الرئيسية / الدين / الانتهار لمن عزم على الانتحار

الانتهار لمن عزم على الانتحار

بسم الله الرحمن الرحيم

  • تأليف: البراء بن محمد
  • تحرير: غادة عبد الرحمن

قال تعالى: { هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا } [الملك/2]

قال تعالى: { كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون} [الأنبياء/35].

قال تعالى: { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا * ومن يفعل ذلك عدوانًا وظلمًا فسوف نصليه نارًا وكان ذلك على الله يسيرًا} [النساء/29-30].

 

الحمد لله الذي نفخ الروح في أبينا آدم عليه السلام وخلق منه حواء عليها السلام. وألهمهُما التناسل الذي نشأت به نفوس البشر، ثم برأ للواحد منهم جسمًا حسنًا، وقوامًا معتدلًا، وجوارح ليحصل بها الفعلُ، والحركة.

وجعلهُ مفتقرًا للغذاء، والشراب، والنَفَس؛ لتدوم بها الحياة إلى أن يحين الأجل الذي قضاه الله تعالى، فينقطعَ بانفصال الروح عن الجسد.

والصلاةُ والسلامُ على من أحْيا أرواحنا بالإيمان باللهِ تعالى. والتصديق بكتابه العزيز. واتباع نهجه السديد. وآله المطهرين. وصحبه المكرّمين. أما بعد.

(إهراق الدم بطعنةِ السكين – اختراقُ جمجمة الرأسِ برصاصة – إحكام الخِناق على الرقبة وقطع الهواء عن القصبة الهوائية – الهويُ من الأعالي) وغير ذلك؛ صورٌ يجمعها إزهاق الروح وفصلُها عن الجسد بتعمد محض وإرادةٍ مشوبةٍ باليأس من الحياة.

قتلُ النفس هو الاسمُ الذي ينطبق على جميع هذه الصور. وقد يسمى أحيانًا بالانتحار. ولكنني سألتزم بلفظ قتل النفس غالبًا كما ورد في القرآن. مع ملاحظة أن دَلالته اللفظية على القتل أدعى لاستخدامه في الزجر عن ارتكابه.

لا يشك عاقلٌ؛ في أن الحياة نعمة عظمى ومنحة كبرى. كيف والباري عز وجل هو من أخرجنا من ظلمة العدمِ إلى نور الوجود. وأفاض علينا من اللذات والمسرات ما لا تحصره الأذهان؟

والحياة أصل لسائر النعم التي لا تنفك عنها كالعلم، والقدرة، والإرادة، والحركة، وغيرِ ذلك.

ولمّا كان الله جل جلاله حكيمًا عدلًا متنزهًا عن العبث والظلم، فإنه خلقنا لغاية شريفة محمودة وهي عبادته وحده لا شريك له، وإفراده بالتعظيم والإجلال الذي لا يليق إلا به تعالى.

وقد رتّب الرحمن سبحانه أعظم الثواب لمن حقق هذه الغاية وامتثل بها في حياته، ورتب أعظم العقابِ لمن تنكر لها وكفر بها وتنكب عن سبيلها.

وقد كان من عدل الله سبحانه وتعالى أن أخر نيل الثواب ومعاناة العقاب وإجراء الحساب إلى يوم الدين الذي يقوم الناس فيه لربهم جل وعلا، وحينئذ تزول كل الأملاك غير ملكه الإله تعالى، وتنمحق ظلمات الوهم بأنوار الحقيقة الساطعة.

وقد ابتلانا الله جل جلالهُ بالشر والخير المتعاقبين علينا تعاقب الليل والنهار، فتقلبنا بذلك بين النعمة والنقمة. والسرّاء والضراء. والمؤمن الحق هو من يتقلب بين الشكر والصبر. فلا تلهيه الشهوات عن شكر الله سبحانه وتعالى، ولا تصده المصائب عن الصبر على قدر الله جل في علاه. ولله في خلقه شؤون.

إذا أيقنت بكل هذا، وعقدت قلبك عليه، فاعلم أن من يعزم على قتل نفسه، وإزهاق روحه مجرمٌ خاطئٌ معتدٌ عاصٍ لربه تعالى، كافر بنعمته، جاحد لمنته، خوارٌ ضعيف، قاصر النظر والفكر.

ولنذكر من الشنائع اللاحقة بالمنتحرين؛ ما يكف أهل العقل والرشاد عن متابعتهم والسير في ركابهم مهما استطالت بلاءات الدنيا واشتدت آلامها.

وقد نذكر وجهًا يستحق أن يدخل في وجه سابقٍ أو لاحق، ولكن تخصيصه بالذكر بيانٌ أهميته لا أكثر. ومن ثمَّ فهي أوجه متداخلة في حقيقة الأمر.

تنبيه! لست أحتقر معاناة العازمين على الانتحار لعلمي بأنهم لم يقدموا على إزهاق أرواحهم إلا لما اعتراهم من آلام وأوجاع. لست أحتقر هذه المعاناة الشديدة. ولكنني أحتقر القرار الخاطئ الذي يتوهم صاحبه أنه الحل الوحيد المشروع لمعاناته. في حين أن الناس صبروا على ما هو أشد منها، وتجاوزوها بفضل الله دون أن يخطر ببالهم إزهاق أرواحهم للخلاص من المصائب.
تنبيه ثانٍ: لا أزعم أن ما كتبته رادع لكل عازم على الانتحار، ولكنني أوقن -بفضل الله- أن الوضوح والقوة في تقرير الحقائق الشرعية يردع كل عاقل منصف بحسب عقله وإنصافه. ولذا فإنني أسأل الله تعالى أن ينفعني والقراء بما كتبته. ويطرح فيه البركة والخير.

 

الوجهُ الأول: قتل النفس معصية وكبيرة من كبائر الذنوب التي توجب الإثم العظيم وصلِّي النيران.

قال تعالى: { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا * ومن يفعل ذلك عدوانًا وظلمًا فسوف نصليه نارًا وكان ذلك على الله يسيرًا } [النساء/29-30].

فقاتل نفسه المنتحرُ عاصٍ لله. آثمٌ بفعلته القبيحة.

الوجه الثاني: قتل النفس يوجب حصول العذاب المماثل لألم الانتحار في الدنيا.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { الَّذي يخنقُ نفسَهُ يخنقُها في النارِ.والذي يطعنها يطعنُها في النار } [رواه البخاري]

وقال عليه الصلاة والسلام: { من تردى من جبلٍ فقتل نفسَه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدًا مخلدًا فيها أبدًا ومَن تحسَّى سمًّا فقتل نفسه فسمُّه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومَن قتل نفسه بحديدة فحديدتُه في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدًا } [رواه البخاري ومسلم]

وقال صلى الله عليه وسلم: { مَن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة } [رواه البخاري ومسلم]

وكافةُ هذهِ النصوص تشيرُ إلى أن المنتحر يعذب بمثل ما قتل به نفسه عياذًا بالله.

ولا قياس بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة لتباينهما وحقارة الأول بالنسبة إلى الثاني.

الوجه الثالث: قتل النفس شأن كل جَزعٍ خوار.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: {كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكيناً فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات. قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة } [رواه الشيخان].

وتأمَّل في سيرة المنافق الشجاع قزمان والذي قتل نفسه فأبان بذلك عن الريب والشك الذي يعتريه. وأنه مهتز الجنان جبان في الحقيقة وإن كان يتظاهر بالشجاعة والصلابة.

وقد جمعت أخباره في مقالة منفصلة، فارجع إليها (1)

فهل يحب العاقل أن يتشبه بهذا المنافق الخائب الذي قتل نفسه بعد معركةٍ حامية الوطيس؟

بل وانظر في حال هتلر طاغوت ألمانيا النازية. والذي تناول معظم أرجاء أوروبا بالغزو العسكري. لقد آل به الأمر أن يقتل نفسه ذليلًا في حجرة صغيرة تاركًا بلاده وقومه يقاسون شر الأعداء. فهل مثل هذا البائس حقيق بأن يحتذى به في قتل النفس؟

ونظائر قزمان وهتلر من المخذولين كثيرة لا تحتملها الإشارة. فلينظر العاقل بمن يأتسي في فعله.

الوجه الرابع: قتل النفس كفران بنعمة الحياة.

قال تعالى:  { وكيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون } [البقرة/28].

وما أكثر ما يحتج الله سبحانه وتعالى على ربوبيته بخلق الناس وبث الأرواح فيهم.

وما من شك أن حياتنا نعمة تستوجب الشكر لله عز وجل. وأننا لن نبلغ وفاء هذه النعمة بشكرنا الضعيف الذي لم نوفق إليه إلا بفضل الله تعالى ورحمته. فهو أيضًا نعمة تستوجب الشكر. وهكذا إلى غير نهاية. فآلاء الله ونعمه لا تحصى كما قال تعالى:  { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها }. [النحل/18]. فإن كان إحصاؤها متعذرًا، فكيف بشكرها؟

وقد علمنا أن قتل النفس يعود على نعمة الله عز وجل بالإبطال. وهو يضاد شكرها لأنه معصية. بل إنني أقول إنَّ قتل النفس يعود على أكثر نعم الله عز وجل علينا بالإبطال. إذ إن انقطاع الحياة يفضي إلى انقطاع العلم والقدرة والإرادة وحواس الجسد وأجهزته وغير ذلك.

فأي وقاحة يتحلى بها قاتل النفس المبطل نعم الله جل وعلا عليه وهو مقصّر كغيره من الناس في شكرها؟ وهو سوء أدب ظاهرٌ مع الله تعالى المنعم المتفضل.

الوجه الخامس: قتل النفس من سوء الخاتمة.

وليت شعري ما الذي يحمل قاتل النفس على اختتام حياته بخطيئة يتجاوز بها أوامر الله تعالى؟ إنه لن يرتضي أن ينتقل من الدار الدنيا وهو يحتسي الخمر أو يواقع الفواحش. فلمَ يزهق روحه متلبسًا كبيرة من كبائر الذنوب؟ وأي فرق بينه وبين عتاة الفساق الفجار الذين هلكوا أثناء اجترائهم على الله تعالى بالمعاصي؟

الوجه السادس: قاتل النفس معتدٍ ظالمٌ.

وذلك بنص الآية الكريمة  { ومن يفعل ذلك عدوانًا وظلمًا } ولا بيان بعد بيان القرآن الكريم.

الوجه السابع: قتل النفس يخالف رحمة الله تعالى.

لا شك أن قتل النفس نابع من اليأس والبؤس ومقاساة الآلام النفسانية والجسدية وضيق الرزق. فلا جرم أن الساعي لقتل نفسه يكون قد احتمل ألمًا كبيرًا لا يسشتعره أكثر الناس. فهو مضطر إلى استمطار رحمة الله تعالى أكثر من غيره (والكل محتاجٌ إليها، ولا ريب. ) ولا سبيل لنيل الرحمة الإلهية بقتل النفس إذ أن الإله الحكيم نهى عنه وعلل ذلك بأنه رحيم  { ولا تقتلوا أنفسكم إنه كان بكم رحيمًا}. ولو كان قتل النفس سبيلًا لنيل رحمة الله عز وجل لدلنا عليه. فكيف وقد نهانا الله عز وجل عن سلوكه وهو الرحمن الرحيم؟ فدل ذلك على أن قتل النفس يخالف رحمة الله تعالى.

وسبيل نيل الرحمة الإلهية هو الدعاء والضراعة. فالله عز وجل يستجيب دعاء المضطر. قال تعالى:  { أمن يجيب المُضطَر إذا دعاه ويكشفُ السوء} [النمل/62]. وحرضنا الله تعالى على دعائه فقال: {وقال ربُّكم ادعُوني أستجبْ لكم} [غافر/60].

أما قتل النفس فهو سبيل استحقاق عذاب الله تعالى، كما تقدم. فلا ينبغي لعاقل أن يقدم عليه بحال.

الوجه الثامن: قتل النفس معصية لا يمكن التوبة منها.

أي شيءٌ نحن -أهل الإجرام والتقصير في جناب الله جل في علاه- لولا توبته تعالى علينا وستره لذنوبنا ومغفرته إياها؟

قال تعالى: {فتلقى آدمُ من ربهِ كلماتٍ فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم} [البقرة/37].

وقال جل من قائل: {وتوبوا إلى اللهِ جميعًا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون} [النور/31].

وقال سبحانه: { إنما التوبةُ على الله للذين يعملونَ السوء بجهالةٍ ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليمًا حكيمًا } [النساء/17].

وقال جل وعلا: { إن الله يغفر الذنوب جميعًا}. [الزمر/53].

والآيات في ذكر توبة الله على عباده كثيرة.

يالله! ما أوسع رحمتك التي شملت أمثالنا من المجرمين المقصرين!

لو تأملت أصناف المعاصي لعلمت أن إمكان توبة مقترفيها واردٌ ما دامت أنفاسهم تتردد بين جنباتهم قبل أن تحين الساعة.

ولكن قتل النفس استثناء شنيع من هذه المعاصي، فقاتل نفسه غير مقتدر على التوبة، وهو محرومٌ منها إذ أنه انتقل من دار التكليف والابتلاء إلى دار البرزخ. والله يتولى شأنه.

إنها حقيقة مفزعة تخلع القلب من مكانه، وتضع ملايين العقبات في ذهن المنتحر قبل أن يسترسل في غيه ويطيع شيطانه وهواه بالسعي لقتل نفسه.

الوجه التاسع: قتل النفس يخالف الإقبال على الله تعالى.

من نظر في أحوال أهل الدنيا، واعتبر حقيقتها، فإنه سيحتقرها بالنظر إلى النعيم المقيم الذي لا يمكن أن تقارنه أبدًا.

ومن تدبر كتاب الله، وتأمل صفات الله عز وجل، فإن شوقه إلى لقاء الله تعالى سيزداد بقدر ما في قلبه من الإيمان واليقين بموعود الله. و((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه)) كما في الحديث الشريف.

وبذل النفس لله عز وجل يكون بالجهاد في سبيله، والاستشهاد في ذلك. فهل قاتل النفس في ذلك من شيء؟ لا والله، ليس لقاتل النفس من بذل النفس لله عز وجل ما يجعله مقبلًا على الله تعالى محبًا للقائه. إذ غاية فعله دفع ضرر دنيوي بضرر دنيوي أخروي. كما أنه قد اختتم حياته بمعصية لله جل وعلا. مع ما انعقد في قلبه من ضعف الإيمان برحمة الله عز وجل والاستهانة بنواهيه. وهذه حال مدبرٍ عن الله جل وعلا.

الوجه العاشر: قتل النفس خيانة للأمانة.

الإنصاف يقتضي ذكر حال واحدة يسوغ قتل النفس فيها، وهي أن يمتلك القاتل جسده ليتصرف فيه كيف شاء. ولكن الحق الذي لا مرية فيه هو أن أجسادنا ملكٌ لله عز وجل، وهي أمانة لا يحق لنا التصرف فيها بغير إذن الله عز وجل. فلا جرم أن قتل النفس تصرف في ملك الله عز وجل بغير إذنه. وهذا يوجب اتصاف قاتل النفس بخيانة الأمانة التي استرعاه الله إياها فضيعها بسفه وظلم.

الوجه الحادي عشر: قتل النفس ضربٌ من السفاهة.

وهذا ظاهرٌ في أحوال قاتلي النفوس. إذ أنهم يدفعون عذاب الدنيا بعذاب جهنم. ويتخلصون من الأذى الذي يمكن الصبر عليه بالأذى الذي لا يمكن احتماله بحال. والأخطر من ذلك كله أنهم يعرضون أنفسهم لسخط الله تعالى.

ومصداق ذلك قصة قزمان الذي قتل نفسه بعد أن أثخن في الأعداء. ألا ترى أنه لو كان وافر العقل حسن الظن بربه تعالى لعقد قلبه على محبة الشهادة في سبيل الله تعالى، إذ أن حصول القتل واردٌ جدًا في أرض المعركة. فلم يزهق روحه هكذا لغير فائدة؟

ومن دفع مصاب الدنيا بمصيبة الآخرة فهو سفيه معلول العقل حتمًا. ولتتبين ذلك، فاقرأ حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التالي.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة ثم يقال يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط هل مر بك نعيم قط فيقول لا والله يا رب ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له يا ابن آدم هل رأيتَ بؤسا قط هل مر بك شدة قط؟ فيقول : لا واللهِ يا رب، ما مرَّ بي بؤسٌ قط ولا رأيت شدة قط } [رواه مسلم].

وفي ذلك يقول المنفلوطي: “لا عذر لمنتحرٍ في انتحاره مهما امتلأ قلبه بالهم ونفسه بالأسى، ومهما ألمت به كوارث الدهر ونزلت به ضائقات العيش، فإن ما أقدم عليه أشد مما فر منه، وما خسره أضعاف ما كسبه .” (2)

الوجه الثاني عشر: قتل النفس انقطاع من العمل الصالح.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث…الحديث } [رواه مسلم].

وهذا يوجب على العاقل استثمارَ كل لحظة في عمره في الطاعة، والاستزادة من عمل الصالحات بقدر الطاقة. وهنا نسأل الشارع في قتل نفسه: أي ثقة بأعمالك الصالحة تدفعك للانقطاع عنها بقتل نفسك؟ وهل يسرك أن تنقطع حسناتك بفعلك القبيح هذا؟

لا شك أن الموت حتم لازم لا مفر منه، ولكن استدعاءه بقتل النفس هو ما يجب أن يفر العاقل منه.

الوجه الثالث عشر: قتل النفس معصية لا لذة فيها.

لا يخلو فعل عاقل من تحصيل اللذة أو دفع الضرر، فقاتل النفس إما أن يحصل اللذة بفعله أو يدفع الضرر بهِ. وتحصيل اللذة متعذر لما يعقبه من موت وفناء. ولا سبيل للقطع بأن ذلك مما يندفع به الضرر؛ لأن صاحبه مستحق للعقوبة الشديدة التي لا يدفعها سوى غفران الله عز وجل وسعة رحمته. وكل ضررٌ دنيوي هو دون ضرر التعرض لعقوبة الله سبحانه وتعالى.

الوجه الرابع عشر: قتل النفس مشكلة وليس حلًا.

لو كان في قتل النفس حلٌ لمشكلات الحياة التي لا نهاية لها، لأقبل عليه الصالحون والصديقون وأهل الله سبحانه وتعالى. ولكنه مشكلة في حد ذاته لما يتضمنه من عصيان الله سبحانه وتعالى والتعرض لعقوبته والكفران بنعمه على ما تبين سابقًا.

وأذكر في هذا السياق ما أجاب به الإمام العز بن عبدالسلام عندما سئل عن قتل المكلف نفسه لمقارفته ما يوجب القتل فقال: “من تحتم قتله بذنب من الذنوب لم يجز له أن يقتل نفسه وستره على نفسه مع التوبة أولى به . فإن أراد تطهير نفسه بالقتل فليقر بذلك عند ولي الأمر ليقتله على الوجه الشرعي . فإن قتل نفسه لم يجُز له. لكن إن قتل نفسه قبل التوبة كان ذنبه صغيرة لافتياته على الإمام ويلقى الله فاسقاً بالجريمة الموجبة للقتل .
وإن قتل نفسه بعد التوبة : فإن جعلت توبته مسقطة لقتله فقد لقي الله فاسقاً بقتله نفسه لأنه قتل نفسًا معصومة. وإن قلنا لا يسقط قتله بتوبته لقي الله عاصياً بافتياته على الإمام ولا يأثم بذلك إثم من ارتكب الكبائر لأنه فرق حياة يستحق الله تفويتها وأزهق روحاً يستحق الرب إزهاقها” اهـ (3).

ولاحظ أن قتل النفس قتلٌ لنفس معصومة.

الوجه الخامس عشر: قتل النفس لا يقطع الأجل ولا يقصر العمر.

قال تعالى: { ولكلِّ أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)) [الأعراف/34].

اعلم يا قاتل النفس أنك لن تموت قبل الوقت الذي قدره الله لك، فانشغل بطاعته وطلب مرضاته لتنقلب إليه مسرورًا راضيًا به وبقضائه.

الوجه السادس عشر: لا مصيبة تجيزُ قتل النفس.

أشد الناس بلاء هم الأنبياء { ثم الأمثل فالأمثل } كما ورد في الحديث الشريف. فهل نحر أحدهم نفسه؟ أم صبروا على مصابهم فكانوا خير قدوة للناس؟ لقد كان الأنبياء عليهم السلام والصالحون من بعدهم أظهر برهان على أن الصبر على البلاء ممكن مهما اشتد واستطال. فما بالنا ننكسر عند أهون مصيبة؟ وما بال أحدنا يقدم على قتل نفسه وهو متيقن أن الأنبياء والصالحين قد رضوا بقضاء الله وقدره وصبروا على ما هو أشد من أزمته التي يرجى انفراجها عما قريب؟.

الوجه السابع عشر: قتل النفس عار وشنار.

مهما يكن من تعاطف الناس مع قاتل النفس، فإنهم لا محالة يزدرونه ويحتقرونه في كثير من الأحيان. إن لسان حالهم ناطقٌ بأن قاتل النفس هذا قليل الصبر بائس مسكين. ولا شك أن المسكنة والبؤس من صفات النقص، فكيف إن استجلبها المرء لنفسه؟ ألا يكون حقيقًا بالذم؟

الوجه الثامن عشر: قتل النفس يقتضي إيذاء الناس.

لو تفكر المنتحر في بشاعة الأثر الذي يخلفه في نفوس أقربائه وأصدقائه والغرباء لاستعاذ بالله من شر الشيطان الذي يوسوس له برديء الخواطر والأفكار، ولانشغل بما ينفعه.

قاتل النفس يفطر قلوب محبيه. ويشق فيها أخاديد الحزن والأسى. ويبث فيهم روح اليأس والكآبة. بل ويعديهم سلوكه المنحط هذا!

يقول صاحب كتاب شهقة اليائسين: “وتبين دراسات أن معدل الانتحار في أقارب الدرجة الأولى للمرضى النفسيين یزید 8 مرات عن معدل الانتحار بين سائر الناس. غير أن باحثين يرون أن الأمر ليس مرتبطا بالوراثة بقدر ما هو متصل بـ” القوة المعدية للنموذج المحتذى”.

 إذ يرى هؤلاء أن” الانتحار معد للغاية. وهذه القابلية للعدوی تظهر، على الأخص لدى الأفراد الذين تجعلهم بنيتهم أسهل انفتاحًا على كل الإيحاءات، بوجه عام، وعلى أفكار الانتحار بوجه خاص” .

كما وجد الباحثون أن انتحار شريك حياة يجعل الشريك الآخر عرضة بشكل واضح للانتحار هو الآخر. وأظهرت الدراسة التي أعدها فريق من جامعة آرهوس الدنماركية أن الرجال الذين يفقدون شريكًا للحياة يكونون عرضة 46 مرة أكثر للإقدام على الانتحار أنفسهم، وهو ما يمثل ثلاثة أضعاف احتمال إقدام النساء على الشيء نفسه” (4)

وانظر لقبيح الأثر الذي تركه البوعزيزي بعد أن سن سنة إحراق النفس يأسًا أو اعتراضًا على الظروف الصعبة. فقد نقل صاحب هذا الكتاب أيضًا أنه “خلال شهر واحد، أشعل حوالي ثلاثين شخصًا النار في أجسادهم، في كل من تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا ومصر والسعودية والسودان واليمن.” (5)

ولنا أن نستأنس بما نُقل عن العوائل التي تنتحر جملة: “ومن الملاحظ إكلينيكيا أن هناك عائلات تكثر فيها حالات الانتحار،والمثل الشهير لذلك عائلة الروائي الأمريكي إرنست همنغواي، فقد انتحر هيمنغواي وانتحرت أخته وانتحر الأب قبلها، وانتحر أشخاص آخرون في العائلة، ومنهم الحفيدة مارغو في 1996.” (6)

وقاتل النفس يجلب لأهله العار والشنار وسواد الوجه بجريمته هذه، جاعلًا عِرِضه وعِرض أهله فاكهة يلوكها السفهاء في المجالس. والله المستعان.

الوجه التاسع عشر: قاتل النفس عدو نفسه.

وهذا أعظم الخذلان والخيبة. إذ لا أقبح من أن يعادي أحدنا نفسه فيكيد لها ويوقعها في المهالك. ومن كان عدوانه متجهًا لنفسه فلن يرضيه شيء من الدنيا ولو ركعت له بين يديه. فنعوذ بالله من هذا الخذلان والبؤس.

الوجه العشرون: قتل النفس دليل ضِعة النفس وحقارتها.

خلق الله عز وجل النفس الإنسانية وكرمها بأجناس عظيمة من الكرامة كالعقل والإيمان وحسن الهيئة واعتدال والقوام والتسلط على كافة الحيوانات وغير ذلك. وعاقب الله من يعتدي على إنسان بغير وجه حق بعقوبة رادعة تصل إلى قتل القاتل قصاصًا له من قتيله.

إن أدركت ذلك، فاعلم أن قاتل نفسه وضيعٌ حقيرٌ سخيف العقل؛ وإلا لما أقدم على إعدام هذه النفس التي كرمها الله، وإفساد الجسد الذي أحسن الله خلقه.

ولو وضع العاقل نفسه موضعها الذي تستحقه لعلم أن كل يوم تشرق شمسه وتغيب هو فرصة لمحو الأخطاء، وتجديد التوبة، والإقبال على الله تعالى برضا وسرور، والسعي في الحياة بما يرضي الإله تعالى.

عجيبٌ أمر الإنسان، خلقه الله ليجاوره في الجنان، فأبى لنفسه إلا الإخلاد إلى قعر النيران عياذًا بالله!

 

وبعد هذا كله، فإن مساوئ قتل النفس وشناعاته لا تنتهي، وما كتبته من وجوه هو غاية ما بلغه ذهني القاصر من الفكر والتأمل. والله يكفينا وإياكم شر قتل النفس وإيرادها المهالك.

 

أما وإنني قد انتهيت من تحبير المقال، فإنه لا يسعني إلا أن أقتبس كلمتين ممن تعلمت منه كثيرًا وهو الفاضل المبارك مصطفى محسن. وهو ممن طرح الله عز وجل البركة في أقلامهم. أحسبه كذلك والله حسيبنا وحسيبه.

1- “مقتضى القرآن والسنة أن الانتحار من علامات سوء الخاتمة بلا أدنى ريب. نسأل الله لنا وللمسلمين العافية

وعندما تشيع المعصية في المسلمين وتتفشى ويهون ذِكرها في قلوبهم وتتجرأ القلوب على اقترافها ويتكرر الوقوع فيها .. يجب حينئذ الزجر والتخويف والكف عن كل ما يهون من شأنها في قلوب الناس، وتخويف الناس من غضب الله والتحذير من انتقامه، لا تمكين الإرجاء من قلوبهم بنشر أحاديث الرجاء والمغفرة والترحم على الفساق ومن ماتوا على معصية شاعت بين الناس” (7).

2- “أتعرفون معنى أن ينتحر إنسان؟ معناه أن ينهي حياته، ويترك وراءه أسرة في صدمة وحزن لا ينقطعان، كلما تذكروا كيف انتهت حياته، بل كيف أنهاها، كلما تجدد تلقائيا۔ الكرب

أتعرفون معنى أن ينتحر إنسان؟ معناه أنه مات على كبيرة من أكبر الكبائر، وهي خاتمة سوء -والعياذ بالله- يدخل بسببها في النار، أي أنه يمكث فيها طويلا طويلا إلى أن يشاء الله

أتعرفون معنى أن ينتحر إنسان؟ معناه أنه فز من عذاب في الدنيا ليقع في عذاب أعظم منه بما لا يحصى في القبر، ثم في الآخرة، كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم

هذا معنى أن ينتحر إنسان! معنی شدید جدًا. ترتعد منه النفس حتی لإنها تحاول الفرار من مجرد تخيل الفكرة. أليس كذلك؟

والآن، في زمن الشبكات الاجتماعية تنتشر الأخبار والمقالات انتشار النار في الهشيم. خصوصا ما داعب العاطفة بشكل أو بآخر. ومن هذا منشورات “المنتحرين”، وهي كارثة في ذاتها! ربما لم تزدد معدلات الانتحار شيئا ذا قيمة إحصائية. لكن انتشار الأخبار يوهم بزيادة شيوع الأمر. أتدرون ما الكارثة في هذا؟ أن كلما شعر المرء بانتشار مصيبة كلما هانت على نفسه! لهذا ليس من نهج المصلحين نشر أخبار الأخطاء ولا المعاصي ولا الكوارث. لما فيه من تهوين للوقوع فيها. وهذا معروف عند المتخصصين في علم الاجتماع وعلم النفس وربما تكلمتُ عنه تفصيلًا لاحقًا.

 هنا الكارثة: تخيَّل عندما تجتمع إلى مشكلة نشر أخبار المنتحرين تهميش حقيقة الانتحار ووضعه في إطار أنه “ضعف إنساني”، وأنه “مريض اكتئاب ليس بيده شيء” إلى آخره، ماذا سيحدث؟؟ الذي سيحدث أنه سيسقط حاجز آخر أمام الوقوع في هذه الكارثة. قتل النفس!” (8).

اللهم أحسن خواتيمنا، وأرضنا بك وبقضائك، وأحيينا بالإيمان، واجعلنا من أهل السعادة.

الرياض.

ليلة الخميس قبيل فجر الجمعة

12/2/1441هـ.

3/10/2019م.

وأعيد تحريره صباح الجمعة

19/2/1441هـ.

18/10/2019م.

الهامش:

(1): https://abomalek1434.blogspot.com/2018/12/blog-post.html

(2): (النظرات، مصطفى لطفي المنفلوطي، مؤسسة هنداوي، ط 2015م، ص322).

(3): (الفتاوى، عز الدين بن عبدالعزيز بن عبدالسلام السلمي، [تحقيق]: عبدالرحمن بن عبدالفتاح، دار المعرفة، ط1 1406هـ-1986م، ص36-37).

(4): (شهقة اليائسين: الانتحار في العالم العربي، ياسر ثابت، دار التنوير، ط1 2012م، ص27).

(5): (شهقة اليائسين: الانتحار في العالم العربي، ياسر ثابت، دار التنوير، ط1 2012م، ص147).

(6): (شهقة اليائسين: الانتحار في العالم العربي، ياسر ثابت، دار التنوير، ط1 2012م، ص27).

(7): رابط المنشور:

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=10204965308551474&id=1204129369&utm_source=thearchive.me

(8): رابط المنشور:

https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=2197619303897844&id=100009493880541&ref=content_filter

 

شارك المعرفة عبر:

شاهد أيضاً

هل الإسلام ديانة الموت؟ الشهادة في سبيل الله وتصور المسلم الأمريكي

جوناثان براون ترجمة: مصطفى هندي تحرير: عزة المصمودي   بسم الله الرحمن الرحيم إن موضوع …

تعليق واحد

  1. احسنت يا براء مقالك مليئ بالعبر لمن يريد أن يعتبر، أظن أن استبدال الاسماء الحقيقية للمعاصي بأسماء الطف بكثير تحفز المرء وتنزع عنه العار الفطري ليرتكبها ويجاهر بها ليس هذا وحسب ..المصيبة الأكبر في من يتناولون تلك الأسماء المزيفة اثناء حديثهم ويشددون بانها مصطلحات علمية وثقافية ورمزاً للرقي والفهم!!

    جزاك الله خيراً ونفعنا بعلمك أسال الله لك ولنا الهداية وحسن الخاتمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *