الرئيسية - العلم - الأزمة الأخرى في علم النفس

الأزمة الأخرى في علم النفس

  • تأليف : أبريل بليسك-ريتشيك
  • ترجمة : حنين عبد الله
  • تحرير : خلود الحبيب

‫في يوليو عام ٢٠١٩، قام كريستوفر فيرغستون بنشر مقالة في Quillette عن أزمة التكرار في علم النفس، بصفتي أكاديميًا في علم النفس، أحيي مناقشته الواضحة والدقيقة لبعض الأمور الصعبة، التي تقف في وجه نمو علم النفس باعتبار كونه علمًا تجريبيًا، بما في ذلك النشر الانحيازي وتضخيم التأثيرات الضعيفة. أعتقد أن هنالك وباءً شبيهٌ بهذا مغفولٌ عنه يجتاح علم النفس والتخصصات المرتبطة به (بما في ذلك علوم الصحة، ودراسات الأسرة، وعلم الاجتماع والتعليم). هذا المرض هو الخلط بين الارتباط والسببية، يقترح البحث العلمي الأخير أن العلماء ـ لا العامة والإعلام- هم الجناة المسؤولون عن ذلك الخلط.

 

الارتباط والسببية

‫ربما قد سمعنا جميعًا بالعبارة المبتذلة (الكليشيه): “الارتباط لا يعني السببية”، في الخصائص التي تحدد أن متغيرًا ما يسبب تغيرًا في متغير آخر، الارتباط هو الأول من ثلاثة خصائص.

‫أول خاصية لتحديد ما إذا كان المتغير يسبب تغيرًا في المتغير الآخر هو وجود دليل على أن المتغيران يتغيران سويةً: إذا ارتفع أحدهما، يرتفع الآخر أيضًا (ارتباط طردي) مثال ذلك: الطلبة الذين يحصلون على تقدير عالٍ في SAT يميلون للحصول على معدل GPA عالٍ في الكلية١، أو إذا ارتفع المتغير الأول، ينخفض المتغير الثاني (ارتباط عكسي) مثاله: الأفراد الذين يفضلون العمل مع الأشخاص عوضًا عن الأشياء، هم أقل قابلية لأن يتخصصوا في تخصصات غير حيوية مثل علوم الحاسب أو الفيزياء.

‫الخاصية الثانية هي الأسبقية الزمنية: يجب على السبب المفترض أن يأتي قبل التأثير المفترض. مثال: الأشخاص الذين تعرضوا للضرب في طفولتهم يميلون للحصول على درجات متدنية في اختبارات الذكاء أثناء فترة المراهقة٢. وصف الأسبقية الزمنية يستدعي تفسيرات متعلقة بسببٍ ونتيجة، مثال: في سياق الحديث عن التعرض للضرب ومعدل الذكاء؛ إنه لمن المغري أن نستنتج أن الضرب يؤدي إلى معدل ذكاء منخفض، وعلى الرغم من أن الأسبقية الزمنية ضرورية لاستنتاج السببية إلا أنها ليست كافية لذلك، كما وصف ستيفن بينكر في كتابه: اللائحة الفارغة – The Blank Slate، إذا قمت بضبط منبهين عند ذهابك إلى السرير، أحدهما على الساعة ٦:٠٠ والآخر على الساعة ٦:١٥، وجعلت الأول ينطفئ قبل الآخر، ستمتلك دليلًا على وجود التغاير المنتظم والأسبقية الزمنية، لكن هذا لا يعني أن المنبه الأول تسبب في إسكات المنبه الآخر. وبالمثل؛ إن الضرب في الطفولة يحصل قبل قياس معدل الذكاء في فترة المراهقة، لكن هذا لا يقدم دليلًا على أن الضرب تسبب بانخفاض معدل الذكاء، يبدو أن هذه النزعة لاستنتاج وجود السببية من خلال وجود الأسبقية الزمنية هي من تسببت بظهور الخرافة المفندة بأن التطعيمات تسبب التوحد٣؛ لأن التطعيمات تعطى قبل ظهور علامات التوحد، أسرع الناس بافتراض أن التطعيمات هي من تسببت بظهور التوحد، وبهذا المنطق؛ فإن كل شيء من الحبو إلى المشي هو سببٌ للتوحد.

‫الخاصية الثالثة وهي في غاية الأهمية: على الباحثين أن يأخذوا في الحسبان المتغيرات المُربكة المحتملة، وهي المتغيرات الأخرى غير السبب المفترض التي قد تكون ساهمت في وجود هذا الارتباط بين السبب والنتيجة. في حالة الضرب ومعدل الذكاء مثلًا؛ يستطيع المرء أن يعتبر جميع أنواع المربكات المحتملة (والمشتركة): العيش تحت ضغوطات عالية، البيئة المبتلاة بالفقر والتي من شأنها أن تقود إلى الاثنين: الضرب والنمو غير المكتمل للقدرة العقلية، كما أن انخفاض معدل ذكاء الوالدين قد يتسبب في الاثنين أيضًا: استخدام العقاب الجسدي وانخفاض معدل ذكاء الأطفال، ووجود معدل ذكاء منخفض سابقًا قد يؤدي إلى التعرض للضرب وإلى استمرار انخفاض معدل الذكاء في المراهقة، إلى آخر ذلك. لجعل هذه الحالة تختص بسبب واحد (مثل الضرب)، علينا أن نقوم بعزل السبب، ومن ثم –وعبر اختيار عشوائي- علينا أن نختار أشخاصًا معينين دونًا عن غيرهم (أو علينا أن نفرض مستويات مختلفة من السبب على مجموعات مختلفة من الأفراد). بشكل عام، يتم الوصول إلى هذا عبر تصميم تجريبي يتضمن التلاعب بالسبب المفترض متبوعًا بقياس للمتغير الذي يُتوقع أن يتأثر بذلك التلاعب.

‫لا يوجد باحث أخلاقي يخطط لاختيار الآباء بشكل عشوائي، ليشاركوا في مستويات مختلفة من العقاب الجسدي من أجل أن يقيس آثار عزله على معدل ذكاء الأطفال، لكن أسئلة أخرى عن الإنسان يمكن أن تعالج عن طريق التجربة. مثال: قام الباحثون الذين يريدون قياس فرضية كون اللعب بالألعاب العنيفة يزيد من السلوك العنيف باستخدام تصاميم تجريبية٤ حيث تم جعل بعض الأفراد يلعبون لعبة عنيفة لفترة محددة، وجعلوا آخرين يلعبون لعبة شبيهة الإثارة بتلك لكنها غير عنيفة، من ثم تم قياس عنف الأفراد بعد فرض التلاعب.

‫التجربة المنضبطة –حيث يتم التلاعب بسبب محددٍ بواسطة الباحث، ويتم اختيار المشاركين بشكل عشوائي ليجربوا مستويات مختلفة من هذا المتغير المُتلاعَب به، وكل ما عدا ذلك يبقى ثابتًا، ثم تقاس تأثيرات هذا المتغير بموضوعية- هي “المقياس الذهبي” لتقرير السببية، مع ملاحظة أن تقرير كون متغيرًا ما لديه تأثير سببي على متغير آخر لا يعني أنه يحدد هذا المتغير الآخر. في حالة ألعاب الفيديو العنيفة والعنف، قد يكون هناك دليل على أن التعرض لألعاب فيديو عنيفة له تأثير قصير المدى على الأفكار العنيفة٥، لكن التعرض لألعاب فيديو عنيفة لا يحدد مدى عنف الأشخاص، هو واحدٌ فقط من عدة متغيرات تحفز العنف.

‫قد يبدو التفريق بين الارتباط والسببية منطقيًا تمامًا لك، أنت محظوظ لأنك لست من الغالبية. النزوع نحو الخلط بين الارتباط والسببية معروفٌ ومُناقَش في كتب التفكير المنطقي مثل كتاب كيث ستانوفيتش: ما تغفل عنه اختبارات الذكاء، علم نفس التفكير العقلاني – What Intelligance Tests Miss; The Psychology of Rational Thought، وكتب الانحياز في التفكير مثل كتاب مايكل شيرمير: لماذا يؤمن الناس بأشياء غريبة – Why People Believe Weird Things.

‫منذ عدة سنوات، قمت أنا وطلابي بنشر دليل منهجي على أن النزوع إلى الخلط بين الارتباط والسببية، يحصل للناس بغض النظر عن مستواهم التعليمي. في إحدى الدراسات مثلًا، قمنا بإعطاء مجموعة من البالغين في المجتمع مقالة قصيرة تحوي بحثًا افتراضيًا يصف دراسة ارتباطية بين مدى ثقة الطلاب بأنفسهم وبين أدائهم الأكاديمي، حيث تم قياس (ملاحظة) كلا المتغيرين دون التلاعب بأي منهما. وقمنا بإعطاء مجموعة أخرى مقالة بحثية تحوي دراسة تجريبية حيث تم التلاعب بعامل ثقة الطلاب بأنفسهم (ذلك أنه قد تم إرسال رسائل محفزة على الثقة بالنفس بشكل عشوائي لبعض الطلبة دونًا عن الآخرين) ومن ثم تم قياس أداء الطلاب الأكاديمي، في كلا المجموعتين: اختتمت المقالات البحثية بجملة تفيد أن الدراسة وجدت رابطًا بين الثقة بالنفس والأداء الأكاديمي، ومن ثم سألنا المشاركين عن الاستنتاجات التي استخلصوها من هذه النتيجة.

‫كان المشاركون في كلا المجموعتين قابلين وبشكلٍ متساوٍ لاستنتاج أن الثقة بالنفس تؤدي إلى النجاح الأكاديمي، على الرغم من أنه لم يجدر بالمشاركين الذين قرأوا عن الدراسة الارتباطية أن يستخلصوا هكذا نتيجة. كذلك المشاركون الذين قرأوا عن الدراسة الارتباطية كانوا وبشكل متشابه قابلين لأن يستخلصوا نتيجة سببية خاطئة على الرغم من مدى تعلمهم، (نتيجة كون الثقة بالنفس تحفز الأداء الأكاديمي، مع أن هذه النتيجة مخالفة للعلم الحديث، الذي يُظهر بشكل واضح أنه إذا كانت الثقة بالنفس والأداء الأكاديمي مرتبطين ارتباطًا سببيًا، فإن النجاح الأكاديمي هو الذي يسبق الثقة بالنفس لا العكس٦).

 

لغة السببية

‫من المظاهر المحتملة للانحياز البشري نحو استخلاص سببٍ ونتيجة؛ وفرة طرق توصيف علاقات السبب والنتيجة أكثر بكثير مما يوجد في توصيف الارتباطات غير السببية. عندما قمت أنا وزملائي بالإمعان في مئات المقالات في مجلات علم النفس، وجدنا أكثر من مئة جملةٍ وكلمةٍ مختلفة استخدمت لوصف علاقات سبب ونتيجة. والتي تم عرضها في سحابة الكلمات الموجودة بالأسفل: حيث تمثل الكلمات المكتوبة بالخط العريض الكلمات الأكثر شيوعًا.

‫هنالك ما يقارب مئات الطرق للدلالة على علاقات السبب والنتيجة، وسبب أهمية ذلك أن الناس لا تعرف حقًا ما يصح مما لا يصح اعتباره لغة سببية٧، ولا هم (كما وصفت في الأعلى) يعرفون الشروط التي بها تعتبر اللغة السببية مبررة. لذا، إذا استخدم وصفُ نتائج البحث لغة سببية بدون تعليل، على الأغلب أن القارئ لن ينتبه لذلك. ومن ثم سيتم تضليلهم دون أن يملكوا أي فكرة عن أنهم قد ضُللوا.

‫لام الباحثون وسائل الإعلام بشكلٍ متكرر على الاستخدام غير السليم للغة السببية. في عام ٢٠١٦، عندما سأل براين ريسنيك في Vox علماء النفس والاجتماع عن الأخطاء التي يقع فيها الصحفيون عند الكتابة عن البحوث، كان الخلط بين الارتباط والسببية في أعلى القائمة. في الواقع؛ الاستنتاجات السببية غير المبررة تُعزز في الإعلام. بحثٌ سريع في أي موقع إخباري قريب سيُظهر عناوين مثل: “كيف يؤثر استهلاك الطالب للكحول على معدله الدراسي” و “التبسم الصادق يطيل العمر” و”التنمر الإلكتروني يزيد النوم والاكتئاب سوءًا عند المراهقين”، كل هذه ادعاءات سببية بنيت على أساس بحوث غير سببية (ارتباطية) بمتغيرات مُقاسة.

‫مؤخرًا، دراسات عديدة أظهرت أن اللغة السببية غير المبررة بدأت من العلماء أنفسهم. مثال: في الطب، هنالك مراجعة مكثفة أظهرت أن أكثر من نصف المقالات المتعلقة بدراسات ارتباطية تضمنت تفسيرات للنتائج باعتبارها سببًا ونتيجة٨. وفي التعليم، تم نشر مراجعة لمقالات نُشرت في مجلات التعلم والتعليم وجدت أن أكثر من ثلث المقالات الخاصة بالدراسات الارتباطية تضمنت عباراتٍ سببية٩. في علم النفس؛ قمت أنا وزملائي بدراستين أكدتا شيوع هذه المشكلة، أولًا: قمنا بمراجعة عينة عشوائية من الملخصات المعروضة التي تم قبولها في المؤتمر السنوي للمنظمات الرائدة في علم النفس، جمعية العلوم النفسية، خُذلنا عندما وجدنا أن أكثر من نصف الملخصات البحثية التي احتوت على لغة سببٍ ونتيجة قامت بذلك دون أي تبرير، (بشكل آخر: كان البحث ارتباطيًا). بالطبع، الملصقات البحثية تحتكم لمعايير أقل صلابة من الحديث الرسمي والمقالات المنشورة في المجلات؛ لذا قمنا في دراسة أخرى تتبعية بمراجعة ٦٦٠ مقالًا من إحدى عشرة مجلة معروفة في مجالها، أظهرت نتائجنا أن أكثر من نصف المقالات التي احتوت على لغة سببٍ ونتيجة كانت في الحقيقة دراسات ارتباطية، بلغة أخرى: اللغة السببية لم تكن مبررة.

‫عندما تقدمت ببحثي عن اللغة السببية غير المبررة إلى مجلة نُشرت بواسطة جمعية العلوم النفسية، قام محرر المجلة بتجاهل طلبي قائلًا أن النزوع البشري للخلط بين الارتباط والسببية معروف. حسنًا، قد يكون تحيزًا معروفًا، لكن من الواضح أنه ليس سهل المعالجة طالما أنه متفشيًا في عروض الملصقات البحثية لأشهر مؤتمر مهني في علم النفس، وبالتفشي نفسه في مجلات قديرة في المجال. (قمنا بإتمام نشر نتائجنا في مجلة مختلفة بطلبٍ من محررها).

الفشل في اعتبار المُربِكات

‫الفشل في اعتبار المربكات والاستنتاج الخاطئ للسببية من بيانات ارتباطية يعيقنا عن تطوير حلول نافعة للمشاكل التي نواجهها في المجتمع، تأمَّل مثلًا، الاختلاف البالغ بين الأطفال في اكتسابهم المبكر للغة وفي أدائهم اللاحق في المدرسة. واحدة من أشهر الدراسات المرجعية في النمو الطفولي المبكر والتعليم هي دراسة طولية قاما بها هارت ورايزلي عام ١٩٩٥م، والتي أظهرت أن الأطفال الذين نشأوا في بيوت ذات حالة اجتماعية اقتصادية منخفضة يمتلكون آباءًا يتحدثون إليهم بكلمات أقل بكثير مما يتحدث به الآباء في البيوت ذات الحالة الاجتماعية الاقتصادية المرتفعة، هذه الاختلافات المبكرة في الخبرة اللغوية تنبأت بظهور اختلافات لاحقة بين الأطفال في المفردات وفي التقدم الدراسي١٠. تم تفسير هذا الربط بأنه سببي –أي أن البيئة اللغوية التي قدمها الآباء لأبنائهم هي المفتاح الذي حفز تطور أبنائهم اللغوي- وهذا بدوره شجَّع نشوء العديد من البرامج المكثفة والباهظة الثمن، لمساندة وتعليم التفاعل اللغوي بين الآباء والأطفال الرُضَّع. على أي حال، بيانات هارت ورايزلي كانت ارتباطية، أي أن الباحثين لم يتحكموا في كمية وجودة التفاعل اللغوي الذي كان بين الآباء وأبنائهم الصغار، ولم يختاروا آباءًا بشكل عشوائي ليقدموا شكلًا معينًا من الخبرة اللغوية وآباء آخرين ليقدموا شكلًا آخر منها، ومن ثم يقوموا بقياس التغير الناتج عن ذلك في نمو الأطفال. القول بأن الاختلافات في الخبرة اللغوية المبكرة تسببت في حدوث اختلافات في الحصيلة اللغوية للأطفال وتقدمهم الدراسي يتطلب التخلص من العوامل المربكة – المتغيرات التي قد تكون تسببت في وجود هذا الارتباط؛ بأن تؤدي إلى تفاعل لغوي قوي من الوالدين وقدرة لغوية كبيرة عند الأطفال.

‫الجينات المشتركة هي إحدى المربكات المحتملة، الآباء ذوو الحالة الاجتماعية الاقتصادية المرتفعة يميلون إلى أن يحظوا بقدرة إدراكية أعلى من أولئك الآباء ذوو الحالة الاجتماعية الاقتصادية المنخفضة، وكلاهما الحالة الاجتماعية الاقتصادية والقدرة الذهنية قابلان للتوريث١١، لذا قد تكون الجينات المشتركة هي المتغير الثالث الذي حفَّز كلا الأمرين: جودة الخبرة اللغوية التي قدمها الآباء، وقدرة الأطفال اللغوية. لاختبار هذا الاحتمال، قام علماء الجينات السلوكيين بالاستفادة من “التجارب الطبيعية” حيث تمت تنشئة مجموعة من الأطفال بواسطة آبائهم البيولوجيين (يشتركون في الجينات والبيئة) وتمت تنشئة بعض الأطفال الآخرين بواسطة آباء متبنين (يشتركون في البيئة فقط). في العائلات الأصلية (كالذين كانوا في دراسة هارت ورايزلي)، ما مدى شبه الأطفال بآبائهم، مع أولئك الذين يشتركون معهم في الجينات والبيئة المربية؟ في العائلات المتبناة، ما مدى شبه الأطفال بآبائهم، أولئك الذين يشتركون معهم في البيئة المربية فقط؟

‫في الحقيقة، إجابات هذه الأسئلة قد تقررت في بدايات القرن العشرين١٢، وتم تكرارها في مواضع عدة بواسطة عدد ضخم من الباحثين١٣: في العائلات البيولوجية، يشبه الأطفال آباءهم في المفردات والقدرة اللغوية، لا يحصل هذا في العائلات المتبناة. الخلاصة الرئيسية هي أن نتائج هارت ورايزلي المتعلقة بوجود رابط بين سلوك الآباء اللغوي وقدرة أبنائهم اللغوية، لا تبرر استنتاج أن سلوك الآباء اللغوي يحفز القدرة اللغوية عند أبنائهم. من الأفضل أن يفسر هذا الرابط بوجود الجينات المشتركة؛ لأنه ظهر فقط عندما كان الآباء والأبناء متقاربي الجينات. بطريقة أخرى؛ هذه النتائج تعني أن نوع الآباء الذين يقدمون لأطفالهم خبرات لغوية عالية الجودة يختلف منهجيًا عن أولئك الذين يقدمون خبرات منخفضة الجودة، والأطفال الذين يطورون ردة فعل لغوية عالية الجودة يختلفون منهجيًا عن أولئك الذين لا يفعلون، ولأن علماء نفس النمو والمعلمين مستمرون في تفسير البيانات الارتباطية كبيانات هارت ورايزلي باعتبارها دليلًا على التأثير السببي للخبرات اللغوية المبكرة على القدرة اللغوية، هم مستمرون في تقديم تدخلات –هي في النهاية- أقرب إلى أن تكون أقل فاعلية من التدخلات التي تعترف وتعتبر بكلا الاختلافات البيئية والجينية بين الأفراد والعائلات.

‫هنالك مجال آخر حيث الخلط بين الارتباط والسببية قد يؤدي فيه إلى الغلط، وهو التمييز الخفي. في المقال الذي نشر هذا المصطلح، تم تعريف التمييز الخفي بكونه “إهانات وجيزة شائعة يومية، لفظية كانت أو سلوكية أو بيئية، متعمدة أم غير متعمدة، والتي تنقل إهانات ازدرائية عدوانية أو عنصرية تجاه الملونين١٤” كان هذا المصطلح يأتي في سياق الحديث عن الأصل العرقي، أما الآن فإنه ينطبق على مجال أوسع من هذا، إحدى النتائج الأساسية لبحثٍ عن التمييز الخفي هي أن الأشخاص الذي أقروا تعرضهم للتمييز الخفي هم أكثر قابلية من غيرهم لأن يعانوا من صعوبات متعلقة بالصحة العقلية١٥. كانت البيانات ارتباطية، ومع ذلك فقد فُسرت بصفتها سببية، أي أن التعرض للتمييز الخفي يسبب صعوبات عقلية١٦. إنه من الشائع الآن في الأكاديميا وعالم الشركات عرض وطلب تدريب الموظفين بمختلف الجمل والكلمات والأفعال التي قد تعد تمييزًا خفيًا. لست أقترح أن التعرض للتمييز الخفي ليس له آثار سلبية على صحة الفرد، الطريق السببي هنا معقول، لكنه لا قيمة للاستنتاج السببي في غياب البحث التجريبي الحقيقي الذي يفرض التمييز الخفي على أفراد دون غيرهم، ومن ثم يقيس النتائج المحددة مسبقًا، قول غير ذلك هو حديث عما يفوق ما نعرف.

‫كما أشار سكوت ليلينفيلد في مقاله١٧ مناديًا بالمزيد من البحث الدقيق عن التمييز الخفي، هنالك عاملٌ مربِك واضح وهو نزعة الشخصية للمشاعر السلبية (العصابية): الأفراد ذوو الشعور السلبي العالي هم أكثر قابلية ليعتقدوا أنهم قد تعرضوا للتميز الخفي، والأفراد ذوو الشعور السلبي العالي هم أيضًا مُعرَّضون لمشاكل صحية عقلية، فاحتمالية كون المشاعر السلبية هي المسؤولة عن التعرض للتمييز الخفي وللمشاكل الصحية العقلية احتماليةٌ معقولة خاصة أنه لا يوجد تعريف دقيق للتمييز الخفي فهو يُعرَّف بناءً على تفسيرات المستمع. أقترح أن ورش عمل التعنيف الخفي، للدرجة التي يتم تشجيعها بافتراضات غير مبررة عن التأثير السببي للتمييز الخفي على الصحة العقلية، قد تعطي نتائج عكسية بجعل الأفراد المُعرضون لذلك أكثر قابلية لاعتقاد أنه قد تم تمييزهم.

‫في الواقع؛ في بحث قمنا بعرضه أنا وزملائي في السنة الماضية، قمنا بتهيئة طلاب الجامعات بملاحظة تقول: “الناس يتحدثون بكل شيء، وأحيانًا قد يتحدثون بأشياء مؤذية دون أن يعوا ذلك”، الطلبة الذين حصلوا على معدلٍ عالٍ في الشعور السلبي قاموا بعد ذلك بتقييم جملٍ مبهمة مثل: “عليك الاهتمام برياضة الجري” على أنها مؤذية أكثر مما فعل أولئك الذين حصلوا على درجة منخفضة في الشعور السلبي. كما ناقش لوكيانوف وهايدت في كتاب: تدليل العقل الأمريكي – The Coddling of The American Mind، التدريب حول التمييز الخفي قد لا يهيئ الأشخاص للتفاعل مع بعضهم باحترام (كما اُفترض أنه سيفعل) بل لانتهاز الفرص وتصيُّد الإهانة في كلمات الآخرين.

يمكن لعلم النفس أن يتحسن

‫بنفس الطريقة التي استجاب بها علماء النفس لأزمة التكرار، حيث حملنا أنفسنا على الانخراط في ممارسات بحثية مسؤولة. أرجو من علماء النفس أن يعملوا سويًا للتغلب على نزعتنا نحو استنتاج السببية من بيانات ارتباطية، كيف نتغلب على هذه النزعة يعتمد على لماذا، كيف، متى ولمن يحدث هذا. من الممكن أن علماء النفس، كأي شخص آخر، يجدون صعوبة في التمييز بين الارتباط والسببية، إذا كان كذلك؛ نحتاج لأن ندعم التدريب العلمي ليتضمن ممارسات دقيقة للغة السببية وتوضيح للخصائص التي تحدد السببية.

‫احتمال آخر وهو أن علماء النفس يلحظون الاستنتاجات السببية غير المبررة عندما يعملون على تقييم أبحاث الآخرين ويغفلون عنها في أبحاثهم، ربما كان هذا بسبب انحياز أيديولوجي يخدم ذواتهم. إذا كان كذلك؛ نحتاج إلى تشجيع الأفراد الذين يمتلكون حسًا تنافسيًا ليقوم كل منهم بمراجعة بحث الآخر، من المحتمل أيضًا أن يستخدم العلماء لغة سببية غير مبررة عمدًا، في سبيل أن يحصِّلوا اهتمامًا أكبر بعملهم. لحسن الحظ، الأبحاث الأخيرة تقترح أنه من غير الضروري أن نتورط في هكذا “تلفيقٍ” سببي؛ لأن محطات الأخبار تقوم بانتقاء المنشورات الصحفية الموضوعة بلغة سببية والأخرى الموضوعة بلغة غير سببية بمعدلات متشابهة.

‫أيًا يكن؛ الأمر يعود إلى علماء النفس ليحملوا بعضهم –وأنفسهم- إلى معيارٍ أعلى من حيث: ١ – التنبُّه إلى العبارة السببية التي يطلقونها، و٢ – تحديد ما إذا كان قد تم استيفاء الخصائص الثلاثة اللازمة لإطلاق تلك العبارة السببية. في سعي العلم إلى الحقيقة؛ على علم النفس أن يتحسَّن.

 

* أبريل بليسك-ريتشيك حصلت على البكالوريوس (١٩٩٦) من جامعة ويسكنسن ماديسون في علم النفس واللغة الأسبانية، وحصلت على درجة الدكتوراة في الاختلافات الفردية وعلم النفس التطوري من جامعة تكساس في أوستن، تعمل الآن أستاذةً لعلم النفس في جامعة ويسكونسن أو كلير.

 

المصادر:

  • 1 Sackett, P. R., Borneman, M. J., & Connelly, B. S. (2008). High-stakes testing in
  • higher education and employment: Appraising the evidence for validity and fairness.
  • American Psychologist, 63, 215-227. doi:10.1037/0003-066X.63.4.215
  • 2 Straus, M. A., & Paschall, M. J. (2009). Corporal punishment by mothers and
  • development of children’s cognitive ability: A longitudinal study of two nationally
  • representative age cohorts. Journal of Aggression, Maltreatment & Trauma, 18,
  • 459-583. doi:10.1080/10926770903035168
  • 3 Madsen, K. M., Hviid, A., Vestergaard, M., Schendel, D., Wolfhart, J. et al. (2002). A
  • population-based study of measles, mumps, and rubella vaccination and autism. The
  • New England Journal of Medicine, 347, 1477-1482. doi:10.1056/NEJMoa021134
  • Honda, H., Shimizu, Y., & Rutter, M. (2005). No effect of MMR withdrawal on the
  • incidence of autism: A total population study. Journal of Child Psychology and
  • Psychiatry, 46, 572-579. doi:10.1111/j.1469-7610.2005.01425.x
  • 4 Anderson, C. A., & Bushman, B. J. (2001). Effects of violent video games on
  • aggressive behavior, aggressive cognition, aggressive affect, physiological arousal, and
  • prosocial behavior: A meta-analytic review of the scientific literature. Psychological
  • Science, 12, 353-359. doi:10.1111/1467-9280.00366
  • 5 Anderson, C. A., & Bushman, B. J. (2001). Effects of violent video games on
  • aggressive behavior, aggressive cognition, aggressive affect, physiological arousal, and
  • prosocial behavior: A meta-analytic review of the scientific literature. Psychological
  • Science, 12, 353-359. doi:10.1111/1467-9280.00366
  • 6 Baumeister, R. F., Campbell, J. D., Krueger, J. J., & Vohs, K. D. (2008). Exploding
  • the self-esteem myth. In S. O. Lilienfeld, J. Ruscio, & S. J. Lynn (eds.), Navigating the
  • mindfield: A user’s guide to distinguishing science from pseudoscience in mental
  • health, pp. 575-587. Amherst, NY, US: Prometheus Books.
  • 7 Adams, R. C., Sumner, P., Vivian-Griffiths, S., Barrington, A., Williams, A., Boivin,
  • J., Chambers, C. D.,& Bott, l. (2017). How readers understand causal and
  • correlational expressions used in news headlines. Journal of Experimental
  • Psychology: Applied, 23, 1-14. doi:10.1037/xap0000100
  • Mueller, J. F., & Coon, H. M. (2013). Undergraduates’ ability to recognize
  • correlational and causal language before and after explicit instruction. Teaching of
  • Psychology, 40, 288-293. doi:10.1177/0098628313501038
  • 8 Lazarus, C., Haneef, R., Ravaud, P., & Boutron, I. (2015). Classification and
  • prevalence of spin in abstracts of non-randomized studies evaluating an intervention.
  • BMC Medical Research Methodology, 15, 85. doi:10.1186/s12874-015-0079-x
  • 9 Robinson, D. H., Levin, J. R., Thomas, G. D., Pituch, K. A., & Vaugh, S. (2007). The
  • incidence of ‘causal’ statements in teaching-and-learning research journals. American
  • Educational Research Journal, 44, 400–413. doi:10.3102/0002831207302174
  • 10 Hart, B., & Risley, T. R. (1995). Meaningful differences in the everyday experience
  • of young American children. Paul H. Brookes Publishing Co.
  • 11 Marioni, R. E., Davies, G., Hayward, C., Liewald, D., Kerr, S. M., Campbell, A.,…
  • Deary, I. J. (2014). Molecular genetic contributions to socioeconomic status and
  • intelligence. Intelligence, 44, 26-32. doi:10.1016/j.intell.2014.02.006
  • Trzaskowski, M., Harlaar, N., Arden, R., Krapohl, E., Rimfeld, K., McMillan, A.,…
  • Plomin, R. (2014). Genetic influence on family socioeconomic status and children’s
  • The Other Crisis in Psychology – Quillette https://quillette.com/2019/07/30/the-other-crisis-in-psychology/
  • 7 of 8 8/23/2019, 11:00 AM
  • intelligence. Intelligence, 42, 83-88. doi:10.1016/j.intell.2013.11.002
  • 12 Burks, B. S. (1928). The relative influence of nature and nurture upon mental
  • development; a comparative study of foster parent-foster child resemblance and true
  • parent-true child resemblance. Yearbook of the National Society for the Study of
  • Education, Pt. I, 219-316.
  • 13 Leahy, A. M. (1935). A study of adopted children as a method of investigating
  • nature-nurture. Journal of the American Statistical Association, 30, 281-287.
  • doi:10.1080/01621459.1935.10504170
  • Neiss, M., & Rowe, D. C. (2000). Parental education and child’s verbal IQ in adoptive
  • and biological families in the National Longitudinal Study of Adolescent Health.
  • Behavior Genetics, 30, 487-495.
  • Wadsworth, S. J., Corley, R. P., Hewitt, J. K., Plomin, R., & DeFries, J. C. (2002).
  • Parent-offspring resemblance for reading performance at 7, 12 and 16 years of age in
  • the Colorado Adoption Project. Journal of Child Psychology and Psychiatry, 43,
  • 769-774. doi:10.1111/1469-7610.00085
  • 14 Sue, D. W., Capodilupo, C. M., Torino, G. C., Bucceri, J. M., Holder, A. M. B.,
  • Nadal, K. L., & Esquilin, M. (2007). Racial microaggressions in everyday life:
  • Implications for clinical practice. American Psychologist, 62, 271-286.
  • doi:10.1037/0003-066X.62.4.271
  • 15 Nadal, K. L., Griffin, K. E., Wong, Y., Hamit, S., & Rasmus, M. (2014). The impact
  • of racial microaggressions on mental health: Counseling implications for clients of
  • color. Journal of Counseling & Development, 92, 57-66.
  • doi:10.1002/j.1556-6676.2014.00130.x
  • 16 Note the causal language in the title of the article: Nadal, K. L., Griffin, K. E.,
  • Wong, Y., Hamit, S., & Rasmus, M. (2014). The impact of racial microaggressions on
  • mental health: Counseling implications for clients of color. Journal of Counseling &
  • Development, 92, 57-66. doi:10.1002/j.1556-6676.2014.00130.x
  • 17 Lilienfeld, S. (2017). Microaggressions: Strong claims, inadequate evidence.
  • Perspectives on Psychological Science, 12, 138–169. doi:10.1177/1745691616659391
  • The Other Crisis in Psychology – Quillette
شارك المعرفة عبر:

تعليق واحد

  1. الواقع انه علم النفس لا يعتبر علما حقيقيا لانه تقريبا فارغ من النظريات العلمية الصحيحة. المسألة ليست فقط ب”اللغة السببية”. حتى الدراسات الكلاسيكية التي زعمت وجود ترابط ما (دون الحاجة للاشارة لسببية معينة) فشلت في تكرار النتيجة نفسها. الاشكالية في عمق واساس علم النفس. حتى اليوم, لا يتفق “علماء” النفس على ماهية ما يدرسونه أصلا تحديدا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *