحظات متأملًا لتجاوز العرب “يسكنون على أرض مرتفعة؟ كيف سُمح لهم بذلك؟” بعدها أشاح بنظره إلى مركز القرية، لم يلمح سكانًا لكن سيارات مركونة هنا وهناك تحت ظلال الجدران.”

التفت آزار إلى بابتسامة مائلة ومتهجمة “أترى؟ إلى ما قبل أسبوعين سيطر تنظيم داعش على هذه القرية، ولم يواجه الأشخاص الذين يعيشون هنا أي مشكلة وبقوا، بينما خسرنا أربعة من أفراد البيشمركة، أتعلم ما أود فعله؟ أن أذهب إلى عربي وأطلب منه استعارة جرافته، بعدها سأحضر مستشارًا إسرائيليًا وأدخله -فهم جيدون جدًا في هذا النوع من الأشياء- وخلال يومين أو ثلاثة سأمسح هذا المكان.

يمتلك آزار اسلوبًا للتصريح بغضبه، وأجده أحيانًا من الصعب معرفة مدى جديته في بعض المواقف لكن في ذلك الصباح، أتصور أنه كان في قمة وضوحه، حيث كان في السابع والعشرون من نوفمبر عام ٢٠١٥ بعد ستة أشهر من زيارتي الأولى له، وكنا في طريق خلفي إلى سنجار تلك البلدة الإيزيدية التي هجم عليها تنظيم داعش في صيف عام ٢٠١٤، وفي الأشهر الفارقة، كان آزار يُنقل من حين لأخر إلى خندق خط بيشمركة الأمامي فوق سنجار ليمرّس يده على إطلاق النار على مقاتلي التنظيم – محتلين خندقًا معارضًا يبعد ٤٠ ميلًا فقط- لكن مع مساعدة الهجمات الجوية الأمريكية الهائلة استعاد البيشمركة المدينة نفسها مؤخرًا، وشارك آزار في المعركة مما يُفسر استياء مزاجه في رحلة العودة هذه.

تعمّق استياءه فقط عندما وصلنا إلى سنجار، فقد تحول أغلب المدينة التي أوَت ما يقارب ١٠٠٠٠٠ قبل الحرب إلى مجرد أنقاض، بينما لا يزال البيشمركة يتفحصون الأرض بحثًا عن مفخخات بالقنابل بمسح طريق ضيق عبر الحطام، حيث تتواجد هنا وهناك بقايا متعفنة لمقاتلي التنظيم، دُمرت سنجار دمارًا عظيمًا حتى بات من الصعب التفرقة بين ما دمره محاربي التنظيم الغزاة أثناء احتلالهم للمدينة والذي وقع نتيجة للحرب قبل أسبوعين، لكن نمط ما قد ظهر، ففي دائرة المرور الصغيرة في وسط المدينة دمر التنظيم المئذنة التي بقيت هناك لِما يزيد عن ٨٠٠ عام، بجانب تحطيم كل معبد إيزيدي في سنجار بالإضافة إلى الكنيسة الوحيدة هناك، وبينما بقي المشفى في وسط المدينة فقط ليحوله التنظيم إلى وكر لقناصيه وثكنات للمقاتلين لعلمهم أن الطائرات الحربية الأمريكية لن تفجره، ومع ذلك لم ينشغلوا عن تدمير المعدات الطبية والدعس على أدوات قياس الحرارة وأمبولات الزجاج.

أُقيمت سياسة تنظيم داعش للتطهير المأخوذة من التوراة (العهد القديم، الجزء الأول من الكتاب المقدس) في أحياء سنجار السكينة، فشارعًا تلو الاخر يُباد مع بقاء بعض المنازل سليمة تماما في حين أن الأخرى قد تحولت إلى مبان محطمة حتى ظهر حديد أساسها، لكن وُجد بالفعل ما كان مشتركًا بين معظم العائلات الناجية، فلم تكن إلا رسائل مكتوبة بالخط العريض على جدرانهم الخارجية تحمل مغزى “عائلة عربية تعيش هنا” وأصر آزار على أن العائلات نفسهم هم من كتبوا هذه العبارات وليسوا غزاة التنظيم.

يقول “كانت تلك رسالتهم إلى داعش، ‘اجتنبونا، فنحن معكم لسنا أكراد’ وكما حدث في تلك القرية بقي العرب يمارسون حياتهم”.

أولئك السكان العرب رحلوا الآن هاربين من الهجمات الجوية الأمريكية المشيرة لقدوم الحرب، فتجول بعض من الإيزيديين القلة الذين عادوا في العديد من الشوارع السكانية واقتحموا البيوت العربية وحمّلوا شاحنات صغيرة بما نبهوه من فرش وأثاث.

يقول آزار “ولِم لا؟ لقد خسروا كل شيء”

زاد الأمر شحومًا وشناعةً عندما قادنا اثنان من البيشمركة إلى حقل قاحل على بُعد مسافة قصيرة خارج المدينة وقريب للخطوط الأمامية الجديدة، وفي أبعد نقطة في الحقل تواجد هناك مهندسو البيشمركة يحفرون خندقًا -بينما كان تنظيم داعش يبعُد بضعة أميال للجنوب- ولكن ما هو أبعد من ذلك كان مجرى الماء الموسمي الذي يُحيط بثلاثة تلال متفاوتة، فمن هذه التلال برز دليل يُشير إلى أنه هذا الحقل كان للقتل: عظام وجماجم بشرية وأحذية ملطخة بالوسخ وحلقات من الأقمشة المربوطة لعصب العيون، ونتيجة للأمطار في الخمسة عشرة شهرًا الماضية تصفّت بعض بقايا المقابر الجماعية، فبعثر جفاف مياه المجرى ملابس النساء والمزيد من الأحذية والأسنان ولم يُنقّب عن أي من القبور حتى الآن -كانت السلطات تنتظر فريقًا للطب الشرعي الجنائي- لكن في أقرب التقديرات فإن هذه الأرض كانت ساحة إعدام لأكثر من ٣٠٠ إيزيدي ومعظمهم من النساء الكبيرات جدًا ليصبحن جاريات للتنظيم أو أطفالاً أصغر بكثير من أن يكون لهم فائدة.

مشى آزار عبر القبور بصمت لمدة نصف ساعة، لكنني لاحظت أن غضبه أصبح يتفاقم ثم بكى، مما دفعني لأوجه له سؤالًا ما إن كان بخير أم يريد المغادرة، وسرعان ما وجه أصبعًا إلى الجانب المرتفع من جبل سنجار تقريبًا أربعة أميال نحو الشمال.

قال الطبيب وقد احتد صوته من الغضب “كان البيشمركة هناك بالضبط فأحضرتهم داعش إلى هنا وقتلتهم لنرى بأعيننا، لقد فكروا بذلك وتعمدوا فعلها لإذلالنا”.

بالعودة إلى وسط سنجار وسّع آزار خطواته ودخل بخفة إلى قاعة المدينة حيث كان أحد المبان القليلة الصالحة للعيش في المدينة حتى الآن، وأشار لأحد الضباط الكبار باتباعه إلى الشرفة، وحتى الساعة التالية تعمّق الرجلان في محادثتهم ملوحين لأي فرد من البيشمركة يوشك على الاقتراب بالابتعاد، وبعدها اعتذر لي آزار لاستغراقه وقتًا طويلًا.

يروي آزار “أخبرته أن عليه تدمير منازل كل العرب هنا، لكنه كان مترددًا لاعتقاده أنه من الأفضل إعطاؤها للإيزيديين الذين عادوا، لكن ما قلته ‘لا، لاحقًا سيعود بعض هؤلاء العرب حاملين ألقابهم وشرفهم ليستعيدوا منازلهم لذلك من الأفضل تدميرها فلا يبقى لهم شيء ليعودوا إليه والبدء من جديد’ وهو يعي ذلك الآن”

عندما سألته إن كان قد فكر إذا ما كان الضابط سيتبع الخطة فعلًا، فكان جوابه “وعدني، جعلته يعدني” مؤكدًا على ذلك بهز رأسه ثقةً.

صعدنا تلك الظهيرة على المنعطف الذي أخرجنا من البلدة إلى جبل سنجار حيث كان نفس الطريق الذي عبر منه عشرات الالاف من الإيزيديين المفزوعين أثناء فرارهم من الرعب في أغسطس عام ٢٠١٤، حيث كان الطريق مملوءً بالملابس مقطعة وممزقة سقطت منهم أثناء ركضهم.

تمتم آزار متأملًا منظر البقايا “لطالما كانت أكثر، بل كانت في كل مكان.”

أثناء صعودنا الجبل توقفنا للدخول هضبة واد بلغت سعتها حتى ٢٥ ميلًا، حيث تناثرت مخيمات لجوء الالاف من العائلات الإيزيدية على الأرض فلم تعد لهم منازل ليعودوا إليها، أصل المجتمع الإيزيدي تاريخيًا لم يكن الأراضي المنخفضة التي فرّ إليها هؤلاء الناس مؤخرًا بل الجبل الذي يجتمعون به الآن، ولطالما سكنوا التلال حول مدن خيامهم (يُقصد بذلك المخيمات التي تقدمها المنظمات وغيرها لإيواء اللاجئين) التي أصبحت الآن بقايا قرى أجدادهم فهي محاصيل قديمة هُجرت لتهالك وتهدّم منازلها، لطالما استمرت بعض هذه المستوطنات صالحة للعيش حوالي ألف عام، لكن في سبعينيات القرن الماضي أرسل صدام حسين جنوده إليها ليدمروها كجزء من حملته ضد الأكراد، نتيجة لذلك امتنع سكان الجبل من الإيزيديين النزول إلى الأراضي المنخفضة لأنه سَيُرَوْن بسهولة ٠وبالطبع، تمت إبادتهم بسهولة أكثر عندما استولى تنظيم داعش بعد أربعة عقود.

إلى وقت قريب سُخر من آزار ككاره للأجانب بل فاشي حتى لآرائه الانفصالية المتطرفة، لكن بالنظر إلى نتائج همجية تنظيم داعش وتأمل الكراهية التي أُطلق لها العنان في جميع أنحاء الشرق الأوسط في البضعة أعوام السابقة، بدأ الملاحظون بالاقتناع أن طريقة تفكيره الحادة قد توجّه للطريق الأفضل -أو بشكل أدق، الوحيد- للخروج من المستنقع، أدى اليأس من مدى استحالة تجميع دول المنطقة المحطمة ازدياد عدد الدبلوماسيين والجنرالات ورجال الدولة أكثر مما مضى ليضعوا في الاعتبار الانقسام القائم على العراق والطائفة الذي يؤيده آزار ولكن بعنف أقل، وعلى سبيل المصادفة كان النموذج لتحقيق تلك الفكرة بشكل سليم هو حكومة إقليم كردستان.

تواجدت حكومة الإقليم الكردستاني لمدة ٢٥ سنة كدولة ديموقراطية مستقرة، وتُعد جزءً من العراق بالاسم فقط، ولعل الجواب أن يُكرر هذا النموذج لِما تبقى من العراق لصنع دولة ذات ثلاثة فروع بدلًا من الانقسام النصفي حاليًا، فأعط السنة “حكومة الإقليم السني” ومع كل المزايا التي يتمتع بها الأكراد: رئيس دولة وحدود داخلية وجيش مستقل وحكومة مدنية، بينما تبقى تحت اسم العراق على الورق بجانب إنشاء آلية لتقسيم عائدات النفط بالتساوي بين الثلاثة – وإن أدى تطبيق النموذج نتائجه في العراق فعلى الأغلب إذًا سيكون الحل لليبيا البلقانية (المفككة) أو سوريا الممزقة.

حتى المؤيدين يدركون أن التفريق لن يكون سهلًا، فما الذي ستفعله بالمدن المختلطة سكُانيًا بمختلف الطوائف مثل بغداد وحلب؟ في العراق تقسمت العديد من القبائل إلى فرعين شيعة وسنة، وفي ليبيا كانت الانقسامات منذ قرون فهل سيختار هؤلاء الأشخاص الانقسام القبلي أو التعدد العقدي أو الوطن؟ في الحقيقة تُشير المشاهد المماثلة في التاريخ إلى أن هذا المسلك يؤدي في نهايته إلى قتل ودمار -والشاهد سياسة “إزالة الألمان” التي بعد الحرب في أوروبا الشرقية وتقسيم شبه القارة الهندية في عام ١٩٤٧- لكن بالرغم من كل احتمالات البؤس وما يمكن أن تصل إليه أعداد الوفيات هناك، فربما يكون هذا الخيار الأخير والأفضل المتاح لتتمكن الدول العربية التي فشلت من اجتناب تحولها إلى مذابح مرعبة.

مع ذلك تكمن المشكلة أنه ما إن يبدأ تقسيم الفروع سيكون من الصعب رؤية حدود نهايتها، فبمجرد النظر بما يندرج تحت الانقسامات العرقية والدينية التي تسبب بها غزو العراق وتمزقات الربيع العربي سترى القبائل والعشائر والقبائل الفرعية -وفي هذا الصدد يبدو أن حكومة إقليم كردستان ليست نموذجًا بقدر كونها تحذيرًا.

بسبب قبيلتي حكومة إقليم كردستان -الولاية المصغرة لغرب فرجينيا- المتناحرة على السلطة أصبح الأساس لكل شيء اثنان: قائدان وحكومتان وجيشان، لكن في هذه اللحظة غُطي هذا الانفصال بسبب تهديد تنظيم داعش بجانب رغبتهم في أن يظهروا كوحدة موحدة أمام العالم الخارجي، لكنه لايزال مجرد إخفاء لكل شيء، ومن جانب اخر يطول به شرح المصير محزن الذي لحق بالإزيديين فكما أشار آزار أي مرءٍ مهما بلغ من الحُمق يكاد يعلم أين كان التنظيم ينوي الهجوم في أغسطس عام ٢٠١٤ بالضبط، لكن بسبب وجود الإزيديين خارج هيكل سلطة حكومة الإقليم الكردستاني لأنهم لم يملكوا أي تحالف تقليدي مع أي من القبيلتين المتنافسة ظهروا بأنفسهم للدفاع عن أرواحهم بقدر ما استطاعوا، ومع كل الأعذار التي قدمها سياسيو وجنرالات حكومة الإقليم فالحقيقة أن مأساة سنجار كان من الممكن تفاديها لو أن سكانها سُمِّيُوا ببازاني أو طالباني.

وماذا سيحدث في حكومة إقليم كردستان إن قلّ الخطر الحالي؟ وإن كُنَّا سنعتبر التاريخ مرجعًا فانفصال البارزاني والطالباني سيسوء وربما يؤدي إلى حرب أهلية أخرى، ويقبع في جزء ما من تاريخ هذه الأرض الخفي سلسلة من المعارك الداخلية أشعلتها القبائل ما إن وصلت هذه الأرض تاركين إرث سفك الدماء المتبادل بين الطرفين منذ على الأقل نصف قرن ليستمر حتى منتصف التسعينيات، يُعد ذلك تاريخًا سريًا تعلم عنه عائلة ميرخان من تجربتها الشخصية.

وخلال سلسلة من الحوارات التي دارت بيني وبين الأخوة ميرخان استشعرت تقديرًا عظيمًا لبطولات وشخصيات اثنين من أفراد عائلتهم الذين لقوا حتفهم كأفراد في البيشمركة ودخلوا إلى مجموعة الشهداء الأكراد: والدهم حسو وأخوهم علي، أما ما سمعت قليلًا عنه -وتحفظ الأخوة حوله قد لفت نظري- كانت ظروف وفاتهم الفعلية، ولم يكن آزار ليكشف الأمر إلا بعدما حثثته مرارًا وتكرارًا ليؤكد ما قد تحققت منه بصورة مستقلة: لم يلقى حسو وعلي ميرخان حتفهم نتيجةً لنزاعات ضد أعداء الأكراد المهولين بدلًا من ذلك قضى عليهم منافسيهم من البيشمركة.

عندما سألت آزار عن سبب امتناعه عن مشاركة المعلومة أخبرني “لن نحتمل أن يقتل الأكراد بعضهم، ألا ترى كل اعدائنا في الخارج؟ كيف نُدير لهم ظهورنا لنقاتل بعضنا؟”

سؤال ممتاز ولعله سيُطرح مجددًا على الشرق الأوسط المجزأ بغض النظر إلى أي مدى انحطت تلك الانقسامات والفرعية منها.

عند ما يقارب نقطة المنتصف على هضبة سنجار، فجأة كشفت انحناء على الطريق عن قرية خلّابة على الجانب الاخر من النهر: سلسلة منازل تتزعم التلال الصخرية وأسفلها مدرجات صخرية عتيقة، حيث كان ارتفاع بعض جدران الشرفة ما يفوق ٢٠ قدمًا، فقد عزم سُكانها على استخراج أي صخرة من الأرض الجبل القاحلة ويبنوها في عصر سبق الآت واستغرق سنوات -ربما عقود- ليكتمل، لكن المنازل هُجرت والأسقف هُدمت عندما دخل جنود صدام حسين، لكنهم لم تركوا الشرفات.

قال آزار بينما كان يتأمل القرية “لابد أنها كانت جميلة جدًا، كحديقة.”

لكن بالنسبة لآزار فقد أفاده الماضي الذي كان مُخبرًا عن المستقبل، وما إن تركنا سنجار خلفنا إلا وقد تحسن واستنشط مزاجه، فأكملنا طريقنا عبر جبل سنجار مثبتًا يديه على عجلة القيادة.

فقال “هذا وقتنا الآن، انتهت العراق وانتهت سوريا، حتمًا إنه وقتنا.”

الخاتمة

بعد ستة عشرة شهرًا من السفر في الشرق الأوسط وجدته من المستحيل التنبؤ بما هو آت، ناهيك عن جمع ما يعنيه كل شيء، ففي كل مكان ذهب إليه باولو بيليجرين وأنا باتت الأوضاع أسوأ اليوم مما كانت عندما بدأنا: تعمق نظام السيسي القامع في مصر أكثر؛ سلبت الحرب في سوريا مزيدًا من الحيوات بعشرات الالاف؛ بالإضافة لعدد من المشاكل حيث أصبحت ليبيا تنهار نحو الإفلاس، وإن اضاء مكان واحد في الخريطة فسيكون التحالف الدولي الملتزم والصلب على ما يبدو الذي يعمل على إبادة تنظيم داعش كليًا.

مما بقي قوله، أتذكر شيئًا أخبرني إياه مجد إبراهيم “تنظيم داعش ليس مجرد منظمة بل فكرة.” وكأنه نوعًا ما قبيلة، وبالطبع إن دُمر هذا الكيان فإن الدوافع التي خلقت هذا التنظيم ستبقى متجسدة في جيل يملأ شبابه السخط والبطالة مثل وقاص حسن الذي الغاية والسلطة والانتماء بحمل السلاح، وفي المختصر، لا شيء يوشك على التحسن في الوقت القريب.

وفي مستوى فلسفي أعلى فقد أعانتني هذه الرحلة على التذكر مجددًا مقدار أهمية دقة بناء الحضارة والحذر اللازم لحمايتها والعمل البطيء والمجهد لإعادة إصلاحها ما إن تتدمر، فهذه بالكاد تُعد فكرة أصلية بل إنها درس وجب علينا تعلمه بعد ألمانيا النازية والبوسنة ورواندا، لعله درس نحتاج تعلمه بلا توقف.

أما في الجانب المقابل، فأجد عزاءً في قوة الأفراد الخارقة للتغيير، ولم أقابل شخصًا أكثر تطبيقًا لذلك مثل خلود الزايدي التي من خلال إرادتها المطلقة أصبحت خلود – الفتاة الأصغر في عائلة تقليدية ومدينة إقليمية في العراق – وبشكل غير متوقع إلا أنه بارز، قائدة وأنقذت من عائلتها من تمكنت أثناء سعيها نحو النجاة، وهنا أيضا تكمن مفارقة: فالأشخاص مثل خلود هم الذين لابد أن يروا إصلاح هذه الدول المحطمة لكن ما يحصل هو أن أولئك الأشخاص الذين بمثابة أفضل ما تقدمه دولهم للإصلاح يرحلون بحثًا عن حياة أكثر رخاءً بعيدًا، وما تكسبه النمسا اليوم ما هي إلا خسائر العراق.

بينما أكتب هذا، يقوم العراقيون باسترداد مدنهم من تنظيم داعش ببطء عبر سهول البلاد المركزية: تم استرداد الرمادي في فبراير والفلوجة في يونيو، بينما خطة الهجوم المشترك بين القوات العراقية والكردية ضد الموصل في مراحله المتقدمة والضرب قد يقع في أوائل أكتوبر ومن المؤكد أن الطبيب آزار ميرخان سيلعب دورًا في ذلك الهجوم، لكن بالنسبة إليه فسعيه الحقيقي الذي يكمن في فصل وطنه الكردي عن العالم العربي تمامًا سيستمر حتى بعد المعركة، وما بعد المعركة سيعني أيضًا انتهاء فائدة وقاص حسن لقابضيه؛ وكما فسر ضابط الامن الكردي صريحًا فإنه سيُسلّم بكل تأكيد إلى السلطات العراقية للإعدام.

في ليبيا، حيث يكمل مجدي المنقوش دراسته في الهندسة، لكن بعدما تأمل الفوضى التي قلبت بلاده رأسًا على عقب توصل إلى قناعة: استعادة الملكية التي أطاح القذافي بها في عام ١٩٦٩، فأخبرني “لا أفترض أن مشاكلنا كلها ستُحَل لكن على الأقل كنا دولة بوجود الملك،” وأشار إلى أنه مهما يحدث في ليبيا فقد عزم أمره أن يبقى ويعمل لتحسين بلاده ويكمل “أنا مستعد لنوع جديد من الشك”.

في دردسن حصل مجد إبراهيم على إقامة لجوء مما سيسمح له بالبقاء في ألمانيا للثلاث سنوات القادمة على الأقل، حيث باشر دراسته للغة الألمانية على أمل العودة للكلية هذا الخريف وتحصيل درجة الماجستير في إدارة الفنادق.

في مصر، يقضي علاء ابن ليلى سويف سنته الثانية من أصل خمس التي تنص عليها محكوميته، وسُرِّحت ابنتها سناء في سبتمبر بموجب العفو الرئاسي بعد قضاء خمسة عشرة شهرًا في الخدمة، وفي مايو وُجدت مذنبة بتهمة “إهانة القضاء” لتجاهلها الرد على طلب المدعي العام بإجراء مقابلة مما تسبب بالحكم عليها بالحبس لستة أشهر حيث تقضيها الآن في سجن نسائي في القاهرة.

في النمسا تُكمل الأختان خلود وتعميم العيش مع عائلة إيديلسبرنر وقد حصلن مؤخرًا على منحة دراسية في قسم إدارة الثقافات في جامعة محلية وتبدأ في سبتمبر، ومن فترة ليست ببعيدة انتقلت والدتهن عزيزة التي لم تغادر العراق يومًا، ومنذ الفراق لم تلتق بها خلود إلا مرةً قبل ١١ عامًا مضت وما كان جواب هذه الشابة الجسورة إلا نموذجًا يشببها، فضاعفت جهودها لاستعادة ما تبقى من عائلتها وتحضر الأب والأخت الذين ضاقت بهم الأرض في الأردن إلى النمسا، وتقول “أن أحضرهم إلى هنا، وتصبح لدي عائلة مرةً أخرى، إنها لأعظم أحلامي.”

شارك المعرفة عبر: