تقارير ودراسات

أناس مرضى أم مجتمعات مريضة؟

  • تأليف: جيل آيزن*
  • ترجمة: أفنان نويد طيب
  • تحرير: محمد الربيعان

أضحت كلمات من مثل “الرعاية الصحية” و”أزمة” غير منفصلة عن بعضها بعضا عند الحديث عن سياسة الصحة في كندا، فهناك حكايات عن قوائم مطولة تنتظر عملياتها الجراحية، وتأجيلات لا-منتهية لزيارة الأخصائيين، ومبالغ متصاعدة، وشبح نظام من مستويين يتغلغل في إعلامنا. وبوجود الأطفال الذين يكبرون ليصلوا سنواتهم الدراسية الأخيرة، فالأمور سوف تزداد سوءًا. العديد من الدراسات واللجان الملكية أشارت منبهة إلى أن الكثير يمكن عمله لجعل النظام أكثر فاعلية واستجابة، وإن لم نفعل ما يمكن فعله في طريق الوقاية, فسينهار النظام تحت وطأة ثقله.

يطلق على نظامنا في الرعاية الصحية, وبجدارة, اسم (نظام رعاية المرض)، فعمله ممتاز عند علاج المرض، لكن لمَّا يتعلق الأمر بالوقاية، فالأمر يعود لنا في غالب الوقت: لا تدخن، أكثر من الخضار والفواكه، حافظ على لياقتك البدينة، نل قسطًا من الراحة. من الصعب تجنب الرسائل القادمة من الإعلام والأطباء أن صحتنا مسؤوليتنا. بلا شك أن نمط الحياة الصحي جيد لنا، لكن الظروف الاجتماعية التي نعمل ونعيش بها تبدو أكثر أهمية في تحديد حالتنا الصحية أكثر من نظام الرعاية الصحية أو عاداتنا الشخصية.

هذه الفكرة ليست جديدة، بالعودة لمنتصف القرن التاسع عشر، طلب مجلسُ برلين عالمَ الأمراض العبقري رودولف فيرشو بالتحري عن ظاهرة التيفوس في سيليسيا العليا, فأجاب رودولف أن سبب المشكلة هو “سوء تنظيم حكومة برلين للمنطقة”, واقترح وجود ديمقراطية كاملة لسيليسيا العليا مع تحويل ثقل الضرائب من الفقراء للأغنياء، وتوفير تعليم عالمي، وفصل الكنيسة عن المنطقة. لا يوجد داع للقول إن أعضاء المجلس لم يسعدوا بالأمر، وادعوا أن تقرير فيرشو ليس توثيقًا علميًا, إنما مسارٌ سياسيٌّ! فما كان جواب فيرشو إلا أن قال: “الطب هو علم اجتماعي والسياسة ليست شيئًا سوى علاج بالغ الوضوح”, وأضاف: “إذا كان الطب يريد أن ينجز مهمته العظيمة فعليه دخول الحياة السياسية والاجتماعية. أليس ما نجده دومًا أن أمراض الناس يمكن عزوها إلى عيوب المجتمع؟”

بالتأكيد، فإن بعض المكاسب في الصحة جاءت بسبب سن قوانين اعترفت بهذه العيوب، كالقوانين التي حظرت عمالة الأطفال، والتي وضعت حدًا أدنى للأجور، وجعلت ساعات العمل الأسبوعية 40 ساعة، وأسست شبكة اجتماعية أمنية، وفرضت إتاحة التعليم للجميع. جميع هذه الإصلاحات لم تمرر باسم الصحة، لكنها ساهمت بشكل كبير في الصحة وزيادة العمر. لسوء الحظ، فإن قادتنا السياسيين اليوم كما كان مجلس برلين مترددون في إدراك الرابط بين الظروف الاجتماعية والصحة، مفضلين بدلًا عن ذلك لوم الضحية. للوصول للنقطة المرجوة، فإن الأمراض التي ابتليت بها شمال أمريكا عُلِمت كأمراض بسبب نمط المعيشة. مرض القلب، الجلطات الدماغية، السمنة، السكري، حتى السرطان، كان اللوم على طريقة المعيشة: الكثير من الدهنيات والحلويات، الكثير من الكحول، القليل من التمارين الرياضية. لكن جزءًا كبيرًا من البحوث التي أجريت على مدى الثلاثين عامًا الماضية أكدت أهمية المجال الاجتماعي في تحديد الحالة الصحية.

لب الموضوع

قضى ليونارد سايم, وهو اختصاصي في علم الوبائيات في جامعة كاليفورنيا في بيكرلي، والذي يعتبر والد النظام المعروف بمحددات الصحة الاجتماعية، معظم حياته باستكشاف مسببات مرض القلب. حتى نصف القرن الماضي، كانت النظرية السائدة هي نظريةَ الغذاء/القلب, وهي الفكرة التي تقول إن الغذاء المشبع بالدهون المشبعة والكوليسترول يرفع نسبة الكوليسترول في الدم مما يؤدي لمرض القلب. أشيعت هذه النظرية في الأوساط الطبية والعادية، لكن سايم يعتقد بعدم وجود دليل لدعمها. وبعد القيام ببحث مضن في المنشورات الطبية، فشل سايم في العثور على دراسة واحدة تدعم وجود رابط بين كمية الدهون بالغذاء ومستوى الكوليسترول في الدم وحتى مرض القلب.

في دراسة رائدة عام 1970، تابع سايم وزملاؤه مجموعة من الرجال اليابانيين الذين هاجروا من اليابان إلى كاليفورنيا، ووجدوا ارتفاعًا يقدر بخمسة أضعاف في نسبة الإصابة بمرض القلب عند المهاجرين. كان أول افتراض، استنادًا لنظرية الغذاء/القلب، أن اتباع نظام غذائي غربي دهني هو السبب الرئيسي. لكن بالنسبة لسايم: «اليابانيون في كاليفورنيا تناولوا طعامًا غربيًا دهنيًا أكثر مما فعلوا في اليابان، لكن هذا لم يفسر, بأي طريقة, ارتفاع الخمسة أضعاف!», في الواقع، لم يكن ممكنًا تفسير الارتفاع تفسيرًا كاملًا استنادًا إلى عوامل الخطورة المعروفة والمتضمنة: الغذاء، التدخين، ارتفاع ضغط الدم، ارتفاع نسبة الكوليسترول في الدم. الذي اكتشفه الباحثون وفاجأ الجميع، أن الرجال الذين الذين تمسكوا “بالطرق التقليدية اليابانية” وحافظوا على قوة الروابط مع المجتمع الياباني، وحضروا كنائس يابانية، وذهبوا لأطباء يابانيين ومحامين يابانيين وهكذا، كان لديهم خمس معدل الإصابة بمرض القلب مقارنة بنظرائهم الذين اندمجوا تمامًا في الحياة الأمريكية، بغض النظر عن حقيقة تناول المجموعتين لطعام دهني أكثر. وفي محاولة لفهم السبب، ذهب سايم في عدة رحلات إلى اليابان وقابل مئات الأشخاص، كان يقول إنه أينما ذهب، استمر الناس بإخباره “أن المشكلة الحقيقية أن الأمريكيين وحيدون جدًا”، هذه الدراسة على المهاجرين اليابانيين ولدت مجموعة جديدة من الأبحاث التي تثبت أن الدعم الاجتماعي والترابط الإنساني أكثر أهمية في تحديد الحالة الصحية للناس من أي عامل من عوامل الخطورة المذكورة عادة.

الوقاية من السكري

يرتبط النوع الثاني من السكري بشكل مباشر مع عادات الناس الشخصية. وهو أسرع الحالات المزمنة انتشارًا في كندا ويهدد بتجاوز النظام الصحي للرعاية. وفقًا لرييتشارد جلازيير، طبيب الأسرة وعالم كبير بمعهد العلوم التقييمية السريرية في تورتنتو، فإنه مع اتباع نظام غذائي مناسب وممارسة التمارين الرياضية الكافية، يمكن الوقاية بشكل كبير من المرض. لكن مع سنوات من النصائح المستمرة في اتباع نمط حياة صحي، فإن نسبة المرض تزداد سوءًا! للوصول إلى حل لهذه المشكلة، ترأس جلازيير وزميله الطبيب جيليان بوث دراسة أجريت عام 2007 لرسم خرائط لمرض السكري في مدينة تورنتو. لم يتعجب الفريق لما وجدوا أن نسبة السكري كانت أعلى عند المجموعات ذات الدخل المنخفض والمهاجرون الجدد، إلا أن ما أدهشهم هو تباين حالات الإصابة باختلاف المناطق. ففي الضواحي والمناطق النائية كانت المعدلات أعلى بكثير من أحياء وسط المدينة، رغم أنها تضم بعض المجموعات من ذوي الدخل المنخفض وتركيزًا أعلى من المهاجرين الجدد. وعند القيام بالمزيد من التحقيق، وجدوا أن المناطق التي ترتفع فيها معدلات الإصابة برمض السكري كان لديها ضعف في الوصول إلى غذاء صحي، وعدد أقل من وسائل الراحة كالحدائق والمراكز المجتمعية ومسارات الدراجات، وضعف الوصول إلى وسائل النقل العام وازدياد الاعتماد على السيارات. هذه العوامل، بالإضافة إلى الدخل المنخفض، والنظام الغذائي الذي يجعل من الوجبات السريعة أرخص من بدائلها الصحية، صنع ظروفًا مثالية للنوع الثاني من داء السكري. وكما يوقل جلايزر، إن معالجة ما يسميه “العوامل الأولية” من شأنه أن يفعل الكثير للوقاية من المرض أكثر من التركيز حصريًا على النظام الغذائي والتمارين الرياضية.

المنحدر الاجتماعي في الصحة

عندما يتعلق الأمر بالصحة، فإن العامل الأكبر المضاد للمنحدر هو الدخل. من المعروف منذ فترة طويلة وجود سجلات لدينا تفيد أن أولئك الذين يقفون أعلى السلم هم الأفضل صحة وهم الذين يعيشون لوقت أطول ممن يقف أسفله. في كندا، توجد فجوة تقدر بأربع سنوات ونصف في متوسط العمر المقدر بين الفئات الغنية والفقيرة من الرجال، وسنتان بين النساء. عند النظر في الموت المبكر قبل الـ75 فإن الفجوة تزداد. يتحمل الفقراء الحصة الأكبر من العبء لكل مرض وحالة من مرض القلب والسرطان إلى الإدمان ومشاكل الصحة العقلية. الأمر منطقي بالفطرة أنه سيكون كذلك، إذ يعيش الفقراء في منازل دون المستوى وفي أحياء موبوءة، عاجزين عن توفير غذاء صحي، كما أنهم الأكثر عرضة للتدخين والشرب، وحياتهم ملأى بالضغط مع القليل من الأمن الاقتصادي. إلا أن بحثًا على مدى ثلاثين عامًا أظهر أن الأمر ليس فقط بالفجوة بين الفقراء والآخرين، إنما يوجد منحدر اجتماعي للصحة في كل مجتمع تمت دراسته، فلكل مرض واضطراب تقريبًا، كلما كنت في أعلى السلم كنت لتعيش أطول وبصحة أفضل.

استنادًا لريتشارد جلايزر، في كندا “حتى أولئك الذين يكسبون أكثر من 100000 دولار، ممن يعيشون في بيوت رائعة، ويقضون عطلات غالية وقادرون على توفير طعام صحي فهم ليسوا مثل الاغنياء بشدة”، وكما يقول، إنه في بعض الأمراض تكون الفجوة بين مجموعات الدخل المتوسط والعالي كبيرة تمامًا كتلك التي بين ذوي الدخل المتوسط والفقراء. وبينما لا يعرف الباحثون بالضبط سبب التدرج، يعتقد  جلازيير بوجود مؤثر يتجاوز الغذاء والرياضة يؤثر علينا جميعًا بدرجات متفاوتة. ويؤمن بوجود علاقة بدرجات الضغط النفسي الاجتماعي، والذي بالمقابل يتأثر بقدرتنا على السيطرة على حيواتنا. إن كمية الدعم الاجتماعي الذي نحصل عليه للتخفيف من الضغوطات التي نواجهها وشعورنا حيال أنفسنا ومكانتنا في المجتمع، جميعها لها ارتباط قوي بمكاننا في التسلسل الهرمي الاجتماعي.

مسائل اللامساواة

سيكون التسلسل الهرمي الاجتماعي دومًا معنا، لذا، من شبه المستحيل أن نمحو المنحدر الاجتماعي للصحة، لكننا نستطيع أن نفعل شيئًا حيال انحداره. ففي كتابهما عام 2009 (مستوى الروح: لماذا المساواة أفضل للجميع؟)، قام عالم الوبائيات ريتشارد ويلكينسون والمؤلفة المساعدة كايت بيكيت بتحليل بيانات الصحة والمجتمع لـ22 دولة من الدول النامية و50 ولاية أمريكية. كانت اكتشافاتهم متسقة ومذهلة. فتقريبًا، في كل مقياس من مقاييس الصحة والرفاهية من متوسط العمر المقدر، ووفيات المواليد، والسمنة والمرض العقلي إلى نسبة الولادات في سن المراهقة، والإدمان والقتل، وجدا أن المجتمعات المتساوية كانت تعمل بشكل أفضل من نظيرتها الأقل مساواة. الأجل من ذلك، أن المنحدر الصحي كان أكثر انحدارًا، فحتى أولئك الذين في أعلى السلم الاقتصادي كانوا أسوأ حالًا في المجتمعات التي لا يوجد فيها مساواة مقارنة بأقرانهم في المجتمعات التي فيها مساواة. كما يؤكد ويلكنسون وبيكيت أن الاختلاف بين الدول لا علاقة له بمستوى الدخل المطلق، فالذي أظهرته البيانات أنه عند وصول الدولة لمستوى معين من التطور، فليس المهم مدى غناها إنما مدى المساواة فيها.

تعد الولايات المتحدة إحدى أغنى دول العالم، كما أنها واحدة من أكثر الدول غير المتكافئة، فقد أحرزت تقريبًا مكانًا إما في أسفل المقياس أو قربه في كل مؤشر قام ويلكنسون وبيكيت بفحصه. بينما أحرزت اليابان والدول الاسكندنافية التي تصنف من بين أكثر دول العالم تساويًا مكانًا أفضل. وكالعادة، كانت كندا في مكان ما في الوسط.

بالرغم من أن الولايات المتحدة لديها أعلى إنفاق للفرد في العالم على الرعاية الصحية، إلا أنها تحتل المرتبة الخمسين في متوسط العمر العالمي المتوقع. فداخل البلاد، هناك فجوة هائلة في متوسط العمر المتوقع بين الأغنياء والفقراء. وهي كبيرة قد تصل إلى 20 حوالي عامًا بين البيض الأثرياء الذين يعيشون في ولاية ماريلاند والسكان الفقراء الذين يعيشون على بعد 20 ميلًا فقط في العاصمة واشنطن. إنها سنة واحدة من الحياة لكل ميل.

يمكن أن تعزى نسب الوفيات الكئيبة بين فقراء الولايات المتحدة، جزئياً، إلى السلوكيات الشخصية للناس، إلا أن للفجوة كل ما يتعلق بالظروف التي يعمل ويعيش بها الناس. فوفقًا لتقرير صدر عن لجنة المحددات الاجتماعية في منظمة الصحة العالمية: “إن التوزيع غير المتكافئ للتجارب الضارة بالصحة ليس بأي حال ظاهرة “طبيعية”، إنما نتيجة للجمع السام بين السياسات والبرامج الاجتماعية السيئة، والترتيبات الاقتصادية غير العادلة والسياسة السيئة”.

هذه المتغيرات قابلة للتغيير. قامت نانسي كريغر، وهي أستاذة في جامعة هارفارد لصحة المجتمع، بالتحري حول التغييرات في نسب الموت المبكر وموت الموليد في الولايات المتحدة بين عامي 1960 و2002، ووجدت أن انعدام المساواة قد تقلص بين عامي 1966 و1980 في ذات الوقت الذي قل فيه الاختلاف الاقتصادي المجتمعي.كما أنها تنسب الفضل إلى إنشاء مديكيد وميديكير، ومراكز الصحة المجتمعية، والحرب الأمريكية على الفقر وقانون الحقوق المدنية لعام 1964. ومع ظهور الليبرالية الجديدة في الثمانينيات، اتسعت فجوة الوفيات بشكل مطرد، جنبًا إلى جنب مع نمو عدم المساواة في الدخل.

حدثت تغيرات مشابهة في بريطانيا، إذ ليس من قبيل المصادفة أن التدرج الصحي كان أكثر انحدارًا خلال سنوات ثاتشر ورافقه تراجع في المجتمع، وانعدام الأمن الوظيفي وفجوة متصاعدة في الدخل بين الاغنياء والفقراء. ووفقًا لمايكل مارموت، مدير المعهد الدولي للمجتمع والصحة في الكلية الجامعية بلندن ورئيس لجنة المحددات الاجتماعية للصحة في منظمة الصحة العالمية، كانت هناك فجوة بخمس سنوات ونصف في متوسط العمر المتوقع بين أغنى وأفقر الرجال عام 1970, وبحلول نهاية سنوات تاتشر، ارتفع الفارق إلى تسع سنوات ونصف.

لماذا اللامساواة الفائقة تؤدي لصحة أسوأ؟

يقول مارموت: ليس الأمر بما لديك، بل بما يمكنك فعله بما لديك. إن قام المجتمع بتوفير الأمن، التعليم، الرعاية الصحية، وسائل النقل، الفرص الترفيهية، رعاية الأطفال، العطل الأبوية وغيرها، فإن الدخل هنا لا يعني الكثير. لكن ان كان عليك شراء كل هذا فالدخل يحدث فارقًا كبيرًا. كلما كان لديك أقل، ازداد عبؤك. ومع ذلك، عندما يزداد انعدام التكافؤ في المجتمعات، يصبح الذين يملكون القدرة على التأثير في القرارات العامة الأقل دعمًا للاستثمار في المجال العام. وضع أليكس هيميلفارب، الكاتب السابق للمجلس الخاص في كندا، الأمر على هذا النحو: “عند تعاظم اللامساواة، لا يمكن العثور على مصلحة عامة، لأن تجارب الناس المجتمعية متنوعة للغاية”. نتيجة لذلك، انفصل الأغنياء عن المجال العام، وانخفض الدعم في كل شيء، بدءًا من البنية التحتية والتعليم إلى الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية.

للتصاعد في عدم المساواة في الدخل تأثير مخيف يوهن صحة الناس. إذ أن الفجوة المتسعة بين الأغنياء وبقيتنا تضخم قلق المستهلك والذي يتغلغل في ثقافتنا. بينما يزداد الأغنياء غنًى، فإنهم ينفقون أكثر، ويبنون قصورًا أكبر، ويشترون مطابخ أفخم, ويقومون بالعديد من الحفلات. يقول روبرت فرانك خبير الاقتصاد بجامعة كورنل، إن هذا يزيد الرهان بين الجميع ويؤدي لما يسميه سلسلة الانفاق. متوسط حجم المنزل العادي في أمريكا أكثر بـ50% مما كان عليه قبل ثلاثين عامًا. الزواج العادي يكلف 28000 دولار مقارنة ب11000 بعد تعديله وفقًا للتضخم عام 1980. لكن بينما ارتفع الدخل لأولئك الـ1% الذين في القمة، فإن الدخل للغالبية قد ركد أو انخفض! الضغط لـ”المواكبة” عند أصحاب الطبقة المتوسطة، يعني أن يغرقوا أكثر في الديون، ومع ازدياد الديون يزداد الضغط والقلق.

إن ضغط اللامساواة المتزايد يزداد سوءًا للفقراء، فبينما ترتفع المعايير لما يشكل الحياة الجيدة، يتخلف الفقراء. يقول مايكل مارموت: “إن كان الموجودون أسفل مقياس الدخل غير قادرين على المشاركة كليًا لما يعنيه أن يكونوا جزءُا من المجتمع، فهذا يخلق كمًا كبيرًا من الضغط. إن كان طفل جارك قد حصل على أحدث أنواع الأحذية ويذهب للتزلج في العطلات فإنت تريد ذلك لطفلك أيضًا – تريد أن تكون مشاركًا فعالًا في المجتمع”.

تنص وثيقة منظمة الصحة العالمية حول محددات الصحة الاجتماعية أنه “إذا فشلت السياسة في الاعتراف بالروابط بين اللامساواة الاجتماعية والصحة، فإنها لا تتجاهل فقط محددات الصحة الأكثر قوة في المجتمعات الحديثة، ولكنها أيضًا تتجاهل إحدى أهم قضايا العدالة الاجتماعية”. من خلال العمل لأجل مجتمع أكثر عدلًا، ستنبع صحتنا، كذلك ربما سعادتنا.

 

 

  • كاتبة مستقلة ومنتجة إذاعية للوثائقيات،خاصة لبرنامج الأفكار في إذاعة CBC

المصدر: canadian dimension

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق