فكر وثقافة

أدعياء العالمية: الثقافة الغربية في عصر العولمة

  • تأليف : البروفيسور علي مزروعي
  • ترجمة : مصطفى هندي
  • تحرير : خلود بنت عبدالعزيز الحبيب

نص الكلمة الافتتاحية للجمعية الملكية للفنون وهيئة الإذاعة البريطانية، المقرر تقديمها في لندن، إنجلترا، في 15 يونيو 2000، يعود الفضل في هذه المحاضرة لجهد المؤلف حول العولمة وسياسة التغيير الثقافي.

جون بلاميناتز، يوغسلافي من الجبل الأسود قام بالتدريس للأفارقة من مومباسا بكينيا في جامعة أوكسفورد، كان من بين الدروس التي قام الأستاذ بتدريسها للشباب الأفريقي مقولة بسيطة:
“خطايا الأقوياء تحظى بشيء من احترام السلطة”

كان جون بلاميناتز في ذلك الوقت يحظى بزمالة متميزة في كلية نوفيلد بأكسفورد، وأصبح لاحقًا أستاذًا للنظرية السياسية في أكسفورد، والطالب هو علي المزروعي.

في هذا المقولة البسيطة، اكتشف جون بلاميناتز أهمية السلطة في تعميم ثقافة الأقوياء، حتى رذائل الثقافة الغربية تكتسب مكانة عالمية، فإن المجتمعات الإسلامية التي كانت تمتنع عن تناول الكحول أصبحت الآن تظهر إدمانًا متزايدًا على الكحوليات، تستسلم النخب الصينية إلى دجاج (كنتاكي) و (الهامبورجر)، و قررت [الهند]، بلدة المهاتما غاندي، أن تتسلح بالقوة النووية.

الحضارة الغربية تدعي بأنها مركز الصلاحية العالمية، و مع ذلك، هناك ثلاث قوى تتعارض مع هذا الادعاء، هناك واحدة داخل الغرب نفسه هي قوة النسبية التاريخية، فما كان صالحاً في الغرب في بداية القرن العشرين ليس بالضرورة أن يكون صالحًا في الغرب في بداية القرن الحادي والعشرين، وإذا كانت صلاحية الثقافة قابلة للتغيير في الغرب نفسه من جيل إلى جيل، فكيف يمكن أن يدوم ذلك التعميم العالمي للثقافة الغربية؟

هناك تحدٍ آخر لمطالبة الغرب بتعميم ثقافته، ليس من نظرة تاريخية بل من نظرة ثقافية، هذا التحدي الثقافي هو العدو القديم للنسبية الثقافية، يمكننا أن نعكس ترتيب التحدي للعالمية الغربية، بأن نجعل التحدي الثقافي أولاً والتحدي التاريخي ثانياً، لكن بالإضافة إلى النسبية التاريخية والثقافية، هناك النسبية في الممارسة العملية، أو الأداء التجريبي المقارن، وهي هل الممارسة الغربية تتعارض مع العقيدة الغربية نفسها؟ في الواقع، هل تحقق المجتمعات الغربية تقدمًا أفضل من المجتمعات الأخرى بمعايير الغرب؟ هل إفريقيا أو الإسلام متقدمان على الغرب في بعض النواحي بالمعايير الغربية نفسها؟

ولكن دعونا أولاً نستكشف مفهوم العولمة قبل أن نعود إلى مجالات النسبية الثلاثة، التاريخية والثقافية والتجريبية.

ما العولمة؟

تتألف العولمة من عمليات تؤدي إلى الترابط العالمي و زيادة سرعة التبادل [الثقافي] عبر مسافات شاسعة ، كلمة “العولمة” هي في حد ذاتها جديدة تمامًا، لكن العمليات الفعلية نحو التبعية والتبادل العالمي بدأت منذ قرون، هناك أربع قوى رئيسية وراء حركة العولمة عبر الزمن ، هذه القوى هي: الدين و التكنولوجيا و الاقتصاد و حركات فرض سيطرة و نفوذ الامبراطوريات ، لم تؤدِ هذه القوى دورها بشكل منفصل، و لكن في كثير من الأحيان تفاعلت مع بعضها البعض، على سبيل المثال، بدأت عولمة المسيحية بتحول إمبراطور روما قسطنطين الأول إلى المسيحية عام 313 م ، يعد التحول الديني لرأس الإمبراطورية هو بداية العولمة التي أصبحت المسيحية في ظلها هي الديانة الرسمية، ليس فقط لأوروبا، و لكن أيضًا لكثير من المجتمعات الأخرى التي تبعد آلاف الأميال عن منشأ المسيحية،

لم تبدأ عولمة الإسلام في تحويل وجهة إمبراطورية جاهزة، بل ببناء إمبراطورية من الصفر، حيث قام الأمويون و العباسيون بتجميع أجزاء من إمبراطوريات الشعوب الأخرى (مصر البيزنطية سابقًا و بلاد فارس الزرادشتية سابقًا، على سبيل المثال) و أنشأوا حضارة جديدة بالكامل.

مثلت رحلات الاستكشاف مرحلة رئيسية أخرى في عملية العولمة، حيث بدأ فاسكو دا جاما، و كريستوفر كولومبوس في القرن الخامس عشر فصلًا جديدًا تماما في تاريخ العولمة، كان الاقتصاد و توسيع الإمبراطورية هما الدوافع الرئيسية، تلا ذلك هجرة الأفراد التي يرمز لها بسفينة مايفلاور ( زهرة أيار ) [ التي أقلت الرواد الأوائل إلى أمريكا ] ، كانت هجرة الحجاج في جزء منها تمثل استجابة لضرورات دينية و اقتصادية، وصلت العولمة الديموغرافية إلى ذروتها في الأمريكيتين بتدفق ملايين الأشخاص من نصفي الكرة الأرضية، مع مرور الوقت، أصبح سكان الولايات المتحدة نموذجًا مصغرًا لسكان العالم، مع مهاجرين من كل بقعة على وجه الأرض، كانت الثورة الصناعية في أوروبا منذ القرن الثامن عشر فصاعدا عاملًا رئيسيًا آخر في تاريخ العولمة، حيث أدت ازدواجية التكنولوجيا والاقتصاد إلى مستويات إنتاجية لم تكن معروفة من قبل في تاريخ الإنسان، كما أثار ازدهارُ أوروبا شهيتها لغزو عوالم جديدة وبسط سلطتها عليها، فتسارعت تجارة الرقيق في المحيط الأطلسي، و نُقل ملايين الأفارقة من مكان لآخر حول العالم، و أصبحت أوروبا شرهة للإمبريالية أيضًا على نطاق عالمي، بنى البريطانيون الإمبراطورية الأكبر والأكثر تطوراً في التجربة الإنسانية، و استمر معظمها حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت الحرب العالمية الأولى و الثانية من مظاهر العولمة، فإن القرن العشرين هو القرن الوحيد الذي شهد حربًا تجتاح العالم كله، الأولى من 1914 إلى 1918 والثانية من 1939 إلى 1945 ، الحرب الباردة أيضًا تعد مظهرًا آخر من مظاهر العولمة (1948-1989)؛ لأنها كانت تنافس على السلطة على نطاق عالمي بين تحالفين، حلف شمال الأطلسي (الناتو) و حلف وارسو، في حين أن الحربين العالميتين كانتا أكثرهم تدميرًا من الناحية العسكرية، إلا أن الحرب الباردة كانت الأكثر خطورة، حيث حملت الحرب الباردة بذور إبادة الكوكب في المجال النووي.

جاءت المرحلة التاريخية الأخيرة من العولمة عندما تزاوجت الثورة الصناعية مع ثورة المعلومات الجديدة، حيث أصبحت التبعية و التبادل مرتبطين بالحاسوب بشكل كبير، كانت أقوى دولة في هذا الوقت هي الولايات المتحدة، حشدت منظمة السلام الأمريكي (باكس أمريكانا) ثلاثة من محركات العولمة الأربعة: التكنولوجيا و الاقتصاد و الإمبراطورية، لم تسع المنظمة في النصف الثاني من القرن العشرين إلى الترويج لدين معين بطريقة مباشرة، لكنها ساعدت في ترسيخ العلمانية و أيديولوجية فصل الكنيسة عن الدولة، عمومًا ، فإن تأثير (الأمركة) قد يكون ضارًا بالقيم الدينية في جميع أنحاء العالم سواء كانت مستهدفة أم لا، فالشباب الهندوسي و المراهقون البوذيون و الشباب المسلمون المتأثرون بعملية الأمركة أبعد عن الالتزام، و الاعتزاز بعقيدتهم من غير المتأثرين بالثقافة الأمريكية.

بين الهيمنة والتجانس:

التجانس والهيمنة وجهان لعملة واحدة، على الرغم من أن هذه الكلمات قد تبدو صادمة! فإن إحدى عواقب العولمة هي أننا نصبح نسخًا متشابهة أكثر فأكثر في جميع أنحاء العالم كل عقد، فنشر التجانس يزيد التشابه.

السمة الثانية المصاحبة للعولمة هي الهيمنة [فرض السيطرة بالسلطة الثقافية و ليس بالقوة العسكرية] أي التركيز غير المعقول للسلطة في بلد معين أو في حضارة معينة ، ففي حين أن “التجنيس” هو عملية توسيع نطاق التجانس ، فإن “الهيمنة” هي ظهور و انتصار و ترسيخ قيم مركز الهيمنة، صاحَب انتشار العولمة ظهور أوجه تشابه متزايدة بين مجتمعات العالم و بين فئات المجتمع الواحد ، و لكن هذا الاتجاه قد صاحبته قوة عالمية لا يستهان بها بين عدد قليل من البلدان، بحلول القرن الحادي والعشرين ، ارتدى الناس ملابس في جميع أنحاء العالم أكثر مما كانوا يرتدونه في نهاية القرن التاسع عشر (التجانس) ، لكن قانون اللباس الذي أصبح معولمًا و سيطر على الجميع بشكل ساحق هو رمز اللباس الغربي ( الهيمنة )، في الواقع، أصبحت بدلة الرجل (الغربية) عالمية في جميع أنحاء العالم تقريبًا، و قد استحوذت ثورة “الجينز” على ثقافة لباس الشباب في نصف الكرة الأرضية، بحلول القرن الحادي والعشرين، أصبح الجنس البشري أقرب إلى استخدام لغات عالمية مما كان عليه في القرن التاسع عشر، و نعني باللغة العالمية تلك التي يتحدث بها ما لا يقل عن ثلاثمائة مليون، و قد اعتمدتها ما لا يقل عن عشرة دول كلغة رسمية، و انتشرت في قارتين على الأقل كلغة رئيسية، و تستخدم على نطاق واسع في أربع قارات لأغراض خاصة = (التجانس) و مع ذلك، عندما ندرس اللغات التي تم تعميمها [المُعَولَمة] ، نجد بالمصادفة أنها أوروبية، و خاصة الإنجليزية والفرنسية، و الإسبانية على نطاق ضيق، (هيمنة)، تشكل اللغة العربية ضغطًا قويًا كلغة عالمية، و لكن على نطاق جزئي بسبب عولمة الإسلام و دور اللغة العربية كلغة الطقوس الإسلامية.

بحلول القرن الحادي والعشرين، أصبحنا أقرب إلى الاقتصاد العالمي مما كنا عليه من قبل في تاريخ البشرية، فالعطس في هونغ كونغ، وبالتأكيد السعال في طوكيو يمكن أن يرسل موجات صدمة في جميع أنحاء العالم، (التجانس).

ومع ذلك فإن القوى التي تتحكم في هذا الاقتصاد العالمي غربية بشكل غير مقصود، هم مجموعة السبعة: الولايات المتحدة و اليابان و ألمانيا و بريطانيا و فرنسا و كندا و إيطاليا وفق ترتيب القوة الاقتصادية، (هيمنة).

بحلول القرن الحادي والعشرين، أتاحت لنا الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) الوصول الفوري إلى كل من المعلومات وتبادل الاتصالات عبر مسافات شاسعة ( تجانس )، و مع ذلك، لا يزال العصب الرئيسي لنظام الإنترنت العالمي موجودًا في الولايات المتحدة و لا تزال تربطه علاقات مع حكومة الولايات المتحدة الفيدرالية، (هيمنة).

أصبحت النظم التعليمية في القرن الحادي والعشرين متشابهة أكثر فأكثر في جميع أنحاء العالم: مع وحدات منهجية و فصول دراسية متشابهة، و تزايد أوجه التشابه بين الأساتذة، و التشابه في المحتوى الدراسي (تجانس).

لكن النماذج التي لعبت دور هذا التقارب الأكاديمي الدرامي كانت النماذج التعليمية في أوروبا والولايات المتحدة، التي جذبت كل من المحاكي والمقلد (هيمنة).

كما تتقارب الأنظمة الاقتصادية في العالم في القرن الحادي والعشرين، حيث يبدو أن اقتصادات البورصة منتصرة، تنتشر الليبرالية الاقتصادية على نطاق واسع، و يُرحب بها إما تلقائيًا أو تحت الإكراه، حيث فتح أنور السادات أبواب الانفتاح الاقتصادي في مصر، و حتى جمهورية الصين الشعبية تبنت نوعًا من الماركسية السوقية، بينما الهند في خطر التحول من المهاتما غاندي إلى المهاتما كينز (تجانس).

ومع ذلك، فإن الأشخاص الذين يقومون بتنظيم عملية التسويق والتحرر والخصخصة، وفي بعض الأحيان يقومون بالتنفيذ وليس التنظيم فقط، هم أساطنة الاقتصاد الغربيون تدعمهم قوة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي،

في الواقع، فإن أوروبا هي أم كل الأيديولوجيات الحديثة، الجيدة و السيئة: الليبرالية و الرأسمالية و الاشتراكية و الماركسية و الفاشية و النازية و غيرها، لكن كانت الرأسمالية الأوروبية الليبرالية الأكثر تماسكًا وتحقيقًا للانتصارات بحلول نهاية القرن العشرين (تجانس، هيمنة).

الإسلام: متهم أم ضحية؟

في الوقت الحالي، فإن العالم الإسلامي هو الخاسر الوحيد من عمليات فرض التجانس والهيمنة، و مع ذلك، هل سيستفيد الإسلام يومًا ما من التجانس؟ ماذا لو تسللت القيم الإسلامية إلى الساحة العالمية، هل يمكن للناس مشاركة القيم الإسلامية دون مشاركة الدين الإسلامي؟

على سبيل المثال، يجد الكثير من المسلمين الأمريكيين أنفسهم يتشاركون نفس القيم الاجتماعية مع العامة في الولايات المتحدة:

  • تأييد الصلاة في المدرسة.
  • ضد الإجهاض.
  • ضد التسامح الزائد مع المثليين.
  • تأييد القيم العائلية والزواج المستقر.

يمكن للمرء أن يكون في اتفاق مع القيم الإسلامية دون أن يكون مسلما، في الواقع، فإن الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الأولى و لفترة وجيزة كانت على وفاق مع التعاليم الإسلامية ضد الكحول، و سنت التعديل الدستوري الثامن عشر في عام 1919 الذي يحظر الكحول، لكن لم يقتنع الكثير من الأمريكيين، و بعد أكثر من عقد من الزمان (بعد مغامرات آل كابوني) ، صدر التعديل الدستوري الحادي والعشرون في عام 1933 والذي يبيح تناول الكحول ، هل ستحظى القيم الإسلامية في القرن الحادي والعشرين بالاهتمام في الولايات المتحدة مرة أخرى ؟

في حقبة ما من التاريخ عندما كان للعالم الإسلامي تأثير فكري وعلمي كبير على الغرب، هي الحقبة التي دخلت فيها كلمات عربية مثل الجبر والشفرات المعجم العلمي للغرب، من الأشياء الملفتة في القرن العشرين أنه جمع بين التغريب الثقافي للعالم الإسلامي، من جهة، و الأسلمة الديموغرافية الحديثة للعالم الغربي، من جهة أخرى، وُضعت أسس التغريب الثقافي للعالم الإسلامي بشكل مبدئي في النصف الأول من القرن العشرين ، و تم وضع الأسس الديموغرافية لأسلمة الغرب في النصف الثاني من القرن العشرين ، لنأخذ كل مرحلة من هاتين المرحلتين من التفاعل الأوروبي الإسلامي على حدة؛ في النصف الأول من القرن [ العشرين ]، استعمر الغرب أكثر من ثلثي العالم الإسلامي، من كانو إلى كراتشي، و من القاهرة إلى كوالالمبور، و من داكار إلى جاكرتا ، كما شهد النصف الأول من القرن العشرين أيضًا انهيار الإمبراطورية العثمانية الذي مثل نزع الإسلام من الدولة الأوروبية بالكامل ، و كانت النتيجة إلغاء الخلافة كمركز يمثل السلطة الإسلامية ، أصبحت الأمة أكثر تفرقًا من أي وقت مضى و أكثر استعدادًا لقبول الغزو الثقافي الغربي، من بين القوى الأخرى التي سهّلت التغريب الثقافي للعالم الإسلامي استبدال المدارس الإسلامية والقرآنية بمدارس على النظام الغربي، الاستخدام المتزايد للغات الأوروبية في الدول الإسلامية الكبرى، و تأثير الإعلام الغربي في نشر الأخبار و المعلومات و التسلية ، بدءاً من المجلات و السينما و التلفزيون و الفيديو، و انتهاء بعالم الحاسوب الحديث، كان التجانس ينصاع لقوى الهيمنة، و أخيرًا ، كانت هناك التكنولوجيا الغربية الموجودة في كل مكان، والتي لا تحمل معها مهارات جديدة فحسب ، بل تتضمن أيضًا قيمًا جديدة ، و كانت النتيجة المباشرة بالفعل شكلاً من أشكال عولمة جوانب الثقافة ، و مع ذلك ، فقد كان هذا علامة ظاهرة على التمركز الأمريكي و الأوروبي في قلب العولمة ، هناك جانب آخر من الثقافات الغربية تتبناه في النهاية الثقافات الأخرى، و تنكر على أنه شكل من أشكال العولمة، حيث وُلدت إمبراطورية ثقافية لعامة الناس … انتصرت الهيمنة.

إذا تتبعنا عولمة:

التقويم النصراني الغربي، خاصة التقويم الميلادي، و قواعد اللباس العالمية للرجال، التي ذكرناها سابقًا، من خلال ثقافة المركزية الأوربية فيمكننا أن نعرف ما ستصبح عليه في المستقبل، اعتمدت العديد من الدول في إفريقيا و آسيا التقويم النصراني الغربي بالجملة كتقويم رسمي، حيث يحتفلون بيوم الاستقلال وفقًا للتقويم النصراني، ويكتبون تاريخهم وفقًا للسنوات الميلادية، مستخدمين الفروق مثل قبل ميلاد المسيح أو بعده، حتى أن بعض الدول الإسلامية تعترف بأن يوم الأحد هو يوم الراحة الأسبوعية بدلاً من يوم الجمعة، و في بعض الثقافات، تمت إعادة جدولة التاريخ الإسلامي بالكامل وفقًا للتقويم النصراني بدلاً من التقويم الهجري.

منذ النصف الثاني من القرن العشرين، كانت كل من هجرة المسلمين إلى الغرب و التحولات إلى الإسلام داخل الغرب تعزز وجودًا إسلاميًا جديدًا، يوجد الآن عشرين مليون مسلم في كل أنحاء أوروبا، عشرة ملايين منهم في أوروبا الغربية، يستثنى من هذا الرقم مسلمي الجمهورية التركية الذين يبلغ عددهم نحو خمسين مليونًا، وهناك مساجد جديدة من ميونيخ إلى مرسيليا، و من المفارقات أن التغريب الثقافي للعالم الإسلامي هو أحد الأسباب وراء أسلمة الغرب الديموغرافية ، حيث ساهم التغريب الثقافي للمسلمين في “هجرة العقول” التي جذبت المهنيين والخبراء المسلمين من منازلهم في الدول الإسلامية إلى الوظائف و المؤسسات التعليمية في أمريكا الشمالية و الاتحاد الأوروبي ،أطلقت الإمبراطوريات الرسمية القديمة للغرب الغزو الديموغرافي المضاد، حيث تم استقدام أكثر المسلمين المؤهلين في العالم إلى مناصب مهنية في أوروبا أو أمريكا الشمالية ، و بهذا المعنى، فإن التغريب الثقافي للعالم الإسلامي في النصف الأول من القرن العشرين كان جزءًا من الإعداد للأسلمة الديموغرافية للغرب في النصف الثاني من القرن العشرين، لكن ليس جميع المسلمين المهاجرين إلى الغرب مؤهلين تأهيلا عاليا، كما أن تراث الاستعمار الغربي سهّل هجرة المسلمين الأقل تأهيلًا من أماكن مثل بنغلاديش والهند و باكستان و الجزائر إلى بريطانيا و فرنسا ، مرة أخرى يأتي التغيير الديموغرافي بعد الاستعمار.

كانت هناك أيضًا مناسبات شجع فيها الغرب عمداً، في حاجة إلى العمالة الرخيصة، هجرة المسلمين الأقل تأهيلًا، كما في حالة استيراد العمال الأتراك، إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية في الستينات والسبعينات.

و كمظهر آخر من مظاهر الأسلمة الديموغرافية للعالم الغربي، يوجد الآن أكثر من ألف مسجد و مركز قرآني في الولايات المتحدة وحدها، بالإضافة إلى جمعيات مهنية للمهندسين المسلمين وعلماء الاجتماع المسلمين و أخصائيين التربية المسلمين، هناك أكثر من ستة ملايين مسلم أمريكي و هذا العدد في ارتفاع مثير للإعجاب، و يفوق عدد المسلمين الآن اليهود في الولايات المتحدة منذ نهاية القرن العشرين، والإسلام حاليا هو الدين الأسرع نموا في أمريكا الشمالية، في فرنسا، لدى الإسلام ثاني أكبر عدد من الأتباع بعد الكاثوليكية، وفي بريطانيا، يجرب بعض المسلمين برلمانهم الإسلامي، بينما يطالب آخرون بدعم حكومي للمدارس الإسلامية، و أدركت جمهورية ألمانيا الاتحادية أن استيراد العمال الأتراك في سبعينيات القرن الماضي كان دعوة لإقامة الأذان و بناء المساجد في المدن الألمانية، و اكتشفت أستراليا أنها دولة مجاورة للبلاد التي تضم أكبر عدد من السكان المسلمين في العالم (إندونيسيا) كما اكتشفت أيضًا وجودًا إسلاميًا في هيكلها السياسي.

اليهودية والنصرانية والإسلام هي الأديان الإبراهيمية الثلاثة في تاريخ العالم، في القرن العشرين، يوصف العالم الغربي في كثير من الأحيان بأنه حضارة يهودية مسيحية، وبالتالي يرتبط الغرب باثنين من تلك الديانات الإبراهيمية، لكن إذا كان المسلمون يفوقون عدد اليهود في دول مثل الولايات المتحدة، فربما يحل الإسلام محل اليهودية باعتباره ثاني أهم الديانات الإبراهيمية بعد المسيحية، قد يحجب الإسلام في الوقت المناسب اليهودية من ناحية العدد في معظم أنحاء الغرب، بغض النظر عن سياسات الهجرة المستقبلية.

لقد أثير سؤال حول كيفية التعامل مع الإسلام في الفصول الغربية والكتب المدرسية ووسائل الإعلام لأن الإسلام أصبح جزءًا لا يتجزأ من المجتمع الغربي، وفي العالم الإسلامي، أصبح التعليم غربياً إلى حد كبير، هل جاء دور التعليم في الغرب ليصبح إسلاميًا بشكل ما؟ قصة التداخل بين الأوروبي والإسلامي لا تزال تتكشف، هل هذه عتبة جديدة للعولمة؟ أم أنها مجرد مظهر آخر لحالة ما بعد الاستعمار في تاريخ العالم؟ في الواقع، قد يكون كلاهما.

إن التغلغل المضاد للإسلام والمسلمين في الحضارة الغربية لن ينهي بحد ذاته الهيمنة الغربية، لكن الوجود الإسلامي في العالم الغربي على نطاق واسع قد يبدأ في عكس اتجاه التجانس الثقافي على المدى الطويل، ستبدأ القيم في الاختلاط وتتنافس الأذواق وتداخل وجهات النظر وستتطور تطور اعتبارات أخلاقية جديدة على الساحة العالمية.

النسبية التجريبية والأداء الأخلاقي:

دعونا الآن نعود إلى الأشكال الثلاثة للنسبية التي بدأنا بها: التاريخية والثقافية والتجريبية.

لم تخل الهيمنة والتجانس، كما هو الحال في الثقافة الغربية، من التناقضات والعيوب الخطيرة، إن مناداتها بالعالمية كانت ضد نسبية التاريخ (العامل الزمني)، والثقافة (متجاوزة للثقافات الأخرى) والتطبيق (منطق التناسق)، دعونا نبدأ بهذا المجال الثالث من النسبية: الاختبارات التجريبية والتطبيق.

النسبية التجريبية لها جانبان، يتعلق أحدهما بما إذا كانت الحضارة الغربية في الواقع ترقى إلى مستوى المعايير الخاصة بها، ويتعلق الجانب الآخر بالحالات التي يتم فيها تطبيق المعايير الأخلاقية الغربية من قبل الحضارات الأخرى بشكل أفضل من الغرب نفسه.

عندما يعلن تصريح جيفرسون بالاستقلال الشهير أن ” جميع الناس خلقوا متساوين ” ومن ثم يقوم المؤسسون الأوائل ببناء اقتصاد في أمريكا قائم على العبودية، فهذه هي حالة الثقافة الغربية التي تفشل طبقًا لمعاييرها الخاصة.

من ناحية أخرى، إذا درسنا خلال الفترة التاريخية نفسها، الاقتصادات الخالية من العبودية أو الطائفية بين طوائف الكيكويو في شرق إفريقيا أو تيف في غرب إفريقيا، فإننا نرى مجتمعات كانت أكثر تحقيقًا للمساواة من الغرب الليبرالي.

لطالما نرى انتهاك الغربيين للأخلاقيات النصرانية الغربية المتمثلة في تقليل العنف أكثر مما نرى احترامهم لها، ففي المائة عام الماضية، قتل النصرانيون عددًا أكبر بكثير من أتباع أي دين آخر في أي قرن، كان العديد من الملايين من ضحايا العنف النصراني في الحربين العالميتين هم أنفسهم من إخوانهم النصارى ، على الرغم من أن الهولوكوست ضد اليهود والغجر يعد حالة خاصة من الإبادة الجماعية التي ارتكبها الغربيون في دول نصرانية أخرى، إذا كان التقليل من العنف جزءًا من الأخلاق النصرانية ، فهو مبدأ لم ينتهكه الغرب فحسب، بل احترمت الثقافات الأخرى هذا المبدأ بشكل أفضل من الغرب عبر التاريخ، في النصف الأول من القرن العشرين، قدمت الهند الماهتما غاندي الذي قاد واحدة من أبرز الحركات السلمية المناهضة للاستعمار التي شهدتها البشرية على الإطلاق، رأى الغربيون أنفسهم أن رسالة غاندي هي أقرب تمثيل للأخلاقيات المسيحية في النصف الأول من القرن العشرين، ولدت أفكار المهاتما غاندي في الهند مبادئ جديدة للمقاومة السلمية المعروفة بساتياغراها، و مع ذلك، قال غاندي نفسه: أنه من الممكن أن يطلق الشعب الأسود رسالة نقية من قوة الروح والمقاومة السلبية، إذا كان غاندي محقًا، فسيكون هذا مثالاً آخر عندما تكون الثقافة التي تقدم أخلاقًا ليست بالضرورة هي الثقافة التي تطبق هذه الأخلاق.

يبدو أن لجنة نوبل للسلام في أوسلو تشاركت بعضًا من تفاؤل غاندي بشأن قوة الروح لدى السود، فالأفارقة والسكان من أصل أفريقي الذين فازوا بجائزة نوبل للسلام منذ منتصف القرن العشرين هم رالف بانش (1950)، وألبرت لوثولي (1960)، ومارتن لوثر كينغ جونيور (1964)، وأنور سادات (1978)، ديزموند توتو (1984) ونيلسون مانديلا (1993).

لم يفز المهاتما غاندي نفسه أو أيٌ من مواطنيه في الهند بجائزة نوبل للسلام، هل برهن المهاتما غاندي أن ما يسمى “الزنجي” سيكون أفضل مثال على قوة ونقاء الروح؟ هل هذه حالة للثقافة الأفريقية تكون فيها أكثر تطبيقًا لمبادئ غاندي من الثقافة الهندية؟

في الواقع، فإن السود على الأقل ارتكبوا أعمال عنف مثلما ارتكب الهنود، لكن ما يميز الأفارقة هو نسيانهم السريع للكراهية.

سُجن جومو كينياتا ظلمًا من قبل السلطات الاستعمارية البريطانية بتهمة تأسيس حركة ماو ماو، كما وصفه المندوب البريطاني بأنه ” قائد يدعو إلى الظلام و الموت “، و مع ذلك، عندما أطلاق سراح جومو كينياتا، لم يسامح المستوطنين البيض فحسب، بل حول البلاد بأكملها نحو التوجه الرئيسي المؤيد للغرب الذي ظل ملتزماً به منذ ذلك الحين، قام كينياتا حتى بنشر كتاب بعنوان المعاناة دون ألم، أعلن إيان سميث، زعيم المستوطنين البيض في روديسيا ، الاستقلال من جانب واحد في عام 1965 و مطلقًا العنان لحرب أهلية في روديسيا، مات الآلاف من الناس، معظمهم من السود، نتيجة للسياسات التي اتبعها إيان سميث، و لكن عندما انتهت الحرب في عام 1980، لم يخضع إيان سميث و زملاؤه لمحاكمة على غرار نورمبرج ، على العكس من ذلك، كان إيان سميث هو نفسه عضوًا في البرلمان في زيمبابوي التي يحكمها السود، مشغولًا بانتقاد قادة زيمبابوي بلاك الذين تلوا سميث باعتبارهم غير أكفاء وغير أمينين، في أي مكان آخر عدا أفريقيا يمكن أن يحدث هذا التسامح؟

كانت الحرب الأهلية النيجيرية (1967-1970) أكثر النزاعات الأهلية انتشارًا في تاريخ إفريقيا ما بعد الاستعمار، عندما كانت الحرب تقترب من نهايتها، خشي الكثير من الناس أن يكون هناك حمام دم في المنطقة الشرقية المهزومة، كان بابا الفاتيكان قلقًا من أن مدنًا مثل إينوجو و أونيتشا، التي هي معاقل الكاثوليكية ، ستكون بمثابة منابع الدمار و سفك الدماء.

لم يحدث أي من هذه التوقعات، اكتشف النيجيريون ، الذين نادراً ما يكونون من الأفارقة المنضبطين ، في عام 1970 بعض المصادر الرائعة لضبط النفس، لم تكن هناك أعمال انتقامية ضد قبائل المهزومين ، لم تكن هناك محاولات انتقامية من “الخونة”.

لقد شهدنا أيضا ظاهرة نيلسون مانديلا، لقد قضى سبعة وعشرين من أفضل سنوات حياته في السجن بموجب قوانين نظام الفصل العنصري، و مع ذلك، عندما تم إطلاق سراحه، لم يؤكد على سياسة المصالحة فحسب، بل ذهب أبعد من نداء الواجب، ففي إحدى المناسبات قبل أن يصبح الرئيس، كان البيض يضربون عن الطعام حتى الموت بعد إدانتهم بجرائم إرهابية من قبل حكومتهم البيضاء، سعى نيلسون مانديلا للتوسل إليهم لتناول الطعام و من ثم إنقاذ حياتهم.

عندما أصبح مانديلا رئيسًا في عام 1994، كان من المؤكد أن حكومته لن تؤذي زعماء الفصل العنصري، بعد ذلك سعى نيلسون مانديلا لإجراء مقابلة ودودة وتناول الشاي مع أرملة هندريك ف. فرويد التي لم تبدي ممانعة، فرويد هو المخطط و الزعيم الأعلى لأسوأ أشكال الفصل العنصري، الذي وضع النظام العنصري بأكمله من 1958 إلى 1966، قابل مانديلا عائلة فرويد بعد تناول الشاي.

هل كان المهاتما غاندي محقًا، بعد كل شيء، في أن شعلة الروح أو (ستايجراها) قد تجد مكانها بين السود؟ … النسبية التجريبية تمارس عملها مرة أخرى.

في تاريخ الحضارات، هناك حالات تكون فيها الصورة في المرآة أكثر واقعية مما في الحقيقة، كان أتباع غاندي السود مثل مارتن لوثر كينغ وديزموند توتو يعكسون في بعض الأحيان قوة الروح التي دعا إليها غاندي بشكل أكثر سطوعًا وصدقًا من أمثالهم في الهند، يكمن جزء من تفسير هذه الظاهرة في روح الثقافة الأفريقية نفسها بكامل قدرتها على التسامح السريع.

إنه تعديل إيجابي لـ “صورة دوريان جراي” في رواية أوسكار وايلد، فإن صورة دوريان جراي هي انعكاس حقيقي لجسم الرجل المتهالك وروحه المفقودة أكثر من الرجل نفسه، تتحلل جسد و روح دوريان من دوريان نفسه إلى صورته، فتصبح الصورة أكثر واقعية من الحقيقة.

في حالة مذهب غاندي، ليس سمو الروح هو ارتفاعها الذي ينتقل من الهند إلى تجربة السود، في المائة عام الماضية، كانت كل من الثقافة الهندية والثقافة الأفريقية، على أي حال، متورطتين في إراقة دماء أقل بكثير من الغرب، التقليل من العنف باسم النصرانية قد لوحظ من قبل غير النصرانيين أكثر من أتباع الصليب أنفسهم.
النسبية التجريبية تواصل تناقضاتها

لكن المطالب الغربية بالعالمية لا تتحدى قوى التناقضات التجريبية فقط، إنهم كما أشرنا، يواجهون تحديًا بسبب نسبية التاريخ ونسبية الثقافة، دعونا الآن نتحدث عن هذين المجالين من التاريخ والثقافة.

بين النسبية الثقافية والتاريخية:

إذا كانت الثقافات تختلف في ظل النسبية الثقافية عبر المساحات (من مجتمع إلى مجتمع)، فإن الثقافات في النسبية التاريخية تختلف عبر الزمن أي من حقبة أو عصر إلى عصر.

رُفضت ممارسة الجنس قبل الزواج بشدة في المجتمع الغربي حتى بعد الحرب العالمية الثانية، وفي القرن التاسع عشر كان يعاقب عليها، بينما الآن يمارس الجنس قبل الزواج على نطاق واسع بموافقة الوالدين، هذه هي النسبية التاريخية.

هل القوانين ضد المثليين من الجنسين انتهاك لحقوق الإنسان؟ نصف العالم الغربي اليوم يقول ” نعم “، لكن الشذوذ الجنسي بين الذكور كان جريمة في بريطانيا العظمى حتى الستينيات من القرن الماضي، على الرغم من أن السحاق لم يكن محظوراً، الآن الشذوذ الجنسي بين البالغين من الذكور والإناث مسموح به في معظم العالم الغربي، هذه هي النسبية التاريخية، من ناحية أخرى، فإن الشذوذ الجنسي في معظم أنحاء العالم لا يزال غير قانوني بدرجات متفاوتة.

نحن نواجه صدامًا بين النسبية التاريخية في الغرب والنسبية الجغرافية الثقافية في العالم الثالث، في إفريقيا، هناك طرفان في الموقف من الشذوذ الجنسي، وهما الدولتان المتجاورتان: زيمبابوي و جنوب إفريقيا، فرئيس زيمبابوي موغابي هو مقاتل شرس ضد الشذوذ الجنسي، بينما جنوب أفريقيا شرَّعت ذلك السلوك.

أُلغيت عقوبة الإعدام في كل مكان تقريبًا في العالم الغربي، عدد جُنح الإعدام في الوقت الحالي في ارتفاع مستمر في الولايات المتحدة، لكن من شبه المؤكد أن عقوبة الإعدام حتى في الولايات المتحدة ستُعتبر يومًا ما انتهاكًا لحقوق الإنسان، وسيكون ذلك علامة على النسبية التاريخية داخل الحضارة الغربية نفسها، حاولت جنوب إفريقيا أن تبدأ في إلغاء عقوبة الإعدام هل آتت ثمرتها المرجوة؟

في بعض الأحيان تتقارب النسبية الثقافية والنسبية التاريخية، هذا صحيح بشكل خاص عندما تريد الدول الإسلامية والإفريقية إحياء الأنظمة القانونية التي تعود إلى قرون ماضية، تحاول هذه الدول إعادة تفعيل الماضي في الظروف الحديثة، فالسودان وإيران والمملكة العربية السعودية هي من بين الأمثلة التي تتلاقى فيها النسبية الثقافية والتاريخية.

هل يمكنك الاتفاق على تعدد الزوجات مع الطرف الآخر؟ في الولايات المتحدة، يُقصد بمصطلح ” خيار الإجهاض” مسألة ما إذا كانت المرأة تريد طفلاً أم لا، في العالم الإسلامي وفي إفريقيا، قد يشمل حق المرأة في الاختيار اختيار الزواج من رجل لديه بالفعل زوجة أخرى،” أُفضل مشاركة هذا الرجل مع غيري بدلاً من أن أحصل عليه وحدي إلى الأبد ” حيث حصلت واحدة على الأقل من زوجات (مشهود أبو العلا) في نيجيريا على درجة الدكتوراه الغربية، وهو دليل على الاتفاق على تعدد الزوجات بين الطرفين.

في الغرب، قد تختار المرأة أن تصبح عشيقة لرجل متزوج، لكن لا يُسمح لها بالزواج من نفس الرجل وتتمتع بحقوق متساوية كزوجة ثانية، هذه هي النسبية الثقافية في الأعراف الجنسية.

هل تُحاصر حقوق الإنسان أحيانًا بين قداسة الفن وقداسة وحرمة الدين؟ بما أن الغرب أصبح أكثر علمانية، فقد بحث عن حدود جديدة للقدسية.

بحلول أواخر القرن العشرين كانت حرية الفنان أكثر قداسة للغربيين من احترامهم للدين، و من هنا جاء الصدام الذي حدث منذ عام 1988 فصاعدًا بين العالم الغربي، و العالم الإسلامي فيما يتعلق بكتاب سلمان رشدي ” آيات شيطانية “، يسخر الكتاب من القرآن ، كتاب المسلمين المقدس، مشيرًا إلى أنه ربما كانت الآيات مزيفة أو مستوحاة من الشيطان، تشير الرواية بقوة إلى أن بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم كانت مجرد عملية احتيال و ليس فيها نوع من الحنكة و الذكاء، يصور الكتاب نساء يحملن أسماء زوجات النبي محمد ( صلى الله عليه و سلم ) في بيت عاهرة، عاهرات يطلق عليهن حفصة و عائشة و خديجة و الأسماء التاريخية لزوجات النبي، كان من المفترض أن تكون أسماء زوجات النبي وسيلة لإثارة الشهوة الجنسية، أصدرت إيران فتوى أو حكمًا قانونيًا يتهم رشدي بارتكاب جريمة دينية كبرى و حكم عليه بالإعدام غيابياً.

كانت إيران هي الدولة الوحيدة من بين خمسين دولة إسلامية تصدر عقوبة الإعدام على رشدي، ولكن كانت هناك مظاهرات إسلامية شعبية ضد رشدي من كادونا إلى كراتشي.

كان على رشدي قضاء معظم حياته منذ ذلك الحين في مخبأ ويتصرف بحذر، والأخبار السيئة هي أن عددًا من شركات الطيران رفضت في بعض الأحيان أن يسافر على متنها لأنه يمثل مخاطرة أمنية. الأخبار الجيدة، من ناحية أخرى، هو أنه أغنى عشرات المرات مما قد يربحه من الكتاب والمنتجات المشابهة، فهو أكثر ثراءً ولكنه أقل شعورًا بالأمان.

يرى الغربيون أن الروائي رشدي كان له الحق في كتابة أي شيء يريده، ويرى المسلمون من لامو إلى لاهور بأنه ليس من حقه أن يدافع عن الفحش و يسخر من بعض الأشياء الأكثر قداسة في الإسلام، قد تتضارب قداسة حرية الفنان مع قدسية الدين في الآراء حول رواية سلمان رشدي، يتجاوز ادعاء الغرب عالمية القيم الغربية في بعض الأحيان إلى مطالبة الحضانة الغربية بالدفاع عن تلك القيم، فحتى لو كانت القيم الغربية عالمية، فهل الممارسة الغربية هي تنفيذ لتلك القيم؟

واحدة من أبرز المصادفات في عام 2000 تبين كيفية تصادم الديمقراطية بين شخصين كلاهما اسمه حيدر، أحدهما سوري والآخر نمساوي، أحدهما ليبرالي والآخر يميني متطرف، أحدهما كاتب والآخر ناشط وسياسي.

كان الدكتور جورج حيدر نائبًا لحاكم ولاية كارينثيا في النمسا و رئيس حزب FPO النازي الجديد، الذي انضم إلى الائتلاف الحكومي في عام 2000، وكان التحالف يجمع القوى الديمقراطية الانتخابية في النمسا، و مع ذلك، انقلب زملاؤه المؤيدون للديمقراطية في الاتحاد الأوروبي ضد حكومة النمسا، و حاولوا إخراج حزب حيدر من الائتلاف الحاكم المنتخب ديمقراطياً، هل كانت الديمقراطية تحارب الديمقراطية في الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بقضية النمسا ؟ بالتأكيد، حيث قرر معظم أعضاء الاتحاد الأوروبي أن هناك حدود لحرية المشاركة السياسية.

أما حيدر الآخر فهو حيدر، السوري ، الذي نشر في قبرص في عام 1983 رواية بعنوان ” وليمة لأعشاب البحر” أعادت لبنان نشر الرواية عام 1992 دون حدوث أي ردة فعل ، و في نوفمبر 1999 قامت وزارة الثقافة المصرية بنشر المجلد بين الأعمال الرئيسية في الأدب العربي الحديث ، كانت ردة الفعل متأخرة حتى نشرت صحيفة الشعب المؤيدة للإسلاميين مقتطفات مهينة في ظاهرها للنبي محمد و الإسلام.

هل كان حيدر السوري يهدد أساسيات حضارته العربية بقدر تهديد جورج حيدر لحضارته الأوروبية؟ عندما يهدد الأفراد نسيج الحضارة، هل يجب أن تتنحى الديمقراطية جانبًا؟ إذا كانت الحضارة العربية والإسلامية مهددة من قبل حيدر السوري، فهل تخضع الديمقراطية لقيم أعلى؟ إذا تعرضت الحضارة الغربية للتهديد من قبل حيدر النمساوي، فهل تخضع الديمقراطية النمساوية للحضارة الأوروبية؟

في الواقع، فرض كلٌ من الإسلام والغرب قيودًا على حرية التعبير وعلى النتائج الديمقراطية، حيث قرر الاتحاد الأوروبي أن قيم الحضارة الغربية أهم من نتائج الديمقراطية النمساوية، هل يجب الحكم على رواية (وليمة لأعشاب البحر) بمعايير الحضارة الإسلامية أم بمعايير الديمقراطية؟ … المسألة معقدة وليس من السهل حلها.

النسبية التجريبية و الرقابة المقارنة:

المجال الثالث من النسبية هو التجريبية، ما الحقيقية الواقعية لممارسات الثقافات؟ لقد دخلت مناقشتنا بالفعل في ساحة الحريات المدنية الغربية، بأي معنى تعد المسافة الثقافية بين الغرب وأفريقيا والإسلام أضيق مما يفترض في كثير من الأحيان؟ أحد التفسيرات الواضحة تتعلق بمسألة الرقابة وتطبيق القيم، نحن هنا نتعامل مرة أخرى مع النسبية التجريبية.

قد تُفرض الرقابة على الكتاب بسبب سوء محتواه الأخلاقي، حيث حظرت معظم الدول الإسلامية وبعض الدول الإفريقية رواية سلمان رشدي ” آيات شيطانية “؛ لأنها كفرية ومشينة أخلاقياً.

بدلاً من ذلك ، قد يتم فرض الرقابة على كتاب أو حظره بسبب “العداء السياسي/ المذهبي” مع مؤلفه ، نشرت مطبعة سانت مارتن في عام 1996 كتابًا بعنوان جوبلز: العقل المدبر للرايخ الثالث، قامت قوى دولية بضغوط هائلة على مطبعة سانت مارتن لسحب الكتاب، جاءت معظم الضغوط من أشخاص لا يمكن أن يكونوا قرؤوا مخطوطة هذا الكتاب بالذات، كان الاختلاف الأخلاقي مع مؤلف الكتاب، ديفيد إيرفينغ ، الذي كان يُنظر إليه على أنه مؤرخ معادٍ للسامية في الهولوكوست = هو الدافع وراء ذلك الضغط ، في حالة كتاب جوبلز ربما كان مذهب المؤلف (ديفيد إيرفينغ) و ليس المحتوى ( العقل المدبر للرايخ الثالث ) هو ما جعل مطبعة سانت مارتن تغير رأيها أخيرًا و سحبت الكتاب، منذ ذلك الحين، أُدين ديفيد إيرفينغ في بريطانيا باعتباره معاديًا للسامية و منكرًا للهولوكوست.

لكن يمكن أيضًا فرض الرقابة على كتاب أو حظره خوفًا من عواقبه أي ما يعادل “الخطر الواضح القريب ” ، عندما قدمت الهند هذا النوع من التفسير لحظر آيات رشدي الشيطانية و هو أن الكتاب سوف يشعل المشاعر الدينية ، كان الغرب أقل تعاطفا، من المؤكد أن ناشري كتاب رشدي لم يولوا أي اهتمام للتحذيرات السابقة من الهند قبل النشر بأنه كتاب مثير للفتن ، أدى نشر الكتاب حتى في لندن البعيدة إلى خسائر في الأرواح و إلى الاضطرابات المدنية في بومباي و كراتشي عام 1989.

في المقابل، من المعروف أن الناشرين الغربيين البارزين يهتمون بسلامة موظفيهم و يجعلون هذا سببًا لرفض الكتاب، و من الأمثلة البارزة على ذلك رفض جامعة كامبريدج نشر كتاب “حقول القمح و أنهار الدم ” من إعداد أنستازيا كاراكاسيدو ، كان الكتاب حول الأصول و الاختلافات العرقية في مقاطعة مقدونيا اليونانية، كان رفض كامبريدج مرتبطًا بشكل مباشر و بصراحة بخوفها على سلامة موظفيها في اليونان.

إذا اهتم Viking Penguin Inc، ناشرو كتاب آيات شيطانية، بحياة المدنيين في جنوب آسيا مثلما اهتمت دار نشر جامعة كامبردج بموظفيها في اليونان، لكانت تكلفة دماء كتاب آيات شيطانية قد انخفضت، القضية هنا لا تزال عن النسبية التجريبية.

هل الممارسة الغربية تلبي المعايير الغربية؟

دعونا الآن ننتقل عن كثب إلى الطرق المقارنة للرقابة كجانب من جوانب النسبية التجريبية.

غالبًا ما تكون الرقابة في الدول الإسلامية قاسية، و تقوم بها الحكومات أو الملالي [ فقهاء الطوائف] و الأئمة، و مؤخرًا الحركات الإسلامية المتشددة الرقابة في الغرب، من ناحية أخرى، هي أكثر نظامًا و لامركزية، يتم ذلك من قبل أصحاب إعلانات التلفزيون التجاري، و المشتركين في نظام البث العام، و مجموعات الضغط العرقي و مجموعات المصالح، و المحررين، و الناشرين، وغيرهم من مراقبي وسائل الاتصال، يتم ذلك في بعض الأحيان في أوروبا من قبل الحكومات.

يحمي القانون في الولايات المتحدة الرأي بشكل أفضل من أي مكان آخر في العالم تقريبًا، في عام 1986، تعرض مسلسل تلفزيوني بعنوان ( الأفارقة : الإرث الثلاثي ) (The Africanans: A Triple Heritage) للتهديد من قبل شركة Kaiser Aluminium بسبب الإجراءات القانونية التي وصفتها الشركة لبناء سدAkosombo في غانا بأنها استغلالية، كان كلًا من المحامي الشخصي و محامي نظام البث العام (PBS) بالإجماع في رأيهم أن شركة الألومنيوم لم تحظ بفرصة أمام القانون الأمريكي، لقد كشفنا خدع كايسر، و أظهرنا النتائج المخالفة، و لم تفعل الشركة شيئًا.

لا يأتي تهديد حرية التعبير في الولايات المتحدة من القانون و الدستور و لكن من قِبل القوى الغير حكومية، استسلم نفس برنامج تلفزيوني (PBS) الذي كان معرضاً للخطر أمام القانون المتعلق بحرية التعبير لقوى أخرى عندما وصفت كارل ماركس مجازًا بأنه ” آخر الأنبياء اليهود العظماء ” ، تضمنت النسخة البريطانية السابقة من المسلسلات التلفزيونية هذه العبارة ، حذفت النسخة الأمريكية هذه العبارة خوفًا من الإساءة إلى اليهود الأمريكيين ، مع أنه لم يطلب منها أن تحذف ، و من المفارقات أن العديد من المشاهدين في إسرائيل شاهدوا النسخة البريطانية كاملة مع الاستعارة المثيرة للجدل،

ما فعلته PBS كان حالة من الرقابة اللامركزية، لقد منحتني قوانين الولايات المتحدة حرية التعبير وحرية الرأي، لكن الرقابة في البلاد يقوم بها محرّرون ومندوبون ماليون وجماعات ضغط مؤثرة، إنه نوع خاص من النسبية التجريبية.

استشارتني محطة إنتاج PBS في قضية من قضايا الرقابة ، كانت WETA ، محطة PBS في واشنطن العاصمة ، غير سعيدة لأنني لم أضع ما يكفي من السلبية في تصويري لمعمر القذافي الليبي في تسجيل مدته ثلاث دقائق تقريبًا ، سُئلت أولاً عما إذا كنت أوافق على تغيير تعليقي و التحدث أكثر عن “الإرهاب” ، عندما رفضت تغيير تعليقي ، اقترحت WETA أننا سنغير الصور بدلاً من ذلك ، فحذفوا تصريح واحد بدا أنه يضفي الطابع الإنساني على القذافي و هو ( الزعيم الليبي يزور مستشفى ) و وضعوا صورة لمطار روما بعد هجوم إرهابي (و الذي سيؤدي إلى إعادة شيطنة الزعيم الليبي ) ،

بعد الكثير من النقاش، تمكنت من إنقاذ مشهد المستشفى الإنساني الإيجابي، لكنني استسلمت لإضافة مشهد سلبي لمطار روما بعد هجوم إرهابي، كان اتفاقي بشرط ألا أكون أنا أو التعليق التوضيحي المكتوب يعني ضمنا أن ليبيا هي المسؤولة عن القنبلة، لكن من الأفضل أن تحذف الوكالة المسلسل المسجل حول ليبيا تمامًا.

بعد عامين دعيت إلى ليبيا بعد عرض النسخة العربية من المسلسل التلفزيوني هناك، اتضح لي أن WETA كانت مشتركة مع الرقابة في ليبيا أكثر مما توقعت، على الرغم من أن الليبيين بدوا سعداء بمسلسلاتي التليفزيونية ككل، فقد تم حذف الجزء الذي استمر ثلاث دقائق حول معمر القذافي من الإصدار المعروض في طرابلس، إذا كانت WETA قد اعتبرت هذا الجزء من المسلسل متعاطفًا مع القذافي.

فربما قرر الليبيون أنهم لم يكونوا متعاطفين مع ذلك بدرجة كافية، و بما أن الليبيين لم يكونوا في وضع يسمح لهم بالتفاوض معي بشأن ما إذا كان يجب تغيير التعليق أو الإضافة إلى الصور، فقد قرروا حذف الجزء تمامًا.

في الولايات المتحدة، أزعج المسلسل المسجل حول القذافي لين تشيني، التي كانت في ذلك الوقت رئيسة الأوقاف الوطنية للعلوم الإنسانية، كان المسلسل سببًا رئيسيًا وراء مطالبتها بإزالة اسم الهيئة من الرعاة في نهاية المسلسل، بعد ذلك بكثير، بعد تنحيها كرئيسة، طالبت بإلغاء هيئة الأوقاف الوطنية للعلوم الإنسانية تمامًا، و ذكرت من أسبابها بالتحديد سلسلة تلفزيونية خاصة بي و هي (الأفارقة: تراث ثلاثي) واعتربته كمثال لنوع المشاريع الليبرالية غير المقبولة التي كانت مؤسسة الأوقاف تميل لتبنيها.

من الأمثلة الأخرى للرقابة اللامركزية و النسبية التجريبية التي أثرت على عملي الخاص كتابي (القوى الثقافية في السياسة العالمية)، في الأصل كان من المقرر أن تنشره Westview Press في كولورادو، كانوا على وشك الذهاب إلى المطبعة عندما أعلنوا أنهم يريدون حذف ثلاثة فصول، فصلٌ منهم يناقش حالة كتاب الآيات الشيطانية كصورة من صور الخيانة الثقافية، و يقارن فصل آخر الانتفاضة الفلسطينية مع تمرد الطلاب الصينيين في ميدان تينيمان في بكين عام 1989.

أما الفصل الثالث و هو سبب الاعتراض ، فقارن بين مذهب الفصل العنصري الذي يطالب بأوطان منفصلة للسود والبيض في جنوب إفريقيا و بين العقيدة الصهيونية حول إقامة دول منفصلة لليهود و العرب.

من الواضح أن مطبعة Westview Press أرادت فرض الرقابة على هذه الفصول الثلاثة؛ لأنها كانت الأكثر حساسية من الناحية السياسية بالنسبة للنسخة الأمريكية، و اشتبهت في أنني سأواجه مشكلات مماثلة مع معظم الناشرين الأمريكيين الآخرين فيما يتعلق بهذه الفصول الثلاثة، لذلك اعتمدت بشكل أكبر على ناشرين بريطانيين في لندن، James Currey، وعلى الفرع الأمريكي لناشر بريطاني آخر هو Heinemann Educational Books، تم نشر كتابي بواسطة هذين في عام 1990.

هذا هو الجانب الإيجابي للرقابة اللامركزية في الغرب، على الأقل فيما يتعلق بالكتب، فإن ما يتعرض لتهديد الحظر من قِبل ناشر قد يكون مقبولًا من قِبل ناشر آخر، أو ما هو غير قابل للنشر تقريبًا في الولايات المتحدة، يمكن نشره بسهولة في بريطانيا أو هولندا.

مع انتشار التلفزيون الوطني أصبحت الخيارات مقيدة أكثر فأكثر حتى في الغرب، حيث أُدينت العديد من وجهات النظر بأنها صامتة عما يحدث أمام شاشة التلفاز.

لا يطبق الغرب معاييره الديمقراطية، ما النتيجة التي نستخلصها من كل هذا؟ النقطة الأساسية التي يتم طرحها هي أن الاختلاف الثقافي بين الثقافة الغربية و الثقافة الإسلامية قد لا يكون واسعًا كما يفترض كثيرًا في مسألة حرية التعبير، ففي كلتا الحضارتين هناك عدد قليل فقط من وجهات النظر مسموح لها بالظهور في وسائل الإعلام و عالم النشر، في كلتا الحضارتين هناك تهديد بالإقصاء من مركز القوة.

ولكن هناك فرق كبير واحد، حيث تميل الرقابة في المجتمعات الإسلامية إلى أن تكون أكثر مركزية، غالبًا ما تقوم بها الدولة، رغم وجود قيود على حرية التعبير التي يفرضها الملالي والأئمة والحركات الدينية المتشددة.
في الولايات المتحدة، من ناحية أخرى، لا توجد رقابة سياسية مركزية من قبل المؤسسات الحكومية أو القضائية، الرقابة أكثر لامركزية بكثير وتمارسها قوى ومؤسسات اجتماعية غير حكومية.

نسبية التاريخ:

دعونا الآن نعود إلى مسألة النسبية التاريخية بين الغرب والعالم الإسلامي.

تميل الصور الشعبية للقيم الإسلامية في الغرب إلى اعتبار تلك القيم “من القرون الوسطى” وأنها راديكالية إلى حد يائس، في الواقع، تمر معظم المجتمعات الإسلامية بأسوأ العقود من التخلف عن الغرب، عقود وليست قرون، ولكن هناك في بعض نواحي الثقافة الإسلامية ما هو أكثر إنسانية من الثقافة الغربية.

لا تزال مسألة النوع و الجنس في الدول الإسلامية مقلقة إلى حد ما، و لكن مرة أخرى، قد يكون ما يفصل الغرب تاريخيًا عن الإسلام عقود و ليس قرون، ففي جميع الدول الغربية تقريباً، باستثناء نيوزيلندا، لم تحصل النساء على حق التصويت حتى القرن العشرين، و شرعت بريطانيا العظمى حق التصويت للنساء على مرحلتين 1918 و 1928، و منحت الولايات المتحدة حق التصويت للنساء بتعديل دستوري في عام 1920.

و لم تمنح سويسرا النساء حق التصويت على المستوى الوطني حتى عام 1971، و ذلك بعد فترة طويلة من تصويت النساء المسلمات في تونس و المغرب و الجزائر و إندونيسيا.

حصلت الزوجات البريطانيات على الحق في تكوين ملكية مستقلة في عام 1870، بينما الزوجات المسلمات يقمن بذلك دائمًا، في الواقع، ربما يكون الإسلام هو الديانة الرئيسية الوحيدة التي أسسها رجل أعمال كان في شراكة تجارية مع زوجته خديجة، ما نتعامل معه هنا هو التطبيق العملي للقيم.

حتى لو كانت القيم الغربية عالمية، فهل الممارسة الغربية متوافقة مع قيمها؟ هل الغرب هو أفضل تجسيد لقيمه؟

النسبية التجريبية تكشف التناقضات الغربية الصارخة.

لم يكن للولايات المتحدة، و هي الدولة الغربية الأكبر والأكثر نفوذاً، رئيسة أو رئيس حكومة، لم يكن لفرنسا أي رئيسة ، أو لم يكن لألمانيا مستشارة، من ناحية أخرى ، كان لكل من المجتمعين الإسلامي الثاني و الثالث ( باكستان و بنغلاديش ) رئيسات وزراء أكثر من مرة لكل منهما ، حيث حصلت بنازير بوتو مرتين على رئاسة الوزراء في باكستان، و في بنغلاديش تعاقبت خالدة ضياء و حسينة الرحمن في كرسي السلطة، و يوجد في إندونيسيا نائبة رئيسة هي ميجاواتي سوكارنوبوتري.

كما أن تركيا، وهي بلد مسلم آخر ، لديها رئيسة للوزراء، تانسو تشيلر، تركيا مجتمع مسلم بدأ بناء دولة علمانية مؤخرًا منذ عشرينيات القرن العشرين، لكنه أنتج بالفعل رئيسة تنفيذية، لقد كانت الولايات المتحدة دولة علمانية منذ مائتي عام، و لم تنتج رئيسة بعد.

الخاتمة

في هذه المحاضرة، بدأنا من فرضية أن “تكتسب خطايا الأقوياء شيئًا من امتياز السلطة”. لقد أصبح الغرب قوياً على مدى القرون الخمسة والستة الماضية، أصبحت الثقافة والحضارة الغربية مؤثرة، واجتذبت التقليد والمضاهاة على نطاق واس، أدت الهيمنة الغربية إلى تجانس واسع للقيم والأساليب والمؤسسات، أصبح معظم العالم غربيًا.

كان تغريب العالم جزءًا لا يتجزأ من الظاهرة التي أصبحنا نشير إليها باسم ” العولمة “، يشير المعنى الاقتصادي لـ “العولمة” إلى توسيع الترابط الاقتصادي العالمي الخاضع للسيطرة الغربية.

ويشير المعنى المعلوماتي لـ “العولمة” إلى انتصار الحاسوب والإنترنت وطريق المعلومات السريعة.

ويشير المعنى الشامل “للعولمة” إلى جميع القوى التي كانت تقود العالم نحو قرية عالمية، إن العولمة بالمعنى الثالث تعني تحويل العالم إلى قرية صغيرة.

في المعنى الاقتصادي و المعلوماتي للعولمة، كان الغرب هو المحرك الرئيسي للتغيير العالمي، و مع ذلك، في المعنى الشامل للعولمة (جعل العالم قرية واحدة ) كانت بعض الحضارات الأخرى ذات نفوذ بنفس القدر في المراحل الأخرى من التاريخ، لقد أدى انتصار الغرب في القرنين أو الثلاثة الماضية إلى الادعاء بأن الحضارة الغربية لها صلاحية عالمية، يواجه مثل هذا الادعاء ثلاثة تحديات : تحدي النسبية التاريخية (ما كان ساريًا في الغرب منذ مائة عام ليس بالضرورة أن يكون صحيحًا اليوم)، وتحدي النسبية الثقافية (ما هو صالح في الغرب قد لا يكون صالحًا في الثقافات و الحضارات الأخرى)، و التحدي المتمثل في النسبية التجريبية (ليس فقط فشل الغرب في تلبية المعايير الأخلاقية الخاصة به، و لكن هذه المعايير في بعض الأحيان تُطبق في الثقافات الأخرى بشكل أفضل مما هي عليه في الغرب).

بالمقارنة مع الغرب، استخدمت هذه المحاضرة بشكل أساسي أنماط من الإسلام وأفريقيا (حضارتان متداخلتان)، مع بعض الدروس المهمة من مسيرة المهاتما غاندي في الهند.

يمكننا أن نستنتج، من حيث الانتشار، فإن الحضارة الغربية هي الأكثر عولمة في التاريخ، لم تمس أية حضارة أخرى في سجلات الجنس البشري عددًا كبيرًا من الأفراد أو العديد من المجتمعات في العالم مثلما فعلت الحضارة الغربية، لكن الانتشار العالمي ليس هو الشيء نفسه الذي ينطبق على الصلاحية العالمية، فبعد كل شيء، انتشرت الماركسية في جميع أنحاء العالم وسيطرت على ما يقرب من ثلث سكان العالم، لم يمنح ذلك الماركسية ” ثلث الصلاحية العالمية “.

في الواقع، نحن نعرف الآن أن الماركسية والشيوعية تقلصت بين عشية وضحاها.

إذا كان هناك معيار أخلاقي عالمي في العالم، فإننا لم نكتشفه بعد، وبالتأكيد ليس هو المعيار الأخلاقي الغربي وإلا فإن الولايات المتحدة لن تتساءل عما إذا كانت عقوبة الإعدام معنوية أم لا، كما أن العنصرية لا تزال سائدة في العالم الغربي.

تستمر هذه المحاضرة في افتراض أن تاريخ البشرية هو بحث عن العالمي [الكلي / المطلق]، وهو ما لم يعثر عليه الغرب لكنه بالتأكيد أخذنا خطوة أو خطوتين نحوه، لقد ساعد الغرب أيضًا في تهيئة الظروف ليس فقط للحياة والحرية والسعي وراء السعادة، ولكن أيضًا الظروف الملائمة لتحقيق مبدأ العالمية للأجيال القادمة.

Pretender to Universalism: Western Culture in the Globalising Age

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق