التربية والتعليم

إدمانُ الإنترنت!

  • تأليف : د. لينا منصور
  • تحرير : نادية بنت خالد
  • مراجعة التحرير: سعيد السوادي

– – – – – – –

في عياداتِ الأطفالِ الرُضَّع يهتمُّ الأطباء جدًّا بالتطوُّر السلوكي والحركي واللُّغوي للطفل؛ فَهُم يستدلون -مثلًا- بقدرةِ الطفل على الردِّ على اسمه بأنه لا يُعاني من التوحد، ويمكن استثناء أمراض كثيرة فقط بالتأكد من أنَّ الطفل ينمو كما يجب، مُعتمِدين على أنَّنا جميعًا كبرنا بالطريقة نفسها وتفاعَلْنا التفاعُل نفسه مع العالم المُحيط بنا.

كان من المثير للإعجاب أحدُ الرُضَّع المُصاب بمتلازمة (داون) وهو متقدِّمٌ على أقرانه لغويًّا واجتماعيًا، هذا أمرٌ لا يمكنه أنْ يحدثَ بالوضعِ الطبيعي! وخاصةً مع طفل (داون) الذي قد يُرفَض من أهلِه ويُهمَل في بداية حياته على الأقل؛ لذا كان يجب أنْ نسأل أمه: كيف؟

فعرفنا أنَّها تتواصل وتتحدث معه كثيرًا بنفسها، وأنَّها حريصة جدًّا على معرفةِ كيفيةِ التعامل معه؛ حتى إنَّها كانت تحفظ قائمة الفحوصات الكاشفة التي ينبغي أنْ تُجرَى لطفلِها خلال سني حياته القادمة، القائمة التي حتى طبيبته لم تكن تحفظها! وكان عليها الرجوع إليها مكتوبةً أمامها.

في المقابل كنا نرى الكثير من الأطفال الأصحَّاء يتأخَّر نطقهم ولا يتفاعلون مع مَنْ هم حولهم فتجد الطفل كالحائط فعلًا؛ حتى إنًه لا يخاف من الغرباء، ولا يبتسم، ولا يرد بأي حركة، تنزل ببصرك إلى يده فتجده ممسكًا للهاتف النقال أو الجهاز اللوحي وآخذًا له بقوة!

في المرة القادمة وأنتَ تجرُّ بإصبعك شاشة مواقع التواصل الاجتماعي للأسفل من دون أنْ تُدرِك أنَّه لا قاعَ في الأسفل! وأنَّها فقط هاوية مفتوحة، سعيدة بأنَّ هنالك شخصا إضافيا قد هوى بها، حاوِلْ استحضار تعريف الإدمان بحسب منظمة الصحة العالمية (1): إنّه حالة مَرَضيَّة تنشأ من التفاعل بين كائنٍ حي ومادة خارجة عن كيانه، ويَتْبَع هذا التفاعل استجاباتٌ سلوكيَّة معينة، وحاجة قهريَّة للتعاطي مع هذه المادة بشكلٍ مستمر أو دوريّ؛ للحصول على الأثر النفسي المصاحِب لأخذها أو لتجنُّب الضيق الناجم عن عدم تعاطيها، ويُصاحِب ذلك أثرٌ كبير على وظيفة الفرد أو تعليمه أو حياته الاجتماعية، أو كلِّها مُجتمِعة.

حسنًا! قد يتبادر للذهن من هذا التعريفِ للإدمان أنَّه يتحدَّثُ عن إدمانِ الإنسان على الكحول أو المواد المُخدِّرة، ولكن كان لا بدَّ لعلمِ النفس أنْ يتجدَّد ليشمل الإدمانات السلوكيَّة الجديدة التي غرق بها بنو آدم بسبب المادية؛ لذا فالكثير من السلوكيات التي يقوم بها الناس قد تُصنَّف على أنَّها إدمان إذا كانت تُمارَس بشكلٍ مُفرِط؛ كالتسوُّق، ومشاهدة التلفاز، وألعاب الفيديو، وإدمان العمل، وإدمان ممارسة الرياضة، وإدمان الإنترنت الذي سنسلِّط الضوء عليه في هذه المراجعة المُقتضَبَة لكتاب (إدمان الإنترنت: ذيوعه والجاهزيَّة له وأثره على الصحة) وهو كتابٌ قصير يقع فيما يُقارِب مئة وخمسين صفحة، ويشمل ستةَ فصولٍ؛ كلُّ فصلٍ هو عبارة عن ورقةٍ علمية، وقد راجعت الكتاب (مارغريت آدمز).

تشتركُ أنواعُ الإدمان جميعُها بمراحل مشترَكَة تتتابع وراء بعضها البعض وتصعد بها درجةً درجة، وترجع من الأعلى للأسفل إذا ما صعدتها وتدور بك وعليك الدوائر؛ في البداية ترتاح وتسعدُ بالمادة التي تُدمِن عليها، حتى إنَّ مجرد مرآها يَجلِب لك شعورًا عارمًا بالنشوة، إنَّها مرحلة “شهر العسل” التي تُنكِر فيها أنَّك تعاني من أي مشكلةٍ تجاه هذه المادة، ثم في المرحلة التي تليها تُسيطِر عليك وتملأ رأسك، لا تستطيع إلا التفكير بها ولا تستطيع مقاومتها، إنَّها تُكرِهك على تعاطيها! هنا يصبح سلوكك قسريًّا، ومن ثمَّ مرحلة التَّوْق الشديد والحاجة المُلِحَّة؛ حتى إنَّك قبل تعاطي المادة تشعُر بتوترٍ شديد وطاقةِ ضغطٍ ضخمة تُمزِّقك، ثُمَّ يختلُّ مزاجك تدريجيًا من أصغر الأمور لِيَلْتَهِمَ عليكَ إدمانُك وجودَك كلَّه؛ إنّه يريدك له وحده! ثُمَّ تحتاج إلى زيادةِ الجرعة ممَّا تتعاطاه أو زيادة الوقت الذي تقضيه مع إدمانك لأنَّ الجرعة السابقة لم تَعُد تكفي هذا الوَحْش الذي يريد أنْ ينمو، ثم تفقد السيطرة عليه، وإذا انقطعتَ عنه أو حاولتَ تخفيفه تدخل في حالةٍ نفسيةٍ وجسديةٍ مَرَضيَّة؛ ومن ثَمَّ ينشأ الصراع مع العائلة والعمل والحياة الاجتماعية؛ لأنَّ وَحْشَك لنْ يَقبل إلا أنْ تكونَ له، وتستمر وتواظب عليه على الرغم من كلِّ الويلاتِ التي يجلبها لك، حتى إنْ حدث وانقطعتَ عنه فإنَّك تعود، وقد تُدمِن أشياء ومواد وسلوكيَّاتٍ أخرى، فالطريق الآن أصبح مفتوحًا أمام نفسِك الهشَّة!

وإدمان الإنترنت ليس عن هذا ببعيد، إنها الدائرةُ نفسها؛ إذ تقلق بدونه، تقلق عند انقطاعِك عنه، تقلق إذا ما شغلك شيءٌ عنه، لا تستطيع السيطرة على الوقت الذي تقضيه معه، وإذا حدث ولاحظتَ فقدانك للسيطرة تجاهه فسَتُدرِك أنَّ وقتك معه يتصاعد بشكلٍ مُذهِلٍ جارفٍ لكلِّ ما فيك، حتى لو أدركتَ كَم الْتَهَمَ هذا الوحش مِن يومِك وكَم أفْسَدَ عليكَ علاقاتك أو عملك أو دراستك؛ فإنَّك لا تستطيع الانقطاع عنه أو حتى تقليله والسيطرة عليه، وستظل تهرب إليه وأنت تدري أو لا تدري!

هنالك عدةُ عوامل تزيد من جاهِزيَّتِك للسقوطِ في هذه الهاوية؛ إنْ كنتَ تعاني من قلقٍ عامٍ في حياتك، أو كنتَ تحت ضغوطاتٍ تصرخ بك: اهرب لأي شيء وابتعد عني! فإنَّك في الغالبِ أكثر عرضةً لهذا النوع من الإدمان، أضِفْ إلى ذلك أنَّك إنْ كنتَ فارغًا من أي اهتمامٍ أو إنجازٍ حقيقي في الحياة فأنتَ في خطرٍ يا صاح!

ولعلك تلاحِظ أنَّ ما يزيد جاهزيتك لهذا النوع من الإدمان السلوكي هي في غالبها توجُّهاتٌ سلوكيَّة أخرى يمكنك السيطرة عليها والتحكُّم بها، وأنَّه ليس هنالك “جِين” يُرغِمُكَ على مَسْكِ الهاتف إلى المالانهاية، لكن في الحقيقة، إنَّ بعض الأمراض النفسية-العضوية قد تُساعِد على هذا النوع من الإدمان، خاصةً في مرحلة الطفولة كاضطرابِ نقصِ الانتباه مع فَرْطِ النشاط.

وفي حين أنَّ التعامُلَ السيئ مِن قِبَل بعض الآباء مع أبنائهم في صِغَرِهم يزيد من الجاهزيَّة لهذا النوع من الإدمان؛ خاصةً إذا طَغَتْ على العلاقة حالةٌ من التحكُّم الزائد، في المقابل فإنَّ من العوامل التي تحمي من هذا الإدمان السلوكي: التواصل الجيد بين الآباء وأبنائهم، والنمو الصحِّي -نفسيًّا وجسديًّا- لليافعين.

هنالك أمرٌ مهمٌّ آخر وهو: أنَّ هذا النوعَ من الإدمان السلوكي يجعلك أكثر عرضةً للإصابة بالاكتئاب، وهو أمرٌ جَلَلٌ وقصةٌ حزينةٌ أخرى! ويجعلك أكثر عرضةً للقلق المَرَضِيّ مع وجود مشاكل في النوم، وبالمُجْمَل أيضًا تكون أكثر عرضةً للتصرفات التي تٌدمِّرك ذاتيًا والتي قد تصل إلى الانتحار!

هنالك آثارٌ واضحة لهذا الإدمان على الصحة: التبدُّل السريع للمزاج، والقلق، وفقدان الإحساس بالوقت، وآثارٌ انسحابيَّة إذا أقلعتَ عنه، وأيضا يتحدثون الآن عن احتمالية تأثير هذا الإدمان على تركيباتٍ مُحدَّدَةٍ في الدماغ (2).

وإذا انتقلنا إلى عالمِ الدراسات والأرقام، فسنجِدُ نِسَبًا مُذهِلة!

دراسةٌ كشفت أنَّ 65% من الأطفال يتصلون بالإنترنت أقل من خَمس ساعاتٍ بالأسبوع؛ منهم 66% يستخدمونه كأداة متعة، و11% تنطبق عليهم شروط الانضمام لِمَرضَى مُدمِني الإنترنت (3).

ودراسةٌ أخرى تقول: إنَّ 11% من الأطفال يكذبون على آبائهم فيما يخصُّ هذا الموضوع ويسرقون أموالًا منهم لإعادة الشحن (4).

دراسةٌ ثالثة أشارت إلى أنَّ 57% من الأطفال يُدركون أنَّهم يلعبون ألعابًا فيها عنفٌ وتحطيمٌ للأشياء وتعذيبٌ وقتلٌ للناس في اللعبة، و14% قالوا: إنَّهم يشعرون بأنَّهم مُثبَّتون ومُرغَمون على الجلوسِ أمام الشاشات (5).

وفي دراسةٍ في إحدى وثلاثين دولة وجدوا أنَّ النسبةَ العامة لِمَنْ يَنطبِقُ عليهم إدمانُ الإنترنت هي 6% (6).

لا أجدُ حاجةً مُلِحَّة لكثيرِ الكلام حول مَحاسِن الإنترنت في محاولةٍ لخَلْقِ حالةٍ من التوازن في هذه المراجعة، والتأكيد على أنَّه أداةٌ غيَّرت وجه العالم وأساليب التعلُّم، وأنَّها حرَّرت الكثيرين من طغيان الحدود والقيود الأكاديمية، وغيَّرت الكثير من طبائع الاستبداد، وأنَّ الاستعمال الجيِّد المفيد لهذه الأداة قد يكون واجبًا على كلٍّ منّا الآن؛ لأنني أجدُ هذا معروفًا ويَسهُل تذكره دون التنبيه عليه.

بالمناسبة، هنالك حالةٌ في علم النفس تُسمَّى (التدفُّق)؛ وهي حالةٌ إيجابية يكون فيها الشخص منغمسًا في نشاطٍ معين -تمامًا- بكامل تركيزه وطاقته، ويُشارِك مشاركةً تامة، ويستطيع الاستفادة والإفادة لأقصى حد، وهي حالةٌ يمكن الوصول إليها بالتعامل الجاد مع الإنترنت، هذا النوعُ من الاستخدام يُقلِّل التوتر ويُحسِّن الصحة ويُقلِّل الشعور بالغرابة والخجل، وله الكثيرُ من الإيجابيات الأخرى.

يَختلِفُ الباحثون على مُسمَّى هذا الإدمان السلوكي: هل نُسمِّيه (الاستخدام القسري للإنترنت) أم (الاستخدام المَرَضِي للإنترنت) أم (الاعتمادية على الإنترنت) أم (الإدمان على الإنترنت)؟ سمِّه ما تشاء! المهم أنَّ السُّمَ واحدٌ مهما اختلفتِ الأسماء!

إذًا فالخلاصة: هذا السلوكُ الإدماني سيُرهِقَكَ جسديًّا ونفسيًّا وسيستهلِكُكَ أكثر ممَّا تظن، وإذا استمررتَ فيه فيُمكنكَ أنْ تنسى علاقاتك الأسريَّة وأصدقاءك، وكذلك انسَ التحصيلَ الدراسيّ الجيِّد، والكثيرَ مِن الأهدافِ الأخرى!

 

المَراجِع:

1. World Health Organization. International Classification of Diseases. 10th version (ICD-10). Geneva: World Health Organization;1994.

2. Yuan K, Qin W, Wang G, Zeng F, Zhao L, Yang X, et al. (2011) Microstructure Abnormalities in Adolescents with Internet Addiction Disorder. PLoS ONE 6(6): e20708. doi:10.1371/journal.pone.0020708.

3. Child Safety and Morals of Children on the Internet (2002) Organization Protegeles. Child Protection Services Madrid.

4. Child Safety and Customs of Children in the use of Mobile Telephony (2005) Organization Protegeles. Child Protection Services Madrid.

5. Video Games, Children and Parental Responsibility (2005) Organization Protegeles. Child Protection Services Madrid.

6. Cheng C1, Li AY. Internet addiction prevalence and quality of (real) life: a meta-analysis of 31 nations across seven world regions. Cyberpsychol. Behav. Soc. Netw. 2014 Dec;17(12):755-60. doi: 10.1089/cyber.2014.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق